الثلاثاء 10 / شوّال / 1441 - 02 / يونيو 2020
51- أصول منقولة من كتبه وفتاويه المتفرقة ومطاوي كتبه شيئا فشيئا (القواعد 787- 802)
تاريخ النشر: ٠٨ / رجب / ١٤٣٤
التحميل: 2036
مرات الإستماع: 1594

اللهم اغفر لشيخنا ولنا وللحاضرين.

قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: والحس الباطن، أو الظاهر إن لم يقترن به العقل الذي يميز بين المحسوس وغيره، وإلا دخل فيه من الغلط من جنس ما يدخل على النائم، أو الممرور والمبرسم، ونحوهم ممن يحكم بمجرد الحس الذي لا عقل معه.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فيقول: الحس الباطن، أو الظاهر إن لم يقترن به العقل الذي يميز بين المحسوس وغيره، وإلا دخل فيه من الغلط من جنس ما يدخل على النائم... إلخ[1].

الحس الظاهر معروف: وهو ما يُدرك بالحواس الخمس، كالمس، والشم، والذوق، وما إلى ذلك.

والحس الباطن: هو ما يكون نتيجة وأثراً لذلك، كما يعلم الإنسان أن النار حارّة، وأن الثلج بارد، فهذه المقررات التي تحصل في النفس يقال لها: الحس الباطن، بمعنى: أن هذه الأمور ليست من القضايا النظرية التي يحتاج أن يركب عليها الأدلة العقلية والمنطقية التي عند المتكلمين، وإنما هو شيء يدركه، فهو يدرك مثلاً أن النهار مضيء، وأن الليل مظلم، وأن الطعام يحصل به الشبع، والشراب يحصل به الري، وما إلى ذلك من الأمور، هذا يكون، ما يتقرر في النفس يقال له الحس الباطن، وأما الحس الظاهر فما يكون بأحد الحواس الخمس.

يقول: إن لم يقترن به العقل الذي يميز بين المحسوس وغيره، وإلا دخل فيه من الغلط، يعني: قد تكون مقررات عند الإنسان غير صحيحة، والوهم يدخل في هذا أيضاً، كما أن الحس يخطئ، وقد ذكرتُ أمثلة لذلك، عند أولئك الذين أعرضوا عن النصوص، كما أعرضوا أيضاً عن العقل، وقالوا: إنما نحتكم إلى الحس، فالحس يخطئ، فيرى العصا في الماء منكسرة، ويرى النجم من بعيد صغيراً، ويرى الإنسان من بعيد على هيئة الشجرة، وما إلى ذلك، فمثل هذا يقع فيه الخطأ، والسراب الذي يراه الإنسان يحسبه ماءاً، فيخدعه الحس، والناس الآن يعطون بعض التشكيلات والرسومات، أو نحو ذلك، فيقول لك مثلاً: ما الفرق بين هذه وهذه؟ وهن متشابهات، فأحياناً يتبادر للذهن أنهما سواء، وأنها مطابقة للأخرى، ولكن الحس يخطئ في هذا.

يقول: وإلا دخل فيه من الغلط، من جنس ما يدخل على النائم، أو الممرور، والمبرسم، ونحو ذلك، ممن يحكم بمجرد الحس الذي لا عقل معه؛ لأن النائم ومن كان في حال شبيهة بمن يُخدَّر، أو نحو ذلك، فمثل هذا أحكامه لا عبرة بها؛ لأن العقل بهذه الحال يكون قد استلب.

قال -رحمه الله-: المعقول هو المعقول الصريح، الذي يعرفه الناس بفطرهم التي فطروا عليها من غير أن يتلقاه بعضهم عن بعض، كما يعلمون تماثل المتماثلَين، واختلاف المختلفَين، أعني اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد والتباين، فإن لفظ الاختلاف يراد به هذا وهذا، وهذه المعقولات في العلميات هي التي ذم الله من خالفها بقوله: وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِير [الملك:10].

يعني: أن ما يقال له العقل نوعان، وقد مضى الكلام على طرائق المتكلمين، وأنهم حيث يحاكمون النصوص إلى العقل إنما يحاكمونها إلى عقول هم يتصورون أنها عقول، وقد لا تكون كذلك، قد تكون من قبيل الخطأ الذي ظنوه معقولاً، وإلا فإن العقل الصريح لا يعارض النقل الصحيح، ولكنهم يركبون أقيسة يدرسونها ويتناقلونها، ويتلقاها المتأخر عن المتقدم.

ثم يقولون: هذه معقولات، وقد لا تكون بهذه المثابة، لكن يقول: المعقول الصريح الذي يعرفه الناس بفِطَرهم، يعني: ما يحتاج أن يتلقى عن طريق هذه الأدلة المركبة التي يتناقلها ويدرسها المتكلمون دراسةً، فهذه ليست هي المعقولات الصريحة، من غير أن يتلقاه بعضهم عن بعض، كما يعلمون بفطرهم وعقولهم تماثل المتماثلَين، واختلاف المختلفَين، أعني اختلاف التنوع، لا اختلاف التضاد والتباين، التماثل أي: التطابق، كما يعلمون تماثل المتماثلَين من كل وجه، فالناس يفرقون بفطرهم وعقولهم بين هذه الأشياء.

واختلاف المختلفَين يقصد اختلاف التنوع، يعني: أن الاختلاف في الصورة الظاهرة، ولكن الحقيقة واحدة، أما التماثل فيكون بالاتفاق في الصورة الظاهرة، وفي الحقيقة من كل وجه.

فيقول: الناس يدركون بفطرهم وعقولهم هذه الفروقات، وهذا هو المعقول الصريح، لا أن ذلك يحتاج إلى دراسة وتلقي، وعمليات ذهنية معقدة.

يقول: وهذه المعقولات في العلميات هي التي ذم الله من خالفها بقوله: وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ [الملك:10] فهذه الأمور التي تدركها العقول، مثل كون النبي ﷺ صادق لا يكذب، وأنه ما عُهد عليه الكذب على الناس، ثم بعد ذلك لما بلغ مرحلة النضج يأتي بهذا الأمر العظيم، وينسبه إلى الله -تبارك وتعالى-، وأنه يُوحى إليه، فالذي لا يكذب على الناس لا يمكن أن يكذب على الله، والذي لم يعرف له كذب منذ نشأته وطفولته، كيف يكون منه الكذب حينما بلغ مرحلة النضج والكمال؟ إلى غير ذلك مما يدركه أهل العقول.

ثم هو يأمرهم بكل خير ومعروف، وينهاهم عن كل شر وفساد ومنكر، كما قال الأعرابي لما سُئل: كيف عرفت أنه رسول الله؟ قال: ما أمر بشيء فقال العقل: ليته نهى عنه، ولا نهى عن شيء فقال العقل: ليته أمر به، ولا أحل شيئاً، فقال العقل: ليته حرمه، ولا حرم شيئاً فقال العقل: ليته أباحه[2].

طبعاً هذا الكلام في غاية الأهمية، من أجل الرد على هؤلاء الذي يقولون: نتحاكم إلى العقول، فيما يرد علينا من كلام، ونصوص الكتاب والسنة، أو غير ذلك مما يسمعونه من قضايا الشرع، فإلى أي عقل يحتكمون؟! وأهل الكلام حينما ردوا النصوص وقالوا: هي تبع للعقل، فما وافق قُبل، وما خالف رُد، فيقال: لست هذه العقول بمعتبرة، وليس عليها المعوَّل؛ لأنكم تحاكمون إلى قواعد فاسدة، تظنون أنها معقولات، ولا أدلّ على فسادها من أنكم اختلفتم فيها غاية الاختلاف، حتى صار بعضهم يكفر بعضاً، وصاروا شيعاً، وطوائف متناحرة.

قال -رحمه الله-: وأما ما يسميه بعض الناس معقولات، ويخالفه فيه كثير من العقلاء، فليس هذا هو العقليات التي يجب لأجلها رد الحس والسمع، وينبني عليه علوم بني آدم، بل المعقولات الصحيحة الدقيقة الخفية ترد إلى معقولات بديهية أولية، بخلاف العقليات الصريحة، فإن هذا معلوم بفطرة الله التي فطر الناس عليها، فإذا جاء في الحس، أو في الخبر الصحيح، ما يظن أنه يخالف ذلك عُلم أنه غلط.

