الأربعاء 15 / شوّال / 1445 - 24 / أبريل 2024
(05) تتمة الأنواع - النوع العاشر أسباب النزول
تاريخ النشر: ٠٣ / رجب / ١٤٢٩
التحميل: 2836
مرات الإستماع: 1825

قال المؤلف -رحمه الله- تعالى:

النوع العاشر أسباب النزول، وفيه تصانيف ما روي فيه عن صحابي فمرفوع، فإن كان بلا سند فمنقطع، أو تابعي فمرسل، وصح فيه أشياء: كقصة الأفك، والسعي، وآية الحجاب، والصلاة خلف المقام، وعَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ [التحريم:5] الآية".

 

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

بالأمس لربما تجاوزنا هذه الأشياء دون أن أتنبه إلى التعليق عليها، ثم ذكرها الأخ بعد ذلك، فلا بأس سنعلق على ما لم يتم التعليق عليه، ثم نبدأ بما كان ينبغي أن نبدأ به هذا اليوم.

سبب النزول هو ما نزلت الآية أو الآيات متحدثة عنه أيام وقوعه، من واقعة أو سؤال، وهذا يخرج ما في القرآن من القصص والأخبار التي تحكي ما حصل للأمم السابقة مثلاً، أو حوادث متقدمة، فسورة الفيل مثلاً: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ [الفيل:1] لا يقال: إن سبب النزول هو مجيء أبرهة، وما نزل بهؤلاء من العذاب والهلاك، فهذا ليس هو سبب النزول، إنما سبب النزول ما نزلت الآية أو الآيات متحدثة عنه أيام وقوعه؛ بهذا القيد، والقرآن منه ما نزل ابتداءً، وهذا أكثر القرآن، ومنه ما نزل على سبب.

وأما ما يتعلق بفائدة معرفة أسباب النزول، فأظن أني تعرضت لها بالأمس، يقول: وفيه تصانيف ذكرت جملة من المؤلفات، أليس كذلك؟

يقول: وما روي فيه عن صحابي فمرفوع، سبب النزول على نوعين: منه ما هو صريح، ومنه ما هو غير صريح، فالصريح أن يذكر واقعة أو سؤال، ثم يقول: فأنزل الله كذا! أنزل الله الآية، أو فنزلت الآية، أو نزلت هذه الآية بسبب كذا، فهذا له حكم الرفع؛ لأن الصحابي أو الراوي يتحدث عن قضية تتعلق بنزول القرآن على النبي ﷺ فهذا لا إشكال فيه أن له حكم الرفع، يبقى النوع الثاني هو غير الصريح، كقوله نزلت هذه الآية في كذا! نزلت هذه الآية في الرجل يعمل كذا وكذا، فهذا غير صريح، فمثل هذا هل له حكم الرفع؟

هذا الذي وقع فيه الخلاف، فبعضهم يدخل هذا في المرفوع، وبعضهم لا يدخله فيه، باعتبار أن ذلك من قبيل التفسير من الصحابي، يعني أن هذا مما يدخل في معنى الآية أو في حكمها، ولا يقصد به سبب النزول.

طبعًا هذا من حيث الجملة، لكن قد يوجد من هذا القبيل أشياء، وإن عبر بها بمثل هذه العبارة، لكنها في حقيقة الأمر يراد بها سبب النزول، لكن نحن نقول: العبرة بالأغلب، والقواعد أغلبية، ولا عبرة بما خرج عن ذلك، ومن ثم يمكن أن نقول: بأن ما قيل فيه نزلت هذه الآية بكذا أن هذا ليس له حكم الرفع، وأما السبب المصرح بالنزول، أو ما كان من قبيل الصريح بسبب النزول فهذا له حكم الرفع.

طيب إذا جاء هذا من طريق الصحابي، يقول هنا: ما روي فيه عن صحابي فمرفوع، فإن كان بلا سند فمنقطع، كان بلا سند، كأن يقول مثلاً المصنف كالواحدي -وإن كان الواحدي يروي بالأسانيد- لكن لو أنه قال: سبب نزول هذه الآية كذا وكذا بلا إسناد، فمثل هذا يقول: فإن كان بلا سند فمنقطع، أو تابعي فمرسل، تابعي يعني: إذا أسقط الصحابي، فيكون من قبيل المرسل، وهذا بناء على اصطلاحاتهم في هذه الأشياء ما هو المنقطع، وما هو المرسل، فالمشهور أن المرسل مرفوع التابعي إلى النبي ﷺ.

