الخميس 12 / ربيع الأوّل / 1442 - 29 / أكتوبر 2020
(67) الذكر قبل الوضوء " بسم الله " ‏
تاريخ النشر: ١٢ / صفر / ١٤٣٥
التحميل: 2422
مرات الإستماع: 2596

الحمد لله، والصَّلاة والسلام على رسول الله.

أما بعد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

في هذه الليلة -أيّها الأحبة- نتحدَّث عن ذكرٍ جديدٍ من هذه الأذكار؛ وذلك في الذكر قبل الوضوء، فقد ذكر المؤلفُ أنَّه يقول: "بسم الله".

التَّسمية قبل الوضوء: والتَّسمية قبل الوضوء وردت فيها أحاديث، وهذه الأحاديث قد تكلَّم العلماءُ عليها، فمنهم مَن ضعَّفها، ومنهم مَن رأى أنها تتقوى بمجموعها، بصرف النَّظر عمَّا في بعضها من ألفاظٍ وزياداتٍ على التَّسمية ضعَّفوها، أو أنكروها.

فمن ذلك حديث أبي هريرة ، وهو الحديث المشهور في الباب: لا صلاةَ لمن لا وضوءَ له، ولا وضوءَ لمن لم يذكر اسمَ الله عليه، أخرجه أحمد[1]، وأبو داود[2]، وابن ماجه[3].

ومن هذه الأحاديث: حديث سهل بن سعد : لا صلاةَ لمن لا وضوءَ له، ولا وضوءَ لمن لم يذكر اسمَ الله، ولا صلاةَ لمن لم يُصلِّ على نبي الله ﷺ، ولا صلاةَ لمن لم يُحبّ الأنصار[4]، بصرف النَّظر عن هذه الزِّيادة، فهي لا تصحّ، لكن الجزء الأول من الحديث: لا صلاةَ لمن لا وضوءَ له، ولا وضوءَ لمن لم يذكر اسم الله عليه هو من شواهد الحديث الأول: حديث أبي هريرة الذي حكم بعضُ أهل العلم بأنَّه من قبيل الحسن؛ وذلك لكونه يتقوى بالشَّواهد التي منها: حديث سهل بن سعدٍ، وإن كان حديثُ سهل بن سعدٍ قد ضعَّفه جمعٌ من أهل العلم: كالبيهقي[5]، وابن الملقن[6]، والسَّخاوي[7]، وابن كثير[8]، وابن عبدالهادي[9]، وابن دقيق العيد[10]، والحافظ ابن القيم[11].

ومن المعاصرين الشيخ: ناصر الدين الألباني[12]، مع أنَّ الألباني -رحمه الله- يرى أنَّ حديثَ أبي هريرة مثلاً يتقوَّى بهذه الشَّواهد، فهو من قبيل الحسن.

ومن ذلك أيضًا حديث سعيد بن زيد، وحديث أبي سعيدٍ الخدري، كلّها مُتقاربة الألفاظ في هذا المعنى: لا وضوءَ لمن لم يذكر اسمَ الله عليه، لا صلاةَ لمن لا وضوءَ له، ولا وضوءَ لمن لم يذكر اسمَ الله عليه.

وسماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز -رحمه الله- يقول في حديث التَّسمية في الوضوء هذا: له طُرقٌ أسانيدها فيها بعض الضَّعف، ومجموعها يرتقي إلى درجة الحسن[13].

وأبو داود -رحمه الله- في "سُننه" سكت عن الحديث، ومعلومٌ أنَّ منهجه: أنَّ ما سكت عنه فهو صالح، يعني: للاحتجاج.

وحديث سعيد بن زيد ضعَّفه ابنُ الجوزي[14]، وآخرون، بل قال النَّووي -رحمه الله- بأنَّه لا يصحّ في الباب حديثٌ[15])، فكل هذه الأحاديث ضعيفة.

والحافظ ابن كثير -رحمه الله- قال عن حديث سعيد بن زيد: "وهو حديثٌ حسنٌ"[16].

وأمَّا الشيخ ناصر الدين الألباني -رحمه الله- فقد حكم بصحّته لطُرقه المتعددة.

