الأحد 22 / شعبان / 1445 - 03 / مارس 2024
حديث "إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد.."، «دياركم تُكتب آثاركم..»
مرات الإستماع: 0

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعدُ:

ففي "باب فضل المشي إلى الصلاة" أورد المصنف -رحمه الله- حديث أبي بن كعب قال: "كان رجل من الأنصار لا أعلم أحدًا أبعد من المسجد منه، وكان لا تخطئه صلاة، فقيل له: لو اشتريتَ حمارًا تركبه في الظلماء وفي الرمضاء؟ قال: ما يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد، إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد، ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي، فقال رسول الله ﷺ: قد جمع الله لك ذلك كله[1]، رواه مسلم.

قوله: "كان رجل من الأنصار لا أعلم أحدًا أبعد من المسجد منه، وكان لا تخطئه صلاة" يعني: مع بعد بيته عن المسجد، إلا أن الصلاة ما كانت تفوته، كان يحضرها، ويواظب عليها مع الجماعة.

"فقيل له: لو اشتريتَ حمارًا تركبه في الظلماء وفي الرمضاء" يعني: في الظلماء قد يتعثر، ويقع، وقد تؤذيه الهوام، ونحو ذلك، وفي الرمضاء يؤذيه حر الشمس.

"قال: ما يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد" من أجل أن الخطا تكتب للإنسان "إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد" هل معنى هذا: أن الإنسان -كما سبق- يتقصد الذهاب إلى مسجد بعيد، ويترك المسجد القريب، أو أنه يسلك طريقًا بعيدة إلى المسجد؟ يعني: يذهب من جهة بعيدة، حتى يكثر الخطا، ليس له ذلك، وتقصد المشقة أمر غير مطلوب شرعًا، ولكن المشقة العارضة يؤجر الإنسان عليها، وإن اختلفوا في الأفضل في بعض الأعمال، مثلاً هل الحج راكبًا أو ماشيًا؟ ابن عباس -رضي الله عنهما- كان يقول: "ما آسى علي شيء ما آسى أني لم أحج ماشيًا"[2]، وكان الحسن بن علي حج خمس عشرة حجة، وإن النجائب لتقاد بين يديه"[3]، فمن أهل العلم من يرى: أن الحج ماشيًا أفضل، وأن ركوب النبي ﷺ كان من أجل أن يعلم الناس قال: لتأخذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه[4].

كذلك المشي إلى الصلاة هل هو أفضل من الركوب أو لا؟ نحن نعرف أنه في يوم الجمعة قال النبي ﷺ: ومشى ولم يركب[5]، فدل على أن المشي أفضل من الركوب، وهنا لما قالوا له: "لو اشتريت حمارًا" وجاء في بعض الروايات: أن القائل له هو أبي بن كعب، راوي هذا الحديث، أشفق عليه، وتألم لحاله، فقال له: "لو اشتريت حمارًا تركبه في الظلماء وفي الرمضاء" لكن جوابه لا يدل على هذا القصد صراحة، يعني: أنه قصد المشي؛ لأنه "قال: ما يسرني أن  منزلي إلى جنب المسجد، إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد" لم يقل: أنا ما أركب من أجل الأجر، قد لا يكون الحمار متوفرا له أصلاً، وإنما بيّن أن بعده هذا خير له، وأنه لا يتمنى القرب من المسجد، لكن ليس معنى ذلك أنه يذهب إلى مسجد بعيد، إلا لمعنى شرعي، كالذي يترك المسجد الذي بجواره ليصل إلى مسجد النبي ﷺ، فهذا لا إشكال، أو ليذهب إلى مسجد أكثر جماعة، أو يذهب إلى المسجد الجامع، ونحو هذا، فهذا لا إشكال.

"قال: إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي" هذه الجملة دلت على معنى كبير، وهو أن الرجوع يكتب للإنسان، نحن تعرف أن الذهاب إلى المسجد يُكتب، كما في الحديث الذي قبله: من تطهر في بيته، ثم مضى إلى بيت من بيوت الله؛ ليقضي فريضة من فرائض الله، كانت خطواته إحداها تحط خطيئة، والأخرى ترفع درجة[6]، هذا في الذهاب والرجوع؟ وهنا "قال: إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي، فقال النبي ﷺ: قد جمع الله لك ذلك كله" فالرجوع يكتب؛ ولهذا فإن من القواعد الفقهية: أن الوسائل لها حكم المقاصد، وكذا الزوائد، الوسائل لها حكم المقاصد: أنت تريد الحج، فلا بد من السفر للحج، فإذا كان الحج في حقك واجبًا، فإنه يجب عليك السفر، وهكذا النفقة فهي وسيلة، فإنه يجب على الإنسان أن ينفق من أجل أن يصل إلى بيت الله الحرام، ينفق أجرة الطائرة أو السيارة، أو بحسب ما يتيسر له، فهذه نفقات يتوصل بها إلى مطلوب شرعي.