فإذا ذكر التابعي سببًا لنزول الآية؛ فهذا له حكم الرفع، لكنه مرسل، والمرسل من أنواع الضعيف، إلا إذا وجد ما ينجبر به، إذا قاله من دون التابعي، هنا يقول: فمنقطع، بمعنى أنه لو قال مثلاً: أبو داود، أو البخاري سبب نزول هذ الآية كذا مثلاً، حصل كذا وكذا فنزلت الآية؛ يقول: فمنقطع! على كل حال بعضهم يسمي هذا أيضًا بالمرسل، ولهذا يقول صاحب مراقي الصعود:

ومرسل قولة غير من صحب قال إمام الأعجمين والعرب[1]

فأطلق، فكل من صدر منه ذلك يسميه مرسل، لكن المشهور أنه مرفوع التابعي، وبعضهم يقيد هذا بالكبير كبار التابعين، فهذه اصطلاحات على كل حال، فالمقصود أن أسباب التزول لها حكم الرفع فإن قاله الصحابي، وإلا فإن صدر عمن دونه كالتابعي فإنه يكون من قبيل المرسل، وإلا يعني فمن دون التابعي فعند المصنف يسميه بالمنقطع.

قال -رحمه الله-:

"ومنها ما يرجع إلى السند، وهو ستة: المتواتر، والآحاد، والشاذ.

الأول: ما نقله السبعة، قيل: إلا ما كان من قبيل الأداء.

والثاني: كقراءة الثلاثة والصحابة.

والثالث: ما لم يشتهر من قراءة التابعين، ولا يقرأ بغير الأول، ويعمل به إن جرى مجرى التفسير، وإلا فقولان، فإن عارضها خبر مرفوع قدم، وشرط القرآن صحة السند، وموافقة العربية، والخط".

يقول: ومنها ما يرجع إلى السند، وهو ستة: المتوتر، والآحاد، والشاذ، ثم بدأ يتكلم عن هذه، فقال:

الأول: ما نقله السبعة، وهم: نافع، وابن كثير، وأبو عمر، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي، يقول: ما نقله السبعة هذا هو المتواتر، وهذا قال به طائفة من أهل العلم، إلا أن الأقرب أنه لا يتقيد بذلك، المتواتر عند القراء الأقرب أنه يفسر بمعنى يختلف عما يريده المحدثون، فعند المحدثين المشهور أن المتواتر ما رواه جمع عن جمع يستحيل أو تحيل العادة تواطؤهم على الكذب في كل طبقة من طبقات الإسناد، وكان مستند خبر هؤلاء الحس.

وهذا التعريف في نظري لا إشكال فيه؛ لأن المقصود الكلام على التواتر من حيث هو باعتبار أنه التتابع، لكن ما دخل في هذا الباب من كلام المتكلمين من الحكم بأن أخبار الآحاد تفيد الظن بإطلاق هذا مردود، نقول: لا مشاحة في الاصطلاح بشرط إلا يترتب على هذا الاصطلاح المحدث حكم، فإن ترتب عليه حكم؛ رد، فإن جاء من يقول: بأن خبر الواحد يفيد الظن، نقول: هذا اصطلاح محدث، ولا يعرف لا في زمن النبي ﷺ ولا في زمن الصحابة، والأدلة كثيرة من حال النبي ﷺ وفعاله، وهكذا ما كان عليه أصحابه من الاعتبار بخبر الواحد إذا كان ثقة، فمسألة إفادة العلم بخبر الواحد هذه قضية تعتمد على معطيات معينة؛ من عدالة النقَلَة، وثقتهم، واتصال السند، والسلامة من الشذوذ والعلة القادحة في السند والمتن، وما إلى ذلك، فهذه إذا وجد الإسناد الثابت الصحيح، لا سيما إذا كان محتفًّا بالقرائن فهذا يفيد العلم.

الشاهد: أن المحدثين المشهور أنهم يعرفون المتواتر بهذا: ما رواه جمعًا عن جمع، تحيل العادة تواطؤهم على الكذب في كل طبقة من طبقات الإسناد، وكان مستند خبرهم الحس، عند القرّاء قد لا يراد هذا المعنى، ولا مشاحة في الاصطلاح كما ذكرت لكم في كلام صاحب المراقي في معنى المرسل، وفي كلام المحدثين العراقي يقول:

مرفوع تابع على المشهور مرسل أو قيده بالكبير
أو سقط راو منه ذو أقوال والأول الأكثر في الاستعمال[2]

انظر الفرق بين التقريرين، فهذا أصولي، وهذا من أهل الحديث، فهنا نفس القضية، وهذه انتبهوا لها جيدًا الذي يظهر -والله تعالى أعلم- أن مراد القراء حينما يطلقون التواتر، أو يشترطون التواتر في القراءة أنه ما اجتمع فيه ثلاثة شروط، وأحيانًا لك أن تقول: ثلاثة أركان، هذه الأركان الثلاثة ما هي؟

الأمر الأول: صحة الإسناد، ولا يشترط له التواتر الذي عند المحدثين.

والأمر الثاني: موافقة الرسم العثماني، ولو احتمالاً.

