تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الجمعة 19 / صفر / 1441 - 18 / أكتوبر 2019
حديث «يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلًا»
تاريخ النشر: ١٩ / شوّال / ١٤٢٨
التحميل: 2639
مرات الإستماع: 58280

يحشر الناس يوم القيامة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فهذا هو الحديث الأخير في باب الخوف، وهو:

حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غُرْلاً[1] قلت: يا رسول الله، الرجال والنساء جميعاً ينظر بعضهم إلى بعض؟، قال: يا عائشة الأمر أشد من أن يُهمهم ذلك، وفي رواية: الأمر أهم من أن ينظر بعضهم إلى بعض، متفق عليه.

قوله ﷺ: يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غُرْلاً، حفاة: أي: غير منتعلين، وعراة: ليس عليهم ما يسترهم من الثياب، وغُرْلاً: يعني غير مختونين، والنبي ﷺ في الحديث الآخر لما ذكر هذا قرأ الآية: كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ [الأنبياء:104]، فهذه الآية تدل على قدرة الله على البعث؛ لأنه الذي أنشأ النشأة الأولى، وقد أوردها النبي ﷺ في هذا المعنى، كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ أي: أن الإنسان يرجع مرة ثانية كما خلقه الله من غير تبديل ولا تغيير، فما ذهب من أجزائه وأبعاضه يرجع إليه ثانية، فلو أن أحداً من الناس قطع منه عضو من الأعضاء فإنه يرجع يوم القيامة وهو مكتمل الأعضاء، الإنسان الذي يأتي في القيامة يكون أغرل: أي: غير مختون، فحتى هذه الجلدة اليسيرة ترجع إليه، كل شيء يرجع إليه كما خلقه الله ، وبعض أهل العلم يقول: إن الحكمة من خلقه بهذه الصفة -يعني الغُرْلة- ثم بعد ذلك يكون من الفطرة إزالة ذلك: أن يستشعر الإنسان أنه في هذه الدنيا ليس في دار البقاء، إنما هو شيء مؤقت ثم بعد ذلك سيرجع كما كان بهذه الخلقة في يوم القيامة، فيكون قد خرج إلى الدنيا ووُجد فيها كما يكون حاله حينما يرجع بعد ذلك بعد موته -والله تعالى أعلم، فيرجع الناس هكذا من غير ثياب، ولا أثاث، ولا رياش، ولا أموال، إنما يأتون كما خرجوا من بطون أمهاتهم تماماً.

