السبت 10 / ذو القعدة / 1445 - 18 / مايو 2024
حديث «من صلى البردين دخل الجنة» إلى «من صلى الصبح فهو في ذمة الله..»
مرات الإستماع: 0

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعدُ:

فهذا باب فضل صلاة الصبح والعصر.

عن أبي موسى أن رسول الله ﷺ قال: من صلى البردين دخل الجنة[1]، متفق عليه.

والبردان: الصبح والعصر، وقيل لهما ذلك لأنهما في وقت برد الهواء، فصلاة الصبح شاقة؛ لأن ذلك مع ما فيه من البرودة إذا كان ذلك في وقت الشتاء مثلاً، فإن القيام إليها أشق، إضافة إلى الإنسان يحتاج أن يستيقظ من نومه، فهذا يتطلب مجاهدة، لا سيما من لم يعتد على ذلك؛ ولهذا نجد الذين قد ربوا منذ نعومة أظفارهم من الصغر امتثالاً لقول النبي ﷺ: مروا أولادكم بالصلاة، وهم أبناء سبع سنين[2] فإن هؤلاء حينما يكبرون فإنهم يصلونها ولا يحتاجون إلى كبير مشقة كما يحتاجه ذلك الذي لم يعتد، فلربما أهمله أبواه، إما من باب الشفقة والحنو الذي يكون في غير محله -ضعوه في فراشه وفي لحافه من أجل أن لا يتكبد المشقة-، ثم بعد ذلك يصعب عليه القيام لصلاة الفجر حتى إن بعضهم لربما يعد ذلك من الأمور غير الممكنة، ولربما تجد هذا يبلغ الأربعين والخمسين، ويتجاوز ذلك، وهو لا يعرف صلاة الفجر في المسجد، وهذه مشكلة كبيرة للأسف يقع فيها كثيرون، والسبب الأكيد في ذلك كله هو ضعف الإرادة عند هؤلاء، بدليل أن الواحد منهم إذا كان عنده شيء من المطالب المهمة بالنسبة إليه كالسفر، أو العمل، أو الدراسة، أو الاختبار، أو نحو هذا، فإنه يستيقظ، ولا يتخلف عنه، ولربما لو حصل له تأخر لحصل له ارتباك كبير، ورؤي أثر ذلك على وجهه، يعني: في أموره الدنيوية، أما صلاة الفجر ففي كل يوم لا تُصلى إلا بعد طلوع الشمس، ولا يجد في ذلك غضاضة، وأنا أستغرب كيف يعيش هؤلاء؟ ولست أدري بأي قلب وبأي نفس يستقبلون يومهم الجديد، ولم يصل الواحد منهم الفجر إلا بعد طلوع الشمس؟ نسأل الله العافية.

ثم العصر أيضًا في الوقت الذي ذكر فيه ذلك النبي ﷺ، فالناس إما في قيلولة، فهم يحتاجون إلى الاستيقاظ منها، أو اشتغال بأمور المعاش والتجارات والزراعة، وما إلى ذلك؛ لأن مدى ذلك عندهم في السابق إلى غروب الشمس، يعني: أنهم يتقلبون في أمورهم المعاشية إلى غروب الشمس، فإذا غربت الشمس، فإن الناس يكونون في حال من الذبول والضعف والسكون، وينتظرون النوم، ويلجؤون إلى بيوتهم؛ ولهذا نهى النبي ﷺ عن النوم بعد صلاة المغرب، يعني: قبل العشاء، وعن الحديث بعدها، والسبب في ذلك هو أن النوم قبل صلاة العشاء مظنة لتركها، يأتي الإنسان في حال من التعب، والإنهاك والإرهاق، فإذا لامس جنبه الأرض فإنه عندئذٍ ينام نومة لا يشعر معها بشيء؛ ولهذا فإن صلاة العصر شاقة في ذلك الزمن لمن يقيل، ولمن أيضًا يتقلب في أمور المعاش؛ ليدرك قبل غروب الشمس، فهو في لهو وشغل وغفلة.