والأمر الثالث: موافقة العربية، ولو بوجه، وإن لم يكن هذا هو الأفصح، أو الأشهر في لغة العرب، هذه ثلاثة شروط، فإذا تحققت فإن هذا يقال له: المتواتر، سواء كان ذلك من قراءة السبعة، أو من قراءة غيرهم، هذا من حيث الجملة، فقراءة السبعة في الجملة هي من قبيل التواتر، كما أن قراءة الثلاثة المكملة للسبعة هي من قبيل التواتر في الجملة، وتبقى آحاد ومفردات من قراءات إذا انطبقت عليها هذه الشروط، ولم تعد عند أهل الفن من أئمة القراءة من القراءات المنكرة أو الشاذة، أو نحو ذلك؛ فإنها تقبل، وسيأتي إيضاح أكثر لهذا -إن شاء الله-.

يقول: الأول: -يعني المتواتر- ما نقله السبعة، والسيوطي -رحمه الله- مسبوق إلى هذا، لكن الأقرب -والله أعلم- أنه لا يتقيد بالسبعة.

يقول: وقيل، وذكرنا أن قيل تستعمل للتضعيف، قيل: إلا ما كان من قبيل الأداء، بمعنى أن من الناس من قال: بأن قراءة السبعة من قبيل المتواتر، إلا ما كان من قبيل الأداء، من قبيل الأداء مثل ماذا؟

مثل الإدغام، والإخفاء، والإقلاب، والإمالة، وكذلك ما يلتحق بهذا كالإشمام، والروم، والمدود، هذا كله من قبيل الأداء، والذي يقول بهذا هو ابن الحاجب، يقول: بأن قراءة السبعة متواترة إلا ما كان من قبيل الأداء، يقول: هذا غير متواتر، وقد رد عليه خاتمة المقرئين ابن الجزري -رحمه الله-، ورد عليه آخرون، فابن الجزري يخطئ ابن الحاجب في هذه المقولة، ويرد عليه باعتبار أنه لا فرق بين الأداء وغيره من هذه الحيثية[3].

فالقراءة سنة متبعة، تُتلقى بالمشافهة، فهؤلاء الذين يتلقون كما يتلقون المفردات والألفاظ يتلقون معها أيضًا الأداء، كيفية النطق بهذه الكلمات في حال إفرادها، وفي حال اتصالها بغيرها، فحال اللفظ والأداء واحد، فإذا تواتر إذا تواترت الألفاظ؛ فإن الأداء يكون له هذا الحكم؛ لأنهم تلقوا الألفاظ مع الأداء، يتلقون مشافهة، فالتفريق ليس له أصل، ولهذا يقول ابن الجزري -رحمه الله-: بأنه لا يعلم أحد سبق ابن الحاجب إلى هذا القول، يقول: ما أعلم أحد سبقه إليه.

يقول: والثاني كقراءة الثلاثة والصحابة، قراءة الثلاثة يقصد: أبا جعفر، ويعقوب، وخلَف، الثلاثة المكملة للسبعة، وهو ما يعرف بالقراءات العشر، فيقول الثاني: يعني: الآحاد، وهذا وإن قال به بعض أهل العلم إلا أن الأقرب -والله تعالى أعلم- أن قراءة الثلاثة أيضًا من حيث الجملة لها حكم التواتر، فيقرأ بها في الصلاة، وفي خارج الصلاة، ويحكم بقرآنيتها، لكن الآحاد القراءة الآحادية، يقول: والصحابة يمكن أن نقول: المنقولات عن الصحابة -رضي الله تعالى عنهم إذا صح سندها؛ فهي من قبيل الآحاد، ويمكن أن ندخل في هذا أيضًا ما ورد من قراءات وصح إسنادها، ولكنها لا توافق الرسم العثماني، فمثل هذه يقال لها: قراءة آحادية.

والعلماء -رحمهم الله- منهم من يقسم إلى هذا التقسيم الذي ذكره: متواتر، وآحاد، وشاذ، ومنهم من يقسم إلى تقسيمات أخرى، ولذلك إذا رجعتم إلى الكتب المصنفة في الفن تجد أن العلماء يتفاوتون، ويختلفون، لكن شأن هذا المختصر أن ينبه فيه على هذه المعاني دون التطويل والتفصيل والإغراق في ذكر أقوالهم في هذا الباب، فهذا يدرس في كتابًا أوسع من هذا، لكن العلماء -هذا مما يحتاج أن يعرفها الإنسان- لم يتفقوا على تقسيمها إلى هذه الثلاثة متواتر، وآحاد، وشاذ، بعضهم يقسمها إلى أكثر من هذا.

