الجمعة 13 / شوّال / 1441 - 05 / يونيو 2020
46- أصول منقولة من كتبه وفتاويه المتفرقة ومطاوي كتبه شيئا فشيئا. القواعد (677-703)
تاريخ النشر: ٠٢ / جمادى الآخرة / ١٤٣٤
التحميل: 2372
مرات الإستماع: 1694

الحمد لله، والصلاة، والسلام على رسول الله، أما بعد:

والتحقيق أن كل عمل في الظاهر من مؤمن لا بد أن يصحبه عمل القلب، بخلاف العكس، فلا يتصور عمل البدن منفرداً إلا من المنافق، الذي يصلي رياءً، وكان عمله باطلاً حابطاً، ففرق بين المؤمن، والمنافق، فيظهر الفرق بين المؤمن الذي يقصد عبادة الله بقلبه، مع الوسواس، وبين المنافق الذي لا يصلي إلا رياءً للناس.

فهذا الكلام لا إشكال فيه، وهو ظاهر باعتبار أن الأعمال الظاهرة لا تنفع إلا مع مواطأة الباطن، وأول ذلك النية، والقصد، والنية كما هو معلوم كما أنها تكون سابقة للعمل، فإنها تكون مستصحبة فيه، فيريد به وجه الله -تبارك وتعالى- أما مجرد حركات الظاهر فإن ذلك لا ينفع صاحبه إذا كان من غير مواطأة الباطن، فهذا عمل القلب؛ ولهذا فإن عمل القلب من الوجوه التي يفضل فيها جنس أعمال القلوب على جنس أعمال الأبدان، أن عمل القلب دائم، لا ينقطع لا في الدنيا، ولا في الآخرة، فالإنسان يبقى مستصحباً لمحبة الله وتعظيمه، ومراقبته في أحواله كلها، وهو يحب الله، ويعظمه في الآخرة أيضاً، وكل عمل يصدر من المكلَّف مما يريد به ما عند الله -تبارك وتعالى- فإن ذلك يكون مع مواطأة القلب، أما أعمال الجوارح فإنها تنقطع بموت الإنسان، إذا مات ابن آدم انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة[1]، وكذلك قد تصدر أعمال الجوارح من غير مواطأة القلب، فهو يقول هنا: لا يتصور عمل البدن منفرداً إلا من المنافق.

ويقول: فيظهر الفرق بين المؤمن الذي يقصد عبادة الله بقلبه مع الوسواس، وبين المنافق الذي لا يصلي إلا رئاء الناس، يعني: بعض الناس يخاف، ويقول: أنا أخشى من الرياء، أنا أخشى أن نيتي مدخولة في هذا.. إلخ، هذا القلق يدل على أنه يريد ما عند الله؛ ولهذا قال النبي ﷺ: أوقد وجدتموه قالوا: نعم، قال: ذاك صريح الإيمان[2] وقال: الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة[3] فمثل هذا القلق الذي يجده المؤمن في قلبه يدل على صدقه؛ ولذلك مثل هذا الوسواس الذي يقع في قلب الإنسان، فإن ذلك يدل على أنه مؤمن؛ لأن الشيطان ماذا يفعل بالبيت الخرب؟ فالوسواس، وإن كان في ذاته غير مطلوب، ولا مراداً للشارع، لكن وقوعه يدل على أن صاحبه صادق، أما المنافق فإنه لا يبالي.

وفي تكفير أهل البدع، والأهواء نزاع هما روايتان عن أحمد، وحقيقة الأمر أن القول قد يكون كفراً؛ فيطلق القول بتكفير صاحبه.

طبعاً هنا يقصد أصحاب البدع الغليظة، يعني: في الثنتين، والسبعين فرقة، ما حكمهم؟ هل هم كفار كالخوارج، والرافضة، ومن شابههم من أصحاب البدع الكبيرة؟

وحقيقة الأمر: أن القول قد يكون كفراً، فيطلق القول بتكفير صاحبه، لكن الشخص المعين لا يكفر حتى تقام عليه الحجة، فنفس القول قد يكون كفراً، لكن قائله معذور، فإذا كان من المؤمنين فلا يكفر؛ لأنه قد يعذره الله بأمور، إما أنه لم يعقله، أو أنه لم يثبت عنده، أو أنه لم يفهمه لمعارضة شبهة، فمن كان قصده الحق، فأخطأه؛ فإن الله يغفر له.

لاحظ هنا يتكلم عن قضايا تتصل بالاعتقاد، يعني هؤلاء أصحاب أهواء، وبدع، فهو يقرر كما سبق، أن من كان قصده الحق فأخطأه فإن الله يغفر له، يعني: في المسائل العلمية، والمسائل العملية، وأنه لا يفرق، فيقال: الخطأ، والاجتهاد مغفور في المسائل العملية، وأما المسائل العلمية فلا يغتفر، أو يقال: العقائد لا يغتفر، والفروع يغتفر فيها، وسبق أن هذا التقسيم أصلاً محدث، وأن هذه التقسيمات، والأمور المحدثة لا بأس بها من أجل التقريب، والتعليم، والتيسير، ولكن لا يبنى عليها حكم، كهذا أنه يكفر في كذا، ولا يكفر في كذا.

فمذاهب الأئمة الفرق بين النوع، والعين.

النوع يقال مثلاً: من قال بخلق القرآن؛ فهو كافر، هذا النوع، والعين: هل فلان كافر، أو لا؟ هذه مسألة تحتاج إلى تحقق الشروط، وانتفاء الموانع.

ومن حكى الخلاف لم يفهم غور قولهم، فطائفة تحكي عن أحمد في تكفير أهل البدع مطلقاً روايتين، ليس هذا مذهب لأحمد، ولا لغيره من الأئمة، وكذلك تكفير الشافعي لحفص الفرد حين قال: القرآن مخلوق. فقال: كفرت؛ أي: قولك كفر؛ ولهذا لم يسع في قتله.

يعني هنا الكلام، كلام شيخ الإسلام في هذه الجزئية يعني: في حفص الفرد، وحفص الفرد هو الذي ناظر الشافعي، أو ناظره الشافعي، وسمع منه ما يستعظم، يعني الشافعي سمع منه شيئاً عظيماً، الشافعي بعدما ناظره قال له: كفرت[4] هذه يحتج، أو يذكرها العلماء في سياق تكفير المعين، أن من أقيمت عليه الحجة؛ فإنه يكفر، وهذا أمر لا إشكال فيه، لكن من الذي يكفره، ومن الذي يقيم عليه الحجة؟ العالم، فالظاهر أن الشافعي كفره بعينه، وهذا أحد الأمثلة على تكفير المعين، وشيخ الإسلام لا ينكر كفر المعين، لكنه في هذا المثال، يقول: إن الشافعي قصد أن قولك كفر، وهذا خلاف الظاهر، ويدل على ذلك أيضاً، أن الشافعي كفره حقيقة، أن الربيع بن سليمان تلميذ الشافعي يقول: لقيت حفصاً في المسجد، لقي هذا بعد المناظرة، يعني بعد ذلك، فقال: أراد الشافعي قتلي[5] ماذا يقصد بهذا الكلام؟ أنه كفّره فعلاً، كفّره بعينه، وإذا كفر بعينه فالمرتد يقام عليه الحد، وهو القتل، طبعاً من الذي يقيم عليه الحد؟ يقيم عليه الحد من بسط الله يده، يعني من له ولاية، ما هو بآحاد الناس.

قال شيخ الإسلام: ولهذا لم يسع في قتله، ليس الشافعي مطالباً بأن يسعى في قتله، الشافعي فقيه، عالم، وهو يبين للناس الحق، وأما ما وراء ذلك، فهذا ليس للشافعي، فكلام شيخ الإسلام عموماً، هذا الأصل ثابت لا إشكال فيه، أن تكفير النوع غير تكفير الأفراد، وشيخ الإسلام -رحمه الله- لا ينكر أن من الأفراد من يكفر بعينه؛ إذا أقيمت عليه الحجة، لكن هل هذا المثال مع الشافعي يعتبر تكفيراً لحفص الفرد، أو لا؟ أو قصد أن قوله كفر؟ شيخ الإسلام يقول: قصد أن قوله: كفر، وهذا خلاف الظاهر.

ولهذا لم يسع في قتله، ولو كان عنده كافراً لسعى في قتله.

 

لا يلزم، لا يلزم، في عصرهم كان يوجد زنادقة لا يشكون في كفرهم، ويعترفون بالزندقة، ومع ذلك لا يلزم أن العالم يذهب، ويسعى في قتل هذا، وذاك.. إلخ، ما كان يوجد زنادقة في عهد الشافعي، وأحمد، وغير هؤلاء، في قضايا لا تحتاج حتى إلى إقامة حجة.

وأما قتل الداعية إلى البدع، فقد يكون لكف ضرره عن الناس، كقطاع الطريق، ونحوهم.

نعم، يعني: شيخ الإسلام يقول: من لم يندفع شره إلا بالقتل فإنه يقتل، من لم يندفع شره إلا بالقتل، فمثل هذا الداعية إلى البدع الذي لا يترك دعوته إلى البدع، وإضلال الناس، فهذا يكف شره بما يحصل به دفع هذه البدع، ودرء انتشارها، كأن يمنع من ذلك، فإن استجاب، وإلا يمكن أن يحجر عليه في بيته، أو يحبس، بحيث لا يختلط حتى بالمحبوسين، لكن لو فرض في بعض الحالات لم يوجد حسب، ولم يوجد شيء يكف به شره، فإنه يقتل، وقتله لا يعني أنه كافر.