إذن المقصود بالمعقولات هي المعقولات الأولية، البسيطة، البديهية، وليست المعقولات التي تكون عن نظر ودراسة، ويتلقاها عن غيره، ولربما أحسن الظن به، واغتر بكلام من سبقه في هذه التراكيب التي يركبون بها الأدلة العقلية.

قال -رحمه الله-: فإذا جاء في الحس أو في الخبر الصحيح ما يُظن أنه يخالف ذلك عُلم أنه غلط، فكل من أخبر بما يخالف صحيح المنقول، أو صريح المنقول يعُلم أنه وقع له غلط، وإن كان صادقاً فيما يشهده في الحسن الباطن، أو الظاهر، لكن الغلط وقع في ظنه الفاسد المخالف لصريح العقل لا في مجرد الحس، فإن الحس ليس فيه علم بنفي، أو إثبات.

شيخ الإسلام -رحمه الله- ذكر أن طرق العلم ثلاثة:

الأول: الحس الباطن والظاهر، وذكرتُ لكم المراد به، يعني: هو الذي يُعلم به وجود الأشياء مثلاً بأعيانها، فنحن نعرف مثلاً بالحس الظاهر: أن السماء موجودة، وأن مكة موجودة، وأن الكعبة موجودة... إلخ، يُعرف بالحس الظاهر الذي ينعكس على الباطن، فيكون مقرراً في النفس لا يحصل فيه أدنى شك ولا تردد، فهذا حس باطن يدرك به الإنسان هذه الأمور الموجودة المستقرة بأعيانها.

النوع الثاني من طرق العلم: هو ما يُعرف بطريق النظر والقياس، وهذا يكون بعد الأول، يقيس شيئاً على آخر معلوم، فيلحقه به، فيستخرج الحكم المطلوب، سواءً كان ذلك في القضايا الشرعية، أو في غيرها.

والطريق الثالث: هو الخبر، فنحن ندرك هذه الأشياء، ونعلمها ونتعرف عليها بأحد هذه الأمور الثلاثة:

إما الحس الظاهر والباطن، فندرك بحسنا هذا للأمور الموجودة بأعيانها، من الأشياء العينية المتشخصة المعروفة، أو بطريق القياس: وهو الإلحاق بالأمور المعلومة المستقرة في الشرعيات، كما نلحق النبيذ بالخمر؛ لنتعرف على حكمه، وقل مثل ذلك في الأمور العادية، فإن ذلك يدخله القياس، بخلاف الأمور الغيبية، فإنه لا يدخلها القياس، والفقهاء والأصوليون يقولون بأن: القضايا الغيبية لا يدخلها القياس، وأما القضايا التعبدية فما كان تعبدياً محضاً، فلا يدخلها القياس أيضاً، وأما ما تدرك علته فإنه يدخله القياس سواء كان من أمور العبادات، أو أبواب المعاملات.

قال -رحمه الله-: والأنبياء -صلوات الله عليهم- معصومون، لا يقولون على الله إلا الحق، ولا ينقلون عنه إلا الصدق، فمن ادعى في أخبارهم ما يناقض صريح المعقول كان كاذباً، بل لا بد أن يكون ذلك المعقول ليس بصريح، أو ذلك المنقول ليس بصحيح، فما عُلم يقيناً أنهم أخبروا به يمتنع أن يكون في العقل ما يناقضه، وما علم يقيناً أن العقل حكم به يمتنع أن يكون في أخبارهم ما يناقضه.

لكن كل ما يُدّعى أنه يخالف العقل مما جاء به الرسول -عليه الصلاة والسلام- وصح عنه، فإنه بذلك يُعلم أن هذا العقل غير صحيح، إنما هو عقل مُدّعى، وقد مضى الكلام على هذا في مناسبات متعددة؛ ولهذا لا يمكن أن يتعارض صحيح المنقول مع صريح المعقول.

وشيخ الإسلام ذكر أكثر من هذا، حيث يقول: من تتبع كلام الصحابة الصحيح الثابت عنهم لا يوجد منه شيء يخالف القياس والمعقول، فكيف بكلام الله وبكلام رسوله ﷺ، وما جاء عن الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-؟!

ولهذا شيخ الإسلام يقول: بأن الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- يأتون بمحارات العقول، ولا يأتون بمحالات العقول، يعني: يأتون بأشياء قد تتوقف العقول فيها لا تدركها، ولكنهم لا يأتون بشيء يحيله العقل إطلاقاً، وهذا الذي يقول: عقلي لا يتقبل ذلك، هذا عقل سقيم، وعقل فاسد، لا عبرة به، فليرجع على نفسه قائل ذلك بالملامة، وعلى عقله بالتهمة، وينبغي أن يستتر لضعف عقله وعجزه عن إدراك هذه الأمور التي يدركها أصحاب العقول الصحيحة السليمة، يدركها أولو الألباب، وأما من طمس الله بصيرته، أو قلَّ فهمه، أو علمه، فإنه قد لا يدرك ولا يعقل كثيراً مما يُدركه عامة العقلاء، لكن على مثل هذا أن يُفوض العلم إلى عالمه، لا أن يبادر بإنكاره، فإن إنكار ذلك هو معارضة للوحي، ومعارضة للرسول ﷺ، والله يقول: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65]، وقال: إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا [النور:51]، وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب:36] فلا يجوز للإنسان أن يتوقف في شيء من هذا بدعوى أن عقله لا يدركه، أو أن عقله يناقضه، أو أن ذلك بالنسبة إليه مردود غير مقنع لا يصدقه، فهذا لا يصح، ولا يجوز بحال من الأحوال.

والشيخ: محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله- لما كان في المدينة في الجامعة الإسلامية، وكان في مجلس سماحة الشيخ: عبد العزيز بن باز -رحمه الله-، فسأل أحد الطلاب -وكان أحد الشيوخ ممن عُرف عنه أنه ينكر حديث الذباب حاضراً- الشيخ ابن باز -رحمه الله- عمن أنكر الحديث، فأحال على الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله-، فقال الشيخ محمد الأمين: يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، وذاك يسمع، والله المستعان.

قال -رحمه الله-: نعم الله على عباده تتضمن نفعهم، والإحسان إليهم؛ وذلك نوعان:

أحدهما: أن يدفع بذلك مضرتهم، ويزيل حاجتهم وفاقتهم، مثل: رزقهم الذي لولاه لماتوا جوعاً، ونصرهم الذي لولاه لأهلكهم عدوهم، ومثل: هداهم الذي لولاه لضلوا ضلالاً يضرهم في آخرتهم، وهذا النوع من النعمة لا بد لهم منه، وإن فقدوه حصل لهم ضرر، إما في الدنيا، وإما في الآخرة، وإما فيهما.

والنوع الثاني: النعم التي يحصل بها من كمال النعم، وعلو الدرجة ما لا يحصل بدونها، كما أنهم في الآخرة نوعان: أبرار أصحاب يمين، ومقربون سابقون، ومن خرج عن هذين كان من أصحاب الجحيم، وإذا كانت النعمة نوعين، فالخلق كانوا محتاجين إلى إرسال محمد ﷺ من هذين الوجهين، وحصل بإرساله هذان النوعان من النعمة، فإن الناس كانوا بدونه جهالاً ضالين أميهم، وأهل الكتاب منهم، فكان إرساله أعظم نعمة على أهل الأرض من نوعي النعم، ومن استقرأ أحوال العالم تبيّن له أن الله لم ينعم على أهل الأرض نعمة أعظم من إنعامه بإرسال محمد ﷺ، وأن الذين ردوا رسالته ممن قال الله فيهم: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ [إبراهيم:28] ولهذا وصف بالشكر من قبل هذه النعمة، فقال تعالى: وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ [الأنعام:53] إلى قوله: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ [الأنعام:53] وقال: وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران: 144].