يقول: والثالث -يعني الشاذ- ما لم يشتهر من قراءة التابعين، يمكن أن نقول: إن الشاذ هي القراءات التي لم يصح إسنادها أو القراءات التي تعد من قبيل الغلط في العربية، ليس لها وجه أصلاً، وهكذا القراءات التي حكموا عليها بالغرابة أهل الاختصاص من هؤلاء الأئمة القراء، فمثل هذه يقال لها: قراءة شاذة.

في قوله -تبارك وتعالى-: قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ [المائدة:23] في قراءة للشعبي يقول: قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ (يُخَافُونَ) الآن أصحب هؤلاء الذين قالوا هذه المقالة قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ (يُخَافُونَ) يعني: لهم هيبة، لهم منزلة في بني إسرائيل، لهم جانب مرهوب، لهم كلمة مسموعة قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ (يُخَافُونَ) فهذه القراءة شاذة.

يقول: ولا يقرأ بغير الأول يقصد المتواتر، لكنه حصر المتواتر بقراءة السبعة، وهذا موضع الإشكال، فإذا وسعت الدائرة، فقيل: من انطبق عليه الشروط، والأركان الثلاثة يقرأ به، وما عداه فإنه لا يقرأ به، ولهذا نقل بعض أهل العلم كالبغوي -رحمه الله- الاتفاق على القراءة بالثلاث الزائدة على السبع[4]. وذكر أئمة هذا الشأن الأئمة الكبار من المحققين كابن الجزري، وأبي عمرو الداني، ومكي، وأبي شامة، وأبي حيان كل هؤلاء قالوا: بأن ما انطبقت عليه هذه الشروط الثلاثة فإنه يُقرأ به، وأن العبرة بذلك، ما لم يحكم عليه أئمة الشأن بأنه مردود لغرابته، أو نحو ذلك، فهذا هو الأقرب، والله تعالى أعلم.

وأبو شامة -رحمه الله- له تفاصيل بديعة، هي من أحسن ما كتب في هذا في كتابه المرشد الوجيز[5]، وهكذا أيضًا لأبي عمرو الداني في كتابه في الأحرف السبعة، وابن الجزري أيضًا في النشر[6]، وفي غيره أيضًا له كلام جيد، وإن كان قد رجع عن بعضه.

على كل حال الكتابات في هذا الموضوع في القراءات كثيرة، لكن هؤلاء الأئمة تكلموا على هذه القضايا بكلام جيد، أجادوا فيه.

 يقول: ولا يقرأ بغير الأول، يقصد قراءة المتواتر، وحصره بالسبعة، وهذا فيه نظر.

يقول: ويعمل به إن جرى مجرى التفسير؛ يعني في قوله تعالى: وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ

[النساء:12] هذه القراءة تفسر القراءة الأخرى، فهذا لا إشكال فيه، مثلاً: وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا[الكهف:79] الآن وَكَانَ وَرَآءَهُمْ كلمة وراء هذه من الأضداد في اللغة العربية، تأتي معنى أمام، تقول: وراءك القبر القيامة، والموت، وتقول: وراءك يعني: خلفك، فهي من الأضداد.

ولهذا تجد أن المفسرين اختلفوا في تفسير هذه الآية في سورة الكهف، بعضهم يقول: وَكَانَ وَرَآءَهُم يعني: كان أمامهم، وبعضهم يقول: وَكَانَ وَرَآءَهُميعني: في طريق الرجعة إذا رجعوا، ففي طريقهم أي أنه في الخلف، فهذا الاختلاف بسبب أن اللفظة من الأضداد؛ تأتي بمعنى أمام، وتأتي بمعنى خلف.

القراءة هذه الأخرى وَكَانَ وَرَآءَهُم (وكان أمامهم)، كلمة أمامهم ما تحتمل الوراء؛ فهي تفسر القراءة المتواترة لاحظتم، مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا[الكهف:79] هنا قد يرد إشكال على القراءة المتواترة هذه يَأخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍوكل أقوى صيغ العموم، أقوى صيغة عندنا في العموم هي لفظة كل وجميع.

طيب إذا كان يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا [الكهف:79] فلماذا يخرق السفينة؟ أعني الخضر، لماذا خرق؟ هي ستؤخذ خرقت أو لم تخرق، فهذا الإشكال يزول بالقراءة الأخرى وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ (صالحة) غَصْبًا فهو ما يأخذ السفينة المعيبة، ولهذا جاء الخضر، وخرق السفينة من أجل ألا يأخذها الملك.

الذين لم يفسروا بهذه القراءة ماذا قالوا؟

قال أراد أن يعوقهم؛ لأنه في طريق الرجعة الملك ينتظرهم، وسيأخذ السفينة، فأراد أنه، هذا تفسير بعيد، فالحاصل: أن القراءة الآحادية: تفسر القراءة المتواترة.