ومن اعتقد أنه بمجرد تلفظه بالشهادة يدخل الجنة، ولا يدخل النار؛ فهو ضال مخالف للكتاب، والسنة، والإجماع، وإنما يستحق دخول الجنة، والنجاة من النار مع الشهادتين بالقيام بالواجبات، وترك المحرمات.

هو هذا، يعني الله -تبارك وتعالى- يقول: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ [التوبة:5] فدل بمفهوم المخالفة على أنه لا يخلى سبيلهم ما لم يفعلوا ذلك، وهكذا في قوله تعالى: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ [التوبة:11] فمفهوم المخالفة: أنهم إن لم يفعلوا هذه الأشياء؛ فليسوا بإخوان لنا في الدين، وكذلك في قول النبي ﷺ لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: إنك ستأتي قوما أهل كتاب، فإذا جئتهم، فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله... فهذه هي الأولى، ثم ذكر له: فإن هم أطاعوك لذلك؛ فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات[6] إلخ، وعدد عليه أركان الإسلام، ويقول النبي ﷺ: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله[7].

 وهذا الذي احتج به أبو بكر في قتال مانعي الزكاة على أنواعهم، وأصنافهم، يعني: بعضهم جحدها، وبعضهم قال: لا نعطيها إلا للنبي ﷺ وبعضهم بخل بها، فقاتلهم جميعاً، واحتج بهذا إلا بحق الإسلام فهذا من حقه.

ثم النصوص الواردة الكثيرة جداً في دخول طوائف من المسلمين النار، أو في تعذيبهم حتى في القبر إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير[8]، وذكر الأول أنه كان يمشي بين الناس بالنميمة، والثاني كان لا يستبرئ من بوله، وكذلك في المرأة التي رآها النبي ﷺ في النار عذبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت جوعا، فدخلت فيها النار[9] ما قال: دخلت النار بسبب إشراكها، والباء هنا سببية، وكذلك أيضاً أخبر النبي ﷺ أن: من قتل نفسه بحديدة؛ فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم، خالدا مخلدا فيها أبداً... ومن تردى من جبل، فقتل نفسه؛ فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا[10] إلى غير ذلك من النصوص، وإخراج الجهنميين من النار، وأنهم يكونون حمماً، وينبتون كما تنبت حب السماسم، أو كما جاء في الروايات أنهم ينبتون كالحِبة في حميل السيل[11].

وكذلك النصوص التي فيها إخراج، يعني: أهل الصيام، أهل الصلاة... إلخ، من النار، فدخلها هؤلاء، وإلا ما معنى أيضاً نصوص الشفاعة المتواترة، فإن جملة من هذه النصوص في إخراج قوم دخلوا النار، أو في قوم استوجبوا النار ألا يدخلوها، وكل هؤلاء من أهل التوحيد، فلا إله إلا الله وحدها لا تكفي في أن الإنسان لا يدخل النار دخولاً مطلقاً، والنصوص الواردة فيها يحرم على النار[12]، أو لا يلج النار[13]أو نحو ذلك فهذا بتحقق شروطها.

يعني أنه إذا قال: لا إله إلا الله، فإن (لا إله) هنا نفي لكل ما يعبد من دون الله، وشجرة المعاصي هي متفرعة من هذه الشجرة الخبيثة، شجرة الشرك التي ما لها من قرار، وكل الطاعات متفرعة من شجرة التوحيد، من قوله: (إلا الله) الولاء، والبراء دائر على هذا، يعني البراءة من المشركين من قوله: (لا إله) وموالاة المؤمنين من قوله: (إلا الله) فيدخل فيها التوحيد، ويدخل فيها الطاعات، والمعاصي، ويدخل فيها الولاء، والبراء، فلم يكن محققاً لها التحقيق الواجب من كان مخلاً بشيء من هذه الأمور الواجبة؛ ولذلك قال النبي ﷺ: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر[14] لا يدخل الجنة قاطع رحم[15] فإذا جمعت هذه النصوص، فالنصوص التي دلت على أنه يدخل النار، أو فإن الله قد حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله[16] أو من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة[17]، فمثل هذا تجمع معه النصوص؛ فيعرف أن (لا إله إلا الله) إذا قيلت بحق مستوفية لشروطها، وأركانها، وواجباتها، فعند ذلك لا يدخل النار، وابن القيم -رحمه الله- له كلام جيد في بيان هذا المعنى.

ظلم العبد نفسه يكون بترك ما ينفعها، وهي محتاجة إليه، وذلك فعل ما أمر الله به، وبفعل ما يضرها، وذلك المعاصي كلها، كما أن ظلم الغير كذلك، إما بمنع حقه، أو التعدي عليه، فإن الله أمر العباد بما ينفعهم، ونهاهم عما يضرهم، وجاء القرآن بالأمر بالإصلاح، والنهي عن الفساد، والصلاح كله طاعة، والفساد كله معصية، وقد لا يعلم كثير من الناس ذلك على حقيقته، فعلى المؤمن أن يعلم أن الله يأمر بكل مصلحة، وينهى عن كل مفسدة، وكل ما أمر الله به راجع إلى العدل، وكل ما نهى عنه راجع إلى الظلم.

يعني أن العبد حينما يقال: فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ [فاطر:32] فهذا الظلم المعاصي، الأشياء التي يفعلها، التقصير في حق الله التقصير في حقوق الخلق، وما إلى ذلك، كله يرجع ضرره عليه، فهو حينما يترك أمر الله، أو يفعل ما نهاه الله عنه؛ فهو في الواقع يواقع أموراً تضره، فالله نهاه عن الأمور الضارة، وأمره بالأمور النافعة، فإن لم يلزم ذلك؛ فإنه يكون قد ولج في أمور لا تورثه نفعاً، بل يحصل منها الضرر، وترك المنافع، والمصالح التي ينتفع بفعلها، مثل الصغير هذا الذي يمنعه وليه، أو أبوه، أو نحو ذلك من تصرفات، وأمور لربما تميل إليها نفسه، ولكنه في الواقع يتفلت عليه، كما قال النبي ﷺ في تشبيه هذه الحال بالفراش الذي يتهافت على النار، والنبي ﷺ يقول: وأنا آخذ بحجزكم[18] ﷺ عن النار، فمثل هذا التهافت على النار، النار يستهويه هذا الضوء الذي في النار، أو النور الذي فيها، فيحترق، وهو يقبل عليها لهذه العلة، ثم بعد ذلك ما يلبث أن يهلك.

فهكذا هذه الأشياء، ومن ثم إذا عرف العبد هذه المعنى؛ فإنه ينكف، وينزجر عن كل ما نهاه الله عنه، ولو لم يكن عقاباً على هذه الأفعال؛ لأنه يعلم أن عين المصلحة في أن يفعل ما أمره الله به، أن هذا هو الكمال، هو الخير له، وكذلك ما نهاه الله عنه، يعني ليس هذا كأنظمة المخلوقين، واجتهادات المخلوقين التي تصيب، وتخطئ، وإنما هذا تشريع العليم الحكيم.

والظلم الذي حرمه الله على نفسه أن يترك حسنات المحسن، فلا يجزيه بها، أو يعاقب البريء على ما لم يفعله من السيئات، أو يعاقب هذا بذنب غيره، أو يحكم بين الناس بغير قسط، ونحو ذلك؛ وذلك لكمال عدله، وحمده.

قال -رحمه الله-: أصل الإيمان في القلب، وهو قول القلب، وعمله، وهو إقرار العبد بالتصديق، والحب، والانقياد.

نعم، يعني: قول القلب، وعمله قول القلب المقصود به ماذا؟ التصديق الانقيادي بمعنى الإقرار، وعمل القلب مثل التوكل، والمحبة، والخوف، والرجاء، والتوبة، والإنابة، وما أشبه ذلك، هذه كلها يقال لها: أعمال القلب.

ولا بد أن يظهر موجبه، ومقتضاه على الجوارح، فالأعمال الظاهرة من موجب إيمان القلب، ودليل عليه، وشاهد له، وشعبة من مجموع الإيمان المطلق، وبعضه له، وما في القلب أصل لها، وهو الملك، والأعضاء جنوده، فالتحقيق أن اسم الإيمان المطلق قد يتناول الأصل مع الفرع، وقد يُخص بالاسم وحده، وبالاسم مع الاقتران بعمل الجوارح، وهو كالشجرة يتناول الأصل، والفرع إذا وجد، وقد يقطع من الفروع الشيء، فتبقى شجرة ناقصة بحسب ما زال منها، وكذلك الإيمان كما مثله الله بالشجرة.

نعم، هو هذا، أن الإيمان يطلق، ويقصد به أصله الذي في القلب، ولكن أصله هذا ينبعث على الجوارح، واللسان، وذلك من جملة الإيمان، والإيمان قول، وعمل، فتارة يطلق على هذا، وتارة يطلق على المجموع، فإذا أطلق على الأصل الذي في القلب كان عمل الجوارح من قبيل الإسلام، إسلام الظاهر لله -تبارك وتعالى- وأما إسلام القلب فهو انقياده، بمعنى: التصديق الانقيادي، الإقرار، والإذعان.

من أسباب نور الإيمان، وقوته سماع القرآن، وتدبره، ومعرفة أحوال النبي ﷺ ومعجزاته.

يعني هذه مفيد، يعني كثيراً ما يُسأل عن أسباب زيادة الإيمان، وقوته، فهذه جملة منها، وشيخ الإسلام -رحمه الله- ذكر أشياء من هذا في كتاب "الإيمان الكبير".

من أسباب نور الإيمان، وقوته: سماع القرآن، وتدبره. معرفة أحوال النبي -صلى الله عليه وسلم- ومعجزاته.

