الإثنين 02 / شوّال / 1441 - 25 / مايو 2020
(05) من قوله وأحب لمن كان يُقْرِئُ ألا يدرس عليه وقت الدرس إلا واحد إلى قوله نهاية باب ذكر أخلاق من يقرأ على المقرئ
تاريخ النشر: ١٧ / شعبان / ١٤٣٦
التحميل: 6096
مرات الإستماع: 5250

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، وبعد:

قال الإمام الآجُري -رحمه الله: وَأُحِبُّ لمن كَانَ يُقْرِئُ أَلَّا يَدْرُسَ عَلَيْهِ وَقْتَ الدَّرْسِ إِلا وَاحِدٌ، وَلا يَكُون ثانٍ مَعَهُ، فَهُوَ أَنْفَعُ لِلْجَمِيعِ، وَأَمَّا التَّلْقِينُ فَلا بَأْسَ أَنْ يُلَقِّنَ الْجَمَاعَةَ.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فهذا الذي ذكره الآجُري -رحمه الله- أن التلقين يكون لواحد، هذا الذي عليه العمل، عمل القُرّاء سلفاً وخلفاً، ولا يكاد يخالف في ذلك أحد، وقد نُقل عن السخاوي -رحمه الله- في ترجمته: أنه كان يُقرئ الاثنين والثلاثة والأربعة والأكثر، وقد قال ابن خلكان: "رأيته مراراً يركب بهيماً وهو يصعد إلى جبل الصالحين وحوله اثنان وثلاثة، وكل واحد يقرأ ميعاده في موضع غير الآخر، والكل في دفعة واحدة"[1]، يعني: يقرءون مع بعض في وقت واحد، وهو يرد على الجميع.

وذكر أيضاً الذهبي -رحمه الله: "أنه لا يعلم أحداً من المُقرئين ترخص في إقراء اثنين فصاعداً إلا الشيخ علم الدين"[2]، يعني السخاوي.

ويقول: "وفي النفس على هذا الفعل شيء، فإن الله تعالى ما جعل لرجل من قلبين في جوفه"[3]، يعني بمثل هذا هل يصح له أن يتكلم ويقول: أنا قرأت على فلان، أو يأخذ إجازة بهذه القراءة؟.  

وقال: "ولا ريب في أن ذلك أيضاً خلاف السنة، لأن الله يقول: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا [الأعراف:204][4]، فهو يُنصت لمن؟! وكذلك أيضاً هؤلاء الذين يقرءون عليه لا ينصت أحدهم للآخر، كل واحد منهم يقرأ، وهم مأمورون بالإنصات لواحد منهم، ويقول أيضاً الذهبي -رحمه الله: "وهذا يكون فيه محاذير منها: زوال بهجة القرآن عند السامعين، وكذلك كل واحد يشوش على الآخر في القراءة، وهو مأمور بالإنصات، وكذلك ليس لواحد منهم أن يزعم ويدعي لنفسه أنه قرأ على الشيخ كل القرآن؛ لأن الشيخ كان يسمع لآخرين فيفوته بعض ما سمع، كما لا يسوغ للشيخ أن يقول لكل فرد منهم بأنه قرأ عليه القرآن كله، والشيخ يستمع إلى القراءة، يقول: ما هذا في قوة البشر"[5]، هذا ذكره في معرفة القراء الكبار، وذكره أيضاً في سير أعلام النبلاء، وذكر كلاماً نحو هذا في هذا الكتاب أيضاً -أعني السير، سير أعلام النبلاء.

إذن الذي عليه العمل وينبغي أن يعول عليه القراء أن يُقرئ واحداً ولا يتحمل فوق طاقته، قد يقول: العدد كبير وأريد أن أُقرئ الجميع، وأنا أسمع من الجميع، يقال له: لا، هم مأمورون بالإنصات وأنت مأمور بالإنصات أيضاً، وهذا تأديب وتعليم وتربية، فكيف تكون المخالفة ممن يُقرئ؟!.

وَيَنْبَغِي لِمَنْ قُرِئ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ فَأَخْطَأَ فِيهِ القارئ، أَوْ غَلِطَ ألَّا يُعَنِّفَهُ، وَأَنْ يَرْفُقَ بِهِ، وَلا يَجْفُو عَلَيْهِ، وَيَصْبِرَ عَلَيْهِ؛ فَإِنِّي لا آمَنُ أَنْ يَجْفُو عَلَيْهِ، فَيَنْفِرَ عَنْهُ، وَبِالْحَرِيِّ ألَّا يَعُودَ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَقَالَ ﷺ: إِنَّمَا بُعْثِتُم مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ[6].

سبب ورود هذا الحديث هو أن ذلك الأعرابي بال في ناحية من المسجد فزجره الصحابة وتناوله الناس، فقال لهم النبي ﷺ: هريقوا على بوله سَجلاً من ماء أو ذَنوباً من ماء، فإنما بُعثتم ميسرين ولم تُبعثوا معسرين، فهذه الجملة صدرت عن النبي ﷺ في سبب خاص -أسباب ورود الحديث مثل أسباب نزول القرآن، والعبرة بعموم اللفظ والمعنى لا بخصوص السبب، فالنبي ﷺيقول: إنما بُعثتم ميسرين.

فيكون ذلك في التعامل مع مثل هذا الأعرابي، ويكون أيضاً في كل شأن من الشئون مما يُطلب فيه ذلك.

ميسرين يعني: مُسهلين، بحيث يكون هذا العمل مما لا يُجهد النفوس، وإن كان ذلك في دعوة الناس إلى العبادة والطاعة ونحو هذا، فالنبي ﷺ قد بُعث بالتيسير، أيضاً فيما يتعلق بالتعليم أو إنكار المنكر وكذلك في قوله ﷺ: ولم تُبعثوا معسرين، أي: مشددين على الناس، فيكون التلطف في تعليمهم، والتلطف في نصحهم في إنكار المنكر إذا كان المقام يقتضي ذلك وإلا فقد غضب النبي ﷺ وأغلظ على أقوام، لكن الأصل في ذلك هو التيسير، ويُرفق بالجاهل. 

وأما هذا الذي يتلقى القرآن ويتعلم فهو أحوج ما يكون إلى الرفق، فهؤلاء من المتعلمين لهم مشاعر فلا يصح بحال من الأحوال أن يُتعامل معهم على أنهم لا مشاعر لهم، يصدر من المُقرئ من الرعونات والجفاء والعبارات الجارحة التي لا تليق بأهل القرآن، يعني: قد يوجه كلاماً لا يليق، يكون هذا مثلاً فيه شيء من البلادة أو الضعف أو البطء في الفهم، أو النعاس أو مغالبة النوم، أو نحو ذلك فيقول له عبارات لا تصلح أن يتفوه بها، وأنا أجد صعوبة في التمثيل ببعض ما قيل حقيقة لبعض الناس، فكان ذلك لربما آخر العهد بالمسجد، أو بالحلقة، يوجه إليه كلامًا قاسيًا، يقول: أنت محشش، هذه كلمة تقال لواحد جاء لتعلم القرآن، وفي حلقة يدرس، أو جاء من بعد صلاة الفجر ويجاهد نفسه، وله أهل من ورائه يدفعونه ويحثونه على الحضور، ووعدوه بالمكافآت ثم يواجه بمثل هذا الكلام!، مِمّن؟ مِمّن يُقرئ القرآن، أو يتناول هذا الإنسان بعبارات، أو باليد أحياناً، والبعض ربما ليضرب على القفا، وهو ضرب مذموم عند العرب مكروه كما قال الشاعر:

وكنتُ أرى زيداً كما قيل سيِّدًا إذا إنّه عبدُ القَفَا واللَّهازمِ[7]