يعني: أن النعم ممكن أن تنقسم إلى أقسام باعتبارات متعددة، فهو باعتبار هذا التقسيم الذي ذكره -رحمه الله-، أن النعم ما يكون من قبيل الضروري، الذي إذا فُقد حصل الهلاك، إما في الدنيا، وإما في الآخرة؛ لأن ضرورة الناس تتوقف عليه، مثل الطعام، والشراب، والنفس، وما إلى ذلك، وكذلك في الأمور الأخروية بهدايتهم إلى الإيمان، والتوحيد ببعث الرسل -عليهم الصلاة والسلام-.

النوع الثاني: التي يحصل بها الكمال لهم، فتتفاوت مراتبهم في الدنيا كما تتفاوت مراتبهم في الآخرة، فنعم الله منها ما يكون به النجاة، لا تتحقق إلا به، ولا تندفع الهلكة إلا بحصوله، هذا النوع الأول، فهذا الناس مضطرون إليه غاية الاضطرار.

ومن ذلك: أن الله -تبارك وتعالى- حفظ للناس الضرورات الخمس، وجاءت جميع الشرائع حافظة لهذه الضرورات. القسم الثاني: ما يحصل به التفاضل والتفاوت بينهم، وإن لم تتوقف عليه النجاة، لا في الدنيا، ولا في الآخرة، فهذا إذا فُقد لا تحصل بسببه الهلاك، فهذا يمكن أن يكون، لو أردنا على تقسيم الدين إلى ضرورات وحاجيات وتحسينيات، أن يقال: هذا دائر بين الحاجي والتحسيني، والأول يكون من قبيل الضروري في أمور الدنيا والآخرة، فإن الضرورات الخمس منها ما يرجع إلى الدنيا، ومنها ما يرجع إلى الآخرة، كما هو معلوم.

قال -رحمه الله-: العجب الذي لا ينقضي أن كل عاقل يعجب ممن عرف دين محمد ﷺ، وقصده الحق، ثم اتبع غيره، ويعلم أنه لا يفعل ذلك إلا مفرط في الجهل والضلال، أو مفرط في الظلم، واتباع الهوى، فما من طائفة من طوائف أهل الأرض إلا وهم مقرون أن محمداً ﷺ دعا سائر الطوائف غيرهم إلى خير مما كانوا عليه، وهذه شهادة من جميع أهل الأرض، بأنه دعا أهل الأرض إلى خير مما كانوا عليه، فإن شهادة جميع الطوائف مقبولة على غيرهم إذا كانوا غير متهمين عليهم، فإنهم معادون لمحمد ﷺ وأمته، ومعادون لسائر الطوائف، وأما شهادتهم لأنفسهم فغير مقبولة، فإنهم خصومه، وشهادة الخصم على خصمه غير مقبولة، وقد اعترف الفلاسفة أنه لم يقرع العالم ناموس أفضل من ناموسه، واعترفوا بأنه أفضل وأكمل من نواميس الأنبياء الكبار.

يقول: أن كل عاقل يعجب من عرف دين الرسول ﷺ، وقصده الحق، ثم اتبع غيره، يقول: هذا لا يحصل إلا من مفرط في الجهل والضلال، أو مفرط في الظلم، واتباع الهوى، هو إذا كان قد عرف أن ما جاء به الرسول ﷺ حق، فهذا قد علم، لكنه قد يعرض ابتداء عما جاء به الرسول ﷺ إذا كان مغموصاً بجهله، أما من علم فإن الصارف له عن ذلك يكون من الدواعي المعروفة التي مرجعها إلى اتباع الهوى.

وقد ذكر الشيخ عبد الرحمن المعلمي -رحمه الله- طائفة من هذا في كتابه: (القائد إلى تصحيح العقائد) الذي هو جزء من كتاب (التنكيل) فذكر من هذا الحسد[3]، كما حسدته اليهود، فقد كانوا يعرفونه، كما يعرفون أبناءهم، وكذلك أيضاً أن يكون الإنسان لربما يتوهم أنه إذا اتبع النبي ﷺ أن ذلك يقتضي إقراراً بتفضيله عليه، فيكون بذلك آنفاً من اتباعه، ويرجع ذلك إلى الحسد، كما قال أبو جهل لما ذكر المنافسة بينهم وبين بني عبد مناف:

"تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب، وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي، يأتيه الوحي من السماء، فمتى تدرك هذه؟! والله لا نؤمن به أبداً، ولا نصدقه"[4].

ثم بعد ذلك يقول: وإذا بهم يَدعون نبياً، فمن أين لنا بهذه؟ فهذا يرجع أيضاً إلى الحسد.

وكذلك ما ذكره المعلمي -رحمه الله- من أن بعضهم يتوهم أنه إذا رجع للحق ضاعت كل مزاولاته السابقة ودعوته وعمله وبذله، وعُرف أنه كان على باطل، كما يحصل لشيوخ الطرق وطوائف الضلال، فهو يتصور أنه إذا أقر بالحق، معنى ذلك أن عمله في هذه المدة الطويلة ضائع، فيشق عليه ذلك، فيبقى على الهوى.

وكذلك ما يتوهمه بعضهم من أنه إذا أقر بالحق، فإن هذا يقتضي أن طائفته وقومه وأهله وعشيرته على ضلال، وهو لا يريد أن ينسب هؤلاء إلى الضلالة، فيأبى ويرد الحق ويكابر، كما فعل أبو طالب.

وكذلك أيضاً كما قال: منهم من يكون له في الباطل شهرة ومعيشة، وهذا يحصل ممن يأخذون أموال الناس بالباطل من شيوخ الطوائف، من الصوفية والرافضة، ونحوهم، فتذهب عنه هذه المعيشة، وقد يكون له شهرة من إمامة ورئاسة، وما إلى ذلك.

وكذلك ما يحصل لبعض أصحاب الضلال والانحراف ممن لهم شهرة في ذلك أياً كان موقعهم، حتى أصحاب المعاصي والفجور، الذين يأبون قبول الحق، فهؤلاء يتخوفون على شهرتهم أن تذهب؛ لأنه سيرجع إلى مقامه اللائق به، فتذهب شهرته التي عرف بها بالباطل.

وكذلك إذا كانت له رئاسة كما هو الحال في هرقل، فإنه لم يُؤمن مع أنه عرف أن ما جاء به الرسول ﷺ حق، ولكن شح بملكه، كل ذلك يرجع إلى اتباع أهواء النفوس.

قال -رحمه الله-: قد دلت النصوص على أن الله لا يعذب إلا من أرسل إليه رسولاً تقوم به الحجة عليه، والحجة إنما تقوم بالقرآن على من بلغه، قال تعالى: لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الأنعام:19] فمن بلغه بعض القرآن دون بعض قامت عليه الحجة فيما بلغه دون ما لم يبلغه، فإذا اشتبه معنى بعض الآيات، وتنازع الناس في تأويل الآية، وجب رد ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، فإذا اجتهد الناس في فهم ما أراده الرسل، فالمصيب له أجران، والمخطئ له أجر واحد، ومن لم تقم عليه الحجة في الدنيا بالرسالة، كالأطفال والمجانين وأهل الفترات، فهؤلاء فيهم أقوال: أظهرها ما جاءت به الآثار: أنهم يمتحنون يوم القيامة، فيبعث إليهم من يأمرهم بطاعته، فإن أطاعوه استحقوا الثواب، وإن عصوه استحقوا العقاب.