فعائشة -رضي الله تعالى عنها، وهكذا المرأة المسلمة العفيفة الشريفة الحيية الذي ذهب إلى نفسها أولاً هو ما يتعلق بالحياء والستر والحشمة، فقالت: يا رسول الله، الرجال والنساء جميعاً ينظر بعضهم إلى بعض؟، المرأة المسلمة يُهمها الحجاب والستر، وهي مفطورة ومجبولة على الحياء، فالذي أشغلها حينما ذكر النبي ﷺ ذلك هو ما يتعلق بالستر، كيف يكون الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟، فأين هذا الحياء وهذا السؤال المباشر من أولائك النساء العاريات مع الرجال على شواطئ البحار، وفي المسابح في الفنادق وفي غيرها، ليس على الواحدة إلا ما يستر السوءتين فقط؟، فهؤلاء قد رحل منهم الحياء تماماً وتلاشى، فالشاهد أن النبي ﷺ أجابها عن هذا الأمر الذي أهمها فقال: يا عائشة، الأمر أشد من أن يُهمهم ذلك بمعنى أن الإنسان يكون في غاية الخوف والاشتغال بنفسه، والبحث عما يخلص رقبته عند الله -تبارك وتعالى، ولا يفكر في شيء آخر، يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيه ۝ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ [عبس:34-35]، كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ [المعارج:43]، يقومون إلى محشرهم كأنهم أولائك الذين يهرولون إلى أصنامهم وآلهتهم يقدمون لها القرابين، خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ [المعارج:44]، فهذا حال أعداء الله عند القيام من القبور، وهذا الموقف الرهيب وهذا الموقف العظيم يشغل قلوبهم عن النظر إلى أي شيء آخر، لا يشعر الإنسان بهؤلاء الذين بجواره من الرجال والنساء، هل هم عراة، أو غير عراة؟ هو لا ينظر إلى هذا، الذي أهمه هو كيف يتخلص من هذا الموقف المفزع، ولا شك أن الناس في هذه الدنيا في أوقات الفزع الهائل أنهم يذهلون عن كل شيء، وهذا شيء مشاهد، في قصة يوم بدر الله قال في أول سورة الأحزاب: مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ [الأحزاب:4]، هذه الآية الأرجح في تفسيرها أن المراد أنها مقدمة لما بعدها، كما أنه لا يوجد لرجل قلبان فكذلك أيضاً لم يجعل الله لرجل أبوين وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ، وكذلك لا تكون الزوجة المُظاهَر منها أمًّا، وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ [الأحزاب:4]، لا يمكن أن تكون أمًّا وزوجة في وقت واحد، فالشاهد: أن من أقوال أهل العلم في قوله تعالى: مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ، قالوا: إن المشركين كانوا يقولون لرجل منهم من أهل مكة -لشدة حصافته وذكائه ونباهته- ويلقبونه بذي القلبين، يقولون: فلما كان يوم بدر وانهزم المشركون فر منهزماً لوحده، فلقي أبا سفيان في الطريق، وإذا به يحمل نعلاً بيد، ونعلاً أخرى برجل، فقال له أبو سفيان: ما هذا؟ فلم يشعر حتى نبهه، هكذا قالوا، وعرفوا أن الرجل كغيره من الناس، وأنه لا يحمل قلبين، فالشاهد أن أوقات الذهول الإنسان لا يشعر فيها بشيء، ومعلوم أن الإنسان قد يصاب في الحروب وقت الذهول الشديد يصاب بإصابات بليغة ولا يشعر بها، وينزف وهو لا يشعر، وينكسر وهو لا يشعر، والذين يقعون في حوادث -عافانا الله وإياكم وكل المسلمين- ما الذي يحصل؟ يقوم الواحد منهم لا يدري ماذا يصنع؟ بعضهم يقوم يؤذن، وبعضهم يقوم يصلي إلى أي مكان، إلى غير القبلة، وبعضهم يمشي هكذا فيصطدم بالشبك الذي على الطريق ويسقط، هو ذاهل لا يشعر بشيء، وبعضهم يحاول أن يقوم ولا يستطيع، يحاول أن يقوم ولا يشعر أن رجله مقطوعة، وقد حدثني عدد من الناس ممن وقع لهم، أو مما شاهدوه من أصحابهم في هذه الحوادث، الرجل مقطوعة وهو لا يشعر بها، يقوم من شدة الذهول، ويريد أن يمشي ورجله مقطوعة، وبعضهم يصاب بشلل ومع ذلك يحاول أن يقوم ولا يشعر بشيء، لكنه لا يستطيع فهذا في وقت الذهول، وقد ذكرت في بعض المناسبات قول الله : يَوْمَ تَرَوْنَهَا [الحـج:2]، أي: القيامة، تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ، وقلنا الفرق بين المرضع والمرضعة، قلنا: المرضعة: هي التي ألقمته الثدي يرضع، فهي تفيض عليه من ألوان العطف والحنان ما لا يقادر قدره، وأعلى صورة في الحنان هي حينما تلقم المرأة ولدها وصغيرها وصبيها ثديها، أما المرضع: فهي التي من شأنها الإرضاع، ترى امرأة تمشي في الشارع تقول: هذه مرضع، يعني عندها ولد ترضعه، فالله لم يقل: يوم ترونها تذهل كل مرضع عما أرضعت، وإنما قال: تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ في حال الإرضاع، تذهل عن الولد وتقوم تخبط لا تدري أين تذهب، وهذا من شدة هول القيامة، تنسى الولد، والحنان ينقطع تماماً، وهكذا الإنسان في حالات الذهول الشديدة أحياناً بسبب الفرح الشديد لا يدري ماذا قال، ولذلك قال ابن القيم -رحمه الله: "إن الإنسان في حال الخوف الشديد أو الفرح الشديد الورَع أن لا يُقبل منه هبة أو عطية أو هدية، لماذا؟ لأنه يتكلم وهو في حال غير طبيعية، فإذا عاد إلى صوابه وجد أنه وهب سيارته لفلان، وأعطاه المفتاح، والثاني قال له: الأرض الفلانية لك، والثالث أعطاه ما بجيبه وكذا، وبعد ذلك يبدأ بالندم، ويقول: ما كان ينبغي أن أتصرف بهذه الطريقة، في وقت الذهول الشديد، فأقول: مثل هذه الأشياء هنا هل سينظر هذا الإنسان إلى هذه المرأة التي ليس عليها ثياب أو ذلك؟، أبداً، كل إنسان مشغول بنفسه، هذا لشدة الهول، إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ۝ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحـج:1-2]، تقوم الحوامل وتسقط من شدة الفزع والهلع، وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ السكران: الذي فقد العقل، وهو ليس بسكران، ما شرب خمراً، أي: أنهم ليسوا سكارى من الشراب، لكن من شدة الهول مثل السكران، وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ، فيقوم الناس بهذه الصفة، ولمن يكون الأمن؟ يكون لأهل الإيمان على قدر إيمانهم، كما قال الله : الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم أي: لم يخلطوا إيمانهم بِظُلْمٍ [الأنعام:82] وهو الإشراك، أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ أي: في الآخرة، فعلى قدر إيمانهم يكون أمنهم؛ لأن الحكم المعلق على وصف يزيد بزيادته وينقص بنقصانه، على قدر ما عندنا من الإيمان على قدر ما يكون لنا من الأمن.

فنسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الآمنين، وأن يجعلنا وإياكم من عتقائه من النار، وأن يرحمنا ووالدينا وإخواننا المسلمين، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

  1. أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب كيف الحشر؟ (8/ 110)، رقم: (6527)، ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة (4/ 2194)، رقم: (2859)، ولفظة: (الأمر أهم)، عند ابن ماجه، باب ذكر البعث، (2/ 1429)، رقم: (4276).

مواد ذات صلة