نعم، يعني الآن الله ماذا قال؟ قال: وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا [الأنفال:2] وأخبر عن المنافقين المستهزئين أنهم ماذا يقولون إذا خرجوا؟ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [التوبة:124] وكذلك أيضاً النظر في أحوال النبي ﷺ ومعجزاته، ولهذا يقال: من الأمور التي هي في غاية الأهمية في زيادة الإيمان النظر في دلائل النبوة، سواءً كان ذلك من قبيل المعجزات، أو من غير المعجزات، يعني من أهم الأشياء: قراءة القرآن بتدبر، بالإضافة إلى معرفة معاني الأسماء الحسنى، والعناية بها، بالإضافة إلى الأعمال القلبية، ينضاف إلى ذلك الأمر الرابع، وهو دلائل النبوة، فدلائل النبوة يثبت الإيمان بالوحي، والنبوة، والرسالة، يثبت هذه الأشياء، والأعمال القلبية، ومعاني الأسماء الحسنى كل ذلك يثبت إيمان العبد لربه -تبارك وتعالى- فيعظمه التعظيم اللائق، وتدبر القرآن يجمع ذلك كله، يعني ما يرجع إلى تثبيت الإيمان بالله والإيمان بالرسول ﷺ ولذلك أنا أقول دائماً: يعني ينبغي العناية بهذه الأمور الأربع دائماً، فإن استطعنا أننا نقرأ فيها كثيراً، أو ندرسها، أو نحو ذلك، أو نُدّرِسها لمن حولنا، فهذه من أعظم ما يدعم الإيمان، ويثبته في القلب.

لذلك بعض الإخوان يطلبون أحياناً دورة في الأعمال القلبية، يعني الأسبوع هذا بعض الإخوان يقول: نريد دوره في الأعمال القلبية، يعني بشكل يومي، نقول: هذا ما يتأتى؛ لأن مثل هذه القضايا يربى فيها الإيمان، فهي تحتاج حيناً بعد حين، ترتاض النفوس على خصلة، أو مقام من هذه المقامات، ثم بعد ذلك ينتقل إلى الذي بعده، يعني ليس كالعلم الذي يلقن، وإنما هو يحتاج إلى أن يرتاض القلب عليه، يعني ليست مجرد محفوظات، هو إيمان، يحتاج الإنسان أن يربي قلبه عليه، معاني الأسماء الحسنى، دلائل النبوة، الأعمال القلبية، تدبر القرآن، هذه الأشياء.

وهذا التدبر للآيات المتلوة ينضاف إليه التدبر للآيات المشهودة، وهذا ينفع في الجملة، وإن كان بعض الناس إليه أشد حاجة، والآن هذه الأمور تيسرت كثيراً، وصارت قريبة المنال، الآن تجد يتواصل الناس في مقاطع، وأشياء، تريهم أشياء ما كان الناس في السابق يستطيعون الوصول إليها، مثل الآن تجد الصور التي تسرع كثيراً ترى الليل، وهو الليل يسلخ منه النهار، يتعاقبان صورة حقيقية، لعلكم رأيتموها في بعض المواقع، يتعاقب الليل، والنهار على الكرة الأرضية، صورة حقيقية تشاهدها، لكنها مسرعة جداً فترى الليل، وهو يمشي، والنهار يسلخ منه، فهذه لما يراها الإنسان.

كذلك حينما ترى أشياء من دلائل قدرة الله -تبارك وتعالى- في هذا الخلق، في الأفلاك، في النجوم، صور حقيقية، لما ترى أشياء مما يتعلق بالنبات، وإنزال المطر، وكذا، بصور مسرعة، تجد العام كله، تخضر هذه الأشجار، تذوب الثلوج، ثم بعد ذلك تبدأ ترجع من جديد إلى حالها، ثم تتساقط الأوراق تصفر، ثم بعد ذلك تصير سوداء، فهذا يصور لك هذه المشاهد التي ذكرها الله : إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ [يونس:24]... إلخ، حركات الأفلاك حقيقية، النجوم، وكل هذه الأشياء لما يشاهدها، الحيوانات، وطرق معماذاها، وعجائبها، وغرائبها، هذه كلها الآن متوفرة، وسهلة المنال.

والنظر في آيات الله، والتفكر في ملكوت السماوات، والأرض، والتأمل في أحوال نفس الإنسان، ومثل رؤية أهل الإيمان، والنظر في أحوالهم، والضرورات التي يحدثها الله للعبد، يضطره بها إلى ذكر الله تعالى، والاستسلام له، واللجأ إليه.

نعم، يعني هناك كتب، بس الآن الوسائل أصبحت مشاهدة، وإلا مثلاً في جسم الإنسان مثلاً كتاب "الطب محراب الإيمان" وإن كان المؤلف ليس بذاك، لكن الكتاب مفيد "خلق الإنسان في القرآن" هذا من الكتب المفيدة، هناك كتب تتحدث عن هذه المخلوقات، الحيوانات، ونحو هذا، مثل كتاب "غريزة أم تقدير إلهي" هذا كتاب جيد، كتيب، وكذلك مثل كتاب "النحلة تسبح الله" هذا من الكتب الجيدة، وهناك أيضاً أشياء في ثنايا الكتب، يعني: لو نظرت مثلاً في كتاب "العقيدة في الله" للدكتور/ عمر الأشقر، ذكر فصولاً من عجائب خلق الله -عز وجل- في هذا الكون، كتب ابن القيم أشرت في مناسبة سابقة، في كتابه مثلاً: "مفتاح دار السعادة" و"أقسام القرآن" و"شفاء العليل" عند الكلام على الهداية، هداية المخلوقات إلى ما تقوم به معماذاها، ومصالحها، ذكر أشياء عجيبة في هذه المخلوقات، وهناك كتب في الأفلاك، لكن الآن أصبحنا نرى ذلك بصورة متحركة، هناك صور تبين لك كيف الحيوان المنوي يلقح البويضة، صورة مسرعة، ترى الحيوان المنوي، وهو يمشي، وكيف يلقح البويضة، صورة حقيقة، ولما تتلقح البويضة ما الذي يحصل لها؟ كيف تعلق بجدار الرحم؟ أشياء هائلة.

وقد يكون هذا سبباً لشيء من الإيمان، وهذا سبباً لشيء آخ.

هو هذا، يعني هذا مثلاً يتعلق بالرسالة، النبوة، الوحي، وهذا يتعلق بأسماء الله، وصفاته، هذا يتعلق بربوبيته.

وسبب الإيمان، وشعبه تارة من العبد، وتارة من غيره، مثل من يقيض له من يدعوه إلى الإيمان، ويأمره بالخير، وينهاه عن الشر.

نعم، نعم، وتارة تنبعث منه هذه الأمور، يعني حينما هو يتفكر يكون التفكر منبعث من داخله، يتفكر، يتأمل، يكون له قلب وقاد، يعتبر، يتعظ بما يشاهد، وتارة من غيره، أن يأتي من يذكر له هذا، يذكِّره يعظه وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات:55] فهذا مما يحصل به زيادته، يعني: تارة بتجلية الشبهات لصاحب الشبهة، وتارة بذكر دلائل قدرة الله، وعظمته، وهذا كله مما ينمي الإيمان، وتارة يكون بالوعظ للمقصرين، والعاصين، وما إلى ذلك، فهذه سياط القلوب تدعوهم إلى التوبة.

العلم النافع المقصود، وغيره وسيلة ثلاثة أنواع: علم بأسماء الله، وصفاته، وما يتبع ذلك، وعلم بما أخبر الله به من الأمور الماضية، والحاضرة، والمستقبلة، وعلم بما أمر الله به من الأمور المتعلقة بالقلوب، والجوارح من الإيمان بالله، ومن معارف القلوب، وأحوالها، وأحوال الجوارح، وأعمالها.

نعم، معنى ذلك أن العلم النافع على هذا التقسيم، ثلاثة أقسام، قسم يتعلق بالرب -تبارك وتعالى- بمعرفة كماله، وأوصافه، وما إلى ذلك، بحيث يعرف العبد المعبود فيعظمه، ويخافه، ويوحده، ويعبده، يتوجه إليه وحده دون ما أحد سواه.

والنوع الثاني من العلم: هو ما قصه الله في هذا القرآن عن الماضين من الرسل، وأتباع الرسل، وأخبار الأمم، وما يكون أيضاً فيما يستقبله الإنسان، وما يكون بعد ذلك مما يكون في هذه الحياة الدنيا، أو بعد الموت، أو ما يكون في البرزخ، أو في القيامة، أو في الجنة، أو في النار، فهذا كله من العلم، يعني معرفة هذه الأمور.

الشيء الثالث: التكاليف، سواءً كانت مما يتصل بأعمال القلوب، وأعمال الجوارح، على هذا التقسيم، والعلماء عادة يذكرون، يقولون: العلم ثلاثة، الأول: علم يتصل بالمعبود بأن يعرف المعبود معرفة صحيحة بأسمائه، وصفاته، والنوع الثاني: هو معرفة الطريق، وتفاصيل الطريق، وهذا هو التكاليف الشرعية، ما أمر الله به، وما نهى عنه، يعني معرفة تفاصيل الصراط المستقيم التي توصل إلى الله، الثالث: وهو ما يتعلق بالدار التي يصيرون إليها، يصلون إليها، ما هذه الدار، ماذا يحصل فيها، ما أوصافها، ما أحوال الناس في ذلك الحين، هذه العلوم الثلاثة.

ليس كل سبب نال به الإنسان حاجته يكون مشروعاً، ولا مباحاً، وإنما يكون مشروعاً إذا غلبت مصلحته على مفسدته، مما أذن فيه الشرع، والمسلم يعلم أن الله لم يحرم شيئاً إلا ومفسدته محضة، أو غالبة.

