الأحد 22 / شعبان / 1445 - 03 / مارس 2024
حديث «وددت أنَّا قد رأينا إخواننا..» إلى «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا..»
مرات الإستماع: 0

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعدُ:

ففي باب فضل الوضوء، أورد المصنف -رحمه الله- حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ أتى المقبرة، فقال: السلام عليكم، دار قوم مؤمنين، وإن شاء الله بكم لاحقون، وددتُ أنا قد رأينا إخواننا قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد قالوا: كيف تعرف من لم يأتِ بعد من أمتك يا رسول الله؟ فقال: أرأيت لو أن رجلاً له خيل غرٌ محجلة بين ظهر خيل دهم بهم، ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: فإنهم يأتون غرًا محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض[1]، رواه مسلم.

قوله ﷺ حين جاء المقبرة، وهي مقبرة البقيع، كما هو معلوم: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإن شاء الله بكم لاحقون قوله: وإنا شاء الله بكم لاحقون ذكر المشيئة هنا من باب التحقيق، وليس من باب التعليق، بمعنى: أن النبي ﷺ يعلم أنه سيلحق بهم قطعًا، فإذا ذكرت المشيئة في مثل هذه المقام، فذلك يكون على سبيل التحقيق، كما يقول الإنسان مثلاً: سنلتقي في الدار الآخرة إن شاء الله، يعني: تحقيقًا، وأما التعليق فكأن يقول الإنسان: سأسافر غدًا إن شاء الله، فذلك معلق على مشيئة الله، أو يقول: لا أفعل إن شاء الله، فعلّق اليمين هنا، أو الفعل على المشيئة؛ ولهذا لو لم يفعل فإنه ليس عليه كفارة يمين؛ لأن الله لم يشأ، وقوله -تبارك وتعالى-: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ [الفتح:27] فالتعليق بالمشيئة هنا من باب التحقيق؛ لأن الله يعلم أنهم داخلون قطعًا.

فهنا وددتُ أنا قد رأينا إخواننا يتمنى النبي ﷺ أنه قد رآهم، وهذا يدل على أنه يجوز للإنسان أن يتمنى أمورًا من المعروف والخير، وما أشبه ذلك.

"قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: أنتم أصحابي" يعني: الذين صحبوه -عليه الصلاة والسلام- فهم أصحابه وإخوانه، لكن أولئك لم يصحبوه، فاختصوا بما ذُكر.

فقوله ﷺ: وددت أنا قد رأينا إخواننا مع الحديث الآخر الذي قال فيه النبي ﷺ: فإن من ورائكم أيامًا الصبر، فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عملكم[2]، يعني: من أجور الصحابة ، فهذا استدل به بعض أهل العلم كابن عبد البر -رحمه الله- على أنه قد يوجد في بعض أفراد المتأخرين، أو من جاء بعد الصحابة من يفضل بعض أصحاب النبي ﷺ في بلائه وعمله وصلاحه وديانته، وما إلى ذلك[3]، لكن ذلك لا يكون لمثل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار -رضي الله عنهم وأرضاهم-، إنما قالوا هذا في غيرهم ممن تأخر إسلامه، ولم يكن له بلاء يُذكر، قالوا: فقد يوجد بعده من يكون له بلاء عظيم، ونفع للأمة وللإسلام والمسلمين، ما يكون أعظم من هؤلاء وأفضل، وإن كان أولئك قد ذهبوا بالصحبة، وهي مزية لا يمكن أن يلحقهم بها أحد، ولكن مشى هؤلاء على قاعدة المزية لا تقتضي الأفضلية، والمسألة ليست محل اتفاق، فمن أهل العلم من يقول: لا يأتي أحد بعد الصحابة أفضل منهم، ولا شك أنه باعتبار الجيل والقرن، فكما قال النبي ﷺ: خير الناس قرني[4]، فهذا باعتبار القرن، فلا يمكن أن يأتي قرن آخر بعد ذلك يكون أفضل منهم، حتى أولئك الذين يعطون أجر خمسين، فإنهم ليسوا أفضل من الصحابة، ولكن لما كانوا في حال من الغربة ضعّف لهم في الجزاء والأجر، وكما سبق أن المزية لا تقتضي الأفضلية، فخير القرون خير القرن الصحابة ، ولكن الكلام في الآحاد والأفراد، هل يمكن أن يوجد أفراد مثل عمر بن عبد العزيز مثلاً من يكون أفضل من بعض من رأى النبي ﷺ، وليس من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، يعني ممن ينتسب إلى الصحبة، ولم يكن له ذكر، وليس له بلاء في نصر الإسلام، وما شابه ذلك، والذين رأوا النبي ﷺ وصحبوه أكثر من مائة ألف، كما هو معلوم، فكلام أهل العلم في مثل هؤلاء فقط في التفضيل بين الأفراد، ممن جاء بعد السابقين الأولين، والله تعالى أعلم؛ لأن من أهل العلم من يمنع هذا بإطلاقه.