هؤلاء الذين لم تبلغهم الحجة الرسالية، هذه الحجة على نوعين: الحجة الكلية، بمعنى أن أصل الرسالة لم يبلغهم فمثل هؤلاء يمتحنون في الآخرة، كما دل عليه الحديث، مع أن أهل العلم اختلفوا في مصير هؤلاء، لكن هذا الذي دل عليه الوحي أنهم يمتحنون في الآخرة، وهذا هو القول الصحيح في هذه المسألة، والمسألة معروفة، ومبسوطة في كتب الاعتقاد، وألف فيها بعضهم مصنفاً مستقلاً، لكن من لم يبلغه حجة رسالية جزئية، يعني: في باب معين، فإنه يكون معذوراً بذلك؛ لأن الله يقول: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15] فهؤلاء الذين صلوا قبل أن يبلغهم تحويل القبلة، صلاتهم صحيحة، ولا يطالبون بالإعادة، والأقرب أنهم لا يطالبون ولو عرفوا في الوقت نفسه إذا كانوا قد صلوا؛ لأن كل من اجتهد في طاعة الله وطاعة رسول الله ﷺ، ففعل ما وسعه من ذلك، وأدى العبادة بحسب المستطاع، فإنه لا يطالب بإعادتها، فمثل هؤلاء الذين لم تبلغهم القبلة، أو لم يبلغه التيمم، فبقي دهراً لا يتمم، أو امرأة لم يبلغها أن المستحاضة تصلي وتصوم، فتركت الصلاة والصوم، فإنها لا تطالب بالقضاء، كما يدل عليه حديث أم حبيبة -رضي الله تعالى عنها- لما ذكرت للنبي ﷺ أنها تستحاض سبع سنين، تدع الصلاة والصيام، فلم يأمرها النبي ﷺ بشيء من ذلك[5].

وهكذا حديث معاوية السلمي لما عطس فتكلم في الصلاة[6]، فالنبي ﷺ ما أمره بإعادة تلك الصلاة، ولا بإعادة الصلوات السابقة، وهكذا أيضاً ما جاء عن عمرو بن العاص لما صلى بأصحابه، وهو جنب محتجاً بقوله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ [النساء:29] لأنه خشي البرد،، ولم يبلغه التيمم، فالنبي ﷺ تبسم[7]، وكذلك عمار تمرغ تمرغ الدابة [8]، فكل هؤلاء لم ينقل عن النبي ﷺ أنه أمر أحداً منهم بالإعادة.

بل حتى حديث المسيء صلاته لما قال له النبي ﷺ: ارجع فصل فإنك لم تصل[9]، لم يأمره النبي ﷺ بإعادة الصلوات السابقة، وهو يصلي بهذه الطريقة منذ عرف الصلاة، فهؤلاء لم يبلغهم ما تقوم به عليهم الحجة، لكن ينبغي أن يقيد هذا أن يقال: من غير تفريط.

قال -رحمه الله-: وكتب الله تدل على ذم الضال والجاحد ومقته، مع أنه لا يعاقب إلا بعد إنذاره.

يعني: هذا الإنسان الذي لا يسلك الصراط المستقيم على حال مرضية وإلا حال مذمومة؟ هو على حال مذمومة، أما العقاب فشأن آخر؛ ولهذا كان الجهل مذموماً، فهذا الذي لا يعرف شيئاً من آثار الرسول ﷺ لأنها لم تبلغه ليس في حال الكمال، وإنما هو في حال من الجهالة، فحاله مذمومة، ولكنه لا يعاقب.

قال -رحمه الله-: وسبب ضلال الضُلَّال من الأمم ثلاثة أشياء:

أحدها: ألفاظ متشابهة مجملة مشكلة منقولة عن الأنبياء، وعدولهم عن الألفاظ الصريحة المحكمة، فإما أن يفوضوها، أو يحرفوها.

والثاني: خوارق ظنوها من الآيات، وهي من أحوال الشياطين.

والثالث: أخبار منقولة إليهم ظنوها صدقاً، وهي كذب.

الألفاظ المتشابهة هذا الذي وقع فيه أهل الكلام في تحريف النصوص، عند طوائف المتكلمين، فهذا أوضح الأمثلة في هذا النوع.

النوع الثاني: الخوارق التي ظنوها من الآيات، وهي من أحوال الشياطين، وهذا أكثر ضلال أهل التصوف.

النوع الثالث: أخباراً منقولة، ظنوها صدقاً، وهي كذب، وهذا يشترك فيه هؤلاء وهؤلاء من أهل الكلام، وإن لم يكن هؤلاء من أهل المنقول، ولا معرفة لهم به، ولكنهم يروون أشياء لا تصح، ولا تثبت، بحال من الأحوال، يظنون أنها صحيحة، وهكذا أيضاً أولئك الصوفية وسائر الطوائف من الرافضة وغيرهم، عندهم منقولات، ولكنها مكذوبة، سواءً كانت عن المعصوم ﷺ، أو كانت عمن ينتسبون إليه زوراً من أئمتهم، حيث يروون عن علي أكاذيب كثيرة، وعمن بعده، وهي أشياء ملفقة مكذوبة، فيضلون بسبب هذه المنقولات التي لا تصح.

وهذا وقع للأمم السابقة، حيث وقع لهم التحريف للنصوص: تحريف الألفاظ، وتحريف المعاني، وكذلك وقع لهم أيضاً التلبيس في مثل هذه الأمور التي هي من أحوال الشياطين، وظنوا أنها من الخوارق والمعجزات أو الكرامات، وكذلك أيضاً يقع لهم من المنقولات المكذوبة على الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، وهذا كثير -كما هو معلوم- في اليهود والنصارى، وإن كان الجهل في النصارى أكثر، وهم يشتركون في التحريف.

قال -رحمه الله-: العلم ينال بالحس والعقل، وما يحصل بهما، وبوحي الله على أنبيائه، الذي هو خارج عما يشترك فيه الناس من الحس والعقل، فأهل الكتب يمتازوا عن غيرهم بما جاءهم من النبوة، مع مشاركتهم لغيرهم فيما يشترك فيه الناس من العلوم الحسية والعقلية.

والمسلمون حصل لهم من العلوم النبوية والعقلية ما كان للأمم قبلهم، وامتازوا عنهم بما لا يعرفه الأمم، وما اتصل إليهم من عقليات الأمم هذبوه لفظاً ومعنى، حتى صار أحسن مما كان عندهم، ونفوا عنه من الناموس، وضموا إليه من الحق مما امتازوا به على من سواهم، وكذلك العلوم النبوية أعطاهم الله منها ما لم يعط أمة قبلهم، وهذا ظاهر لمن تدبر القرآن، مع تدبر التوراة والإنجيل، فإنه يجد من فضل علم القرآن ما لا يخفى إلا على العميان.

قوله هنا: العلم ينال بالحس والعقل وما يحصل بهما، وقد ذكرتُ قبل أن شيخ الإسلام -رحمه الله- يذكر أن طرق العلم ثلاثة:

الأول: هو الحس الباطن والظاهر.

والثاني: القياس والنظر.

والثالث: الخبر[10].

فهنا يقول: العلم ينال بالحس والعقل، وما يحصل بهما، الحس الظاهر والباطن، وما يحصل بهما من القياس، وبوحي الله إلى أنبيائه، هذا الخبر.

يقول: فأهل الكتاب امتازوا عن غيرهم بما جاءهم من النبوة مع مشاركتهم لغيرهم... إلخ.

يقول: فالمسلمون لما نقلوا تلك العلوم والعقليات من غيرهم من الأمم، هذبوه لفظاً ومعنى، يعني: عبّروا عنه بالعبارات السائغة شرعاً الصحيحة، المبينة له، بعيداً عن العبارات التي فيها خلل، أو مخالفة للشرع، هذبوا ألفاظه، وكذلك معانيه، فأزالوا عنه ما داخله من خلط ولبس، وفساد.

قال: ونفوا عنه الناموس، والناموس يأتي لمعانٍ، ومن هذه المعاني: التغير والفساد، نفوا عنه الناموس، أي: نفوا عنه ما داخله من الخلط والفساد.

ولاحظ في الصفحة السابقة قال: وقد اعترف الفلاسفة أنه لم يقرع العالم ناموس أفضل من ناموسه[11]، الناموس هنا ليس كالناموس هناك، فالناموس الذي قصده في الموضع الأول من قول الفلاسفة: يطلق على جبريل ﷺ، كما في خبر ورقة بن نوفل؛ لما قال: هذا الناموس الذي نزل الله على موسى [12]، يعني: جبريل ، وما يأتي به من الوحي.

ويأتي الناموس بمعنى: الوحي، وبمعنى: القانون، وهنا الفلاسفة يقولون: لم يقرع العالم ناموس أفضل من ناموسه، يعني: شريعة وقانون ونظام أفضل من ناموسه.