إي نعم، يعني ليس كل ما حصل الإنسان فيه بغيته يكون مشروعاً، أو مباحاً، يعني: الإنسان قد يحصل بغيته مثلاً بالرشوة، قد يحصل بغيته فيما يتصل بتلبية غرائزه بالحرام، بالفجور، بالزنا، قد يحصل بغيته في إشباع شهوة البطن، والجوع، وما إلى ذلك بأكل الحرام، بأكل الميتة، بأكل الخنزير، بشرب الخمر، فهذا كله الذي يحصل به مطلوبه لا يعني أنه مشروع، أو أنه مباح، ولكنه إذا غلبت مصلحته على مفسدته مما أذن فيه الشارع، والعبرة بما غلب؛ لأنه لا يوجد مصلحة محضة في هذه الحياة الدنيا، يعني: ما يوجد منافع خالصة من كل وجه، هذا في الجنة، وإلا فالدنيا حتى سائر المباحات: اللحوم، الطيبات ..إلخ، فيها جوانب من الضرر، ولذلك تجد يقولون دائماً: أن اللحوم الحمراء تسبب مثلاً أشياء معينة من الكوليسترول، وإلخ، اللحوم الكذا، السكريات، كل شيء في هذه الحياة له آثار جانبية سلبية، لكن ما هو العبرة؟ بالغالب، ما هو الغالب؟ الغالب المنافع، والمصالح، فهذا المعتبر في الحل، والحرمة، وما غلبت مفسدته فإنه محرم، والله يقول: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ [البقرة:219] وهذه المنافع تجدونها، يذكرها بعض المفسرين، ويذكرها آخرون، وفي بعض كتب الأدب يذكرون الفوائد، والمنافع التي تحصل من الخمر، أو الميسر، وأقرب ما يذكرون في ذلك: أن هذا الإنسان الذي يشرب الخمر يتحول إلى شجاع إن كان جباناً في ميدان المعركة، والبخيل يتحول إلى كريم، وما إلى هذا، لكن المفسدة أعظم، وأغلب، ومن ثم فإن كل ما لم يرد فيه نص عن الشارع؛ فإنه يرجع فيه إلى هذا الأصل وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ [الأعراف:157] فالعبرة بما غلب.

النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فهو الأب الروحاني، والوالد الأب الجثماني، وهو ﷺ سبب السعادة الأبدية للمؤمن في الدنيا، والآخرة، والأب سبب لوجوده في الدنيا، وأزواج النبي ﷺ أمهات المؤمنين في الحرمة لا في المحرمية، ولهن من الاحترام ما ليس للوالدة.

إي نعم، يعني الآن الأبوة أبوتان: أبوة في النسب، وأبوة في ماذا؟ في التربية، أبوة في التربية، الأبوة في النسب: هي سبب وجود الإنسان في الحياة، الوجود الجثماني، يعني: ولد، لكن خرج إلى الحياة لا يعلم شيئاً، والأب الروحاني الذي هو أبوة التربية هذه سبب لوجود الكمالات، هذا المعنى يذكره شيخ الإسلام، ويذكره ابن القيم، ويذكره كثيرون، والله قال عن النبي ﷺ: بأنه أب للمؤمنين، قال: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [الأحزاب:6] في قراءتين، واحدة لأُبي بن كعب، والثانية لابن عباس ولكنهما غير متواترتين (وهو أبٌ لهم وأزواجه أمهاتهم) وفي القراءة الثانية: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أبٌ لهم) يعني: بالتقديم، والتأخير (وهو أبٌ لهم وأزواجه أمهاتهم) فهذه الأبوة ما هي؟ أبوة تربية، وتعليم، وكون أزواج النبي ﷺ أمهات المؤمنين، يقول: هذه ليست في المحرمية، ولكن في الحرمة؛ بمعنى: أنه لا يجوز أن يدخل عليها وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [الأحزاب:53] ولا تكون بناتها مثلاً إذا عندها بنات يكن أخوات له، لا، وإنما في الحرمة، لا يجوز له أن يتزوجها، يجب عليه أن يعظمها، ولهن من الاحترام ما ليس للوالدة، يعني: أعظم.

ومعلوم أن الإنسان يجب أن يطيع معلمه الذي يدعوه إلى الخير، ويأمره بما أمر الله به، ولا يجوز أن يطيع أباه في مخالفة هذا الداعي.

إي نعم، يعني: إذا تعارض هذا، وهذا، أبوة التربية مع أبوة النسب، فهذا يأمره، وهذا ينهاه، يقدم من؟ أبوة التربية، يعني هذا وجه من وجوه التفضيل، ولكن إذا اجتمعت أبوة الولادة مع التربية؛ فهذا هو الكمال، يعني: يكون الوالد سبباً لوجوده الجثماني، وهو سبب أيضاً لنيله الكمالات بحسن تربيته له، فيجمع بين هذا، وهذا، وهذا المظنون في غالب الآباء بالنسبة للمسلمين، أنه يربيه على الإيمان، يربيه على طاعة الله، وطاعة رسوله ﷺ ولكن يتفاوتون في ذلك تفاوتاً كثيراً.

ولا يجوز أن يطيع أباه في مخالفة هذا الداعي؛ لأنه يدله على ما ينفعه، ويقربه إلى ربه، ويحصل له باتباعه السعادة الأبدية، فظهر فضل الأب الروحاني على الأب الجثماني، فهذا أبوه في الدين، وهذا أبوه في الطين، وأين هذا من هذا؟.

وقد يكون أبوه في الطين هو أبٌ له أيضاً في الدين، وهذا هو الغالب على كل حال، هذا هو الغالب، إلا إذا كان هذا الإنسان يأتيه الأولاد مباشرة، لا يسأل عنهم، ولا يعرفهم في أحضان خادمات، كافرات، أو لا خلاق لهن، أو نحو هذا، أو إلى الشارع مباشرة، أو يلقيه، ويذهب به إلى ملجأ، فهذا شأن آخر، لكن هذا يعني قليل، أو نادر، ولذلك يقال: أعق من ضب. لماذا يقال: أعق من ضب؟ بأي اعتبار؟ باعتبار أن الضب ما به؟ يعني: الضب يبيض، أو يلد؟

يبيض، كل صكاء بيوض، كل صكاء، يعني: ليس لها أذن، مجرد ثقب، وكل أذناء ولود، هذه قاعدة، فالضب حينما يبيض؛ يضع البيض ذلك آخر العهد، فلما يخرج هذا الحسل، الضب الصغير، هو مباشرة يذهب، فلو أدركه أبوه؛ أكله، فهو مباشرة يذهب في سبيله، يعني: ليقتات، ليعيش، ويكون ذلك آخر العهد بأبوية، أعق من ضب، لا لقاء بعد ذلك يعني، بمجرد ما يخرج من هذا البيض ينطلق.

للعبد حالان، حال قبل القدر، فعليه أن يستعين بالله، ويتوكل عليه، ويدعوه، وحال بعد القدر، فعليه أن يحمد الله بالطاعة، ويصبر، ويرضى في المصيبة، ويستغفر في الذنب، وفي الطاعة من النقص.

طبعاً مضى الكلام على هذا، ولكن بقيت بقية، يعني: هنا قبل القدر، لا إشكال أنه يستعين بالله -تبارك وتعالى- ويتوكل عليه، ويسأل ربه الإعانة، والتسديد، وما إلى ذلك، لكن يبقى هنا شيء آخر، وهو: أنه بعد القدر، يقول هنا: عليه أن يحمد الله في الطاعة، ويصبر، ويرضى في المصيبة، هو على سبيل التفصيل أن حال الإنسان بعد القدر على حالين، بعد القدر، فهناك قدر يمكن مدافعته، فيدافع القدر بالقدر، مثل ماذا؟

سبق الكلام على هذا، وفي الأعمال القلبية في الكلام على الرضا، والصبر، والشكر، الآن هذا الإنسان الذي، كما جاء عن عمر لما ذهب إلى الشام، في الرجوع عن الطاعون، وضرب المثل لأبي عبيدة بالمرعى الخصب، والآخر الجدب، وقال: نفر من قدر الله إلى قدر الله[19] فهذا الإنسان الذي نزل به المرض هذا قدر، ما حاله بعد هذا القدر؟ إن كان ذلك مما يمكن أن يستشفى منه، ويعالج منه، وكذا تداووا عباد الله[20] فيشرع له التداوي، وإذا كان ذلك مما فات، ولا يمكن استدراكه، فهذا الإنسان مات مثلاً، تجارته غرقت، بيته احترق، فهنا لا مجال، لكن لو جاء، ووجد البيت يحترق؛ فإنه يدافع القدر بالقدر، يطفئ هذا الحريق، فما يمكن استدراكه؛ فإنه يدافع به القدر بالقدر، هذا بعد الوقوع، فهو على حالين، ما لا يمكن استدراكه، ليس أمامه إلا التسليم، والصبر.

وردت نصوص كثيرة في الوعد بالجنة، والنجاة من النار، على أعمال لا تكفي وحدها في ذلك بالإجماع، ووردت أيضاً نصوص في الوعيد على أعمال بالخلود في النار، أو تحريم دخول الجنة، وهي لا تخرج من الإسلام بإجماع السلف، فأصح الأقوال فيها، وأحسنها ما فيه تصديق للنصوص كلها، وهي أنها من باب الموجبات، والأسباب التي لا بد فيها من وجود الشروط، وانتفاء الموانع، وبهذا يزول الإشكال، وينتفي التعارض بين النصوص الصحيحة.

