الأحد 22 / شعبان / 1445 - 03 / مارس 2024
حديث «لا يزال أحدكم في صلاة..»، «الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاة..»
مرات الإستماع: 0

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعدُ:

ففي "باب فضل انتظار الصلاة" أورد المصنف -رحمه الله- حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: لا يزال أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه، لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة[1]، متفق عليه.

قوله ﷺ: لا يزال أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه لا يزال في صلاة يعني: من جهة الثواب والفضل والأجر، ويبقى النظر في أحكام الصلاة، هل يقال: إنها تنطبق عليه أم لا؟ أما من كل وجه فإن ذلك لا ينطبق عليه؛ لأنه يجوز عليه أن يلتفت ويتكلم ويأكل ويشرب، وما شابه ذلك، لكن ما يكره في الصلاة من بعض الأمور كتشبيك الأصابع مثلاً، وما إلى هذا، فيقال: إذا كان الإنسان ينتظر الصلاة، فإنه لا يشبك أصابعه؛ لأنه في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه وقد حمل أهل العلم قول النبي ﷺ لعبد الله بن عمرو بن العاص لما قال له بعد أن صلى: كيف بكم وبزمان يوشك أن يأتي، يغربل الناس فيه غربلة، وتبقى حثالة من الناس قد مرجت عهودهم، وأماناتهم، فاختلفوا، وكانوا هكذا؟ وشبك بين أصابعه[2] فحمل ذلك على أنه بعد الصلاة، وأنه إذا كان بعد الصلاة لا إشكال في ذلك، لكن إذا كان الإنسان ينتظرها قبلها، أو كان في أثنائها، فإنه لا يشبك أصابعه مثلاً.

وقوله ﷺ: ما دامت الصلاة تحبسه هل (أل) في الصلاة عهدية؟ يعني: صلاة الفريضة مثلاً، أو يقال: أي صلاة، أنها للجنس ما دامت الصلاة تحبسه؟ هذا هو الأقرب -والله تعالى أعلم-.

فلو أن الإنسان جلس في المسجد بعد صلاة الفجر ينتظر ارتفاع الشمس مثلاً، حتى يصلي الضحى، فهو في انتظار الصلاة؛ فالصلاة في هذه الحال تحبسه وتمنعه من أن ينقلب إلى أهله، فينطبق عليه هذا الحديث: لا يزال أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه يعني: الذي أبقاه وحبسه هو انتظار الصلاة، فيدخل فيه الفريضة، كما يدخل فيه النافلة، والله تعالى أعلم.

قوله: لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة.

وهذا الحديث يدل على ما بوب له المصنف -رحمه الله-، وهو "فضل انتظار الصلاة" أن ينتظر الصلاة من الصلاة إلى الصلاة، أو أن يأتي إذا أذن المؤذن مثلاً، أو قبل الأذان، وينتظر الصلاة، فكل ذلك داخل فيه.

وذكر حديثًا آخر لأبي هريرة أن النبي ﷺ قال: الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه ما لم يحدث، تقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه[3].

قوله: الملائكة تصلي على أحدكم الملائكة تصلي على المؤمنين، كما قال الله: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [الأحزاب:43] وصلاة الملائكة على أهل الإيمان بمعنى: الدعاء والاستغفار أيضًا، الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا [غافر:7] فهذا من صلاة الملائكة على أهل الإيمان: وهو الاستغفار، وكذلك الدعاء؛ لأنه فسره هنا: تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه... تقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه.

وحقيقة الاستغفار: أنه دعاء وطلب المغفرة من الله -تبارك وتعالى-.

فقوله: الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه فهذه صلاة خاصة، يعني: أخبرنا أن الملائكة يصلون على المؤمنين، كما في الآية، وهنا صلاة خاصة على من كان بهذه المثابة، وهو الذي يبقى في مصلاه الذي يصلي فيه.

والمقصود بذلك -والله تعالى أعلم- أنه يبقى في مصلاه الذي صلى فيه، ينتظر الصلاة، كأن الأحاديث الأخرى تفسره، والله تعالى أعلم.

قال: ما دام في مصلاه الذي صلى فيه ما المراد به؟ هل المراد البقعة التي صلى فيها، بحيث أنه لو ابتعد مترًا أو نحو ذلك أن ذلك لا ينطبق عليه، أو المقصود مصلاه مثل المسجد؟ فلو أنه انتقل وذهب وأسند ظهره مثلاً في مكان آخر غير الذي صلى فيه، أو أنه جعل يقرأ ويذكر الله ، ويطرد النعاس، ويمشي في المسجد يذهب ويجيء، هل يقال: إن ذلك يخرجه من هذا الوصف في مصلاه الذي صلى فيه؟ الأقرب -والله تعالى أعلم- أن المراد بذلك المسجد، فطالما أنه في المسجد ما خرج منه، فهذا مصلاه الذي صلى فيه، فلا يخرج إلى مسجد آخر مثلاً، ولا يخرج إلى بيته، وإنما يبقى في مسجد الذي صلى فيه، هذا الأقرب، والذي يحضرني الآن أن الحافظ ابن حجر -رحمه الله- رجح هذا المعنى في الفتح[4].

قال: ما لم يحدث هذا يحمل على انتقاض الطهارة على الأرجح من أقوال أهل العلم، يعني: بقي على طهارته تقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه.

وذكر الحديث الثالث: وهو حديث أنس ، وهو الحديث الأخير في هذا الباب: "أن النبي ﷺ أخرّ ليلة صلاة العشاء إلى شطر الليل -يعني: إلى نصف الليل- ثم أقبل علينا بوجهه، بعد ما صلى، فقال: صلى الناس ورقدوا يعني: صلوها في أول الوقت وناموا ولم تزالوا في صلاة منذ انتظرتموها"[5]، رواه البخاري.