وشيخ الإسلام -رحمه الله- يذكر في مواضع من كتبه: أن المسلمين هم أزكى الناس عقولاً وعلوماً، وذكر أيضاً أن أهل السنة أزكى الطوائف المنتسبة إلى الإسلام عقولاً، وبيّن أثر الاعتقاد في العلم، وأن الاعتقاد الصحيح يُورث العلم الصحيح، ويكون ذلك زكاءً للعلم، فيحصل بسببه النبوغ.

ولذلك تجدون مثلاً من الآثار التي يدركها عامة الناس أن من حفظ كلام الله، واشتغل به، أنه يكون أزكى الناس علماً، فالطلاب الذين يدرسون في حلقات التحفيظ، ويحفظون القرآن يكونون أكثر الطلاب تفوقاً في دراستهم النظرية والمادية والتجريبية والتطبيقية، وما إلى ذلك من أنواع هذه الدراسات في العلوم التجريبية، وما شابهها، ما العلاقة؟ هذه العلوم علوم الوحي تزكي العقول وتنميها؛ ولذلك فإن صحة الاعتقاد تؤثر في صحة الفكر، فيكون هذا الفكر بعيداً عن الخرافة، بعيداً عن الأوهام، بعيداً عن التصورات الفاسدة والضلالات، غير مأسور بالخرافة، وما إلى ذلك، بخلاف العقول التي فسد بسبب تراكمات من الجهالات والضلالات والتصورات الضالة الفاسدة، عن الله والكون والدار الآخرة والوحي والنبوة، وما إلى ذلك.

قال -رحمه الله-: والظالم يكون ظالماً بترك ما تبيّن له من الحق، واتباع ما تبيّن له أنه باطل، والكلام بلا علم، فإذا ظهر له الحق، فعند عنه كان ظالماً، ومثل ذلك الألد في الخصام.

الظالم يكون ظالماً بترك ما تبيّن له من الحق، واتباع ما تبيّن له أنه باطل، والكلام بلا علم، بمعنى: أن الإنسان يكون ظالماً إذا خالف الحق وهو يعلم، واتبع الباطل وهو يعلم أنه باطل، فهؤلاء الله -تبارك وتعالى- يقول عنهم: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [التوبة: 19] والمقصود به من كان مصراً على اتباع الخطأ والضلال والانحراف وهو يعلم، فيفعل ذلك عناداً، فيجازيه الله بصرفه عن الحق، كما قال الله : أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى [البقرة:16] وقال: انصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [التوبة:127] فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف:5] فيكون جزاءً وفاقاً، وإلا فإن الله يهدي كثيراً من الضالين والمنحرفين والكافرين.

قال -رحمه الله-: كلما قويت حاجة الناس إلي الشيء ومعرفته يسّر الله أسبابه كما ييسر ما كانت حاجتهم إليه في أبدانهم أشد، فلما كانت حاجتهم إلى النفس والهواء أعظم منها إلى الماء كان مبذولاً لكل أحد في كل وقت، ولما كانت حاجتهم إلى الماء أكثر من حاجتهم إلى القوت كان وجود الماء أكثر لذلك، فلما كانت حاجتهم إلى معرفة الخالق أعظم، كانت آياته ودلائل ربوبيته، وقدرته، وعلمه، ومشيئة، وحكمته أعظم من غيرها، ولما كانت حاجتهم إلى معرفة صدق الرسل بعد ذلك أعظم من حاجتهم إلى غير ذلك أقام الله من دلائل صدقهم، وشواهد نبوتهم، وحسن حال من ابتعهم، وسعادته، ونجاته، وبيان ما يحصل له من العلم النافع، والعمل الصالح، وقبح حال من خالفهم، وشقاوتهم، وجهلهم، وظلمهم ما يظهر لمن تدبر ذلك، وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ [النور:40].

أي: أن هذا من حكمة الله -تبارك وتعالى- في هذا الخلق، ومن تدبيره المحكم، فالله عليم حكيم، فما كثرت إليه الحاجة صار كثيراً مبذولاً لكل أحد، وما قلت الحاجة إليه قلَّ؛ ولذلك تجد الذهب من الأشياء القليلة، والأحجار الكريمة والجواهر، وما إلى ذلك، ليس كالطعام والشراب والنفس، وهكذا ما يضطر الناس إليه من معرفة وحدانية الله ، ودلائل ذلك، وصدق ما جاء به الرسول ﷺ وبراهين نبوته، فهذه أمور كثير، ووجوها أكثر من أن تحصر، فهذا من لطفه -تبارك وتعالى- وكرمه على عباده.

وهذا تجده في الحيوان، وفي كل شيء، ولو تأملت هذا الخلق من أوله إلى آخره، يعني: النبي ﷺ مثلاً يقول: تجدون الناس كإبل مائة، لا يجد الرجل فيها راحلة[13]، يعني: الناس الذين يتميزون منهم ويصلحون للقيادة هم قلة، ولو كان كل الناس قواد يصلحون للقيادة لما انتظمت أحوال العالم.

وقل مثل ذلك في الدواب والبهائم... إلخ، كم ينبغ من هذه الدواب والبهائم ويتميز حتى يصير فحلاً، في الإبل أو في غيرها، أشياء قليلة جداً، لكن لو كان كل الذكور بهذه المثابة لكان ذلك سبباً لكثير من الضرر والفساد في هذه المخلوقات وأجناسها.

وقل مثل ذلك أيضاً فيما نراه ونشاهده في هذا العالم، فالأشياء التي يحتاج إليها كثيراً تكثر، الكلبة -أعزكم الله- تلد سبعة مثلاً، والضأن يلد واحداً، والمعز تلد اثنين، ولكن من حكمة الله أن هؤلاء السبعة لا يبقى منهم إلا واحد أو اثنان، وإذا نظرت إلى عدد الكلاب مقارنة بعدد الضأن، مما يحتاج الناس إليه ويضطرون، فقد جعل الله البركة في الضأن، فكانت هي الأكثر، ومن تأمل فهذا في سائر أحوال الخليقة وجد ذلك ظاهراً.

قال -رحمه الله-: والشيء يُعرف تارة بما يدل على ثبوته، وتارة بما يدل على انتفاء نقيضه، وهو الذي يُسمى قياس الخُلف.

قياس الخُلف هذا من الأقيسة المعروفة عند المتكلمين والمناطقة، وليس ذلك من الأقيسة المعروفة عند الفقهاء، يعني: القياس المعروف عند الفقهاء هو قياس التمثيل، وهو: إلحاق فرع بأصل في حكم؛ لعلةٍ جامعة بينهما.

وهناك قياس الأولى، الذي يقال له: مفهوم الموافقة، وهناك أقيسة عقلية: منها ما يُسمى بقياس الخُلف.

يقول: الذي يُسمى قياس الخُلف، فإن الشيء إذا انحصر في شيئين لزم من ثبوت أحدهما انتفاء الآخر، يعني: يا هذا أو هذا، يعني: لو أخذنا مثالاً نطبق عليه قياس الخُلف، الزكاة هل تجب على المديون أو لا تجب عليه؟ الذي يقول: إنها لا تجب على من عليه دين، يقول: لو كانت الزكاة واجبة عليه لكانت واجبة على الفقير، باعتبار أن المديون مثل الفقير، فهذا الدين يستغرق النصاب، فلو كانت الزكاة واجبة على المديون لكانت واجبة على الفقير، لكنها لا تجب على الفقير، فدل على أنها لا تجب على المديون، انحصر في شيئين، لو وجبت على المديون لوجبت على الفقير، لكنها لا تجب، يعني: العكس منتفي، لا تجب على الفقير إذن لا تجب على المديون، بهذه الطريقة، يعني: أثبتنا المطلوب بإبطال نقيضه، وهذا مثال مجرد مثال، ولا أقصد أن المديون لا تجب عليه الزكاة.