نعم، يعني الآن الأشياء التي جاء فيها الوعد، ولا تستقل بنفسها، مثل ماذا؟ أنه يدخل الجنة، من فعل كذا؛ دخل الجنة، يعني: الأحاديث الواردة، أن: ومن خرج إلى المسجد، فهو ضامن على الله[21].

وكذلك: من خرج في تشييع جنازة، في عيادة مريض... إلخ، فهو ضامن على الله، ومثل ماذا؟ الذي تجتمع له أعمال معينة في يومه، وليلته؛ دخل الجنة، وهي لا تستقل، يحتاج معها إلى أشياء أخرى، الإيمان، اجتناب كبائر الذنوب، الجرائم، المعاصي، الشرك، وما أشبه ذلك، فهنا يقال: مع تحقق الشروط، وانتفاء الموانع، واضح؟

هنا أيضاً كذلك الأعمال التي جاء فيها أنه يخلد في النار، مثل ماذا؟ أو لا يدخل الجنة، النمام مثلاً لا يدخل الجنة، من في قلبه مثقال ذرة من كبر[22]، الذي يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا [النساء:93] فهذا يقال: إن ذلك متوقف على تحقق الشروط، وانتفاء الموانع، وإلا فإن الله يغفر ما دون الشرك، فلا يخلد في النار أحد من الموحدين.

يعامل الناس في الحب، والبغض بما يظهر منهم مما يوجب ذلك.

 

هو هذا، يعني إذا كان النبي ﷺ وهو سيد الخلق يقول: بأنه ما أمر أن يشق عن قلوب الناس، ولا أن ينقر عن صدورهم، فكيف بغيره؟

وكما جاء عن عمر : إن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيراً أمناه[23] فمثل هذه الأشياء، إنما يحكم فيها، ويتعامل معها بمقتضى الظاهر، والبواطن إلى الله، قد مضى في الكلام على مجلس في قوله -تبارك وتعالى-: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125] هذا في مقام الدعوة، ثم قال: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [النحل: 125] قلنا هناك: بأن الإنسان ما أمر أن ينقر، ولا أن يشق عن قلوب الناس، أو يقول: فلان يتستر بالتوحيد، فلان يتستر بكذا، فلان يظهر السنة، وهو على خلاف ذلك، هذا لمن؟

هذا إلى الله، ليس للناس، ولما قتل أسامة الرجل الذي قال: لا إله إلا الله. قال: إنما قالها اتقاءً للسيف، قال: أفلا شققت عن قلبه[24].

علم الله بالأشياء، وآثارها لا ينافي ما علقها عليه من الأسباب، ولهذا أمثلة كثيرة، كحصول المغفرة، ودخول الجنة، وحصول النصر، كل هذا لا يمنع قيام العبد بأسباب ذلك، وأمره به.

نعم، يعني: لا يقول الإنسان: بأن الله -تبارك وتعالى- كتب علينا الأعمال، ومن ثم لا فائدة بالسعي، فيقال: مثل هذا يوجه إليك فيما أنت تزاوله إذن، من الأكل، والشرب، وطلب المعيشة، والعمل، والدراسة، وما إلى ذلك، فما بال الإنسان يسعى في هذه الأشياء، فإذا جاء العمل الصالح قال: الله كتب علينا الأعمال، فمثل هذا لا يصح الاحتجاج به، بل إن هذه الأمور مرتبة على أسباب، والله يقول: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ۝ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ۝ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ۝ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ۝ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ۝ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل:5-10].

فكما يقال في طلب المعايش، وما إلى ذلك: أن الإنسان يسعى، وأنه إذا جاع يأكل، وإذا عطش يشرب، فكذلك عليه كما يتوقا حر الشمس، وحر النار، وكما يتوقى الحية، والسَّبُع، والحفرة، كل هذا من باب فعل الأسباب، ويتوقى السيارات، وما إلى ذلك، فكذلك أيضاً هو بعمله، وعلاقته بربه -تبارك وتعالى- يحتاج أن يبذل الأسباب، فهذه صلة الرحم سبب لزيادة العمر، والزكاة سبب لنماء المال، وما إلى ذلك، هذا كله يفعله.

من رحمة الله تعالى أن النفل مثل الفرض في جبر خلل الفريضة عند التعذر، كالمحاسبة على الصلاة، وغيرها، ومن أحرم بحج نفل، وعليه فرضه فإنه ينقلب فرضاً، ومن عليه طهارة واجبة، ونسيها، ونوى المسنون، ونحو ذلك، والله أعلم.

إي نعم، يعني: الآن الإنسان المقصر في صلاته، الذي قد نقصها، ماذا يكون حاله؟ يستوفى من النوافل، فتكملها، وكذلك من حصل له تقصير في الصيام، فإنه يستوفى من نفله في الصوم، وقل مثل ذلك في الأمثلة التي ذكرها في الحج، والطهارة، وما إلى هذا، ولذلك يكثر الإنسان من النوافل، ولهذا ذكر شيخ الإسلام -رحمه الله- في التوبة من القتل؛ لأن القتيل لا يستوفي في الدنيا لا من القصاص، ولا من الدية، لا ينتفع بشيء، والنصوص الواردة شديدة في عقوبته، فشيخ الإسلام يقول: عليه أن يكثر من الأعمال الصالحة، من أجل أنه إذا حصل استيفاءٌ منه؛ فإنه لا يبقى بعد ذلك مفلساً لا حسنات له، ولذلك الناس الذي يقول: أنا تركت الصلاة مثلاً مدة من الزمن، ما كان يصوم، مفرط، ماذا يقال له؟ يقال: أكثر من التطوع، تتوب إلى الله، وتكثر من التطوع، لا يطالب بقضاء الصلوات السابقة.

قد تقرر أن بيع الغرر حرام، وأنه من الميسر، وقد يجوز بعضه إذا احتيج إليه، وكان الغرر يسيراً، أو كان تبعاً لغيره، فإنه يثبت تبعاً ما لا يثب استقلالاً، وكذلك إذا عارض ذلك ضرر أعظم منه أبيح دفعاَ لأعظم الفسادين بارتكاب أدناهما.

يعني: بيوع الغرر محرمة باعتبار ما فيها من الجهالة، فذلك نوع من المقامرة؛ لأنه يدخل في أمر لا يدري ما عاقبته، فالغرر إذا كان معتبراً، كان كثيراً؛ فإن ذلك لا يصح معه البيع، مثل ماذا؟

مثل: بيع العبد الآبق، هو لا يدري يجده، أو لا يجده، وكذلك بيع السمك في الماء، والطير في الهواء، يبيع جملاً شارداً لا يدري أين هو، فمثل هذا لا يصح، لكن يقول: إذا كان الغرر يسيراً، أو كان تبعاً لغيره فإنه يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً مثل ماذا؟

الآن الإنسان يشتري العقار، يشتري الدار، ولم يفحص في داخل الأسس، وفي داخل الأعمدة، وهو لا يدري عن هذه الأعمدة كم فيها من الحديد، وهذه الأسس ماذا تحتمل، وإنما ينظر إلى الظاهر، فهذه الأمور الخفية المدفونة تحت الأرض، أو نحو ذلك هو لا يطلع عليها، ومن ثم فإن ذلك يصح على سبيل التبع، وإلا فإنه يلحق الناس الحرج، ولا يمكن التبايع بعد هذا، يشتري هذه السيارة، وينظر إليها فتعجبه، لكن هذه السيارة هل يحتاج أن يفكك جميع أجزاء هذه السيارة حتى يعلم ما بداخلها، وهل يوجد فيها خلل، أو لا يوجد خلل، لا يجب هذا، ومن ثم فإن مثل هذه الأمور تغتفر.

وهكذا ما ذكره الفقهاء من بيع مثلاً الأشياء التي لربما جرى التعاطي، والتعامل بها، مثل بيع الفجل، والجزر، ونحو ذلك مما يكون مدفوناً، مغيباً، فيبيعه، مثل: البطاطس، ونحو هذا، وهذه الأشياء تكون مدفونة، فمن أهل العلم من منع هذا، ومنهم من قال: هذا يجوز، واضح؟

كذلك مسائل الغرر إذا دعت الحاجة، ولو لم يكن على سبيل التبع، يعني: بيع العرايا، يبيع الثمر، الرطب، وهو على رؤوس النخل بخرصها، هذا لم يحصل به التساوي، والتمر من الأموال الربوية، لا بد يداً بيد، وحتى لو نزله، فإن التمر يجف إذا يبس، يقل إذا يبس، ومع ذلك اغتفر لوجود الحاجة.

هناك أشياء، هنا يقول: إذا عارض ذلك ضرر أعظم منه؛ أبيح دفعاً لأعظم الفسادين بارتكاب أدناهما. وهناك تبقى صور هي محل نظر.

يعني: الآن كثير من مصالح الناس قائمة على أشياء أحياناً فيها غرر كبير، مثل ماذا؟ الآن لو قال له مثلاً: في مسألة المزارعة، والمساقاة على جزء من الثمرة، مما يخرج من الغلة، أو من الأرض، ولكنه يعني نسبة، يقول: خمسين بالمائة، النصف، لكن غير محدد طبعاً من الأرض، أن يقول: هذا الشطر، وهذا الشطر، فقد لا يخرج هذا؛ فهذا يمنع، لكن إذا كان ذلك مشاعاً؛ فلا بأس، طيب قد لا تخرج شيئاً، والرجل جالس يسقي، أو يزرع سنة كاملة، والأصل للأول، وهذا له نصف الثمرة، فما أخرجت شيئاً، أو جاءت الجائحة، وذهبت بها، فذهب عمله سنة كاملة، هذا فيه غرر، أو ما فيه غرر؟ لكن الناس يحتاجون إليه، وإلا تعطلت منافعهم.