يعني: كأنهم جاؤوا من أول وقت العشاء، وجلسوا ينتظرون إلى قريب من منتصف الليل، ثم صلى بهم النبي ﷺ، فكان ذلك منهم صلاة، كأنهم كانوا في صلاة لأنهم كانوا ينتظرون الصلاة.

ولا شك أن تأخيرها أفضل، وليس هذا محل الحديث عن هذا، ووقتها ينتهي على الأرجح من أقوال أهل العلم في منتصف الليل؛ وذلك يختلف صيفًا وشتاءً، فيحسب ذلك من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، ثم بعد ذلك يعرف منتصف الليل، فإذا انتصف الليل خرج وقت العشاء.

فتأخيرها أفضل ما لم يخرج الوقت، هذا إذا صلوها جماعة، والمقصود بذلك أن تؤخر، إما أن يكون الإنسان في جماعة لا يسمعون النداء، يعني: يصلون في بيت، أو في استراحة، ونحو ذلك، أو كانوا أهل المسجد، يؤخرون إذا لم يشق عليهم، واتفقوا مثلاً إلى قريب من منتصف الليل.

أما أن يؤخرها الإنسان ولو صلاة جماعة، فيترك الجماعة التي ينادى لها، كهذه، فإن ذلك لا يقال: إنه الأفضل في حقه، بل يجب على الإنسان أن يجيب النداء، فتأخير الصلاة إلى منتصف الليل هذه فضيلة، وأمر مرغب فيه، ولكن حضور الجماعة في المسجد واجب، ولا يغني عنها إقامتها جماعة في البيت، وإنما حيث ينادى بهنّ، كما سيأتي أثر ابن مسعود -رضي الله عنه وأرضاه-، وإنما يكون ذلك في المساجد، والله تعالى أعلم.

فنخرج من هذا -أيها الأحبة- أن الإنسان يحرص أن ينال هذا الفضل، وأن لا يستخسر الوقت؛ لأن الواقع في كثير من الأحيان أننا نؤخر إذا أذن، فالإنسان يقول: أصلي في المسجد الذي بعده، ثم المسجد الذي بعده، ثم يدركه الزحام في السير، أو يطول عليه المكث في الإشارة، مرة بعد مرة، ثم بعد ذلك تقام الصلاة، وهو في مكان يريد أن يذهب إلى مسجد لا يجده، ويريد أن يخرج إلى حي لا يجد، ثم يفاجأ أنه فاتته ركعة، أو ركعتان، أو ثلاث، ولربما فاتته الصلاة، فينبغي أن يكون للإنسان منهج وطريقة في التعامل مع مثل هذا، بمجرد ما يسمع النداء يذهب إلى المسجد، ولا يقل: أنا أصلي في المسجد الذي بعده، أو في الحي الذي خلفه، لا تبخل على نفسك، فأنت في صلاة ما انتظرت الصلاة، يعني: هذا الانطلاق حينما يقطع كيلو متر، أو ثلاثة كيلو مترات، أو نحو ذلك، يعني: ما الذي أنجزه وما الذي حققه من الأمور الفاضلة، حيث فاتته تكبيرة الإحرام، وفاته هذا الفضل الذي هو بانتظار الصلاة.

فالإنسان يحتاج أن يربي نفسه على هذا، ويكون له منهج في الحياة، وهذه أعظم تربية للأولاد، ولا زالتُ أذكر قبل نحو ثلاثين سنة؛ سنة (1400) وعدتُ شخصًا أن آتية قُبيل العشاء، فلما آتيته بعد الأذان بقليل، ما وجدته، وما كان في جوالات، فلقيته بعدها بأيام، فقلتُ: أتيت على الموعد، قال: متى أتيت؟ قلتُ: بعد الأذان، قال: تريدني أن أبقى في البيت بعد الأذان؟ يعني: كأنه يقول: تسيء الظن بي إلى هذا الحد، أني جالس في البيت بعد الأذان! فسكتُ، فبقيتْ تتردد في ذهني، يعني: هذه أنفع في نفسي من عشرات المحاضرات، بقيت في نفسي حية من ثلاثين سنة، من سنة (1400) هجرية إلى اليوم.

فالأولاد لما يرون الأب إذا أذن خرج، ويترك ما بيده، الأولاد يعتادون هذا، لكن إذا رأوا الأب يجلس ويتمدد ويتحدث ويكلم بالتلفون، وينشغل بأشياء حتى تقام الصلاة، وهو جالس، ثم يذهب ويصلي بأطراف الصفوف، وتفوته ركعة أو ركعتان، أو نحو هذا، وتجد الأبناء دائمًا هم في آخر من يأتي، وقد يكون ظاهرهم الصلاح، وسيما الخير، ونحو ذلك، ومع ذلك تجدهم دائمًا آخر من يأتي، ولربما أول من يخرج، فهذه ليست غبطة.

والله أعلم.

وصلى على نبينا محمد، وآله وصحبه.

  1. أخرجه البخاري في كتاب الأذان، باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد برقم (659) ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاة الجماعة وانتظار الصلاة برقم (649).
  2. أخرجه ابن ماجه في كتاب الفتن، باب التثبت في الفتنة برقم (3957) وأبو داود في كتاب الملاحم، باب الأمر والنهي برقم (4342) وصححه الألباني.
  3. أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب الحدث في المسجد برقم (445) مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاة الجماعة وانتظار الصلاة برقم (649).
  4. فتح الباري لابن حجر (1/538).
  5. أخرجه البخاري في كتاب الأذان، باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد برقم (661).

مواد ذات صلة