فلما سألوه: فكيف تعرف من لم يأتِ بعد من أمتك يا رسول الله؟ فقال: أرأيت لو أن رجلاً له خيل غر والغرة: هي البياض في ناصية الفرس محجلة التحجيل: هو بياض في قوائم الفرس بين ظهري خيل دهم بهم قلنا: إن الدهم هي السوداء، والبهم قيل: هي السوداء، وقيل: التي ليس معها لون آخر يخالطها أيًا كان لونها.

قال: ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: فإنهم يأتون غرًا محجلين من الوضوء وكما سبق في رواية أخرى غرًا من السجود محجلين من الوضوء وقلنا لا منافاة بين هذا وهذا، فهذا نور على نور، نور السجود ونور الوضوء.

قال: وأنا فرطهم على الحوض الفرط هو الذي يسبق القوم إلى الماء؛ ليهيئ لهم الدلاء، وما إلى ذلك، فالنبي ﷺ يقول: أنا السابق، يسبق أمته ﷺ على الحوض، والناس كثير في القيامة، من آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فهم يسألونه: كيف تعرف من لم يأتِ بعد من أمتك؟ يعني: يعرف أصحابه الذين رآهم، لكن الذين ما رآهم جاؤوا بعده -عليه الصلاة والسلام- إلى قيام الساعة كيف يعرفهم؟ يعرفهم بهذه الصفات، فيهم بياض في الوجه، وبياض في أطراف الوضوء من بين سائر الناس، فيُعرفون، فإذا جاء الرجل وفي وجهه هذا البياض، وفي أطرافه هذا البياض، عرفه ﷺ أنه من أمته، فيدعوه، فيشرب من الحوض.

فيأتي السؤال الذي أورده في حديث سابق، وهو ذاك الذي لا يتوضأ ولا يصلي كيف يأتي يوم القيامة؟! وكيف يعرفه النبي ﷺ من بين سائر الناس؟! فالصلاة شأنها ليس بالشيء اليسير، وكثير من الناس قد تساهل وفرط، والله المستعان.

ثم ذكر حديثًا آخر عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: إسباغ الوضوء الإسباغ يعني: الاتمام والإكمال كما سبق، على المكاره يعني: في شدة البرد، وقد يكون الماء حارًا في شدة الصيف، الخزان في غاية التأثر بأشعة الشمس المحرقة، ونحو ذلك، فالماء الذي يتوضأ منه الإنسان أحيانًا يكون في غاية الحرارة، فهذا من الوضوء على المكاره.

فالإنسان إذا كانت في شدة البرد أو في شدة حرارة الماء، لا يصل الماء إلى المواطن والمواضع التي يجب أن يصل إليها، فينبو الماء عن بعض الأجزاء، فهنا إسباغ الوضوء على المكاره، هذا ترفع به الدرجات، ويمحو الله به الخطايا هذا الأول.

والثاني: وكثرة الخطى إلى المساجد فكيف حال الذين يصلون في بيوتهم؟ فإذا كان الإنسان يذهب في اليوم والليلة خمس مرات إلى المسجد، فإن ذلك يكتب له في ذهابه ورجوعه كما دل عليه بعض الأحاديث.

قال: وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط[5]، رواه مسلم.