يقول: ويعمل به إن جرى مجرى التفسير، وإلا فقولان، وإلا يعني: غير التفسير، ما الذي يكون غير التفسير؟

العمل بها، وإلا لا؟ يقول: ولا يقرأ بغير الأول، ويعمل به إن جرى مجرى التفسير، وإلا يعني: إن لم يجر مجرى التفسير، يعني: يترتب عليه حكم، فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ (متتابعات) [المائدة:89] في كفارة اليمين، (متتابعات)، فهل يجب التتابع، وإلا لا؟

هذا حكم الآن ما هو مجرد تفسير، فهل يعمل بذلك، أو لا يعمل به؟ يعني هل يعمل بالقراءة غير المتواترة إذا صح سندها؟

تنزيلا لها منزلة الحديث النبوي صح إسنادها إلى النبي ﷺ، فمن أهل العلم من يقول يعمل بها تنزيلا لها منزلة الحديث، طالما أنه صح الإسناد، فنقول: يجب التتابع في صيام كفارة اليمين، مع أنه يمكن أن يستدل على الوجوب من جهة أخرى، من جهة النظر، وهو حمل المطلق على المقيد.

من أجلى الصور التي يحمل فيها المطلق على المقيد، صورة هذا مثالها، وهي إذا اتحد الحكم والسبب، هذه دعوها الإخوان الذين ليس لهم خلفية في هذا لا تشغل ذهنك به، لسنا بصدده، لكن أنا أقول: يمكن أن يستدل على معنى مسألة التتابع في كفارة اليمين بأمرين: بالقراءة هذه، وبطريق النظر، فهو مقتضى إعمال القواعد الأصولية في حمل المطلق على المقيد إذا اتحد الحكم والسبب، كما في المثال.

فالشاهد هنا: أنه من أهل العلم من يقول: يعمل بها لهذا السبب أنها تنزيلا لها منزلة الحديث النبوي، طالما أن صح الإسناد.

والقول الآخر: أنه لا يعمل بها في الأحكام، لماذا وقد صح سندها؟ لماذا لا تنزل منزلة الحديث النبوي؟

قالوا هذه ليست بحديث نبوي أنتم أوردتموها على أنها قراءة، وهذه قد سقطت قرآنيتها؛ لأنها لم تتحقق لها الشروط، فطالما أنه سقطت قرآنيتها، إذًا سقط اعتبارها، فلا يحتج بها، واضح الاحتجاج؟

والذي أظنه أقرب -والله تعالى أعلم- أن القراءة الآحادية يستفاد منها ثلاثة أشياء:

تفسر القراءة المتواترة، ويعمل بها في الأحكام تنزيلاً لها منزلة الحديث النبوي، صح إسنادها، لكن لم ينطبق عليها بعض هذه الشروط.

والأمر الثالث: وهو أنه يحتج بها في العربية، في اللغة، هذه ثلاثة أشياء، والمسألة محل خلاف على كل حال، فهذا معنى قول المؤلف: "وإلا فقولان؛ فإن عارضها خبر مرفوع قُدم، إن عارضها خبر مرفوع، سواء في التفسير، أو في الأحكام لماذا يقدم؟

طرق الترجيح أوصلها بعض أهل العلم إلى مائة طريق، فهنا حينما تأتي بحديث مرفوع، صحيح، لا إشكال فيه، ويعارض قراءة آحادية، القراءة الآحادية مختلف فيها، هل يحتج بها، أو ما يحتج بها، لكن الحديث المرفوع، العلماء يتفقون على وجوب العمل به، فيكون من باب تقديم الأقوى من هذا الباب، هذا مراده، فإن عارضها خبر مرفوع قدم، هذا واضح؟

يقول: وشرط القرآن صحة السند، وموافقة العربية، والخط؛ صحة السند، وتكلمت على هذا، ولا يشترط فيه ما يشترط عند المحدثين، مع أن القرآن تلقاه جيل عن جيل، لكن هذا القرآن من حيث الجملة هذه القراءات العشر متواترة، فتبقى بعض الجزئيات، من أهل العلم من يقول: هذه القراءات بجزئياتها متواترة، ومنهم من يقول: لا، هي من حيث الأصل متواترة، لكن يبقى بعض الجزئيات.

على كل حال صحة الإسناد، وابن الجزري -رحمه الله- يقيد ذلك بقيد أيضًا مع صحة السند، وهو أن تكون مع ذلك مشهورة غير معدودة عند أئمة الشأن من الغلط[7] أحيانًا يريدون بعض القراءات، ويقولون: هذا غلط هذا خطأ، وأحيانا تجد في بعض الكتب حتى في تراجم القراء في معرفة القراء الكبار مثلاً للذهبي حينما تقرأ أحيانًا تراجم بعض القراء يقول: قرأ عليه فلان كذا، فقال فلان: لا تأخذها عنه، يعني: هذه اللفظة، فإنه غير عالم بالعربية، تجدون مثل هذه الأشياء، فابن الجزري -رحمه الله- يقول بشرط أن تكون مشهورة، وألا تكون معدودة عند أئمة الشأن من الغلط.

