الجمعة 27 / ربيع الآخر / 1443 - 03 / ديسمبر 2021
(1) حديث ابن عمر لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا إن تكونوا باكين
تاريخ النشر: ١٧ / شعبان / ١٤٣١
التحميل: 543
مرات الإستماع: 1332

الحمد لله، والصلاة، والسلام على رسول الله أما بعد:

فهذا هو الباب الأخير في هذا الكتاب، وهو باب البكاء، والخوف عند المرور بقبور الظالمين، ومصارعهم، وإظهار الافتقار إلى الله تعالى، والتحذير من الغفلة في ذلك، هذه الترجمة واضحة، وهي مأخوذة من الحديث الذي ذكره تحتها، وهو حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله ﷺ قال: لأصحابه يعني: لما وصلوا الحجر، ديار ثمود بين المدينة، والشام، قال: لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، لا يصيبكم ما أصابهم[1] متفق عليه.

وفي رواية قال: لما مر رسول الله ﷺ بالحجر قال: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين ثم قنع رسول الله ﷺ رأسه، وأسرع السير حتى أجاز الوادي[2].

النبي ﷺ مر بأرض ثمود الحجر في السنة العاشرة كما هو معلوم لما ذهب النبي ﷺ إلى غزوة تبوك، ولم يمر بتلك الديار قصدًا من أجل الوقوف على آثارهم، وإنما كان ذلك في طريقه -عليه الصلاة والسلام- فقال لأصحابه لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين.

لا تدخلوا يحتمل أن يكون المراد بالدخول في الوادي؛ لأن ديار ثمود كانت على قسمين، القسم الأول، وهو ما كانوا يبنونه تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا فهذا في الصيف، كانوا يبنون القصور، ويسكنونها؛ طلبا لبرودة الهواء، يخرجون من الوادي، وإذا جاء الشتاء دخلوا في الوادي، وكانوا قد نحتوا فيه دورا، وبيوتًا لهم، الذي كان على السهول لم يبق له أثر، وأما الذي في الوادي مما نحتوه، ونقروه في الجبال فهو باق إلى اليوم بحاله تقريبًا حتى زخارفه لا تزال موجودة، وما صوره في مداخل تلك البيوت، وهذه البيوت الذين شاهدوها يذكرون من وصفها، ودقة نحتها، وما أوتيه أولئك من القوة العظيمة التي تمكنوا معها أيضًا من زخرفة الصخر حينما نحتوه، وعليها رسومات، وأشياء عجيبة، وهي منطقة واسعة، يتعب الإنسان إذا أراد أن يتجول، أو أن يقطعها على قدميه، مترامية، بعيدة الأطراف هذا الوادي.

والوادي معروف هو ممر الماء، مجرى السيول بين الجبال، أو الآكام، هذا الوادي كان بين جبال، وهذه الجبال في طبيعتها ذات تكوينات تصورت -لربما كما يقال- بفعل عوامل التعرية بصور معينة، كأنها تكتلات، صور غريبة، عجيبة يعرفها من أتاها، فهؤلاء استغلوا هذه الجبال فنحتوا فيها هذه البيوت، وهذه البيوت كانوا يسكنونها في وقت الشتاء، وهذا هو القول المعتمد، المعتبر، المعروف عند أهل العلم، خلافا لمن زعم بأن هذه كانوا قد نحتوها لتكون قبورا، وقالوا: إنه يوجد فيها قبور الآن، لكن ما الذي يثبت أن هذه القبور أصلا كانت قبور ثمود، ما الذي يثبت هذا؟  

وحينما أهلكهم الله وصاروا بالصفة التي وصف من الذي أخذهم، وقبرهم في تلك البيوت، فالذي يظهر -والله أعلم- أنها وإن كان هناك بعض الأشياء فيما سمعت من وصفها قد تحتاج إلى تفسير، يعني في طريقة نقرها، وفي طريقة كيف هيئوا أرضها، ونحو ذلك، يعني يوجد فيها أشياء كأنها قبور بطريقة النحت في الصخر، فهل هم الذين فعلوا هذا، أو جاء أناس؛ لأنهم قديما كما هو معروف، هل جاءوا ناس بعدهم، فنحتوا في أرض هذه الحجرات، أو الغرف في داخل هذه الجبال، نحتوا فيها أمثال القبور، أم ماذا؟ الله تعالى أعلم.