كذلك أيضًا المشي إلى سائر الطاعات له حكم الطاعة التي مشى إليها، الوسائل لها حكم المقاصد، وكذا الزوائد، مثل: التعب الذي يحصل له، والحمى التي تصيبه، حج وأصابته انفلونزا، أو مرض وتعب، وأغمي عليه، كما قال الله -تبارك وتعالى- في سورة التوبة: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة:120] لاحظ هذه من الزوائد والآثار، وهذه كلها تكتب لهم، وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ [التوبة:120] وقال في الآية الأخرى: وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ} [التوبة:121] فالمشي، وكذا الرجوع؛ لقوله ﷺ في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند أبي داود: قفلة، كغزوة[7]، قفلة يعني: الرجوع من الغزوة، فيدل هذا على أن ذهاب الإنسان إلى الطاعة، وأن رجوعه منها أيضًا كل ذلك يكتب للإنسان، سواء مشى إلى المسجد، أو مشى إلى طلب علم، أو إلى جهاد، أو إلى قربة من القرب، فكل ذلك يكتب للإنسان، فالنبي ﷺ قال: قد جمع الله لك ذلك كله فالإنسان يحتسب أجر  الذهاب إلى المسجد، ويحتسب أيضًا الرجوع.

وكذا الحديث الذي ذكره بعده: وهو حديث جابر قال: "خلت البقاع حول المسجد" يعني: وجد أرض فضاء حول مسجد النبي ﷺ "فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد" بنو سلمة من الأنصار، وكانوا في الناحية إلى الشمال من المدينة، قريب من مسجد القبلتين، فأرادوا أن يقتربوا، ولاحظ هناك من وراء سلع مسافة تعتبر بعيدة، لا سيما في ذلك الوقت، ومن أدرك المدينة قبل مدة ليست بالبعيدة، قبل نحو ثلاثين سنة، أو أربعين سنة، يذكر أن البيوت بين البقيع والمسجد، لربما ضاع الإنسان في الأزقة الصغيرة الضيقة، يدخل الإنسان من هنا ولا يدري من أين يرجع بين البقيع والمسجد النبوي؟ ويوجد سوق بين البقيع والمسجد النبوي، وهذا شيء أدركناه وشاهدناه في ذلك الوقت، ما كانت المنطقة مكشوفة مثل الآن، والبقيع صارت مقابل ركن المسجد، تلك المنطقة التي فيها بنو سلمة، تعتبر بعيدة جدًا، وكانوا يأتون، فأرادوا أن ينتقلوا إلى هذا المكان الذي صار خاليًا، فقال النبي ﷺ: بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد ولاحظ الاهتمامات عندهم، يريدون أن يغيروا محالهم، يعني: هذه منازل بني سلمة أصلاً، التي من وراء سلع، تلك الناحية قريبة من مسجد القبلتين، أرادوا أن ينتقلوا منها، من أجل قرب المسجد، فالاهتمامات عندهم التي تحدد الموقع هي العبادة، والصلاة، وحضور مجالس العلم.

"فقالوا: نعم يا رسول الله، قد أردنا ذلك" فقال: يا بني سلمة دياركم هذا منصوب على الإغراء، يعني: الزموا دياركم.

"دياركم تكتب آثاركم، دياركم تكتب آثاركم فقالوا: ما يسرنا أنا كنا تحولنا"[8]، رواه مسلم، وروى البخاري معناه من رواية أنس.

المؤمن لا يضيع عليه شيء، إذا كان محل العبادة بعيد زاد الأجر، فلا يُستثقل ذلك، فلا يستثقل الإنسان الذهاب إلى المسجد ولو كان بعيدًا، فكل ذلك يُكتب له.

ويدل بعض ما ذكرتُ على أن المشي أفضل من الركوب، لكن المشي إن كان يؤدي به إلى مشقة قد ينقطع معها عن العبادة، فإن الركوب قد يكون هو الأولى والأفضل في حقه؛ لأن المقصود هو المداومة على العبادة، والاستمرار عليها، وأن يقبل عليها بنفس وقلب منشرح، فإن ذلك من مقاصد الشارع فيما تعبد المكلفين به من هذه الشرائع، أن يستمر، وأن يداوم، ولا ينقطع، فقد يحمل الإنسان نفسه في طفرة وفي اندفاعة على نوع من العمل الصالح في مشقة كبيرة، ثم بعد ذلك يتثاقل، وتكون هذه العبادة بالنسبة إليه عبارة عن عبء ثقيل، فمثل هذا لا يحسن، ولا يجمل؛ ولهذا نهى النبي ﷺ عبد الله بن عمرو عما كان عليه من المداومة على الصيام، وقراءة القرآن، وختمه في كل ليلة.

والله أعلم.

وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

  1. أخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل كثرة الخطا إلى المساجد برقم (663).
  2. المجموع شرح المهذب (7/91).
  3. البداية والنهاية ط إحياء التراث (8/226).
  4. أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكباً، وبيان قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((لتأخذوا مناسككم)) برقم (1297).
  5. أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب في الغسل يوم الجمعة برقم (345) والنسائي في السنن الكبرى في كتاب الجمعة، فضل المشي إلى الجمعة برقم (1703) وابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة، والسنة فيها، باب ما جاء في الغسل يوم الجمعة برقم (1087) وصححه الألباني.
  6. أخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب المشي إلى الصلاة تمحى به الخطايا، وترفع به الدرجات برقم (666).
  7. أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد، باب في فضل القفل في سبيل الله تعالى برقم (2487) وصححه الألباني.
  8. أخرجه البخاري في كتاب فضائل المدينة باب كراهية النبي صلى الله عليه وسلم أن تعرى المدينة (1887) ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل كثرة الخطا إلى المساجد برقم (665).

مواد ذات صلة