على كل حالٍ، من أهل العلم مَن يقول: لا يصحّ في التَّسمية حديثٌ، كما يقول النَّووي[17]، وقبله الإمامُ أحمد -رحم الله الجميع- يقول: "ليس يثبت في هذا حديثٌ، ولا أعلم فيها حديثًا له إسنادٌ جيدٌ، وإن صحَّ ذلك فيُحمل على تأكيد الاستحباب، ونفي الكمال بدونها"[18].

فهو يرى أنَّ أحاديث التَّسمية ضعيفة، مع أنَّ القولَ بالوجوب -كما سيأتي- مرويٌّ عنه، باعتبار أنَّ هذه الأحاديث يشدّ بعضُها بعضًا، لكن سيأتي كلامُه، إن شاء الله.

ومن هنا فإنَّ أهلَ العلم قد اختلفوا في حكم التَّسمية في الوضوء: هل هي واجبة، لا يصحّ الوضوء إلا بها؟ أو أنها من قبيل المستحبّ؟ أو أنها من قبيل المباح؟ أو أنها من قبيل -إن شئتَ أن تقول- البدعة الإضافية، باعتبار أنها لم ترد في هذا الموضع بخصوصه؟ ونحن عرفنا في البدع الإضافية أنَّ الذكرَ في أصله يكون مشروعًا، ولكنَّه لم يرد شيءٌ ثابتٌ صحيحٌ في تعيين هذا الموضع، فيكون تقييدُه به من قبيل البدعة الإضافية.

أقوالٌ في حكم التَّسمية في الوضوء:

القول الأول:

بعض أهل العلم قال: إنَّ التَّسميةَ عند الوضوء سُنة، وليست بواجبةٍ. وهذا قول الجمهور من الحنفية[19]، والمالكية[20]، والشَّافعية[21]، وهو رواية عند الحنابلة[22]، هي ظاهر المذهب، وبهذا قال الظَّاهرية[23].

القول الثاني:

أنها واجبة، لا يصحّ الوضوءُ إلا بها، وهي الرِّواية الأخرى عند الحنابلة[24]، وهي المذهب.

القول الثالث:

أنها ليست بمشروعةٍ أصلاً، بل هي من قبيل البدعة الإضافية، أو أنها مُنكرة، وهذا قولٌ لبعض المالكية[25].

القول الرابع:

أنها مُباحة، وهو قولٌ آخر عند المالكية[26]، وهذان القولان أضعف الأقوال في هذه المسألة.

نرجع إلى القول بأنها سُنَّة، وهو قول الجمهور، فهؤلاء استدلُّوا بنحو عشرة أدلة، وهذه الأدلة ثلاثة منها نقليَّة، يعني: أحاديث، والباقي -وهي سبعة- أدلةٌ من النَّظر، يعني: ليست نقليةً، وإنما أدلة ركَّبوها باعتبارات معينة مُؤدَّاها القول بالسُّنية في نظرهم، وقد لا تكون بهذه القُوة، ولكنَّهم ذكروها.

ويكفي أن أُشير إلى بعض ما استدلّوا به: فهم استدلّوا بقول الله -تبارك وتعالى-: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ [المائدة:6].

وحديث عثمان لما دعا بإناءٍ، فأفرغ منه على كفَّيه ثلاث مرارًا، فغسلهما، ثم أدخل يمينَه في الإناء، فمضمض واستنثر، ثم غسل وجهه، إلى أن قال: قال رسولُ الله ﷺ: مَن توضَّأ نحو وضوئي هذا، ثم صلَّى ركعتين لا يُحدِّث فيهما نفسَه؛ غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه[27].. والحديث مشهورٌ.

والشَّاهد: أنهم قالوا: إنَّ قولَ الله -تبارك وتعالى-: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا، وكذلك ما رواه عثمانُ من وضوء رسول الله ﷺ ليس فيه التَّسمية، فالله لم يقل: سمّوا ثم اغسلوا. وعثمان لم ينقل التَّسمية عن رسول الله ﷺ في صفة الوضوء الذي تترتب عليه هذه الآثار: توضَّأ نحو هذا الوضوء، وصلَّى ركعتين، لا يُحدِّث فيهما نفسَه؛ غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه، إذًا هذا وضوءٌ صحيحٌ من غير التَّسمية.