ولهذا قال الله : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى [البقرة:238] وهي صلاة العصر، فلماذا خصها؟ خصها لشرفها، وأيضًا لكثرة الذهول عنها، والانشغال، واليوم كذلك، الناس الذين يأتون من العمل، وينامون بعد الظهر، ينام قبل العصر بنصف ساعة، أو بنحو ذلك، كثير من هؤلاء تفوتهم صلاة العصر، وهو يحتاج إلى مجاهدة من أجل أن يستيقظ، ثم أولئك الذين يعملون أيضًا في الشركات، ونحو هذا، كثيرًا ما يسألون حينما يتوجه الواحد منهم مسافة تحتمل أن تكون قصرًا يسأل عن الجمع، فيجمع الظهر والعصر في وقت الظهر جمع تقديم، وهو يعلم أنه سيصل قبل العصر؛ لأنه سينام، ولا يكون ذلك مرة واحدة لعارض، أو لأمر يثقل عليه، ويشق عليه، حتى إنه يترتب عليه تضييع الصلاة إن لم يصلها، وإنما ذلك ديدنه، دائمًا يعمل بشركة ويأتي من الجبيل، ويجمع بين الظهر والعصر، جمع تقديم، ويصل الساعة مثلاً الثانية والنصف، أو الثانية والربع، أو الثانية والثلث وينام، يصل قبل أذان العصر، ثم ينام إلى المغرب، وبعضهم يجمع المغرب مع العشاء أيضًا، الظهر والعصر جمع تقديم، والمغرب والعشاء جمع تأخير، فصلاة المغرب مفوتة مضيعة، وهذا واقع وموجود للأسف، يفوتون صلاة المغرب خاصة في الشتاء؛ لأن العصر قصير وبزعمهم لا يكفهم، ثم بعد ذلك يسهر في الليل، فيضيع صلاة الفجر، وهكذا في دورة مستمرة.

فالنبي ﷺ هنا يقول: من صلى البردين دخل الجنة وكلما ازدادت المشقة التي تواجه العبد عند القيام بالعبادة، أو ترك المعصية كان الأجر أعظم، والدرجة أرفع، وهذا كثير، ومن تتبع شواهده في الكتاب والسنة وجد ذلك ظاهرًا.

ثم أيضًا ذكر حديث أبي زهير عُمارة بن رويضة قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: لن يلج النار أحد هناك من صلى البردين دخل الجنة وعد من الله بدخول الجنة، مرتب على شرط، وهنا لن يلج النار هناك قد تقول: صلى البردين دخل الجنة لكن بعدما يعُذب بذنوبه، لكن الحديث الآخر يقول: لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها[3]، يعني: الفجر والعصر، رواه مسلم.

ذلك دخل الجنة وهذا لن يلج النار هذا يبين أنه لا يعذب في النار، ثم يكون مآله إلى الجنة، كم لو بقينا مع الحديث الأول، فقد نفهم هذا الفهم، لكن هنا لن يلج إلا بوجه من التكلف، كما يقول بعضهم: بأن المقصود من لن يلج النار بمعنى: دخول الخلود، وهذا لا يخلو من تكلف على كل حال، فالذي يحافظ على هذه الصلوات الشاقة معنى ذلك أن محافظته على بقية الصلوات آكد، ومن باب أولى.

ولذلك تجد المفرطين في مثل هذه الصلوات بدعوى المشقة إنما يهون عليهم أمر الصلاة بالكلية غالبًا؛ ولهذا تجد الواحد منهم يفوت الصلاة وهو مستيقظ، وينشغل بأي قضية تافهة، يشاهد مباراة، أو يشاهد مسلسل، أو يشتغل بشيء في البيت، أو يأكل ويشرب، أو يتحدث مع أحد بالهاتف، ثم الناس يخرجون من الصلاة، وهو مستيقظ، وليس في نوم، نحن نقول: الذي يعذر في صلاة الفجر هو الذي يصلي صلاة العشاء وينام مباشرة ويضع ساعة، ويوصي من يوقظه، فإذا كان مع هذا كله كالجنازة، يقول: نحملك، مثل الثوب والقماش، فهذا معذور، حتى لو ما صلاها إلا الساعة العاشرة.