طيب، صحة الإسناد، وموافقة العربية، فإذا كان الإسناد غير صحيح؛ فلا يقرأ بها، حتى لو كانت موافقة للرسم العثماني، وصحيحة من ناحية اللغة العربية، الآن بعض الناس قرأ قوله: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءَ) القراءة في غاية النكارة، والغلط، الله يخشى العلماء فهذه قراءة باطلة مردودة، لكن هي موافقة الرسم العثماني، أو غير موافقة؟ موافقة، ومن ناحية اللغة العربية الجملة سليمة أو غير سليمة؟ صحيحة من ناحية اللغة العربية، وليست من ناحية المعنى، لكن من ناحية المعنى؟ فاسدة، فهذه لا يلتفت إليها، ولا يقرأ بها، ولم يصح سندها أصلاً.

يقول: وموافقة العربية، ولهذا خطّأ العلماء من قرأ (معائش) بالهمزة، (معائش) وقالوا: إن قوله تعالى: مَعَايِشَ [الأعراف:10] بالياء أصلية، ولا تقلب إلى همزة، فهنا لا تدخل قضية التسهيل، فيقال: إنها مسهلة معايش من الهمزة؟ لا الهمزة أصلية، ولهذا تجد هذا في كلام الله كلمة مشايخ، بعض الناس يقول: مشائخنا الكرام، وهذا غلط؛ ولهذا إذا أردت أن تحفظ هذا الغلط، لا تقع فيه، يقال: لا تهمز المشايخ، هذا يصح من جهة الحقيقة، والمجاز عند القائل بالمجاز، لا تهمز، يعني: لا تضع همزة بكلمة مشايخ، لا تقل: مشائخ، غلط؛ لأن الياء أصلية، ولا تهمز، يكون يراد به أيضًا الهمز واللمز وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ[الهمزة:1] واضح؟

لكن هذه الموافقة لا يشترط أن توافق الأفصح، والأشهر، أن يكون مثلاً على لغة قريش دائمًا، لا، إنما توافق العربية، ولو بوجهٍ صحيح، لكنه ليس هو الأفصح، فهذا لا إشكال فيه، يمثلون على هذا ما وافقها ولو بوجه: إسكان الهمزة في (بارئْكم) فَتُوبُوا إِلَى (بارئْكم) الآن إلى حرف جر، وإلا لا؟ فوجه الكلام أن يقال في الأصل: فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ [البقرة:54] لأنها مجرورة، فهنا قال: فَتُوبُوا إِلَى (بارئْكم) هذه قراءة أبي عمرو بالإسكان، فما وجه هذه القراءة؟ مع أن هذي اللفظة لم تسبق بجازم حتى تأتي عليها السكون، بارئْكم فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ [البقرة:54] هكذا قرأ الجمهور، لكن هل هذه القراءة غلط؟ مع أنه لم يسبق جازم؟

لا، هي قراءة صحيحة، فهذا وجه صحيح، فصيح في العربية، أن تسكن اللفظة، ولو لم يسبقها جازم، وله شواهد في العربية، وإن أنكره بعضهم، إلا أنه صحيح، لا إشكال فيه، وإن لم يكن هذا هو الأشهر، والأفصح، لكنه فصيح، وهكذا في قراءة (يأمرْكم) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً [البقرة:67] (يأمرْكم) أو وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا [آل عمران:80] (ولا يأمرْكم)؛ الآن (يأمرْكم) جاءت ساكنة، هل سبقت بجازم؟ لا، هل هذا من قبيل الغلط، واللحن؟ الجواب: لا، هذا صحيح، لكنه ليس هو الأفصح في كلام العرب.

وهكذا أيضًا في قراءة الجر أو الخفض في (والأرحام) بصدر سورة النساء يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ[النساء:1] يعني: اتقوا الله، واتقوا الأرحامَ أن تقطعوها هذا المعنى، فهو مفعول به منصوب، هذه قراءة الجمهور، ولكن حمزة قرأها بالخفض أو بالجر (والأرحامِ) وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ (والأرحامِ) يكون معطوفًا على الضمير قبله، مجرور بالباء (به والأرحامِ) يعني: وبالأرحامتَسَآءَلُونَ بِهِ تقول: اسألك بالله والرحم.

بعض العلماء رد هذه القراءة، وقال: كيف يسأل بالله، وبالرحم؟ لا يجوز السؤال بالرحم، فهذا قسم، والحلف بغير الله لا يجوز، قال: هذا ليس تقريرًا بالحلق بغير الله، هو يخاطبهم بهذا يَا أَيُّهَا النَّاسُ فكان من عادتهم في الجاهلية أولئك الذين خوطبوا بالقرآن، أنه يقول: أناشدك بالله وبالرحم، اسألك بالله وبالرحم، فالله خاطبهم بما كان يفعلونه، فلا إشكال، فمثل هذا واضح، ولا يستدعي ما أُورد عليه رد هذه القراءة الصحيحة.