واستدلُّوا أيضًا بحديثٍ يرويه عبدُالله بن مسعودٍ : أن النبيَّ ﷺ قال: إذا تطهر أحدُكم فليذكر اسمَ الله؛ فإنَّه يطهر جسده كلّه، وإن لم يذكر اسمَ الله في طهوره لم يطهر منه إلا ما مرَّ عليه الماء، فإذا فرغ من طهوره فليشهد أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، فإذا قال ذلك فُتحت له أبوابُ السَّماء[28]. الحديث، فقالوا: هذا طهر ما مرّ عليه الماء، فلو كانت التَّسميةُ واجبةً لم يُطهر.

كذلك استدلُّوا أيضًا بأنَّ التَّسمية ورد عن الشَّارع تقرير مشروعيَّتها في مُزاولاتٍ وأعمالٍ مُتنوعةٍ: عند الأكل والشرب، ولبس الثوب -كما سبق-، ونحو ذلك، فقالوا: الوضوء كذلك.

فهذه الأدلة هي أقوى ما استدلُّوا به، لكن هذا الدليل -وهو حديث ابن مسعودٍ - ضعيفٌ، لا يثبت عن رسول الله ﷺ.

وأمَّا الاستدلال بالآية: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا، وكذلك حديث عثمان، فإنَّ القائلين بالوجوب قالوا: كون ذلك لم يُذْكَر لا يقتضي عدم الوجوب، فإنَّ الأدلة الأُخرى أثبتت وجوبه، والنصوص الواردة عن الشَّارع ينبغي أن يُضمّ بعضُها إلى بعضٍ، ومن ثَمَّ تُفهم على ضوء ذلك، فكونه لم يُذْكَر في هذا الحديثِ ذكره آخرون، وهو مُصرّحٌ بوجوب التَّسمية باعتبار أنَّه قال: لا صلاةَ لمن لا وضوءَ له.

والأصل أنَّ النَّفي في مثل هذا يتوجّه إلى الذَّات، لكن الذَّات موجودة، ورأيناه ركع وسجد وقام وقعد، فالصلاة موجودة، فإن وُجدت اتَّجه ذلك إلى الصِّحَّة، بهذا التَّدريج، فقالوا: بما أنَّ صورةَ الصلاة موجودة، إذًا ذلك يتوجَّه إلى الصحّة، إذًا لا صلاةَ صحيحة، ولا صلاةَ، فالصَّلاة هنا نكرة في سياق النَّفي تُفيد العموم، والعموم يدخل فيه أشياء، وهنا: لا وضوءَ لمن لم يذكر اسمَ الله عليه، كذلك أيضًا أنَّه لا وضوءَ يصحّ.

لكن الذين قالوا بالاستحباب قالوا: ما عندنا دليلٌ على الوجوب، وإلى الآن لم تأتوا بدليلٍ، وكل هذه الأدلة التي تستدلُّون بها هي أدلة ضعيفة، وهي التي يستدلّون بها من الأحاديث التي ذكرتها من قول رسول الله ﷺ فيما يُروى عنه: لا وضوءَ لمن لم يذكر اسمَ الله عليه.

هذا الحديث الذي رواه هؤلاء الصَّحابة .

فالقائلون بالوجوب يستدلُّون بخمسة أحاديث من النَّقل، والباقي من النَّظر، والذي من النَّظر هو دليلٌ واحدٌ فقط، يعني: مجموع الأدلة ستة؛ خمسة من النَّقل، وهي هذه الأحاديث، ولا حاجةَ لإعادة ذكرها، إلا أنَّ حديث عائشة -رضي الله عنها- لم أُشِر إليه؛ أنها قالت: كان رسولُ الله ﷺ إذا مسَّ طهوره يُسمِّي الله"[29]، هذا لو صحَّ لأمكن الاحتجاجُ به على ما جاء من حديث عثمان أنَّه لم يذكر التَّسمية، فيكون ذُكِرَ في حديث عائشة -رضي الله عنها-، لكن حديثَ عائشة -رضي الله عنها- لا يصحّ.

وقد سُئل الإمامُ أحمد -رحمه الله-: إذا نسي التَّسمية في الوضوء؟ قال: "أرجو ألا يكون عليه شيءٌ، ولا يُعجبني أن يتركه خطًا ولا عمدًا، وليس فيه إسنادٌ". يعني: لحديث النبيِّ ﷺ: لا وضوءَ لمن لم يُسَمِّ[30].

هذا كلام الإمام أحمد، بمعنى: لو أنَّه تركها نسيانًا أو عمدًا صحَّ وضوؤه عند الإمام أحمد -رحمه الله-.