العرب تكره الضرب في بعض المواضع، فالبعض لربما لا يبالي، ثم بعد ذلك يكون مُنفراً عن القرآن، وعن حِلق القرآن، وعن الإقراء والمُقرئين، ولربما هذا المتعلم لا يدخل المسجد بعدها، يحتاج إلى مراعاة، حتى في الاحتفالات الختامية للحِلق، قد يكون هؤلاء أنجزوا وحفظوا وأدوا ما طُلب منهم، ثم توزع المكافآت ونحو ذلك ويبقى ثلاثة أو أربعة ينظرون ويتشوفون وتُعرض الأسماء ويُنادى على هؤلاء الطلاب واحداً بعد الآخر، وهو يتشوف في كل مرة قد شنف سمعه ينتظر متى يُنادَى باسمه، ثم ينادى على الجميع، ويبقى هذا مع صاحبه أو مع اثنين، هب أنهم ما أنجزوا ما حققوا المطلوب، أعطيه ورقة شهادة حضور بالسور التي حفظها، شكر وتقدير، الكلمة الطيبة صدقة، يُنادَى على اسمه كما نودي على زملائه لكن هذا حينما يخرج قد طأطأ رأسه من بين هذه العشرات وهذه الجموع يخرج وقد نكس رأسه، ما هي المشاعر التي في قلبه؟ تظنون أن هذا عنده من المجاهدات والصبر وإرادة ما عند الله والاحتساب، والإنصاف من نفسه ويعرف أن التقصير قد صدر منه وأن ذلك بسبب ضعفه وعجزه وقعوده، أكثر الناس ليسوا كذلك، أكثر الناس إذا أخفق أضاف ذلك الإخفاق إلى الآخرين وأنهم لم ينصفوه ولم يعدلوا معه، وأنهم ظلموه وضروه وأنهم آذوه ونحو ذلك، هذا أكثر الخلق، من الذي يُنصف من نفسه إلا من رحم الله ؟، فتريد من هذا الصغير أنه يخرج وهو يحمل هذا القلب الكبير، وهذا الإنصاف من نفسه، ولا يلتفت إلى شيء من ذلك، وإنما يريد ما عند الله ، والدار الآخرة فحسب، من الذي يكون بهذه المثابة من هؤلاء إلا من رحم الله؟، فمثل هذا يخرج وفي نفسه أشياء ويتكلم ولربما نجوى مع هؤلاء الذين حُرموا ثم يرجع إلى بيته بردود أفعال عنيفة، فهو يذمهم ويذم الأستاذ، ويذم الحلقة، ويذم الإدارة، ثم بعد ذلك قد لا يرجع إليهم ثانية، نحتاج إلى مراعاة مشاعر هؤلاء الناس، يكفي أنه يتردد إلى الحلقة ويأتي، وعنده من المشغلات والملهيات والصوارف الشيء الكثير، كونه يأتي إلى المسجد ويشغله ذلك عن الشر هذا خير كثير، وإلا بقي فريسة لهذا الفراغ وهذه الأجهزة التي بيد كل أحد، ورقة لا تكلف شيئاً، تحفظ له ماء الوجه، أحياناً هدية تافهة تُعطى له، شماغ من أرخص الأنواع، أعطها له، سلم عليه وابتسم في وجهه، شكراً لك، بارك الله فيك، أسأل الله لك التوفيق، يفرح ينطلق ويكون ذلك باعثاً له على الجد والاجتهاد، لكن يخرج وقد نزل رأسه في نفسه أشياء كثيرة جدًّا إذا دخل البيت بدأ يتكلم، وبدأ يذم ويعيب، ويلمز ويغمز ويغتاب.  

فَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ أَخْلاقُهُ انْتَفَعَ بِهِ مَنْ يَقْرَأُ عَلَيْهِ.

حلقة قرآن يُخطئ المُقرئ في أسماء هؤلاء أو نحو ذلك، ثم يضحك ببلاهة وبكل برود يقول: إن البقر تشابه علينا، يعني: هذه قيلت، إن البقر تشابه علينا، يعني: الذين أمامه بقر، ليسوا أوادم، هذا معلم قرآن، تعرفون لماذا الإخفاق لدى الكثيرين ممن يجلس للإقراء ولا يكون له قيمة ولا وزن عند هؤلاء الذين يُقرئهم، السبب: أنه لا يحمل أخلاق القرآن، يتكلم بكلام يجرح إلى العظم، ويقول وهو يضحك: إن البقر تشابه علينا.

ثُمَّ أَقُولَ: إِنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ كَانَ يُقْرِئُ الْقُرْآنَ للهِ -جَلَّت عَظَمَته- أَنْ يَصُونَ نَفْسَهُ عَنْ اسْتِقْضَاءِ الْحَوَائِجِ مِمَّنْ يَقْرَأُ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ، وَأَلَّا يَسْتَخْدِمَهُ، وَلا يُكَلِّفَهُ حَاجَةً يَقُومُ فِيهَا.

وأختار لَهْ إِذَا عَرَضَتْ لَهُ حَاجَةٌ أَنْ يُكَلِّفَهَا لِمَنْ لا يَقْرَأُ عَلَيْهِ، وَأُحِبُّ لَهُ أَنْ يَصُونَ الْقُرْآنَ عَنْ أَنْ تُقْضَى لَهُ بِهِ الْحَوَائِج، فَإِنْ عَرَضَتْ لَهُ حَاجَةٌ سَأَلَ مَوْلاهُ الْكَرِيْمَ قَضَاءَهَا، فَإِذَا ابْتَدَأَهُ أَحَدٌ مِنْ إِخْوَانِهِ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ مِنْهُ فَقَضَاهَا له شَكَرَ اللهَ إِذْ صَانَهُ عَنْ الْمَسْأَلَةِ، وَالتَّذَلُّلِ لأَهْلِ الدُّنْيَا، وَإِذْ سَهَّلَ الله لَهُ قَضَاءَهَا، ثُمَّ يَشْكُرُ لمن أُجرِي ذَلِكَ عَلَى يَدَيْهِ؛ فَإِنَّ هَذَا وَاجِبٌ عَلَيْهِ.   

وَقَدْ رَوَيْتُ فِيمَا ذَكَرْتُ أَخْبَارًا تَدُلُّ عَلَى مَا قُلْتُ، وَأَنَا أَذْكُرُهَا لِيَزْدَادَ النَّاظِرُ فِي كِتَابِنَا بَصِيرَةً إِنْ شَاءَ اللهُ.

عن الْحَسَنِ بْنِ الرَّبِيعِ الْبُورَانِيُّ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عَبْدِ اللهِ بنِ إِدْرِيسَ، فَلَمَّا قمْتُ، قَالَ لِي: سَلْ عَنْ سِعْرِ الأُشْنَانِ، فَلَمَّا مَشِيْتُ رَدَّنِي، فَقَالَ لي: لا تَسَل؛ فَإِنَّكَ تَكْتُبُ مِنِّي الْحَدِيثَ، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ أَسْأَلَ مَنْ يَسْمَعُ مِنِّي الْحَدِيثَ حَاجَةً.

قَالَ خَلَفُ بْنُ تَمِيمٍ: "مَاتَ أَبِي وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَأَتَيْتُ حَمْزَةَ الزَّيَّاتَ، فَسَأَلْتُهُ أَنْ يُكَلِّمَ صَاحِبَ الدَّيْنِ أَنْ يَضَعَ عَنْ أَبِي مِنْ دَيْنِهِ شَيْئًا، فَقَالَ لِي حَمْزَةُ: وَيْحَكَ، إِنَّهُ يَقْرَأُ عَلَيَّ الْقُرْآنَ، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ أَشْرَبَ مِنْ بَيْتِ مَنْ يَقْرَأُ عَلَيَّ الْقُرْآنَ الْمَاءَ".