انتظار الصلاة بعد الصلاة يعني: يجلس بعد صلاة المغرب ينتظر العشاء، أو يجلس بعد العصر ينتظر المغرب، وهكذا، فهذا انتظار الصلاة، قال: فذلكم الرباط يعني: هذا هو الرباط الكامل؛ لأن الرباط في سبيل الله معلوم أنه لزوم الثغور، وهي البلاد التي تكون متاخمة للعدو من بلاد المسلمين، أي: المناطق الحدودية لبلاد المسلمين، فذلك هو الرباط العظيم الذي جاء فيه الترغيب من قبل الشارع في نصوص كثيرة، فالنبي ﷺ يقول: فذلكم الرباط الذي هو انتظار الصلاة إلى الصلاة، يعني: كأنه يقول: هذا هو الرباط الكامل، وأشار إليه باسم الإشارة للبعيد، ولم يقل: هذا الرباط، هذا الرباط، وإنما قال: فذلكم الرباط رفعة لشأنه، وتنويهًا به، فذكر مثل هذه الأشياء، فتصوروا الآن من خلال ما ذُكر ما الذي يكفر ذنوب الإنسان؟ إذا توضأ خرجت ذنوبه من تحت أظفاره، وإذا غسل يديه خرجت ذنوب اليدين، وإذا غسل الرجلين خرجت ذنوب الرجلين، وإذا غسل الوجه خرجت ذنوب العين والأنف والفم، وإذا مشى إلى المسجد فإنه رجل يمحو بها خطيئة، ورجل يرفع بها درجة، يعني: لا يرفع رجلاً، ويضع أخرى إلا محيت عنه الخطيئة، ورفعت له درجة.

ثم أيضًا إذا صلى الإنسان ركعتين لا يحدث بهما نفسه غفر الله له، وكذلك أيضًا جاء في الأحاديث أن الرجل إذا صلى تكون ذنوبه على رأسه، فإذا سجد أو ركع تساقطت تحاتت ذنوبه، فمثل هذه الأشياء في هذه الصلوات بذهابنا ومجيئنا ووضوئنا، ونحو ذلك هذه تغسل، كما قال النبي ﷺ: تحترقون وتحترقون، فإذا صليتم الصبح غسلتها، ثم تحترقون وتحترقون يعني بالذنوب فإذا صليتم الظهر غسلتها، ثم تحترقون وتحترقون فإذا صليتم العصر غسلتها، ثم تحترقون وتحترقون فإذا صليتم المغرب غسلتها، ثم تحترقون وتحترقون فإذا صليتم العشاء غسلتها، ثمَّ تنامونَ فلا يُكتبُ عليكم حتَّى تستيقظوا[6]، تصور غسيل مستمر بالوضوء وبالخطى إلى الصلاة ذنوب العبد تسقط، فإذا ركع وسجد، فالصلاة نفسها زيادة، والصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر[7]، صيام يوم عرفة، أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله، والسنة التي بعده، وصيام يوم عاشوراء، أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله[8]، فكل هذه الأشياء تكفر الذنوب، فإذا دخل عبد بعد ذلك النار، فهذا هو الخسار الحقيقي؛ ولهذا يقال: "هلك من غلبت آحاده عشراته"[9] الحسنة بعشر أمثالها، والسيئة بواحدة، ومع ذلك تثقل موازين السيئات بعد هذا كله؟!

فأقول: الذي لا يصلي أصلاً كيف تغسل ذنوبه وخطاياه؟ والذي لا يتوضأ؟ والذي لا يمشي إلى المساجد أو الذي يصلي في بيته كما يخسر؟!

فنسأل الله أن يتقبل منا ومنكم، وأن يغفر لنا ولكم ولوالدينا ولإخواننا المسلمين.

والله أعلم.

وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

  1. أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء برقم (249).
  2. أخرجه الترمذي في أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة المائدة برقم (3058) وابن ماجه في كتاب الفتن، باب قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} [المائدة:105] برقم (4014) وأبي داود في كتاب الملاحم، باب الأمر والنهي برقم (4341) وصححه الألباني.
  3. التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (20/252).
  4. أخرجه البخاري في كتاب الشهادات، باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد برقم (2652) ومسلم في فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم برقم (2533).
  5. أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب فضل إسباغ الوضوء على المكاره برقم (251).
  6. أخرجه الطبراني في الأوسط برقم (2224) والصغير برقم (121) قال الألباني: "حسن صحيح" صحيح الترغيب رقم (357).
  7. أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر برقم (233).
  8. أخرجه مسلم في كتاب الصيام، باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر وصوم يوم عرفة وعاشوراء والاثنين والخميس برقم (1162).
  9. من قول ابن مسعود. تفسير ابن كثير (6/309).

مواد ذات صلة