الأحد 16 / ذو الحجة / 1445 - 23 / يونيو 2024
(1) شرح مقدمة الباب وحديث أبي هريرةَ رضي اللَّه عنه أَخذ الحسنُ بنُ عليٍّ رضي اللَّه عنْهُما تَمْرةً مِنْ تَمرِ الصَّدقَةِ
تاريخ النشر: ٢٣ / محرّم / ١٤٢٨
التحميل: 513
مرات الإستماع: 2112

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فهذا باب جديد؛ وهو باب وجوب أمره أهله وأولاده المميزين، وهذا الباب جاء بعد الأبواب السَّابقة التي ذكر فيها المصنف -رحمه الله- أنه يجب على الإنسان أن ينفق على عياله، فذلك في تربية الأبدان، وما يحصل به الغذاء وما إلى ذلك مما يتطلبه البدن، وهذا الباب يتعلق بتربية النفوس والأرواح.

يقول:

"باب وجوب أمره أهله وأولاده المميزين وسائر من في رعيته بطاعة الله تعالى، ونهيهم عن المخالفة، وتأديبهم، ومنعهم عن ارتكاب منهي عنه، قال الله تعالى: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا [طه:132]".

وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا [طه:132]: يعني اصطبر الصلاة، وزيادة الحرف هنا الطاء؛ ليدل على مزيد من الصبر والمصابرة على ذلك، وذكر الله إسماعيل وأثنى عليه بقوله: وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ [مريم:55]، ومثل هذا الأسلوب (كان يفعل كذا) يدل على الدوام والاستمرار، أنه كان يأمر أهله دائمًا بالصلاة والزكاة.

وقال تعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا [التحريم:6]، وذلك بحملهم على طاعة الله وإبعادهم عما يسخطه.

وذكر بعد ذلك "حديث أبي هريرة قال: أخذ الحسن بن علي -رضي الله عنهما- تمرة من تمر الصدقة"، يعني من تمر الزكاة، "فجعلها في فيه، فقال رسول الله ﷺ: كُخ كُخ"، بالضم، ويقال أيضًا بالفتح، وذكر فيها بعضهم ثمان لغات، وهي كلمة للزجر، يقصد بها زجر الطفل عن شيء قارفه، كما إذا أكل الطفل شيئًا لا يحسن أكله فيقال له ذلك، ارم بها أما علمت أنَّا لا نأكل الصدقة[1] متفق عليه، وفي رواية: أنَّا لا تحل لنا الصدقة[2].

وهذا الحديث وكذلك قوله تبارك وتعالى: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ، قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا، كل هذه النصوص -وغير هذه النصوص- تدل على أنه يجب القيام على هؤلاء الأولاد، ولو كانوا صغارًا بحملهم على طاعة الله واجتناب معصيته، فيما يتعلق بالواجبات هؤلاء غير مكلفين، لكن نحن علَّمنا الشَّارع أننا نأمر الصبي إذا بلغ سبع سنين بالصَّلاة، وأنَّنا نضربه عليها إذا بلغ عشر سنين، وأما المحرمات فيجب كفه عن ذلك مطلقًا، يجب منعه أيًا كان نوعها، كالتي تتعلق باللسان، فإذا صار يسخر من الآخرين يمنع، إذا صار يغتاب الناس يمنع، إذا صار يكذب يمنع من هذا ويؤدب ويعلم، كذلك إذا فعل شيئًا من المحرمات الأخرى، كما لو جلس يعزف هذا الطفل، أو يسمع الأغاني، أو نحو هذا فإنه يمنع، وقد ذكر إبراهيم النخعي -رحمه الله-: أن أصحاب ابن مسعود كانوا يأخذون الدفوف من الصبيان ويخرقونها[3].

وذكر أنهم كانوا يؤدبونهم على الحلف بالله ، يعني الطفل ما يترك يحلف بالله كثيرًا على الأمور التَّافهة، وكثرة الحلف بالله على كل شيء يسنح في باله هذا أمر يدل على استخفاف بمقام المعبود ، فيعلَّم ويؤدَّب على هذه الأمور.

كذلك أيضًا يمنع من الصحبة السيئة، يمنع من تعاطي المحرمات، يمنع أن يشرب الدخان أو يشرب الخمر، أو يتعاطى أيَّ شيء من المحرمات؛ فإنَّه يُنهى عن ذلك، كذلك ما يتعلق بالإسبال ما تحت الكعبين بالنُّسبة للابن الذَّكر يُمنع من هذا، كذلك لبس التَّصاوير، أو التصوير بجميع أنواعه يكف عنه هذا الصغير، فهو وإن كان غير مكلف إلَّا أنَّ الذي يحاسب على ذلك ويؤاخذ هو وليه، كذلك ما يتعلق بإتلاف أموال الآخرين والعدوان عليهم، لا يترك يعبث بممتلكات الناس أو يؤذيهم ثم يقال: هذا صغير، بل الواجب القيام عليه، وحسن تربيته، وللأسف هذا جانب يغفله أكثر الناس، تجد حتى الرجل لربما فيه من الخير والصلاح والدين، وإذا رأيت هيئة الولد ولباسه تظن أنَّ هذا كأنَّه ولد لأناس لا يعرفون الله قط، هذا لباس لا يليق، وهذه البنت تلبس القصير، تلب لباسًا لا يليق، تلبس بنطالاً، لماذا تفعل هذا؟ يقولون: صغيرة، صغيرة يجب منعها من هذا، وتعويدها على الستر والحشمة والعفاف.

وينشأ ناشئ الفتيان فينا على ما كان عوده أبوه[4]

فإذا كان الصغير الولد يعلم منذ الصغر أن ثوبه لا يزيد على الكعبين فيتربى على هذا، ويلاحظ هذا دائمًا في حياته، أما إذا كان يلبس كيفما اتفق، ويتكلم كيفما اتفق، ويأكل كيفما..، فإن هذا كيف ينشأ على طاعة الله ؟ ما هي التربية أصلاً إذا كان الإنسان لا يلتفت لهؤلاء منذ نعومة أظفارهم، بل يمنعون عن كل محرم، وأما طاعة الله من الأمور المأمور بها فإنه كما علمنا الشارع، لكنهم لا يضربون دون العاشرة، وإنما يعلمون ويزجرون وما أشبه هذا، فإذا جاوز العاشرة فإنه يضرب على الصلاة وما إلى ذلك، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.

  1. أخرجه البخاري، كتاب الزكاة، باب ما يذكر في الصدقة للنبي -صلى الله عليه وسلم-، رقم (1420)، ومسلم، كتاب الزكاة، باب تحريم الزكاة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، رقم (1069).
  2. أخرجه مسلم، كتاب الزكاة، باب تحريم الزكاة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، رقم (1069).
  3. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للخلال، تحقيق يحيى مراد (ص:57).
  4. ديوان أبي العلاء المعري (ص:1458).

مواد ذات صلة