عن عبد الصمد بن يزيد قال: سَمِعْتُ الْفُضَيْلَ بْنَ عِيَاضٍ يَقُولُ: "يَنْبَغِي لِحَامِلِ الْقُرْآنِ ألَّا تكون لَهُ حَاجَةٌ إِلَى أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ، إِلَى الْخَلِيفَةِ فَمَنْ دُونَه، وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ حَوَائِجُ الْخَلْقِ إِلَيْهِ".

قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شِبْلٍ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: اقْرَءوا الْقُرْآنَ وَلا تَغْلُوا فِيهِ، وَلا تَجْفُوا عَنْهُ، وَلا تَأْكُلُوا بِهِ، وَلا تَسْتَكْثِرُوا[8].

هذا كما سبقت الإشارة إليه، وقد ذكر أيضاً ما يشهد لهذا في ذاك الذي باع دِينه بحبتين كما سبق، وهكذا أيضاً الارتزاق بالقرآن والتكسب به، انظر إلى ما جاء عن هؤلاء القُراء والأئمة من المحدثين وغيرهم، فهذا يقول: سل لي عن سعر الأُشنان، الأُشنان مثل الصابون الآن مادة تتخذ للتنظيف غسل الثياب، سل لي عن سعر الأُشنان، ما قال: احضر لي أُشنانًا، وإنما قال: سل لي عن سعر الأُشنان فقط، ثم بعد ذلك تذكر أن هذا ممن يقرأ عليه أو يأخذ عليه الحديث، فقال: لا تسل، ثم علل ذلك قال: فإنك تكتب عني الحديث، وأنا أكره أن أسأل من يسمع مني الحديث حاجة.

وهناك حينما أراد منه أن يضع من السعر وقد عرفه، فوضع له بأي اعتبار؟ باعتبار أنه من أهل القرآن، وهذا الذي جاء لهذا الإمام المُقرئ وهو حمزة الزيات -رحمه الله- ليكلم رجلاً ليضع من دين أبيه الذي مات، فماذا قال؟ قال: ويحك، إنه يقرأ عليّ القرآن وأنا أكره أن أشرب من بيت من يقرأ عليّ القرآن الماء.

قد يقول قائل: هذه شفاعة حسنة، كلم هذا التلميذ الذي يقرأ عندك أن يضع عن أبي من الدين، فقال: هذا يقرأ عليّ القرآن، فلا يتخذ هذه القراءة سبيلاً إلى الوصول إلى ما في أيدي الناس، قد يقول قائل: هو لا يطلب لنفسه يطلب لذاك، ولكن مثل هذا لا شك أنه يثقل على هؤلاء، وكأنه قد تقاضى شيئاً منه، ولهذا قال هنا الفضيل بن عياض -رحمه الله: "ينبغي لحامل القرآن أن لا تكون له حاجة إلى أحد من الناس، إلى الخليفة فمن دونه"، النبي ﷺ بايع بعض أصحابه أن لا يسألوا أحداً من الناس شيئاً، فكان السوط يسقط من أحدهم فلا يقول لصاحبه: ناولنيه[9]، هذه مراتب عالية، إذا تربى عليها الإنسان فإنه يصل إلى درجات عليا في العبودية، والشيخ محمد الأمين الشنقيطي لما تكلم على آية هود ونظائرها: وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا [هود:29]، يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا [هود:51]، قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ [سبأ:47]، مثل هذه الآيات، يقول الشنقيطي -رحمه الله: "يؤخذ من هذه الآيات الكريمات أن الواجب على أتباع الرسل من العلماء وغيرهم أن يبذلوا ما عندهم من العلم مجانًا، من غير أخذ عوض على ذلك، هذا شعار الرسل -عليهم الصلاة والسلام"[10]، فالدعوة لا تكون سبيلاً للتكسب والتجارة، وكذلك أيضاً القرآن بأي صورة كان، قد يكون هذا التكسب بالطلب مباشرة من هذا الذي يقرأ عليه فيطلب منه المال، فإن لم يكن صاحب مال طلب منه منافع، كأن يتخذه سائقاً مدة القراءة هذه لمدة سنة أو سنتين أو نحو ذلك سُخرة من غير عوض، العوض هو الإقراء، ويتحول هذا إلى سائق أجير عنده، بل لربما تحول إلى خادم يذهب به ويجيء ويُحضر له ما شاء من المطالب، أو يطلب منه منافع أخرى أن يحققها له ونحو ذلك؛ ليستنطف منه ثمن هذه القراءة، فمثل هذا لا يليق، ينبغي على القُراء أن يترفعوا عن ذلك، وأن يكون الإقراء لوجه الله -تبارك وتعالى.

وتعرض الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله- في هذا الموضع وهو المجلد الثاني صفة (178-182) إلى مسألة أخذ الأجرة على القراءة وذكر أقوال العلماء فيها، كذلك القرطبي -رحمه الله- في تفسيره المجلد الأول صفحة (334-340)، عند قوله -تبارك وتعالى: وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا [البقرة:41]، يقول: "هذه الآية وإن كانت خاصة ببني إسرائيل فهي تتناول مَن فعل فعلهم، ومن أخذ رشوة على تغيير حق أو إبطاله، أو امتنع من تعليم ما وجب عليه أو أداء ما علمه وقد تعين عليه حتى يأخذ عليه أجرًا، فقد دخل في مقتضى هذه الآية"[11]، وذكر خلاف أهل العلم في مسألة أخذ الأجرة على تعلم القرآن بعد هذا، فيُراجع كلامه -رحمه الله.

هكذا كان هؤلاء العلماء وهكذا كان الأئمة، هذا أبو عبد الرحمن السُّلمي -رحمه الله: "جاء إلى داره فوجد جِلالاً وجزوراً، وجد هدايا من الإبل وما عليها، بعث بها عمرو بن حُريث ، فسأل ما هذا؟ قالوا: لأنك علمت ابنه القرآن، هذه هدية في مقابل تعليم الولد كتاب الله -تبارك وتعالى، فقال: رده، إنا لا نأخذ على كتاب الله أجرًا"[12].

وكذلك أيضاً رجل يقال له شعيب بن الحبحاب يقول: "حابيت أبا العالية في ثوب"، يعني: هذا شُعيب يبيع الثياب، فيقول: حابيته في ثوب، يعني: أعطيته بسعر مخفض، فأبى أن يشتري مني الثوب، يعني: هؤلاء كانوا يقولون: إنما نشتري بدراهمنا لا بديننا[13]، فكانوا يرفضون مثل هذه الأمور.

وأحد تلامذة الأوزاعي يُدعى بأبي مرحوم أو يُكنى بذلك قدم من مكة فأهدى للإمام الأوزاعي، أهدى له طرائف، الطرائف هي الأشياء غير المعهودة من الطعام ونحوه يعني نادرة الوجود أو قليلة أو لا توجد في البلد الذي دُفعت إليه، كما دُفع للنبي ﷺ وبعث صفوان بن أُمية لما فتح النبي ﷺ مكة بعث له صفوان بلِبَأ وضغابيس ونحو هذا، هذه أشياء قليلة الوجود، الضغابيس الخيار الصغير، واللِّبَأ أول ما يخرج من اللبن من البهيمة بعد الولادة بيوم وليلة ونحو هذا، يُطبخ ويؤكل، فهذه تُعتبر من الأشياء قليلة الوجود أو ليست متداولة عند الناس، طرائف، فهذا جاء للأوزاعي بأشياء من هذا القبيل، فماذا قال الأوزاعي؟ قال: "إن شئتَ قبلتُ منك ولم تسمع مني حرفاً، وإن شئتَ فضم هديتك واسمع، الرجل قال: لا، أضم الهدية وأسمع منك الحديث[14].