قال -رحمه الله-: وهو الذي يُسمى قياس الخُلف، فإن الشيء إذا انحصر في شيئين لزم من ثبوت أحدهما انتفاء الآخر، ومن انتفاء أحدهما ثبوت الآخر، ومدعي النبوة إما صادق، وإما كاذب.

لاحظ يعني: انحصر في شيء يا صادق، يا كاذب.

قال -رحمه الله-: وكل منهما له لوازم، يدل انتفاؤها على انتفائه، وله ملزومات يدل ثبوتها على ثبوته، فدليل الشيء مستلزم له، كأعلام النبوة، ودلائلها، وآيات الربوبية، وأدلة الأحكام الشرعية، وغير ذلك، وانتفاء الشيء يُعلم بما يستلزم نفيه، كانتفاء لوازمه، مثل صدق الكذاب، يقال: لو كان صادقاً لكان متصفاً بما يتصف به الصادقون.

ولكنه غير متصف بما يتصف به الصادقون، إذن هو ليس بصادق، وقل مثل ذلك فيما يتعلق بمدعي النبوة، إما صادق وإما كاذب، فهذا إذا قلنا: إنه صادق، هذا له لوازم ومقتضيات، وإذا قلنا: إنه كاذب له لوازم ومقتضيات، فإذا جئنا إلى الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، إذا ادعوا النبوة، فإن قلنا: بأنه غير صادق، فهذا يلزم أن أحواله التي ندركها من الصدق، وما عُرف به أنه لا حقيقة لها، ولكنها حقيقية، إذن هو صادق، أن هذه الآيات والخوارق والمعجزات أنها لا حقيقة لها، لكنها حقيقة يشاهدها الناس، إذن هو صادق، وهكذا.

قال -رحمه الله-: شهادة الكتب لمحمد ﷺ إما شهادتها بنبوته، وإما شهادتها بمثل ما أخبر به هو من الآيات البينات على بنوته ونبوة من قبله، وهو حجة على أهل الكتاب، وعلى غيرهم من المشركين، والملحدين.

يعني: يقول على كل الاحتمالين تكون حجة على أهل الكتاب، وعلى غيرهم من المشركين، شهادتها له بعينه ﷺ وبنبوته، هذا واضح، الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ [الأعراف:157] فقد جاء التنصيص عليه ﷺ، وهذه الشهادات من أراد أن ينظر إلى طائفة منها في كتبهم، فلينظر مثلاً كتاب: (إظهار الحق) في مجلدين للعالم الهندي الكرواني، في الرد على النصارى، وكذلك أيضاً في تفسير القاسمي عند قوله تعالى: وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف:6] وكذلك في التفسير الكبير عند هذا الموضع: وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف:6] وفي كتاب (فتح البيان) لصديق حسن خان، في هذا الموضع من التفسير، فهؤلاء من المفسرين نقلوا جملة من النصوص من كتب السابقين -كتب أهل الكتاب- بنصوصها التي تدل على أنه ذُكر ﷺ إما باسمه، وإما بوصفه المطابق في تلك الكتب.

يقول: إما شهادتها بنبوته، وإما شهادتها بمثل ما أخبر به هو من الآيات البينات على نبوته، ونبوة من قبله ﷺ، يعني: هذه الآيات إذا كانت صحيحة وثابتة، وشهدت بها الكتب، وأنها من آيات الأنبياء، فإن دلائل النبوة -كما سبق- قلنا: على نوعين:

الأول: ما كان من قبيل خوارق العادات، وهو الذي سماه المتأخرون بالمعجزات، كانشقاق القمر، ونبع الماء بين أصابعه، وتكثير الطعام، وما إلى ذلك.

والنوع الثاني: ما لم يكن من قبيل خوارق العادات، فهذا مثل أسئلة هرقل مثلاً، لم يسأل عن شيء من خوارق العادات، كل الذي سأل عنه أشياء أخرى تدل على صدقه، مثل: هل تعهدون عليه كذباً؟ أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟... إلخ[14]، فمثل هذه الأشياء هي من جملة دلائل النبوة.

وعبد الله بن سلام لما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة نظر إليه، فقال: فعرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب[15]، فهذا من دلائل النبوة، وليس من خوارق العادات.

قال -رحمه الله-: ولما كان محمد ﷺ رسولاً إلى جميع الثقلين: إنسهم وجنهم، عربهم وعجمهم، وهو خاتم الأنبياء، لا نبي بعده، كان من نعمة الله على عباده، ومن تمام حجته على خلقه، أن تكون آيات نبوته وبراهين رسالته معلومة لكل الخلق الذين بعث إليهم، وقد يكن عند هؤلاء من الآيات والبراهين على نبوته ما ليس عند هؤلاء، وكان يظهر لكل قوم من الآيات النفسية والأفقية ما يبيّن به أن القرآن حق.

يعني: لما كانت بعثته ﷺ إلى الجميع، وباقية إلى قيام الساعة، صارت آياته كثيرة، وهي متجددة، ومن أعظمها هذا القرآن، فآيات الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- إنما عرفها من بعدهم ممن لم يشاهدها أو من بعد عنهم، وبلغه الخبر عنهم: أن عيسى مثلاً كان يمسح على ذي العاهة فيبرأ، وأنه يحي الموتى بإذن الله، وما إلى ذلك، وهكذا العصا لموسى إنما عرف ذلك من شاهده بنفسه، أو من نأى عنه، فبلغه ذلك الخبر، ولم يشاهد، سواء كان ممن عاصره أو كان ممن جاء بعده.

أما النبي ﷺ فهذا القرآن موجود، فكل مكابر وكافر تحداهم الله ، وهذا التحدي لا زال، وما استطاع أحد على شدة العداوة أن يأتي بمثل هذا القرآن، طلاقاً، أو بسورة، أو بأقصر سورة، وما حاوله بعضهم كمسيلمة الكذاب مثلاً، فقد أزرى بنفسه، وأضحك العقلاء منه عبر القرون حيث كان مما قاله: "والطاحنات طحناً، فالعاجنات عجناً، فالخابزات خبزاً، فاللاقمات لقماً" و"الفيل وما أدراك ما الفيل، له خرطوم طويل، وذيل قصير" وأشياء أخرى يستحي العاقل من إيرادها في مثل هذا المكان، فأضحك العقلاء منه، فأزرى بنفسه، ومن كان له نوع عقل امتنع من ذلك، فحاول بعض الأدباء والفلاسفة، ولكنهم عجزوا، فابن المقفع حاول، لكنه كان يمزق كل ما يكتب، ولا يخرجه للناس، فما استطاع، والفيلسوف الكندي الكبير قيل له: أيها الحكيم اعمل لنا مثل هذا القرآن، فقال: نعم أعمل مثل بعضه، فاحتجب أياماً كثيرة، ثم خرج، فقال: والله ما أقدر عليه، ولا يطيق هذا أحد، إني فتحت المصحف، فخرجت سورة المائدة، فنظرت فإذا هو قد أمر بالوفاء، ونهى عن النكث، وحلل تحليلاً عاماً، ثم استثنى استثناء بعد استثناء، ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين، ولا يستطيع أن يأتي أحد بهذا إلا في أجلاد[16]، فهذا فيلسوف كبير من الفلاسفة يقول: لا يستطيع بشر أن يأتي بمثل هذا القرآن، وغير هذا كثير عبر العصور.

والتقرير الذي صدر قبل سنوات قليلة عن أحد اليهود في الجامعة العبرية عندهم، طلبوا منه أن يترجم القرآن على اللغة العبرية الحديثة، فإن الترجمات التي عندهم على اللغة القديمة، فترجم نصف معاني القرآن، ثم بعد ذلك أصدر تقريراً، فقال: هذا الذي ترجمته إنما هو تقريب لبعض المعاني الأساسية القريبة، وأما ترجمة معاني القرآن، فإن ذلك لا يفي به عبارة، يقول: القرآن حينما يصور اليوم الآخر، والجنة، والنار، والبعث، والنشور... إلخ، يصور ذلك بعبارات لا يمكن للبشر أن يحاكوها، وأن يترجموها بحذافيرها، وما يحتف بها، هذا يهودي كافر يقول مثل هذا! فمن أراد أن يعرف شهادات أعداء الإسلام فيما يتصل بالقرآن، فهي كثيرة، وما زال ينكشف لهم من دلائل صحته وقتاً بعد وقت، وحيناً بعد حين، فيشاهد الناس من ذلك أشياء.