على كل حال الله -تبارك وتعالى- أخبرنا عن قيل صالح لهم وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتً فهي بيوت، وبعضهم تكلف، وقال: إن العرب تقول: البيوت للقبور، ولكن هذا خلاف الظاهر المتبادر، والقرآن لا يجوز حمله على غير الظاهر المتبادر إلا بدليل يجب الرجوع إليه، فالبيوت هي البيوت المعروفة.

على كل حال، فحصل منهم ما حصل، وعقروا الناقة، فأهلكهم الله بالهلاك المستأصل، ولم تمنعهم تلك البيوت التي في داخل الجبال، لم تمنعهم بأس الله الريح التي أهلكتهم.

على كل حال هنا قال: لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين، فيحتمل الدخول في الوادي بين البيوت، ويحتمل أن يكون الدخول في داخل هذه البيوت.

ولا يبعد أن يكون ذلك جميعا أراده رسول الله ﷺ لأنه اجتاز -عليه الصلاة والسلام- مر بها، قنع رأسه، ولم يتجول بين تلك البيوت، فالدخول في مدينتهم، أو في ذلك الوادي هو من الدخول عليهم، فهو داخل في عموم قوله ﷺ لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين يعني باكين حقيقة، يتذكر الإنسان كيف يبكي حينما يتذكر ما أصاب هؤلاء الناس من بأس الله، ونقمته لما عصوا رسله، وكفروا، فأذاقهم العذاب الأليم، فلم يبق منهم أحدا، فيكون الإنسان باكيا حقيقة، وبهذا يستجلب البكاء.

قال: فإن لم تكونوا باكين يعني: من لم يحضره البكاء فلا تدخلوا عليهم وفي بعض الأحاديث، أو متباكين، يعني: المتباكي هو الذي يتكلف البكاء.

قال: هنا فلا تدخلوا عليهم بمعنى: الذي يدخل ضاحكا، فاكها -كما هو حال كثير من الناس- يأتون للسياحة، وقد علق الكاميرا في رقبته، ويضحك بملء فيه، هذا لا يجوز له أن يدخل.

قال: لا يصيبكم ما أصابهم هذا خبر، ولكن هو مضمن معنى التعليل، بمعنى لأجل ألا يصيبكم ما أصابهم كما توضحه الرواية الأخرى.

قال: وفي رواية قال: لما مر رسول الله ﷺ بالحجر قال: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم فسره بعضهم بكراهة أن يصيبكم ما أصابهم، أو لئلا يصيبكم ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين، ثم قنع رسول الله ﷺ رأسه، يعني غطى رأسه، وأسرع في السير، حتى أجاز الوادي، حتى جاوزه.

فدل هذا الحديث على أن الإنسان لا يجوز له أن يدخل على أماكن المعذبين إلا أن يكون باكيا، من الرواية الأخرى أن يكون متباكيا، معتبرا.

والآيات التي جاءت في القرآن في الأمر بالسير في الأرض، والنظر في عاقبة المكذبين، وما أشبه ذلك لم يخاطب الله -تبارك وتعالى- بها كل أحد، وإنما ذلك كان متوجها لمن كان بحاجة إلى ذلك، عنده شك، عنده ريب، فقال لهم: فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ لكن من لم يكن عنده ريب، ولا عنده تردد، ولا عنده شك في الإيمان فلا يحتاج إلى أن يذهب، وينظر في مصارع الظالمين، ويزور الأماكن قصدا التي عذبهم الله فيها، ولهذا قال: لا ينبغي للإنسان أن يسافر إلى تلك المحال، وأن يقصدها إلا إن كان عنده شيء من الشك، أو التردد فيذهب ليتعظ، ويعتبر، ويوقن، ويدخل بهذه الصفة التي ذكرها الله -تبارك وتعالى-.