وعندنا ما يشهد على هذا، وهو حديث أبي سعيد قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ ونحن عنده، فقالت: يا رسول الله، إن زوجي صفوان بن المعطل، يضربني إذا صليت، ويفطرني إذا صمت، ولا يصلي صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، قال وصفوان عنده، قال: فسأله عما قالت، فقال: يا رسول الله، أما قولها: يضربني إذا صليت، فإنها تقرأ بسورتين، وقد نهيتها، قال: فقال: لو كانت سورة واحدة لكفت الناس وأما قولها: يفطرني، فإنها تنطلق فتصوم، وأنا رجل شاب، فلا أصبر، فقال رسول الله ﷺ يومئذٍ: لا تصوم امرأة إلا بإذن زوجها وأما قولها: إني لا أصلي حتى تطلع الشمس، فإنا أهل بيت قد عرف لنا ذاك، لا نكاد نستيقظ حتى تطلع الشمس، قال: فإذا استيقظت فصل[4]، لكن نحن لا نحب أن نقول هذا للناس هذا؛ لئلا يقول الإنسان: هذا حالي، فأنا أقول: إذا نام بعد صلاة العشاء مباشرة، ثم وضع الساعة، وطلب من يوقظه، ومع هذا كله -كما يقال-: مثل الخرقة ما يشعر بشيء نشيله ونحطه، نقول: هذا معذور، هذه حالة مرضية، فالرجل الذي لا يصلي الصبح إلا بعد طلوع الشمس، اعتذر للنبي ﷺ بمثل هذا، فالنبي ﷺ عذره، لكن متى؟ هذا الذي ينام بعد العشاء، ويتخذ كل الأسباب من أجل أن يستيقظ، فنقول: هذا مريض، هذه حالة استثنائية، لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] ماذا تصنع؟

وأرجو ألا يُنقل عني أحد أني أقول: أن الذي يصلي الفجر الساعة العاشرة أنه ما فيه شيء، ولا عليه حرج، أرجو ألا يفهم هذا أحد.

أقول: هذه حالة مرضية، أنا أرد بهذا على الناس الذين ينامون الساعة الثانية عشر والواحدة، ويفوتون صلاة الفجر، ثم يقولون: ما استطعنا، أقول: نم بعد صلاة العشاء مباشرة، وضع منبه، وتوصي من يوقظك، فإذا لم تشعر بشيء وصرت كالجنازة، فنقول: هذا مريض، معذور، لم ينتبه، ولم يفق، ولم يشعر بشيء، فهذا الذي أعنيه، وأرجو ألا يفهم الكلام على غير المقصود.

ثم ذكر حديث جندب بن سفيان قال: قال رسول الله ﷺ: من صلى الصبح فهو في ذمة الله يعني: جواره وأمامه فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء، فيدركه فيكبه في نار جهنم[5]، رواه مسلم.

يعني: هذا الذي يتعدى على هذا الإنسان الذي هو في جوار الله وحفظه وأمانه.

وانظر هذا الإنسان الذي لا يصلي، ويفوت هذه الصلوات ولا يبالي، يفوته من صلى البردين دخل الجنة ويفوته لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ويفوته، من صلى الصبح فهو في ذمة الله وجاء في بعض روايات الحديث: من صلى الصبح في جماعة[6]، والمطلق محمول على المقيد، فيقال: ليس من صلى الصبح فقط، بل من صلى الصبح في جماعة، فهو في ذمة الله.

فالناس الذين يريدون أن يحفظهم الله في أسافرهم، وفي إقامتهم، وفي تنقلاتهم، وفي أعمالهم، وما إلى ذلك، يصلوا الصبح مع الجماعة، والله المستعان.

وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

  1. أخرجه البخاري في كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة الفجر برقم (574) ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاتي الصبح والعصر برقم (635).
  2. أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب متى يؤمر الغلام بالصلاة برقم (495) وقال الألباني: "حسن صحيح".
  3. أخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاتي الصبح والعصر، والمحافظة عليهما برقم (634).
  4. أخرجه أبو داود في كتاب الصوم، باب المرأة تصوم بغير إذن زوجها برقم (2459) وصححه الألباني.
  5. مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب فضل صلاة العشاء والصبح في جماعة برقم (657).
  6. قال الهيثمي -رحمه الله- (2/29): رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح، وقال المنذري في الترغيب: "ورجال إسناده رجال الصحيح" وقال الألباني: صحيح لغيره. انظر: صحيح الترغيب رقم (461).

مواد ذات صلة