المضاربات، هذا يعطيه مال، وهذا يشتغل، ما حصل ربح، فهل يستحق شيئاً؟ الجواب: لا، عمل سنة كاملة، ومع ذلك ما خرج بشيء، فيذهب كما جاء، واضح؟ يعني لو أنه عاد رأس المال فقط، فبهذه الحال لا يستحق شيئاً، فهذا فيه نوع من الغرر.

كذلك في مسألة الجعالة، الآن لو أنه قال: من يأتيني بكذا، من يجد ضالتي له كذا، طبعاً ما يدري، قد يخرج من الباب، ويجدها، ويحصل هذا، وقد يجلس يبحث عنها مدة طويلة، ويجند أناساً، ويعطيهم أجرة لعله يظفر بهذه الجائزة، أو العطية، ولا يجده، ويذهب جهده، وما دفعه من أموال، فلا يحصل له شيء، فهذا فيه غرر، ولكن مثل هذا الغرر لم يعتبره الشارع، واضح؟

قد يكون هذا العمل كثيراً، وقد يكون العمل قليلاً، في صور متنوعة، ومع ذلك، يعني: لو أنه قال له: اعمل، يعني: طلبه بشيء، بمشروع، بإقامة، بدراسة... إلخ، هذه الدراسة ما يدري ما مداها، واضح؟

مثلاً لو قال له: خلِّص لي هذه المعاملة، أو محامي، قال للمحامي: إن حصلت لي حقوقي الفلانية، أو خلصت لي العقار الفلاني؛ فلك النسبة الفلانية، أو لك الأجرة الفلانية، لك عشرة ملايين، فجلس هذا يعمل فيه سنوات، ويتردد على المحاكم، وجهات أخرى، ثم لم يخرج بشيء، واجتماعات، وسفر، وذهاب، ومجيء، ولا شيء، يستحق، أو ما يستحق؟ ما يستحق.

وقد يكون ذهب لأول مرة، وقابل خصمة، فذاك سلَّم له، وقال: نعم، أنا سأعطيه ما له من حق، بمجرد مقابلة، أو اتصال، وذاك سنة كاملة يذهب، ويجيء، ويجتمع، ويدرس القضية من جميع جوانبها، ومع ذلك ما خرج بشيء، لاحظ هذه القضايا فيها غرر، ولكنه مغتفر، تتعطل مصالح الناس.

وتبقى بعض الصور، يعني الآن مثل عقود المقاولات، الصيانة عفواً، الصيانة فيها غرر كبير، صيانة هذا المسجد مثلاً، قد يقول: أنا أتولى صيانة هذا المسجد بالسنة بمائة ألف، قد ما يغير فيه إلا لمبة واحدة، ولا يحصل في المسجد أي خلل، وقد يحصل خلل كبير أكثر من هذه القيمة، أو الأجرة التي أخذها، فهذه عقود الصيانة بالملايين، أدري تمشي عليها اليوم أعمال شركات، بالملايين، بل أحياناً بعشرات، أو مئات الملايين، وقد لا يكون العطب الذي يحصل، أو الخلل في ذلك العام هو لا يكلف، ولا عشرة آلاف، فهذا فيه غرر، جهالة، هل هذا يجوز؟

من أتلف شيئاً من مال غيره لإصلاح الباقي، أو سلامته؛ فليس بضامن، إذ هذا مأذون فيه شرعاً، وعرفاً، وهو محسن، ومَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ [التوبة:91] وخرق الخضر للسفينة الصالحة لتسلم من الملك من هذا الباب.

نعم، وقد مضى الكلام على هذه القضية، يعني: مثل لو أنه دفع لقطاع الطريق مثلاً، من هذا المال الذي اؤتمن عليه، من أجل أن يسلم، معه مائة ألف، فأعطاهم عشرة آلاف، لا يضمن، من أجل أن يسلم باقي المال، لو أنه وجد غنم جاره، أو أن ذاك أعطاه وديعة، أو نحو ذلك، فرأى هذه مريضة، توشك أن تموت، فذبحها؛ من أجل أن ينتفع بها، وبلحمها، فهل يضمن؟

الجواب: لا، هو ذبحها من أجل أن ذلك أخف الضررين، وقل مثل ذلك في صور كثيرة، لو أن هذا الإنسان غاب عن أهله، أو غاب عن داره، أو غاب عن ضيعته، عن مزرعته، عن بهائمه، فجاء هذا الإنسان، وقام عليها، وتصرف تصرفاً من أجل حفظها، فباعها مثلاً، تحتاج إلى مؤنة هذه البهائم، ولا يستطيع هذا، ستموت، فمثل هذا لا يضمن، هذا في التصرف.

وكذلك أيضاً في الإتلاف، إذا كان من أجل استبقاء البعض؛ فإنه لا يكون ضامناً، الطبيب أحياناً يكون أمام حالات لا بد أن يتصرف، ولا يستطيع حينها أن يأخذ توقيع هذا المريض أو ولي المريض، والموافقة، فاستأصل جزءاً، لما فتح البطن؛ رأى أنه لا بد هنا أن يتصرف، فاستأصل جزءاً من الأجزاء من أجل أن يبقي على هذا المريض، ففي هذه الحال لا يكون ضامناً، وهكذا.

المال المكسوب بعقد فيه إعانة على محرم لا يطيب لصاحبه، ولا يرد على من أُخذ منه، بل يصرف في المصالح العامة.

نعم، المكسوب بعقد فيه إعانة على محرم لا يطيب لصاحبه، ولا يرد على من أُخذ منه، بل يصرف في المصالح العامة، مكسوب بعقد فيه إعانة على محرم، يعني: لو أجر هذا العقار على بنك، أو على صرّافة لبنك، أو على لوحة، أجر سطح البناية لوحة كبيرة، دعاية لبنك، أو شركة تأمين محرمة، فهل حينما جاء، وسأل، وقال: أنا ماذا أفعل؟ نقول: هذا ما يجوز، طيب هذه الأجرة يردها على البنك؟

الجواب: لا، لا يردها على البنك، هذا الإنسان كان لربما يقوم بأعمال، يعني: يوصل أهل المنكر إلى، يعني يكون وسيطاً بمال، يوصلهم إلى هذه المنكرات، أو يوصل هذه المنكرات، أو نحو ذلك، فتاب، فهذا عقد على أمور معينة على الحرام، ففي هذه الحال لا يرد المال إليهم، ولا يطيب له أخذه، بل يصرف في المصالح العامة.

المنفعة التي لا قيمة لها في العادة بمنزلة الأعيان التي لا قيمة لها، لا يصلح أن يرد عليها عقد إجارة، ولا بيع بالاتفاق.

المنافع التي لا قيمة لها في العادة، مثل ماذا؟ مثل الظل، هو يريد أن يستظل بظل الجدار، هذا الإنسان عابر سبيل، أو أنه عامل، أو غير ذلك، ويريد أن يستظل بظل، هل هذا يحتاج إلى عقد أجار على ذلك، يريد أن يوقف سيارته في الظل، ولا يؤذي جاره، هو ليس بحاجة إلى هذا المكان، فهل هذا يحتاج إلى عقد؟

الجواب: لا، هل يحتاج إلى استئذان في مثل هذا؟ تجدون في مثل "قواعد ابن رجب" ويذكر بعض الفقهاء: أن مثل هذا يمكن أن يستأذن فيه، لكنه يسقط فيه الاعتبار، اعتبار الإذن إن امتنع؛ لأنه يجب بذل ذلك مجاناً.

يعني مثلاُ: لو أنه أراد أن يضع الخشب على جدار الجار، يريد أن يضع خشبة، فمثل هذه، يسقف فيها سقيفة عنده في الحوش، أو نحو هذا، فهو يستأذن، طيب لو أنه ما أذن، فهنا يسقط حقه، حق صاحب الجدار؛ لأن مثل هذا لا يتضرر به؛ فيجب بذله مجاناً، فلا يؤجره، ويقول: والله أنا، تدفع لي أجرة لأنك وضعت هذه الخشبات على جداري، مثل هذه بذل المنافع.

لكن تبقى بعض الصور، وبعض الأشياء تحتاج إلى نظر، يعني: هذا الجار عنده مثلاً هذا الاشتراك في الانترنت عموماً، ويوصل إلى جاره، ويستطيع أن يقفله، ما أقفله، يضع له رقم سري، وما فعل، فهل يجوز لجاره أن ينتفع به، أو لا؟ هذا يحتاج إلى نظر، من أي جهة؟

من جهة الضرر الذي يحصل، هو لا يحصل على ذاك ضرر بحيث أنه يبطئ مثلاً الدخول للخدمة، لكنه قد يحصل له ضرر لو أنه كتب، أو دخل إلى مواقع، أو نحو ذلك، هي تحسب على من؟ على المشترك، نعم، الأساسي، فهنا يحصل ضرر، فلا يقال: إنه لا يتضرر مطلقاً إذن لا يعتبر إذنه في هذا.

كل من اعتقد شيئاً؛ وجب العمل به له، وعليه، وليس لأحد أن يعتقد أحد القولين فيما له دونما عليه.