وهكذا أيضاً أحد تلامذة حماد بن سلمة -رحمه الله- وهو من أئمة السنة معروف، ذهب هذا الرجل التلميذ إلى الصين فلما رجع أهدى إلى حماد بهدايا، فقال حماد: "إن قبلتها لم أُحدثك بحديث، وإن لم أقبلها منك حدثتك، فقال: لا تقبلها وحدثني"، هذه نزاهة، هو لا يحرم عليه الأخذ، لكن هؤلاء كانوا يحملون أنفسهم على مراتب عالية.

وآخر يقال له: ابن عقدة كان يؤدب ابناً لأحد الكُبراء يقال له هشام الخزاز، فلما صار الصبي حاذقاً وتعلم، وجه أبوه إلى شيخه بدنانير فردها، فظن أنه تقالّها، فأرسل له بضعفها، فقال: ما رددتها استقلالاً ولكن الصبي سألني أن أعلمه القرآن، كان يعلمه العربية، فالصبي طلب من قِبل نفسه أن يعلمه القرآن، هو بعث به أبوه ليتعلم العربية، فالصبي طلب أيضاً أن يعلمه القرآن فعلمه، يقول: "فاختلط تعليم النحو بتعليم القرآن، ولا أستحل أن آخذ منه شيئاً ولو دفع لي الدنيا"[15]، اختلط تعليم القرآن بتعليم النحو.

هنا بقول النبي ﷺ: اقرءوا القرآن ولا تغلوا فيه، ولا تجفوا عنه، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به، الاستكثار من الدنيا والأكل به من الدنيا يعني: يتخذ القرآن وسيلة وذريعة للمكاسب والتحصيل، فإذا جاء شهر رمضان قسم الشهر وأيام الشهر وأسابيع الشهر فيذهب يصلي لهؤلاء أياماً، ولهؤلاء أياماً، ولهؤلاء أياماً ممن يعطونه العطايا الجزلة من الأموال، فمثل هذا لا يليق ولا يحسن، وقد يتخذ ذلك أيضاً عملاً ومهنة يرتزق به، يرتزق بالقرآن سائر العام، فيذهب هنا وهناك؛ ليقرأ لهؤلاء يصلي بهم صلاتين أو ثلاث صلوات أو أربع ثم يُعطَى العطايا من الأموال الطائلة، وما أشبه ذلك، فمثل هذا لا يليق ولا يحسُن ولا يجمُل، ومثل هذا قد تُكره الصلاة خلفة؛ لأنه مرتزق متكسب بالقرآن، وأشد من ذلك إذا تبع هذا التباكي، والتكلف في البكاء أمام الكاميرات يَنصب كاميرا أمامه وهو يصلي بالناس ثم ينشرها.

الإنسان لا يستطيع أن يضبط نيته بعيداً عن الإعلام والأضواء وما إلى ذلك وهو في بيته، لا يستطيع أن يضبط نيته، في مكابدة ومجاهدة دائمة، فكيف إذا صلى وهو يتباكى ويتكلف البكاء تكلفاً شديداً، وقد تهيأ ولبس لباساً خاصًّا ووضع الكاميرا أمامه، فأي قلب يبقى للإنسان مع هذا؟!، فيحتاج الإنسان إلى شيء من المراجعة، الإخبات، المحاسبة للنفس وأن لا يُعرض نفسه لذلك كله، فقوله ﷺ: اقرءوا القرآن ولا تغلوا فيه، تجاوز الحد وهو الغلو في الألفاظ التكلف في القراءة والتنطع مخارج الحروف ونحو ذلك أو بالتأويلات المتكلفة المتعسفة، وكذلك أيضاً لو أنه اتخذ القراءة عملاً فشغله ذلك عن طاعة الله، أو عن الواجبات الأخرى والحقوق ونحو هذا، هذا كله يدخل في قوله: ولا تغلوا فيه.

ويقابل هذا الغلو الجفاء بالإعراض، وترك القراءة، وترك التدبر، وكذلك أيضاً ترك العمل به، وهكذا أيضاً ما ذكره من الأكل بالقرآن، يأخذ الدنيا كما قيل: هذا الذي يأكل بالقرآن أو بدينه -نسأل الله العافية- هو كالذي يستجر الجيف بالمصاحف كما قال بعض أهل العلم[16]، اتخذ القرآن لهذا الغرض الوضيع، تكثّر من الدنيا لا تستكثروا، فيتحول ذلك إلى تجارة، فينبغي الحذر من هذا، أن يتخذ القرآن معيشة يتكسب بها.

أما مسألة أخذ الأجرة على تعليم القرآن ففيها الخلاف المعروف، فمن أهل العلم من منع من ذلك مطلقاً، وهذا منقول عن الزهري، وأبي حنيفة، وجماعة من أهل العلم[17].

وبعضهم رخص فيه إن لم يشترط، وهذا منقول عن الحسن والشعبي وابن سيرين[18].

وذهب آخرون كعطاء ومالك والشافعي إلى الجواز[19]إن شارطه إجارة صحيحة، واحتجوا على ذلك بأدلة.

وأما الذين منعوا فاحتجوا بمثل حديث عبادة بن الصامت: أنه علّم رجلاً من أهل الصُّفة القرآن فأهدى له قوساً، فقال له النبي ﷺ: إنْ سرك أن تتطوق بها طوقاً من نار فاقبلها[20]، هذا عند أبي داود وغيره، واحتجوا ببعض الآثار أيضاً، لكن هذا الحديث تكلم الذين أجازوا في صحته وإسناده، وأيضاً أجابوا من جهة النظر، قالوا: لعله كان قد تبرع بتعليمه، يعني: علمه تطوعاً فلم يستحق شيئاً، فلما أهدى إليه وأعطاه العوض لم يجز له الأخذ؛ لأنه متطوع متبرع بخلاف من يعقد معه إجارة قبل التعليم.

وهي مسألة معروضة حتى المتأخرين من الأحناف لما رأوا ما يفضي إليه المنع من تعطل هذه الوظيفة -تعليم القرآن- وهذا أمر لا بد منه رخصوا بأخذ الأجرة، لكن مهما يكن من أمر لا ينبغي أن يُتخذ ذلك سبيلاً إلى أن يكون هو الهدف وهو الغاية، وإنما يريد ما عند الله -تبارك وتعالى.

عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللهِ، لا يَتَعَلَّمُهُ إِلا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنْ الدُّنْيَا، لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ[21].

هو هذا، أعراض الدنيا كثير، قد يكون يطلب العلم الذي يُبتغَى به وجه الله من أجل المال فهذا يدخل فيه، وقد يطلب ذلك لرئاسة، وقد يطلب ذلك من أجل أن يترفع على أقرانه، وقد يطلب ذلك رياءً وسمعة من أجل أن يُحمد ويُذكر، ومعلوم حديث الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة منهم قارئ، قرأتَ ليقال: قارئ، فيؤمر به إلى النار[22].

فهذه من المطالب والمقاصد الفاسدة، فهذه المنافع التي يطلبها ويقرأ من أجلها قد تكون أموراً معنوية، وقد تكون أموراً مادية، قد تكون أموالاً، وقد تكون وظائف، وقد تكون مراتب اجتماعية ونحو ذلك، والله -تبارك وتعالى- يقول: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ ۝ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:15-16]، فهذا الحديث الذي ذكره الآجُري -رحمه الله- يدعونا جميعاً إلى تصحيح النيات والمقاصد بتعلمنا القرآن وطلبنا للعلوم الشرعية أن لا نريد شيئاً من الدنيا، أن نريد ما عند الله -تبارك وتعالى.