أما أصحاب القول الثالث بأنَّ ذلك لا يُشرع فواضحٌ؛ باعتبار أنَّه لم يرد في ذلك شيءٌ يصحّ الاعتمادُ عليه.

وأمَّا الذين قالوا بأنها مُباحة، فقالوا: طالما أنَّه لم يرد طلبُه عن الشَّارع: لا وجوبًا، ولا استحبابًا بشيءٍ يثبت، فبقي من جملة الذِّكْر.

لكنَّه يرد عليهم أنَّ تخصيصَه في الوضوء فيه إشكالٌ.

على كل حالٍ، سيأتي مزيدُ إيضاحٍ في هذه المسألة -إن شاء الله.

وأسأل الله أن يُفقِّهنا وإيَّاكم في الدين، وأن يتقبَّل منا ومنكم، وأن يُعيننا وإيَّاكم على ذكره وشُكره وحُسن عبادته، والله أعلم.

وصلَّى الله على نبينا محمدٍ، وآله وصحبه.

  1. أخرجه أحمد في "المسند" ط. الرسالة، برقم (9418)، وقال مُحققو "المسند": "إسناده ضعيفٌ".
  2. أخرجه أبو داود: كتاب الطَّهارة، بابٌ في التَّسمية على الوضوء، برقم (101)، وصححه الألباني.
  3. أخرجه ابن ماجه: كتاب الطَّهارة وسننها، باب ما جاء في التَّسمية في الوضوء، برقم (398)، وحسَّنه الألباني.
  4. بهذا اللَّفظ في "مسند الروياني" برقم (1098).
  5. "السنن الكبرى" للبيهقي، برقم (3967) بدون الجملة الأخيرة منه.
  6. "التوضيح لشرح الجامع الصَّحيح" (4/81)، و"البدر المنير" (2/70).
  7. "القول البديع في الصَّلاة على الحبيب الشَّفيع" (ص176).
  8. "تفسير ابن كثير" ت. سلامة (6/461).
  9. "تنقيح التَّحقيق" لابن عبدالهادي (1/182).
  10. نقله عنه في "التلخيص الحبير" ط. العلمية (1/251).
  11. ينظر: "البناية شرح الهداية" (1/193)، و"بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع" (1/20).
  12. "سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة" (10/347).
  13. ينظر: "تحفة المحتاج في شرح المنهاج" وحواشي الشّرواني والعبادي (2/33).
  14. ينظر: "التحقيق في مسائل الخلاف" (1/143).
  15. "المجموع شرح المهذب" (1/343).
  16. "تفسير ابن كثير" ت. سلامة (1/121).
  17. "المجموع شرح المهذب" (1/343).
  18. "الشرح الكبير على متن المقنع" (1/111).
  19. "بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع" (1/20)، و"البناية شرح الهداية" (1/190).
  20. ينظر: "النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات" (1/20)، و"شرح المنهج المنتخب إلى قواعد المذهب" (2/708).
  21. "المجموع شرح المهذب" (1/342).
  22. "المغني" لابن قُدامة (1/77)، و"الشرح الكبير على متن المقنع" (1/111).
  23. "نيل الأوطار" (1/173)، و"بستان الأحبار مختصر نيل الأوطار" (1/62).
  24. "الشرح الكبير على المقنع" ت. التركي (1/274)، وانظر: "المغني" (1/102)، و"الفروع" (1/72)، و"الإنصاف" (1/128).
  25. ينظر: "النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات" (1/20)، و"شرح المنهج المنتخب إلى قواعد المذهب" (2/708).
  26. ينظر: "النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات" (1/20)، و"شرح المنهج المنتخب إلى قواعد المذهب" (2/708).
  27. أخرجه البخاري: كتاب الوضوء، باب الوضوء ثلاثًا ثلاثًا، برقم (159)، ومسلم: كتاب الطَّهارة، باب صفة الوضوء وكماله، برقم (226).
  28. أخرجه الدَّارقطني في "سننه"، برقم (231)، والبيهقي في "السنن الكبرى"، برقم (198)، وضعفه الألباني في "مشكاة المصابيح"، برقم (428).
  29. "سنن الدارقطني"، برقم (224).
  30. "مسائل الإمام أحمد" رواية أبي داود السّجستاني (ص11).

مواد ذات صلة