إي نعم، وهذا سبق الكلام عليه، وذكره الشاطبي أيضاً في كتاب "الموافقات" [25] ومضى من هذا الكتاب أيضاً بعض الأمثلة على ذلك، يعني: فيما يتخيره لنفسه، هو يعتقد مثلاً أن الشفعة جائزة في المال الذي لم يقسم، إذا صار له حق؛ طالب بالشفعة، وإذا صار عليه؛ قال: أنا حنفي، أنا لا أعتبر الشفعة، وبدأ يبحث عن أدلة الأحناف، وعن حججهم، هو يريد أن يبيع نصيبه، فجاء شريكه، وقال: لا، أنا أحق بذلك. فقال: لا، لا شفعة لك؛ لأن الشفعة هذه أصلاً فيها نظر، فيكون بذلك متخيراً باعتبار اتباع الهوى، الشاطبي تكلم في مسائل الاجتهاد، والتقليد في آخر "الموافقات" على قضايا كهذه، أنه تجد هذا الإنسان في الشيء الذي يكون له به مصلحة، أو لقريبة، أو لمن يريد أن ينفعه، يبنيه على قول، وإذا كانت القضية بالعكس أخذ بالقول الآخرة، فهذا أحد صور اتباع الهوى[26].

وأصول الشريعة تفرق في المنهيات بين المحتاج، وغيره كما في المأمورات، ولهذا يقال: كسب فيه دناءة خير من مسألة الناس، ويجب قضاء الواجبات بمال مشتبه، وأخذ المحتاج من مال اليتيم، ومن عطايا السلطان، وأجرة التعليم، وغير ذلك.

إي نعم، يعني: الآن الأشياء المنهية، الله نهى عن مال اليتيم، لكن قال: وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ [النساء:6] فيجوز له ذلك، كذلك أيضاً لو أنه عنده مال فيه شبهة، وعليه دين، فإنه يقضي هذا الدين بالمال الذي فيه الشبهة، ولا يبقى معلقاً بدينه، والإمام أحمد -رحمه الله- وكذلك شيخ الإسلام، تكلموا على مثل من يتورع عن بعض الديون التي لميته على الناس؛ خشية أن يكون فيها مكاسب ليست بتلك، فيتورع منها، وعلى الميت دين، فيتركه معلقاً بدينه، ولا يأخذ الحقوق التي له عند الناس تورعاً، فهذا خطأ.

وهكذا إذا كان هذا الإنسان محتاجاً فقيراً لم يجد أن يأكل إلا من الحجامة، أو عنده مملوك، أو خادم، ما وجد شيئاً يطعمه منه إلا الحجامة، فماذا يفعل؟ هنا كسب فيه دناءة خير من مسألة الناس، يقول: وأخذ المحتاج من مال اليتيم، ومن عطايا السلطان، وأجرة التعليم، يعني: لو أنه اشترط -كما كان بعض المحدثين- يعني: يشترط ألا يحدث إلا بـأجرة، ويحتج أنه ما عنده كسب، ولا عنده مورد، ففي هذا الحال يرخص له، وإلا فإن الإنسان لا يشترط على التعليم، تعليم القرآن، تعليم العلوم الشرعية.

بذل المال لا يجوز إلا لمنفعة في الدين، والدنيا، وهذا متفق عليه بين العلماء، ومن خرج عن هذا كان سفيهاً مبذراً لماله، فالحي ينفق ماله في منافع دينه، أو مباحات دنياه، وأما الميت في أوقافه، ووصاياه، فتتعين منافع الدين في حقه؛ ولهذا اشترط في الوقف القربة، فلا يصير إلى جهة محرمة، أو مكروهة، أو مباحة، بل إما إلى واجب، أو مستحب، وعلى هذا فالشروط المتضمنة للأمر بما نهى الله عنه، ورسوله، أو النهي عما أمر الله به، ورسوله، مخالفة للنص، والإجماع.

الآن ضابط الإسراف، والإتلاف للمال، والتضييع، والتبذير، هو أن يصرف المال في غير وجهه، ماذا يكون شرح هذه العبارة، ما يدخل تحتها؟ يقال: في غير وجهه، إذا صرف قليلاً، أو كثيراً في حرام، هذه واحدة، يعني: لو أنه اشترى شيئاً محرماً، أن هذا الإنسان يدخن، فاشترى سيجارة، واحدة -أعزكم الله- فإن هذا يعتبر تبذير، وتضييع للمال، صرف المال قل، أو كثر في الحرام فهذا من التضييع، والتبذير، هذا واحد.

الأمر الثاني: صرفه فيما لا فائدة فيه، هذا يعتبر من إضاعة المال، والله -تبارك وتعالى- نهانا عن هذا، فصرف المال فيما لا فائدة فيه، ما لا فائدة فيه مثل ماذا؟ تضييع المال، مثل لو أنه في الألعاب النارية، يشتري كميات بمبالغ كبيرة، فيكون هذا من قبيل التضييع للمال، بعض أهل العلم تكلموا على شراء الزهور، والأشياء هذه التي لا نفع فيها، وجعلوا ذلك من الصور التي لا يحسن بذل المال فيها، وأنه من قبيل إضاعته، ولذلك لم يكن هذا مما يحسن من المكاسب.

كذلك بذل المال في الملاهي، ولا سيما إذا كان ذلك كثيراً، فإن هذا يكون من قبيل إضاعة المال، يعني: لو أنه أخذ مثلاً ريالاً، وأحرقه، ما اشترى فيه معصية، ماذا يعتبر هذا؟ من التبذير، هناك صور ليست إحراق، لكنها تشبه هذا الإحراق، فإن كان فيه ضرر في الدين، أو في الدنيا، فإن ذلك من التبذير، والإضاعة قطعاً، وإن لم يكن فيه ضرر فإن هذا إذا كان لا فائدة فيه؛ يكون من التبذير، لكن في باب القرب هنا لا يقال، في الوقف يقال: في نفع ديني فقط، قربة فيما يتقرب به إلى الله، هذا المقصود بالنفع الديني، أما الأمور الدنيوية فلا يصح صرف الأوقاف فيها، فلو أنه جعل من مصارف الوقف، أو جعل وقفاً كاملاً لأمر دنيوي محض؛ فإنه لا يصرف، ولا ينفذ فيه، واضح؟

لو أنه قال مثلاً: هذا وقف على هذا النادي الرياضي، ينفذ، أو لا ينفذ؟ لا ينفذ، وإنما يصرف لمصارف أخرى، فقراء، أو نحو ذلك.

نصف المستوفين في الأعمال، والمحاسبين، والقابضين، والمتصرفين، قد يجب إذا لم تتم مصلحة قبض المال، وصرفه إلا به، وإذا قام المستوفي بما عليه؛ وجب له ما فرض له.

إي نعم، يعني الآن مثلاً: عندنا وقف، أو عندنا أوقاف، هذه الأوقاف، عندنا عمارات فيها محال تجارية، فيها شقق تؤجر، فيها أمور تحتاج إلى مستوفين، تحتاج إلى محاسب رسمي، محاسب قانوني، تحتاج إلى توظيف ناس يتابعون، ويأخذون هذه الإيجارات، تحتاج ناس مشرفين، تحتاج ناس يصلحون ما فسد منها، فهنا قد يجب ذلك، ويكون من حفظ هذه الأوقاف، فيعطى هؤلاء من هذه الأوقاف، وإن لم يذكر ذلك الموقِف.

ولا ريب أن السعي في تمييز المستحقين للأوقاف، والأرزاق من بيت المال، وغيره من غيرهم، وإعطاء الولايات، والأرزاق من هو أحق بها، والعدل بين الناس، وفعله بحسب الإمكان، هو من أفضل عمل ولاة الأمور، بل من أوجبها عليهم، فإن الله يأمر بالعدل، والإحسان، والعدل واجب على كل واحد في كل شيء.

هذا واضح على كل حال، أن يختار للأوقاف من هو الأصلح، طبعاً ينظر أولاً في شرط الواقف، وفيما وضعه من النظَّار، لكن إذا فني هؤلاء النظَّار، ولم يكن عنهم من يخلفهم بحسب ما نص عليه الواقف، فإن ذلك يرجع إلى الحاكم، يرجع إلى القاضي، فهنا ينظر فيمن هو أصلح في القيام بهذه الأمور، فلا يدخل فيها المحاباة، وإنما ينظر الأصلح، وهكذا في الولايات، القيام على الأيتام، وما أشبه ذلك، والتعيين في الولايات، ينظر في القوي الأمين.

صرف الأموال التي أخذت بغير حق في المصالح العامة أولى من إبقائها بأيدي الظلمة، وصرفها فيما لا ينفع، لكن إذا أمكن ردها إلى أهلها كان هو الواجب.

إي نعم، يعني هذه أموال الآن بأيدي ناس من الظلمة، أخذوها على طريق مكوس، عن طريق ضرائب، عن طريق غصب، لكن أين أصحابها؟ لا يعرف، قد يكون هذا الإنسان الذي أخذها فر، فلم يعرف له أثر، قد يكون هذا الإنسان مات، فمن أين اجتمعت هذه الأموال، الآن مثل هذه الأموال التي تسترد في بعض البلاد الإسلامية، التي أخذها هؤلاء الظلمة، هذه ما يعرف كيف جمعوها، ومن أين أخذوها، فلا يعرف أصحابها، فلو عُرف أصحابها، أن هذا المال بعينه، هذه العقار، هذه الأرض مغصوبة من فلان، فإنها ترد عليه، لكن إذا ما عرف، فإنها تصرف في المصالح العامة، ترجع إلى يبت المال، ولا تترك بأيديهم.

جميع الأيمان إذا حنث فيها ففيها كفارة يمين، سواءً كانت بصيغة القسم، أو التحريم، أو الشرط، أو غيرها؛ لقوله تعالى: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ [التحريم:2] وروح اليمين، ومقصودها هي: التي يقصد بها لحث على الشيء، أو المنع منه، ويتوسل إلى ذلك باليمين بأي نوع تكون.