قال -رحمه الله-: يجب أن يُعلم أن العالم العلوي والسفلي بالنسبة إلى الخالق تعالى في غاية الصغر، كما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، ولا نسبة لها إلى عظمة الباري بوجهٍ من الوجوه، وهي في قبضته أصغر من الخردلة في كف الإنسان، والخليقة مفطورة على أنها تقصد ربها في جهة العلو، لا تلتفت عن ذلك يمنة، ولا يسرة، وجاءت الشريعة بالعبادة والدعاء بما يوافق الفطرة، بخلاف ما عليه أهل الضلال من المشركين والصابئين من المتفلسفة، وغيرهم، فإنهم غيروا الفطرة في العلم والإرادة جميعاً.

هنا يرد على أولئك الذين يقيسون الله على خلقه، وما قدروه حق قدره، فتجد أن هؤلاء مثلاً ينفون علوه -تبارك وتعالى- بشبهات فاسدة، فهم حينما يتحدثون مثلاً عن كروية الأرض، وما إلى ذلك يتحدثون عن كون البعض في الأسف، والبعض في الأعلى، فكيف يكون العلو؟ وما أشبه ذلك، وهذا إنما يقيسون به الخالق على المخلوق، والله أعظم وأجل شأناً مما تتوهمه عقول هؤلاء، والأرض بكاملها، والكون بكامله بالنسبة إلى الله -تبارك وتعالى- لا شيء، فهو العظيم الأعظم .

ويقول: هؤلاء الضلال الذين حرفوا وبدلوا وغيروا الفطرة في العلم والإرادة جميعاً، وتذكرون لما كان الكلام على كتاب (مفتاح دار السعادة) وأنه كان يريد أن يتحدث عن قضيتين:

الأولى: العلم.

والثانية: الإرادة.

فتكلم عن الأول الذي هو العلم، وأطال النفس فيه، وقصر كلامه عن الإرادة، وقلنا: بأن مثل كتاب (روضة المحبين) أشبه ما يكون بالجزء الآخر الذي ما أتمه، وأراد وضع الكتاب ليتحدث عن القضيتين: العلم والإرادة، فالإرادة مثل المحبة، وما ينتج عن ذلك من المعاني واللوازم والأعمال، ونحو ذلك من ألوان التقربات إلى الله -تبارك وتعالى-، فهؤلاء مثلاً -أهل الكلام- وقع عندهم الخلل الأغلب في جانب العلم (فساد العلم) وأهل التصوف الغالب عندهم -مع فساد العلم- هو فساد الإرادة، فإن القلوب إذا عرفت خالقها وباريها وفاطرها فإنها تتوجه إليه، هذا التوجه هو الإرادة، تتوجه إليه محبة وتوكلاً، ورغبة، ورهبة، وما إلى ذلك، فوقع الانحراف في هذا وهذا.

قال -رحمه الله-: والسنة والإجماع منعقد على أن من بلغته دعوة النبي ﷺ فلم يُؤمن فهو كافر، لا يقبل من الاعتذار بالاجتهاد؛ لظهور أدلة الرسالة، وأعلام النبوة، والنصوص إنما أوجبت رفع المؤاخذة بالخطأ لهذه الأمة، وإذا كان كذلك فالمخطئ في بعض هذه المسائل، إما أن يلحق بالكفار من المشركين، وأهل الكتاب، مع مباينته لهم في عامة أصول الإيمان، وإما أن يلحق بالمخطئين في مسائل الإيجاب والتحريم، مع أنها أيضاً من أصول الإيمان، فإن الإيمان الذي يوجب الواجبات الظاهرة المتواترة، وتحريم المحرمات الظاهرة المتواترة هو أعظم أصول الإيمان، وقواعد الدين، والجاحد لها كافر بالاتفاق، مع أن المجتهد في بعضها إذا أخطأ ليس بكافر بالاتفاق، وإذا كان لا بد من إلحاقه بأحد الصنفين، فإلحاقه بالمخطئين المؤمنين أشد شبهاً من إلحاقه بالمشركين، وأهل الكتاب، مع العلم بأن كثيراً من أهل البدع منافقون النفاق الأكبر، وإذا كان الأمر كذلك، فعقوبة الدنيا غير مستلزمة لعقوبة الآخرة، ولا بالعكس؛ ولهذا أكثر السلف على قتل الداعي إلى البدعة؛ لما يجري عليه من فساد في الدين، سواء قاله وهو كافر، أو غير كافر، وإذا عُرف هذا فتكفير المعين من هؤلاء الجهال، وأمثالهم بحيث يحكم عليه أنه مع الكفار، لا يجوز الإقدام عليه إلا بعد أن تقوم على أحدهم الحجة بالرسالة التي يبيّن لهم بها أنهم مخالفون للرسول ﷺ، وإن كانت مقالاتهم فيها لا ريب أنها كفر، وهذا الكلام في جميع تكفير المعينين، مع أن بعض هذه البدع أشد من بعض، وبعض المبتدعة يكون فيه من الإيمان، والعمل الصالح ما ليس في بعض، والله أعلم.

هنا يريد أن يقول: بأن من لم يسلك طريق الرسول ﷺ، ويؤمن به، ويكون من أهل إجابته -من أمة الإجابة- فإنه لا يقبل منه اجتهاده، بحيث اختار ديناً آخر، وملة أخرى غير الإسلام، ما دام أن الرسالة بلغته، وقامت عليه الحجة الرسالية، لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الأنعام: 19] والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي، ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار[17]، فإذا قال: أنا أداني اجتهادي إلى أن هذه الأديان كلها صحيحة؛ ولذلك آثرت أن أتبع غير الإسلام، فمثل هذا يكون كافراً، ولا يكون معذوراً.

وكذلك أيضاً لو أنه اجتهد فأخطأ، وخالف فيما يكون الخلاف فيه والخطأ من قبيل الكفر المخرج من الملة، فمثل هذا يكون مرتداً عن الإسلام، ولا يكون معذوراً بذلك، فلو أنه قال: إن اجتهاده مثلاً أداه إلى أن جبريل أخطأ بالرسالة، وأنه جاء بها إلى النبي ﷺ وكان المقصود هو علي ، فإن اجتهاده هذا يكون مردوداً عليه غير مقبول، ويكون بذلك كافراً.

وهكذا لو أنه عبد غير الله ، كأن يعبد القبور، ويتقرب إليها، ويذبح لها، وما إلى ذلك باجتهادات فاسدة، فمثل هذا لا يكون مسلماً، بل يكون مرتداً، فهذه الاجتهادات على نوعين: تارة تكون غير مقبولة، وتارة يعذر صاحبها بها، والله أعلم.

لكن تكفير المعين يحتاج إلى معرفة استيفاء الشروط، وانتفاء الموانع، في مثل القضايا التي لا بد فيها من تحقق الشرط، وانتفاء المانع، وليست التي يكفر بها الإنسان مطلقاً، يعني: من سب الله، أو سب الرسول ﷺ، فإنه يكفر، فلا يحتاج إلى تحقق شروط، ولا انتفاء موانع، ولا يحتاج إلى إقامة حجة؛ لأن هذا من الأمور التي لا تخفى على أحد أصلاً.