والنبي ﷺ لما نزلوا، وأخذ بعض أصحابه استقوا من الآبار، وعجنوا فيها العجين أمر ﷺ بإراقة ما استقوا، وأن يطعموا ذلك العجين للدواب إلا بئر الناقة التي كانت تشرب منه الناقة[3] دل ذلك على أنه لا يجوز الاستفادة من مياههم، أو من أرضهم، أو نحو ذلك.

ولهذا صدرت فتوى قديمة من أيام سماحة المفتي الأسبق الشيخ محمد بن إبراهيم -رحمه الله- بمنع الأهالي آنذاك في منطقة العلا حيث نزح بعضهم إلى الحجر، وصاروا يزرعون هناك، يتخذون مزارع، فكتب -رحمه الله- إلى الجهات المعنية بمنع هؤلاء الناس من الزراعة في هذه الأماكن للحديث الذي ذكرته آنفا.

وقل مثل ذلك في الأماكن الأخرى، أماكن المعذبين كما هو المشهور، مثلاً أن البحر الميت هو أرض قوم لوط، وأنها صارت بحيرة ميتة كما قال: الحافظ ابن كثير، وذكر هذا بعض أهل العلم، فإن ثبت هذا فلا يجوز أن تتخذ تلك المستخرجات الطبية، وما يتعلق بالعناية بالأبشار، وما يتصل بأمور أخرى تتخذ للحلي، أو غير ذلك، أو منظفات من البحر الميت إن ثبت هذا للحديث.

وكذلك أيضًا علي لما مر بأرض الخسف من بابل أسرع، وذكر بعض الفقهاء أن النبي ﷺ لما أسرع في وادي محسر بين منى ومزدلفة[4] قالوا: من أجل أن ذلك الموضع هو الذي أصيب فيه أصحاب الفيل، لكن هذا لا يثبت.

وقل مثل ذلك لو ثبت أن الأهرام كانت للفراعنة، وأنها قبور لملوكهم، لو ثبت هذا فنقول: ليس للإنسان أن يدخل على هؤلاء المجرمين الظالمين المعذبين بهذا الحديث إلا أن تكونوا باكين، أو متباكين بهذه الصفة، فإن وجد منكرات أخرى من التصاوير، والتماثيل، أو نحو ذلك، أو كان هذا يتطلب انحناء، تعظيما لهؤلاء الناس، أو كذا فهذا لا يجوز.

والناس يتساهلون في أمور كثيرة، وقد يحصل في هذا اختلاط، بل سمعت من بعض الناس أنه ذهب إلى بعض البلاد، وأنه طاف على قبر عليه مثل الكعبة، بل طاف بعضهم على بعض المعابد الوثنية في بعض بلاد الهند، فلما سألته عن هذا قال: ذهبت للفرجة، واضطررت من أجل أن أرى ما يفعل هؤلاء، وأن أرى المكان من جميع الجوانب، ونحو ذلك، أن أطوف طوفة معهم، فهذا لا يجوز، هذا يخشى على إيمانه، فالإنسان لا يتساهل، ولا يجوز له إذا سافر أن يتخفف من الدين، ويفعل مثل هذه الأفعال التي قد تضره في آخرته -والله المستعان-.

  1. أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب، برقم (433)، ومسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، إلا أن تكونوا باكين، برقم (2980).
  2. أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب نزول النبي -صلى الله عليه وسلم- الحجر، برقم (4419).
  3. انظر: صحيح البخاري (4/149) وصحيح مسلم (4/2286).
  4. انظر: صحيح مسلم (2/886).

مواد ذات صلة