إي نعم، يعني بأي عبارة كانت، فإنما الأعمال بالنيات، فاليمين تارة تكون مصرحاً بها، كأن يقول: والله، سواءً كانت هذه اليمين يميناً تامة، مستوفية لفعل القسم، وحرف القسم، والمقسم به، والمقسم عليه، فيقول: أقسم بالله لأفعلن كذا، هذه أجلى صورة لليمين، يذكر فيها فعل القسم، وحرف القسم، والمقسم به، والمقسم عليه، الأربعة.

وقد تكون هذه ظاهرة، ولكنها اختصرت، فترك فعل القسم مثلاً، أو ترك المقسم به، فيقول: أقسم لأفعلن كذا، أو يقول: والله، ويترك فعل القسم، وقد تكون مضمرة، كأن يقول مثلاً: لأفعلن كذا، فاللام هنا للقسم، ففيه قسم مقدَّر محذوف، فهذا كله يمين، هذه كلها يمين، بمعنى أنها سواء كانت ظاهرة، أو مضمرة، لكن هناك أشياء ليس فيها لا ظاهرة، ولا مضمرة، ولكنه يقصد بها اليمين، فترجى مجرى اليمين، مثل لو قال مثلاً: عليَّ كذا، عليَّ الطلاق، وهو يقصد منع نفسه، أو إلزامها بالفعل، فإن هذا يحمل محمل اليمين، إذا ما قصد تطليق امرأته، واضح؟

وهكذا لو أنه قال بالحرام، أو نحو ذلك، أو كان معلقاً بالشرط كما يقول شيخ الإسلام -رحمه الله- يقول لامرأته مثلاً: إذا فعلت كذا فأنت طالق، إذا خرجتي من الدار، وهو يقصد منعها فقط لا تطليقها، فإن ذلك يجري مجرى اليمين.

وكذلك العلماء ذكروا صوراً أخرى، لو قال: إنه إن فعل كذا؛ فهو يهودي، هذا لا يجوز، حرام، ولكنه يقصد المنع، فبعض أهل العلم قال: لا يعتبر، وبعضهم قال: هذا يجرى مجرى اليمين، وإن كان محرماً.

واختلفوا في الحلف بغير الله، هل يكون فيه كفارة، أو لا يكون فيه كفارة، فالمقصود هنا من كلامه أنه، وإن لم يذكر اليمين المصرح بها الظاهرة، أو المضمرة، وإنما ذكر لفظاً آخر، فإنه، بل تكلم أهل العلم، الإمام أحمد عنه أكثر من رواية فيما لو قال الرجل: حلفت، أو حالف، هو ما حلف، هو يقول: حلفت، ما قال: والله، فهو يقول: حلفت، وهو لم يحلف في الواقع، هل هذا يعتبر يمين، أو لا يعتبر يمين؟ فمن أهل العلم من يقول: هذا يمين، ومنهم من يقول: هذا ليس بيمين [27].

كذلك ألفاظ النذر، الذي يسمونه لجاج، يعني: لو أنه قال: إن فعلت كذا؛ لأصومن شهراً، إن فعلت كذا؛ لأتصدقن بمالي، إن فعلت، هو يقصد منع نفسه، النذر في الأصل أن ينشأه الإنسان يريد به الطاعة، فيقول مثلاً: إن شفا الله مريضي كذا، فيكون معلقاً على شرط، أو يكون ابتداءً، يعني لا يعلق على شرط، يقول: عليَّ نذر لله أن أتصدق بكذا، دون أن يعلقه، لكن لو قصد منع نفسه، قال: إن فعلت المعصية الفلانية؛ لأصومن شهراً، إن اغتبت إنسان؛ لأصومن شهراً، هنا هذا الذي يسميه بعض أهل العلم بنذر اللجاج، يقولون: فيه كفارة يمين؛ لأنه قصد به اليمين.

ولذلك بعض الناس يسأل أحياناً، تقول بعض النساء: أنا قلت: علي نذر ما تفعل كذا -لاحظ هنا ما قال: أفعل كذا- علي نذر ما تفعل كذا، طيب نذرتي ماذا؟ تقول: هكذا قلت، نذر علي أنك ما تسافر، فهذا تقصد به اليمين، فيكون كفارة يمين.

من أكره على عقد، أو فسخ، أو شرط، أو غيرها، فأوقع ما أكره عليه، فإن كان بحق بأن امتنع مما وجب عليه، فأكره عليه، صار كالاختيار، ونفذ ما أكره عليه من ذلك، وإن كان بغير حق لم يثبت، ولم ينفذ شيء من ذلك.

نعم، يعني الإكراه هنا فيما يوقعه الإنسان من عقود، أو حلها، أو نحو ذلك، لو أكره على الطلاق، أو أكره على عقد نكاح، أو أكره على صفقة بيع، أو شراء، أو نحو ذلك، فهذا غير معتبر، إلا إن كان بحق، بحق مثل إنسان حجر عليه، فألزمه القاضي بالبيع؛ لأنه يتلاعب بأموال الناس، ويمطل، وما إلى ذلك، وعنده أشياء، فأكرهه، ألزمه بالبيع، على خلاف، هل القاضي يقوم بذلك عنه، يعني الذي يجري هذه الصفقة، والبيع، والشراء، وما إلى ذلك، أو التطليق هو القاضي يقوم مقامه، أو أن ذلك يكون صادراً منه؟

على قولين لأهل العلم، لكن ممكن إذا كان ذلك بحق، كأن يكرهه القاضي على تطليق امرأته، أو أن يكرهه على بيع بعض المال من أجل إيفاء الناس حقوقهم، فهذا لا إشكال فيه، أما إن كان من غير حق فإن هذا لا يجوز، ولا ينفذ، لو مسك بالقوة، مسكوه ناس من قرابة المرأة فقالوا: تطلقها، وإلا قتلناك، تلفظ بالطلاق الآن، فتلفظ بالطلاق، هل يقع؟

الجواب: لا، ما يقع، ولا يحتاج إلى رجعة، يعني ما يحتاج إلى مراجعة؛ لأن الطلاق لم يقع.

ويجوز للإنسان أن يبذل ما يتوصل به إلى أخذ حقه الممنوع، أو دفع الظلم عنه، مع أنه لا يحل للآخذ.

لا يحل للآخذ، يعني لو أنه ما استطاع أن يصل إلى حقه المكتسب الثابت إلا بالرشوة، فإنه يجوز أن يبذل ذلك مع أنه لا يحق للآخذ، الحق المكتسب، ما هو الحق الذي ليس بثابت له، حق مكتسب ثابت، هذا إنسان له حق، له مستحقات مالية، وهذا الموظف يماطله، أو يقول له مباشرة: تعطيني، أو ما تأخذ، فماذا يصنع؟ يجوز له أن يدفع، ويحرم على ذاك الأخذ.

أما الذي ليس بحق مكتسب فلا يجوز، يقول: وظفني، فيقول له ذاك: تعطيني راتب شهر، انقلني من مكان الفلاني إلى المكان الفلاني، يقول: تعطيني راتب شهر، هذا لا يجوز؛ لأنه ليس بحق مكتسب له.

  1. أخرجه مسلم، كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، برقم (1631).
  2. أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها، برقم (132).
  3. أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب في رد الوسوسة، برقم (5112)، وصححه الألباني في التعليقات الحسان، برقم (147).
  4. انظر: آداب الشافعي ومناقبه، لأبي محمد الرازي (148).
  5. انظر: المصدر السابق (149).
  6. أخرجه البخاري، كتاب الزكاة، باب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد في الفقراء حيث كانوا، برقم (1496).
  7. أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، بَابٌ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ [التوبة:5]، برقم (25).
  8. أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب ما جاء في غسل البول، برقم (218)، ومسلم، كتاب الطهارة، باب الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه، برقم (292).
  9. أخرجه البخاري، كتاب المساقاة، باب فضل سقي الماء، برقم (2365)، ومسلم، كتاب السلام، باب تحريم قتل الهرة، برقم (2242).
  10. أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه، وأن من قتل نفسه بشيء عذب به في النار، وأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، برقم (109).
  11. أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب فضل السجود، برقم (806)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية، برقم (182).
  12. أخرجه الترمذي في سننه، برقم (2488)، وصححه الألباني في التعليقات الحسان، برقم (469).
  13. أخرجه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاتي الصبح والعصر، والمحافظة عليهما، برقم (634).
  14. أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه، برقم (91).
  15. أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها، برقم (2556).
  16. أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب المساجد في البيوت، برقم (425)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب الرخصة في التخلف عن الجماعة بعذر، برقم (263).
  17. أخرجه في سننه، كتاب الجنائز، باب في التلقين، برقم (3116)، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح، برقم (1621).
  18. أخرجه مسلم، كتاب الفضائل، باب شفقته ﷺ على أمته ومبالغته في تحذيرهم مما يضرهم، برقم (2285).
  19. أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الجامع، باب ما جاء في الطاعون، برقم (3329)، وصححه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان، برقم (2942).
  20. أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الطب، باب ما أنزل الله داء، إلا أنزل له شفاء، برقم (3436)، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (2930).
  21. أخرجه ابن حبان في صحيحه، كتاب البر والإحسان، باب إفشاء السلام وإطعام الطعام، برقم (499)، وصححه الألباني في التعليقات الحسان، برقم (499).
  22. أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه، برقم (91).
  23. أخرجه البخاري، كتاب الشهادات، باب الشهداء العدول، برقم (2641).
  24. أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله، برقم (96).
  25. انظر: الموافقات، للشاطبي (5/ 90).
  26. انظر: المصدر السابق.
  27. انظر: المغني، لابن قدامة (7/ 401).

مواد ذات صلة