وهناك أمور لا تحصل للإنسان إلا بالتعلم ونحو ذلك مما قد يريد به الإنسان الصلاح والإصلاح، كأن يريد أن يعمل في أعمال يكون ذلك إصلاحاً وصلاحاً يجري على يده فهذا من النية والقصد الحسن، يعني: يتعلم ليُحصل الشهادة لينفع المسلمين، فهذا من المقاصد الحسنة لا إشكال فيها، المهم أن يريد ما عند الله لا يريد الدنيا بهذا العمل، لكن لو أن أحداً قال: أنا أريد ما عند الله بهذا التعلم ويأتي على سبيل التبع ما يحصل به الكفاية في دنياه، فمثل هذا أرجو أن لا يلحقه حرج والناس في ذلك مراتب، من تمحضت إرادته ويريد ما عند الله فقط فهذا أعلى المراتب.

الثاني أن يلتفت إلى مثل هذا على سبيل التبع فلا بأس، لكن لا يجوز له أن يلتفت إلى أمر لا يجوز الالتفات إليه ألبتة كالرياء والسمعة، فالله كما في الحديث القدسي يقول: أنا أغنى الشركاء عن الشرك[23]، فقد يتعلم الإنسان من أجل أن يقال: عالم أو قارئ فيكون أول من تُسعر به النار يوم القيامة، وقد يتعلم وفي نفسه:

قد هيئوك لأمرٍ لو فطنتَ له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهَمَلِ[24]

يُهيئ نفسه لرئاسات يصارع ويعارك عليها، وليحصّل مراتب ومناصب يبذل دينه وإيمانه في سبيل تحصيلها، فمثل هذا لا يجوز ولا يسوغ بحال من الأحوال، لكن هنا لاحظوا الحصر لا يتعلمه إلا ليصيب به، إذن نيته قد تمحضت للدنيا، يُحصِّل به حظًّا من مال أو جاه من الدنيا، فإن كان الرياء والسمعة فقليله يفسد العمل كما هو معروف، أما إرادة المال ونحو هذا فإن كان على سبيل التبع فهذا لا بأس به كما ذكرت، وأعلى من هذا أن تتمحض إرادته ونتيه وقصده فيطلب ما عند الله دون شيء آخر، وإلا كان علمه من العلم الذي لا ينفع، والنبي ﷺ استعاذ من العلم الذي لا ينفع[25]، وهو أنواع ومنه هذا الذي قد فسدت فيه نيته وقصده، الناس منهم من يأخذ الدنيا ليتفرغ لعمل الآخرة، ومنهم من يعمل عمل الآخرة ليأخذ الدنيا، وشتان بين هذا وهذا، يعمل بعمل الآخرة ليُحصِّل دنيا، وأسوأ من هذا يبذل آخرته لدنيا غيره ليس لدنياه هو، يعني: من الناس من يبذل آخرته لدنياه، ومنهم من يبذل آخرته لدنيا غيره، هذا أسوأ هذه المراتب، فمثل هذا فاسد القصد الذي لا يتعلم العلم الذي يُبتغى به وجه الله إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا قال: لم يجد عَرف الجنة، يعني: ريح الجنة، فإذا كان لا يجد ريح الجنة فمعنى ذلك أنه لا يدخل الجنة، وليس معنى ذلك أنه كافر مخلد في النار، لكن إن لم يغفر الله له فإنه يعذب حتى يُمحص ثم يكون مآله إلى الجنة.

قال -رحمه الله: والأَخْبَارُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ، وَمُرَادِي مِنْ هَذَا النَصِيحَةُ لأَهْلِ الْقُرْآنِ؛ لِئَلا يَبْطُلَ سَعْيُهُمْ، إِنْ هُمْ طَلَبُوا به شَرَفَ الدُّنْيَا حُرِمُوا شَرَفَ الآخِرَةِ، إِذْ بَذَلُوهُ لأَهْلِ الدُّنْيَا طَمَعًا فِي دُنْيَاهُمْ، أَعَاذَ اللهُ حَمَلَةَ الْقُرْآنِ مِنْ ذَلِكَ.

فَيَنْبَغِي لِمَنْ جَلَسَ يُقْرِئُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَأَدَّبَ بِأَدَبِ الْقُرْآنِ، يَقْتَضِي ثَوَابَهُ مِن اللهِ، يَسْتَغْنِي بِالْقُرْآنِ عَنْ كُلِّ أَحَدٍ مِن الْخَلْقِ، مُتَوَاضِعٌ فِي نَفْسِهِ لِيَكُونَ رَفِيعًا عِنْدَ اللهِ -جَلَّت عَظَمَته.

بَابُ: ذِكْرِ أَخْلاقِ مَنْ يَقْرَأُ عَلَى الْمُقْرِئ

مَنْ كَانَ يَقْرَأُ عَلَى غَيْرِهِ، وَيَتَلَقَّنُ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُحْسِنَ الأَدَبَ فِي جُلُوسِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيَتَوَاضَعَ فِي جُلُوسِهِ، وَيَكُونَ مُقْبِلًا عَلَيْهِ، فَإِنْ ضجر عَلَيْهِ احْتَمَلَهُ، وَإِنْ زَجَرَه احْتَمَلَهُ، وَرَفَقَ بِهِ، وَاعْتَقَدَ لَهُ الْهَيْبَةَ، وَالاسْتِحِياَءَ مِنْهُ.

وَأُحِبُّ أَنْ يَتَلَقَّنَ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يَضْبِطَهُ -هُوَ أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ- إِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لا يَحْتَمِلُ فِي التَّلْقِينِ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسٍ فَلا يَنْبَغِي أَنْ يَسْأَلَ الزِّيَادَةَ، وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لا يَحْتَمِلُ أَنْ يَتَلَقَّنَ إِلا ثَلاثَ آيَاتٍ، لَمْ يَسْأَلْ أَنْ يُلَقِّنَهُ خَمْسًا، فَإِنْ لَقَّنَهُ الأُسْتَاذُ ثَلاثًا لَمْ يزده عَلَيْهَا، وَعَلِمَ هُوَ مِنْ نَفْسِهِ أنه يَحْتَمِل خَمْسًا سَأَلَهُ أَنْ يَزِيدَهُ عَلَى أَرْفَق مَا يَكُونُ، فَإِنْ أبَى لَمْ يُؤْذِهِ بِالطَّلَبِ، وَصَبَرَ عَلَى مُرَادِ الأُسْتَاذِ مِنْهُ؛ فَإِنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ هَذَا الْفِعْلُ مِنْهُ دَاعِيَةً لِلزِّيَادَةِ له مِمَّنْ يُلَقِّنُهُ -إِنْ شَاءَ اللهُ.

وَلا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُضْجِرَ مَنْ يُلَقِّنه فَيَزْهَدَ فِيهِ، وَإِذَا لَقَّنَهُ شَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، وَدَعَا لَهُ، وَعَظَّمَ قَدْرَهُ.

وَلا يَجْفُو عَلَيْهِ إِنْ جَفَا عَلَيْهِ، وَيكرِمُ مَنْ يُلَقِّنهُ إذا كَانَ هُوَ لَمْ يُكْرِمْهُ، وَتَسْتَحِي مِنْهُ إِنْ كَانَ هُوَ لَمْ يَسْتَحِ مِنْكَ.

تُلْزِمُ أَنْتَ نَفْسَكَ وَاجِبَ حَقِّهِ عَلَيْكَ، فَبِالْحَرِيِّ أَنْ يَعْرِفَ حَقَّكَ؛ لأَنَّ أَهْلَ الْقُرْآنِ أَهْلُ خَيْرٍ وَتَيَقُّظٍ وَأَدَبٍ، يَعْرِفُونَ الْحَقَّ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَإِنْ غَفَلَ عَنْ وَاجِبِ حَقِّكَ؛ فَلا تَغْفَلْ أنت عَنْ وَاجِبِ حَقِّهِ؛ فَإِنَّ اللهَ قَدْ أَمَرَكَ أَنْ تَعْرِفَ حَقَّ الْعَالِمِ، وَأَمَرَكَ بِطَاعَةِ الْعُلَمَاءِ، وَكَذَا أَمَرَ الرَّسُولُ ﷺ.

عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِل كَبِيرَنَا، وَيَرْحَم صَغِيرَنَا، وَيَعْرِف لِعَالِمِنَا...[26]، قَالَ أَحْمَدُ: يَعْنِي: يَعْرِفُ حَقَّهُ.

يعني: أنه يعرف حقه من امتثال أمره والاهتداء بهديه مع توقيره وإجلاله لما رفعه الله به، وإجلال الكبير باعتبار أنه قد قضى عمراً مديداً في طاعة الله -تبارك وتعالى، وله حق؛ لكبر سنه وقد تقلب أيضاً في العبودية لله ، والصغير فإن الله -تبارك وتعالى- قد رحم الصغير ورفع عنه التكليف، وهو موضع الشفقة، وهو نظيف ليس عليه ذنوب، طاهر فهو حري بأن يُرفق به وبأن يُرحم، وهكذا أيضاً يعرف لأصحاب الحقوق حقهم، ويُنزل الناس منازلهم، وكما جاء في حديث عائشة -ا: "أُمرنا أن ننزل الناس منازلهم"[27]، ولا يأنف من ذلك، ولا يرى أن هذا من قبيل الملق أو الضعف أو نحو ذلك، بل هذه هي الأخلاق وهذه هي الرفعة، ومن المتعلمين من يرى أن تقصير المعلم في حقه يكون سبباً لجفوة تصدر من هذا المتعلم، فيقابل الجفاء بجفاء، وليس له ذلك، يقول: هذا المعلم مثلاً يُعنفه أثناء الإقراء، أو يزجره، أو يسيء إليه، أو يجرح مشاعره أو نحو ذلك، ليس له أن يقابله بمثل هذا، وقد يجتهد هذا المعلم في نصحه أو نحو ذلك وقد يغلظ عليه، ويكون ذلك سبباً لمقابلته أيضاً برعونات وجفاء من هذا التلميذ، فهذا لا يليق، وإنما يعرف له حقه، والإنصاف عزيز، قل من يُنصف من نفسه، ولو نظرت في أحوال أهل العلم وتوقيرهم لمن يعلمونهم تجد من ذلك أشياء عجيبة، قد جاء عن طاوس بن كيسان -رحمه الله- قال: "من السنة أن توقر العالم"[28].

وهذا ابن عباس أخذ بركاب أُبيّ بن كعب، فقيل له: أنت ابن عم رسول الله ﷺ تأخذ بركاب رجل من الأنصار!، فقال: "إنه ينبغي للحبر أن يُعظَّم ويُشرَّف"[29].

وكذلك جاء عن الشعبي: "أن زيد بن ثابت   صلى على جنازة ثم قُربت له بغلة ليركبها فجاء ابن عباس فأخذ بركابه، فقال له زيد: خلِّ عنك يا ابن عم رسول اللهﷺ، فقال ابن عباس: هكذا يُفعل بالعلماء والكبراء"[30].

ويقول ابن عباس : "مكثت سنتين أُريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن حديث ما منعني منه إلا هيبته"[31]، بقي هذه المدة، وهو يدخل عليه في مجلسه.

وكان سعيد بن المسيِب -رحمه الله- يدخل المسجد ويركع ركعتين ثم يجلس فيجتمع إليه أبناء المهاجرين والأنصار، لا يجترئ أحد منهم أن يسأله عن شيء إلا أن يبتدئهم بحديث، إجلالاً وهيبة، أو يأتي سائل غريب فيسأل فيستمعون[32]، وهكذا أيضاً جاء في ترجمته أنه ما كان إنسان يجترئ على سعيد بن المسيب يسأله عن شيء حتى يستأذنه كما يُستأذن الأمير[33].

ويقول ابن سيرين: "رأيت عبد الرحمن بن أبي ليلى مع أصحابه يعظمونه ويسودونه ويشرفونه مثل الأمير"[34].

وجاء عن الأعمش قال: "كنا نهاب إبراهيم -يعني النخعي- كما يُهاب الأمير"[35].

وابن عياش -أعني أبا بكر بن عياش -رحمه الله- كان بمكة فجاءه سفيان بن عيينة فبرك بين يديه، سفيان برك بين يدي أبي بكر بن عياش، فجعل أبو بكر يقول له: يا سفيان، كيف أنت؟، يا سفيان، كيف عيال أبيك؟، قال: فجاء رجل يسأل سفيان، سفيان إمام ويعرفه أهل مكة، وكان سفيان بن عيينة في مكة فجاء رجل يسأل سفيان بن عيينة عن حديث فقال سفيان: "لا تسألني ما دام هذا الشيخ قاعداً"[36].

ويقول الحسن الخلال: "كنا عند مُعتمر بن سليمان يحدثنا إذ أقبل ابن المبارك -يعني عبد الله بن المبارك، فقطع مُعتمر حديثه، فقيل له: حدثنا، فقال: إنا لا نتكلم عند كبرائنا"[37].

وهكذا ابن مهدي في مجلسه حيث وصفوا هذا المجلس قالوا: "كان لا يُتحدث في مجلسه، ولا يُبرَى قلم، ولا يقوم أحد، كأنما على رءوسهم الطير، أو كأنهم في صلاة"[38].

ويقول بعضهم: "كنا عند ابن عون وهو يحدث فمر بهم أحد الكبراء ممن كان لربما سيُبايع له بالخلافة، مر بموكب وكان يُدعى بالإمامة وهو إبراهيم بن عبد الله بن حسن بعد قتل أخيه محمد، يقول الراوي: فما اجترأ أحد أن يلتفت فينظر إليه فضلاً على أن يقوم، هيبة لابن عون"[39]، مر موكب ضخم فما اجترأ أحد أن يلتفت، وكذلك أيضاً الشافعي وما ذكره عن شيخه الإمام مالك لما قدم المدينة فيقول: "فرأيت من مالك ما رأيت من هيبته وإجلاله العلم، فازددت من ذلك، حتى ربما أكون في مجلسه فأصّفّح الورقة تصفحاً رفيقاً هيبة له؛ لئلا يسمع وقعها"[40]، الشافعي يقول: أُحرك الورقة أفتحها بطريقة في غاية اللطف لئلا يسمع صوت الورقة، الآن في مجالس العلم الهواتف الجوالة والبعض يرد يتكلم بصوت مرتفع، والرِّجل تُمد.

ويقول الربيع بن سليمان: "والله ما اجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إليّ؛ هيبة له"[41].

ويقول الإمام أحمد: "لزمت هُشيماً أربع سنين ما سألته عن شيء إلا مرتين؛ هيبة له"[42].

وأحد تلامذة الإمام أحمد يقول: "رآني أبو عبد الله -يعني الإمام أحمد- يوماً وأنا أضحك، فأنا أستحييه إلى اليوم"[43]، أنه رآه يضحك، وذكر بعضهم عن الإمام أحمد -رحمه الله- أشياء من هذا القبيل.

وكذلك أيضاً يقول أحمد بن إسحاق الفقيه: "ما رأيت في المحدثين أهيب من إبراهيم بن أبي طالب، كنا نجلس كأن على رءوسنا الطير، لقد عطس أبو زكريا العنبري، فأخفى عُطاسه، فقلت له سرًّا: لا تخف فلست بين يدي الله"[44]، من شدة الهيبة يكتم عُطاسه، فهذا يقول له سرًّا" لا تخف فلست بين يدي الله.