وهكذا أيضًا كما في قراءة أبي جعفر على خلاف عنه، وعاصم في رواية (لِيُجْزَى قَوْمًا) في سورة الجاثية (لِيُجْزَى) القراءة المتواترة المعروفة المشهورة التي عليها الجمهور لِيَجْزِيَ قَوْمًا [الجاثية:14]؛ لكن (لِيُجْزَى قَوْمًا) هذا مبني للمجهول (لِيُجْزَى) وما بعده يكون مرفوعًا في الأصل؛ لأنه نائب فاعل، فما قال هنا: (لِيُجْزَى قَوْمٌ) وإنما قال: (لِيُجْزَى قَوْمًا) فبعضهم رد هذه القراءة، وقال هذه مخالفة للعربية، أين نائب الفاعل؟ هذا غلط، ولحن، مع أن هذا لا إشكال فيه.

وغالبًا تجد نفس هذه الأشياء متوجهة على مذهب الكوفيين، ولهذا نقول: من أراد أن يتعلم النحو بطريقة سهلة إذا كان يستثقل النحو؛ ليقل: أنا مذهبي الكوفي، ويدرس النحو بطريقة سهلة جدًا، ويمكن أن يصحح كثيرًا من الأوجه التي يعدها البصريون من اللحن والغلط.

على كل حال، فبعضهم يوجه هذه القراءة يقول: (لِيُجْزَى قَوْمًا) أي ليجزى (هو) أي: الخير قومًا (لِيُجْزَى قَوْمًا) وبعضهم يقول: ليجزى (الجزاء) قومًا، وبعضهم يقول: النائب هو الجار والمجرور (لِيُجْزَى قَوْمًا بما) فالكوفيين يجزون بمثل هذا، وإن منعه من منعه من النحاة.

وهكذا في الأمثلة يذكرون لهذا، الفصل بين المضاف والمضاف إليه.

في قوله -تبارك وتعالى- في الأنعام: وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ[الأنعام:137] فمن الذين زينوا لهم قتل الأولاد، هم الشركاء، هذه القراءة واضحة، وهي التي عليها الجمهور، ولكن في قراءة ابن عامر: (وَكَذَلِكَ زُيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلُ أَوْلَادَهُمْ شُرَكَائِهِمْ) لاحظ الآن قتل هذه مضاف، وما بعدها يفترض أنه يكون هو المضاف إليه (قَتْلُ أَوْلَادِهِمْ)؛ لكنها جاءت هكذا: (قَتْلُ أَوْلَادَهُمْ) جاءت منصوبة، إذا هذا ليس المضاف إليه؛ لأن المضاف إليه مجرور، (شُرَكَائهِمْ) فهذا هو المضاف إليه، فكيف فصل بينها وبين المضاف، فعند البصرين هذا ما يصح، لكن عند الكوفيين لا إشكال، المذهب واسع، وأن هذا وجه صحيح في العربية، وعندهم شواهد على هذا، والتقدير: قتلُ شركائِهِم أولادَهم؛ لاحظ تغير المعنى الآن.

يعني: (وَكَذَلِكَ زُيَّنَ لِكَثِيرٍ) من الذي زين لهم؟ زين لهم الشيطان، (زُين لكثير مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلُ) قتل أيش؟ (قَتْلُ أَوْلَادَهُمْ شُرَكَائِهِمْ) يعني: أن الأولاد شركاء لهم، قتل شركائهم الذين هم أولادهم؛ لأن الولد مع والده هو جزء منه، هم شركاء لهم، ولهذا رد الله على الذين نسبوا إلى الله -تبارك وتعالى- الولد، فإذا كان معه ولد؛ فمعنى ذلك أنه سيكون شريكًا في ملكه، (قتلُ شركائهم أولادَهم) فالأولاد شركاء للآباء، الكوفيون وجهوها، قالوا هذا لا إشكال فيه، والمعنى واضح، ويختلف عن المعنى الأول الذي عليه قراءة الجمهور، وقالوا: نحن نجوز التفريق بين المضاف والمضاف إليه، وعندنا شواهد صحيحة في كلام العرب، ولا تضيقون ما وسعه الله -تبارك وتعالى-، واضح؟ وهكذا.