وأما المعلوم من الدين بالضرورة، فكما ذكرتُ في عدد من المناسبات: أنها قضية نسبية، والعلماء يذكرون المعلوم من الدين بالضرورة ويطلقون، ولكنه أمر نسبي، يختلف من زمن إلى آخر، ومن مكان إلى آخر، وذكرتُ ما جاء عن حذيفة مرفوعاً: يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب، حتى لا يدرى ما صيام، ولا صلاة، ولا نسك، ولا صدقة، وليسرى على كتاب الله في ليلة، فلا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز، يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة (لا إله إلا الله) فنحن نقولها فقال له صلة: ما تغني عنهم: لا إله إلا الله، وهم لا يدرون ما صلاة، ولا صيام، ولا نسك، ولا صدقة؟ فأعرض عنه حذيفة، ثم ردها عليه ثلاثاً، كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة، فقال: يا صلة، تنجيهم من النار ثلاثاً[18]، وهم لا يعرفون صلاة، ولا صوماً، ولا غير ذلك، فإذا عُرف هذا فإن طالب العلم غير معني بتتبع الناس: هل هذا تحققت فيه الشروط، وانتفت فيه الموانع أو لا؟ حتى يكفره، لكن طريقة السف أنهم يحذرون الناس من الكفر، وأسبابه، ويعظمون ذلك في نفوسهم، ويقولون: من فعل كذا فقد كفر، ومن فعل كذا فهو كافر، أو هذا كفر، وهذا شرك، وهذا نفاق، لكن ما كان يعنون بتنزيل هذا على كل شخص، ممن صدر منه شيء من المخالفة، أو الانحراف، لكن يخوفون الناس بمثل هذه الأمور، فيقولون: من قال: القرآن مخلوق فهو كافر، لكن ما كانوا يشتغلون بكل واحد قال: القرآن مخلوق، ويقولون: ننظر هل تحققت فيه الشروط، وانتفت الموانع أو لا؟

قال -رحمه الله-: واعلم أن المذهب إذا كان باطلاً في نفسه لم يمكن الناقد له أن ينقله بوجه يتصور تصوراً حقيقاً، فإن هذا لا يكون إلا للحق، فأما القول الباطل، فإذا بُيّن فبيانه يظهر فساده، فيقال: كيف اشتبه هذا على أحد فتصوره كافٍ في فساده.

يعني: الآن المذهب الباطل والفاسد في نفسه لا يمكن أن يصور تصويراً تاماً؛ لأنه باطل؛ ولذلك إذا أمعن وأوغل في البطلان والفساد كان تصويره أصعب، فحينما نأتي نتكلم عن قضية الطفرة عند النظام، أو الكسب عند الأشعري مثلاً، هذا يصعب تصويره، يعني: ما هو الكسب هذا الذي هو صوري لا حقيقة له؟ فهو حقيقة قول الجبرية، لكنه أثبت للعبد كسباً غير مؤثر، فلما نأتي نشرح هذه القضية لربما تتوقف الأذهان، والذي يشرح ذلك لا يستطيع أن يبين المطلوب كما هو؛ لماذا؟ لأنه باطل أصلاً، فهو مخالف للواقع، ومخالف للحق، فلا يمكن أن يصور كما ينبغي، وهذا كثير في أمور لربما يكون البيان فيها يُظن أنه قاصر، والواقع أن ذلك القصور إنما هو بسبب أنها باطلة.

قال -رحمه الله-: العلم بالكائنات وكشفها له طرق متعددة حسية، وعقلية، وكشفية، وسمعية، ضرورية، ونظرية، وغير ذلك.

يعني: يقول: العلم بالكائنات وكشفها له طرق حسية، الحسية: الحواس الخمس، والعقلية: ما يدرك بالعقل، مثل إن الواحد نصف الاثنين، وكشفية، الكشفية يأتي الكلام عليها -إن شاء الله تعالى-، لكن المقصود بعلم الكشف عندهم: هو ما لا يُدرك بطرق العلم المعهودة المعروفة، وهي الثلاثة التي ذكرها سابقاً، أي: لا يعرف لا بالنقل، ولا بالحس، ولا بالعقل، يعني منه ما يرجع إلى السمع، ومنه ما يرجع إلى البصر، ومنه ما يرجع إلى القدرة، فهي ثلاثة أنواع، يعني: مثلاً عمر لما قال: "يا سارية الجبل"[19]، هل هذا مدرك بالسمع أو بالعقل أو بالحس؟ لا، فهذا يرجع إلى ما يُسمى الكشف، وهي في الأصل عبارة يستعملها الصوفية في معانٍ باطلة، واستعمالات فاسدة في الغالب، ومنه ما يكون صحيحاً مثل هذا، يعني: منه ما يرجع إلى السمع، كسماع سارية، ومنه ما يرجع إلى البصر إذا كان عمر رأى سارية على هذا البعد، ومنه ما يرجع إلى القدرة، ويدخل في هذا معجزات الأنبياء، وهي الخوارق عموماً، وكرامات الأولياء، كالمشيء على الماء، كمشي الصحابة على دجلة، والنبي ﷺ لما أخذ قبضة من تراب، فرماها في وجه العدو، وقال: شاهت الوجوه[20]، فدخلت في أعين هؤلاء الناس الكثير من جيش المشركين، فهذا لا يكون في مجاري العادات، وإنما من باب القدرة.

قال -رحمه الله-: وينقسم إلى قطعي وظني، وغير ذلك، أما العلم والدين وكشفه....

ضرورية ونظرية، الضرورية هي التي لا تقبل التشكيك، يقولون مثل: خبر التواتر، ويمكن أن يلحق بذلك ما جاء بطريق رواية العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه، من غير شذوذ ولا علة.

والعلماء غالباً يذكرون ما احتفت به القرائن، فيقولون: يفيد العلم النظري، والعلم الضروري يدخل فيه العلوم البديهية، والعلم النظري: هو ما يحتاج إلى نظر من أجل أن تعرف صحته، والعلم الضروري -غير النظري- يهجم على العقل والذهن من غير تطلّب، فلما نقول لك مثلاً: ست وخمسين تقسيم خمسة عشر، فهذا يحتاج إلى عمل الذهن؛ لأنه هذا علم نظري، فتخرج بنتيجة قطعية، لكن تحتاج أن تحسب، ولما أقول: الواحد نصف الاثنين، هذا لا يحتاج إلى جهد، ولا إعمال ذهن، وقل مثل ذلك في الأشياء البدهية المعلومة التي لا تخفى على أحد، كالسماء فوقنا، والأرض تحتنا.

  1. الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية (4/ 313).
  2. مدارج السالكين (1/ 235).
  3. التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل (2/ 504).
  4. سيرة ابن اسحاق = السير والمغازي (ص: 190).
  5. أخرجه البخاري في كتاب الحيض، باب عرق الاستحاضة برقم (327) ومسلم في الحيض، باب المستحاضة وغسلها وصلاتها برقم (334).
  6. أخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة، ونسخ ما كان من إباحته برقم (537).
  7. أخرجه البخاري تعليقاً (1/ 77) وأبو داود في كتاب الطهارة، باب إذا خاف الجنب البرد أيتيمم برقم (334) وصححه الألباني.
  8. أخرجه البخاري في كتاب التيمم، باب المتيمم هل ينفخ فيهما؟ برقم (338) ومسلم في الحيض، باب التيمم برقم (368).
  9. أخرجه البخاري في كتاب الأذان، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها، في الحضر والسفر، وما يجهر فيها وما يخافت برقم (757) ومسلم في الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة... برقم (397).
  10. درء تعارض العقل والنقل (7/ 324).
  11. الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية (5/ 90).
  12. أخرجه البخاري في كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ؟ برقم (3) ومسلم في الإيمان، باب بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ برقم (160).
  13. أخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة ، باب قوله ﷺ: الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة برقم (2547).
  14. أخرجه البخاري في كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ؟ برقم (7) ومسلم في المغازي (الجهاد والسير) باب كتاب النبي ﷺ إلى هرقل برقم (1773).
  15. أخرجه الترمذي ت شاكر في أبواب صفة القيامة والرقائق والورع برقم (2485) وابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة، والسنة فيها باب ما جاء في قيام الليل برقم (1334) وصححه الألباني.
  16. تفسير ابن عطية = المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (2/ 145).
  17. أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ﷺ إلى جميع الناس، ونسخ الملل بملته برقم (153).
  18. أخرجه ابن ماجه في كتاب الفتن، باب ذهاب القرآن والعلم برقم (4049) وصححه الألباني.
  19. فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل (1/ 269) (355).
  20. أخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب في غزوة حنين برقم (3328).

مواد ذات صلة