ويقول بعضهم: "شهدت جنازة حُسين القباني فصلى عليه البُشنجي، فلما انصرف قُدمت دابته فأخذ أبو عمرو الخفاف بلجامه، وابن خُزيمة إمام الأئمة بركابه، والجارودي وإبراهيم بن أبي طالب يسويان عليه ثيابه، فمضى ولم يكلم واحداً منهم"[45]، أئمة يسوون ثيابه، وهذا يأخذ بركابه، وهذا يأخذ بلجامه.

وكذلك أيضاً يحيى القطان فقد ذكر بعضهم أنه كان يصلي العصر ثم يستند إلى أصل منارة مسجد فيقف بين يديه ابن المديني والشاذكوني وعمرو بن علي وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغير هؤلاء يستمعون الحديث وهم قيام على أرجلهم إلى أن تحين صلاة المغرب لا يقول لأحد منهم: اجلس، ولا يجلسون هيبة وإعظاماً له

يحيى القطان فقد ذكر بعضهم أنه كان يصلي العصر ثم يستند إلى أصل منارة مسجد فيقف بين يديه ابن المديني والشاذكوني وعمرو بن علي وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغير هؤلاء يستمعون الحديث وهم قيام على أرجلهم إلى أن تحين صلاة المغرب لا يقول لأحد منهم: اجلس، ولا يجلسون هيبة وإعظاماً له[46].

وبعض من وصف الإمام مالكًا أيضاً يقول: "رأيت باب مالك في المدينة كأنه باب الأمير"[47].

ويقول آخر: "رأيت مالك بن أنس غير مرة وكان بأصحابه من الإعظام له والتوقير له، إلى أن قال: وإذا رفع أحد صوته صاحوا به"[48]، كانوا يتزاحمون على بابه حتى يقتتلوا من الزحام، يقول: "وكنا إذا كنا عنده لا يلتفت ذا إلى ذا قائلون برءوسهم هكذا، يقول: وكانت السلاطين تهابه، وكان يقول: لا، ونعم، ولا يقال له: من أين قلت ذا؟، يعني: هيبة له"[49]، وكذلك قيل في وصفه شعراً:

 يَدَعُ الجوابَ فلا يُراجَع هيبةً  والسائلون نواكسُ الأذقان
نورُ الوقارِ وعزُّ سلطان التُّقى فهو المهيبُ وليس ذا سلطانِ

هكذا كانت مجالسهم، وهكذا كان توقيرهم، فأين هذا اليوم مما نجد في وسائل التواصل هذه من سباب وشتائم ووقيعة بأهل العلم، وتمزيق للأعراض، ورمي بالقبائح، وهذا من أعظم أسباب الحرمان، حرمان العلم، وحرمان التوفيق، والنتائج نشاهدها -لا حول ولا قوة إلا بالله، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت[50].

عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلّ كَبِيرَنَا، وَيَرْحَم صَغِيرَنَا، وَيَعْرِف لِعَالِمِنَا...[51]، قَالَ أَحْمَدُ: يَعْنِي: يَعْرِفُ حَقَّهُ.

عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ الله : أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59]، قَالَ: الْفُقَهَاءُ وَالْعُلَمَاءُ.

ثُمَّ يَنْبَغِي لِمَنْ لَقَّنَهُ الأُسْتَاذُ أَلَّا يُجَاوِزَ مَا لَقَّنَهُ، إِذَا كَانَ مِمَّنْ قَدْ أَحَبَّ أَنْ يَتَلَقَّنَ عَلَيْهِ.

وَإِذَا جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْ غَيْرِهِ لَمْ يَتَلَقَّنْ مِنْهُ إِلا مَا لَقَّنَهُ الأُسْتَاذُ -أَعْنَي بِحَرْفٍ غَيْرِ الْحَرْفِ الَّذِي قد تَلَقَّنَهُ مِنْ الأُسْتَاذِ- فَإِنَّهُ أَعْوَدُ عَلَيْه، وَأَصَحُّ لِقِرَاءَتِهِ، وَقَدْ قَالَ النَّبيُّ ﷺ: اقْرَءوا كَمَا عُلِّمْتُمْ[52].

النبي ﷺ قال هذا الحديث في قراءة القرآن، يعني: كما أُنزل على النبيﷺ بالأحرف السبعة، ومقصود الآجُري -رحمه الله- أن لا يُشتت قلبه فيقرأ على هذا بوجه ويقرأ على هذا بوجه وهذا بوجه قبل أن يتأهل ويضبط قراءة، ثم بعد ذلك يمكن أن يطلب ما زاد عليها.

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: مَنْ قَنَعَ بِتَلْقِينِ الأُسْتَاذِ وَلَمْ يُجَاوِزْهُ فَبِالْحَرِيِّ أَنْ يُوَاظِبَ عَلَيْهِ، وَأَحَبَّ ذَلِكَ مِنْهُ، فإذا رَآهُ قَدْ تَلَقَّنَ مَا لَمْ يُلَقِّنْهُ زَهِدَ فِي تَلْقِينِهِ، وَثَقُلَ عَلَيْهِ، وَلَمْ تُحْمَدْ عَوَاقِبهُ.

وَأُحِبُّ لَهُ إِذَا قَرَأَ عَلَيْهِ أَلَّا يَقْطَعَ حَتَّى يَكُونَ الأُسْتَاذُ هُوَ الَّذِي يَقْطَعُ عَلَيْهِ، فَإِنْ بَدَتْ لَهُ حَاجَةٌ، وَقَدْ كَانَ الأُسْتَاذُ مُرَادُهُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِ مِائَةَ آيَةٍ، فَاخْتَارَ هُوَ أَنْ يَقْطَعَ الْقِرَاءَةَ فِي خَمْسِينَ آيَةٍ، فَلْيُخْبِرْهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِعُذْرِهِ، حَتَّى يَكُونَ الأُسْتَاذُ هُوَ الَّذِي يَقْطَعُ عَلَيْهِ.

وَيَنْبَغِي له أَنْ يُقْبِلَ عَلَى مَنْ يُلَقِّنُهُ أَوْ يَأْخُذ عَلَيْهِ، وَلا يُقْبِلْ عَلَى غَيْرِهِ، فَإِنْ شُغِلَ الأُسْتَاذُ عَنْهُ بِكَلامٍ لا بُدَ لَهُ منه فِي الْوَقْتِ مِنْ كَلامِهِ؛ قَطَعَ الْقِرَاءَةَ حَتَّى يَعُودَ إِلَى الاسْتِمَاعِ إِلَيْهِ.

وَأُحِبُّ إِذَا انْقَضَتْ قِرَاءَتُهُ عَلَى الأُسْتَاذِ، وَكَانَ فِي الْمَسْجِدِ، فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْصَرِفَ انْصَرَفَ وَعَلَيْهِ الْوَقَارُ، دَرَسَ فِي طَرِيقِهِ مَا قَدْ تَلَقَّن.

وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَجْلِسَ ليأخذ عَلَى غَيْرِهِ فَعَلَ، وَإِنْ جَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ وَلَيْسَ بِالْحَضْرةِ مَنْ يَأْخُذُ عَلَيْهِ، فَإِمَّا أَنْ يَرْكَعَ، فَيَكْتَسِبَ خَيرًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَاكِرًا للهِ تعالى، شَاكِرًا لَهُ عَلَى مَا عَلَّمَهُ مِنْ كِتَابِهِ، وَإِمَّا جَالِسٌ يَحْبِسُ نَفْسَهُ فِي الْمَسْجِدِ، يَكْرَهُ الْخُرُوجَ مِنْهُ خَشْيَةَ أَنْ يَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى مَا لا يَحِلُّ، أَوْ مُعَاشَرَةِ مَنْ لَمْ تَحْسُنْ مُعَاشَرَتُهُ فَجَلَس فِي الْمَسْجِدِ فَحُكْمُهُ أَنْ يَأْخُذَ على نَفْسه فِي جُلُوسِهِ فِي الْمَسْجِدِ: ألَّا يَخُوضَ فِيمَا لا يَعْنِيهِ، وَيَحْذَر الْوَقِيعَةَ فِي أَعْرَاضِ النَّاسِ، وَيَحْذَر أَنْ يَخُوضَ فِي حَدِيثِ الدُّنْيَا، وَفُضُولِ الْكَلامِ؛ فَإِنَّهُ رُبَّمَا اسْتَرَاحَتْ النُّفُوسُ إِلَى مَا ذَكَرْتُ، مِمَّا لا يَعُودُ نَفْعُهُ، وَلَهُ عَاقِبَةٌ لا تُحْمَدُ، وَيَسْتَعْمِلُ مِنْ الأَخْلاقِ الشَّرِيفَةِ فِي حُضُورِهِ، وَ انْصِرَافِهِ مَا يُشْبِهُ أَهْلَ الْقُرْآنِ، وَاللهُ الْمُوَفِّقُ لِذَلِكَ.

يعني هنا يُرشده إلى الحال التي يكون عليها وما ينبغي أن يشتغل به إن جاء فلم يجد من يقرأ عليه، يعني: لم يجد الشيخ مثلاً، ما حضر الشيخ كيف ينشغل؟، كيف يفعل؟ هل يذهب هنا وهناك أو يجلس في المسجد ويشتغل بما يعنيه وينفعه؟.

  1. انظر: وفيات الأعيان، لابن خلكان (3/ 341)، ومعرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار، للإمام الذهبي (ص:341).
  2. معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار، للإمام الذهبي (ص:341).
  3. المصدر السابق.
  4. المصدر السابق.
  5. انظر: المصدر السابق.
  6. أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب صب الماء على البول في المسجد، برقم (220).
  7. انظر: الكتاب لسيبويه (3/ 144)، والمقتضب (2/ 351)، وشرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك (1/ 356).
  8. أخرجه أحمد في المسند، برقم (15529)، وقال محققوه: "حديث صحيح، وهذا إسناد قوي"، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، برقم (3057).
  9. أخرجه أحمد في المسند، برقم (22405)، وقال محققوه: "حديث صحيح".
  10. أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (2/ 179).
  11. تفسير القرطبي (1/ 334).
  12. الطبقات الكبرى (6/ 212)، وسير أعلام النبلاء (4/ 269).
  13. سير أعلام النبلاء (4/ 209).
  14.  المصدر السابق (7/ 132).
  15. المصدر السابق (15/ 344).
  16. انظر: مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (4/ 1513).
  17. انظر: الاختيار لتعليل المختار (2/59)، والبناية شرح الهداية (10/278)، والدر المختار وحاشية ابن عابدين (2/ 199)، وتبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشلبي (5/ 124)، وانظر: المغني لابن قدامة (5/ 410).
  18. انظر: المغني لابن قدامة (5/ 410-411).
  19.  انظر: المصدر السابق.
  20. أخرجه أبو داود، أبواب الإجارة، باب في كسب المعلم، برقم (3416)، وابن ماجه، أبواب التجارات، باب الأجر على تعليم القرآن، برقم (2157)، وقال الأرنؤوط: "حديث حسن، وهذا إسناد ضعيف، الأسود بن ثعلبة مجهول، ومغيرة بن زياد فيه كلام، وقد خالفه بشر بن عبد الله السلمي -وهو حسن الحديث- فرواه عن عبادة بن نسي، عن جنادة بن أبي أمية، عن عبادة بن الصامت"، وأحمد في المسند، برقم (22689)، وقال محققوه: "حديث حسن، وهذا إسناد ضعيف"، وذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها (1/ 515)، تحت حديث رقم (256)، وقال: "صحيح الإسناد".
  21. أخرجه أبو داود، كتاب العلم، باب في طلب العلم لغير الله تعالى، برقم (3664)، والترمذي، أبواب العلم عن رسول الله -ﷺ، باب ما جاء فيمن يطلب بعلمه الدنيا، برقم (2655)، وابن ماجه، أبواب السنة، باب الانتفاع بالعلم والعمل به، برقم (252)، وأحمد في المسند، برقم (8457)، وقال محققوه: "إسناده حسن"، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (6159).
  22. أخرجه مسلم، كتاب الإمارة، باب من قاتل للرياء والسمعة استحق النار، برقم (1905).
  23. أخرجه مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله، برقم (2985).
  24. انظر: نفح الأزهار في منتخبات الأشعار (ص:58)، وشرح لامية العجم للدميري (ص:7).
  25. أخرجه مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل، برقم (2722).
  26. أخرجه أحمد في المسند، برقم (22755)، وقال محققوه: "صحيح لغيره دون قوله: "ويعرف لعالمنا"، وإسناد هذا الحديث رجاله ثقات إلا أن أبا قبيل -وهو حيي بن هانئ بن ناضر- لم يسمع من عبادة".
  27.  ذكره مسلم في مقدمة صحيحه (1/ 6)، والبيهقي في الآداب، برقم (39)، وفي شعب الإيمان، برقم (10489)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع، برقم (1344)
  28.  أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، برقم (7509)، ومعمر بن راشد في جامع معمر بن راشد (11/ 137)، برقم (20133).
  29. أخرجه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (1/ 188)، برقم (309).
  30. الطبقات الكبرى  (2/ 275).
  31. غوامض الأسماء المبهمة (2/ 602).
  32.  أخرجه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (1/ 400)، برقم (941).
  33. أخرجه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (1/ 184)، برقم (295).
  34.  الكاشف (1/ 641).
  35.  تذكرة الحفاظ (1/ 59)، وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال (ص:23).
  36. سير أعلام النبلاء (8/ 499).
  37. أخرجه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (1/ 320)، برقم (706).
  38. الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (1/ 232)، و(1/ 257)، وسير أعلام النبلاء (9/ 154).
  39. أخرجه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (1/ 185)، برقم (298).
  40. تاريخ دمشق لابن عساكر (14/ 293).
  41. تاريخ دمشق، لابن عساكر (51/ 404)، وسير أعلام النبلاء (9/ 537)، وطبقات الشافعيين (ص:46).
  42. سير أعلام النبلاء (8/ 290).
  43. مناقب الإمام أحمد (ص:291).
  44. تذكرة الحفاظ، للذهبي (2/ 157).
  45. انظر: تاريخ دمشق لابن عساكر (51/ 206)، وتهذيب الكمال في أسماء الرجال (24/ 311)، وطبقات الشافعية الكبرى للسبكي (2/ 191).
  46. انظر: مناقب الإمام أحمد (ص:71)، وتهذيب الكمال في أسماء الرجال (31/ 339)، وتهذيب التهذيب (11/ 219).
  47. تذكرة الحفاظ، للذهبي (1/ 155).
  48. أخرجه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (1/ 182)، برقم (289).
  49. تاريخ الإسلام  (4/ 723).
  50. أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب إكرام الضيف، وخدمته إياه بنفسه، برقم (6135)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الحث على إكرام الجار والضيف، ولزوم الصمت إلا عن الخير وكون ذلك كله من الإيمان، برقم (47).
  51. أخرجه أحمد في المسند، برقم (6935)، وقال محققوه: "إسناده ضعيف لجهالة مولى عبد الله بن عمرو، وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين، العوام: هو ابن حوشب"، وحسنه الألباني في صحيح الجامع، برقم (5443).
  52. أخرجه أحمد في المسند، برقم (832)، وقال محققوه: "إسناده حسن، عاصم- وهو ابن أبي النجود- حسن الحديث، وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين"، والطبراني في الكبير، برقم (8680)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع، برقم (1171).

مواد ذات صلة