يقول: موافقة العربية، والخط يعني: الرسم، وهذا تجدونه أحيانًا يعبر عنه في بعض كتب التفسير بالسواد، يقول لك: مثلاً لا نستجيز هذه القراءة؛ لأنها مخالفة للسواد، ماذا يقصد بالسواد؟ هل سواد العلماء؟ الكثرة يعني مثلاً؟

لا، يقصد بالسواد الكتابة، الرسم، الآن المخالفة للرسم العثماني، حتى لو كانت صحيحة الإسناد، وموافقة للعربية، يكون قد اختل منها هذا الشرط، فلا يقرأ بها، وإن كان هذا ليس محل اتفاق، لكن على كل حال في زمن عثمان جمع الناس على مصحف واحد، وأمر بما عداه من صحيفة، ومصحف أن تُحرق، ووافقه الصحابة الذين حضروه بالمدينة على هذا؛ وصار إجماعًا منهم، وابن مسعود اعترض على هذا في البداية لما علم اتفاقهم عليه، وأنه لم ينفرد به عثمان أعطاهم مصحفه بعدما كان يقول: "أيها الناس غلوا مصاحفكم، ومن يغلل يأتي بما غل يوم القيامة"[8] فبعد ذلك أعطاهم مصحفه، فأحرق.

فالقراءة إذا كانت تخالف الرسم العثماني؛ يكون قد انتفى منها هذا الشرط؛ فلا نقرأ بها، بطبيعة الحال قد تكون هذه القراءة مما نسخ لفظه في العرضة الأخيرة مثلاً، قد تكون هذه القراءة من القراءات التفسيرية أحيانًا، يعني: الصحابي أحيانًا يقرأ، ويفسر جملة، ويظن السامع أنها من القرآن فينقلها.

وقد تكون من الأحرف السبعة بقية الأحرف الستة التي استغنى عنها الصحابة حينما جمعوا القرآن على القول بأنهم جمعوها على حرف واحد، وهو حرف قريش، يكون هذا من بقية الأحرف الستة مما ترك مما يخالف الرسم العثماني، ودخل من الأحرف الستة غير حرف قريش في القراءة ما يحتمله الرسم العثماني فقط، فصار أوجهًا بعد ذلك القراءات، فسمي بعد ذلك القراءات.

الآن مما يخالف الرسم العثماني قراءة ابن مسعود لقوله تعالى: وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَ الْأُنْثَى [الليل:3]؛ (والذَّكَرِ وَالْأُنْثَىٰ).

وهكذا قراءة ابن عباس: (وكان أمامهم ملك)[9]، وأحيانًا تكون اللفظة تخالف الرسم العثماني في مصحف، وتخالفه في مصحف آخر، في سورة براءة: تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ قراءة ابن كثير (تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَار) وهي قراءة أهل مكة، ففي المصحف المكي: (تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَار) واضح؟

وهكذا أيضًا في قوله -تبارك وتعالى- في قراءة ابن عامر:قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًاوابن عامر هو إمام القراءة في الشام، فهي بغير، واو[10] وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا [البقرة:116]. في القراءة الأخرى.

وهكذا في قراءة ابن عامر أيضًا: (وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ) في آل عمران كما في المصحف الشامي[11].

فالذي يظهر في مثل -والله أعلم- يعني قد يقول قائل: إن عثمان جمع الناس على حرف واحد، فلماذا وجدت في مصحف هكذا؟

تتبعت هذا، حاولت، أحسن ما رأيت فيه كلام الحافظ ابن حجر -رحمه الله- وهو أن عثمان أن هذه جميعًا ترجع إلى حرف قريش[12]، يعني: بالوجهين، والزبر، وبالزبر، تجري تحتها، تجري من تحتها كل هذا بحرف قريش، فكتبه في مصحف بوجه، وكتبه في المصحف الآخر بوجه، فيكون موافقًا للرسم العثماني في بعض، موافقًا لبعض المصاحف دون بعض، فهذا لا إشكال فيه ينطبق عليه.

  1. انظر: الكتاب: الأصل الجامع لإيضاح الدرر المنظومة في سلك جمع الجوامع، لحسن السيناوني (2/87).
  2. انظر: ألفية العراقي المسماة بـ: التبصرة والتذكرة في علوم الحديث، للعراقي (1/104).
  3. انظر: النشر في القراءات العشر، لابن الجزري (1/30).
  4. انظر: الكتاب: منجد المقرئين ومرشد الطالبين، لابن الجزري (27).
  5. انظر: المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز، لأبي شامة (1/171، 172).
  6. انظر: النشر في القراءات العشر، لابن الجزري (1/37).
  7. انظر: النشر في القراءات العشر، لابن الجزري (1/13).
  8. انظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (1/473).
  9. انظر: تفسير عبد الرزاق، لعبد الرزاق الصنعاني (2/340).
  10. انظر: كتاب السبعة في القراءات، لأحمد بن موسى التميمي (169).
  11. انظر: البرهان في علوم القرآن، للزركشي (1/117).
  12. انظر: المدخل لدراسة القرآن الكريم، لأبي شهبة (215).

مواد ذات صلة