الأحد 22 / شعبان / 1445 - 03 / مارس 2024
حديث «كان النبي يصلى ركعتين خفيفتين..» إلى «كان رسول الله يصلي من الليل مثنى..»
مرات الإستماع: 0

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فهذا "باب تخفيف ركعتي الفجر وبيان ما يقرأ فيهما وبيان وقتهما" والمقصود بركعتي الفجر يعني: السنة الراتبة التي تكون قبل صلاة الفجر.

ذكر حديث عائشة -رضي الله عنها-: "أن النبي ﷺ كان يصلي ركعتين خفيفتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح"[1] متفق عليه.

قولها: "ركعتين خفيفتين بين النداء والإقامة" يعني: أنه يأتي بالحد المجزئ فيهما فيما يتصل بالأركان والواجبات والقراءة، والله تعالى أعلم، يعني: أنه لا يطيل، وهذا جرى عليه الجمهور من العلماء: أن السنة في أداء هاتين الركعتين أن يصليهما بهذه الصفة، ولا يطيل، خلافًا لمن قال: إنه يطيل فيهما القراءة، كما يقوله كثير من الأحناف.

وقولها: "بين النداء والإقامة من صلاة الصبح" هذا إذا كان المؤذن لا يؤذن إلا عند دخول الوقت، أما إذا كان المؤذن يؤذن قبل دخول الوقت، فإنه لا يصلي هذه السنة إلا بعد دخول الوقت؛ لأن ذلك هو المحل الذي تصلى فيه، ولا تصلى قبل الفجر، كما هو معلوم، وإلا يكون كأنه لم يصلها.

قال وفي رواية للبخاري ومسلم: "يصلي ركعتي الفجر إذا سمع الأذان فيخففهما حتى أقول: هل قرأ فيهما بأم القرآن؟"[2]، يعني: من شدة التخفيف تتساءل هل قرأ فيهما بأم القرآن؟

وقد فهم منه بعضهم: أن مقصودها: أنه لم يقرأ؛ ولهذا قال بعضهم: لأن الركعتين هاتين لا يقرأ فيهما شيئًا، قالوا: لا يقرأ الفاتحة فضلاً عن غيرها، وهذا غير صحيح، فالنبي ﷺ لم يكن يدع الفاتحة، وهي ركن لا تصح الصلاة بدونها، ولكن كان يخفف القراءة، ولم يكن يترسل فيها، ولا يطيل في القراءة لما بعدها، وإنما كانت خفيفة، فهي تتساءل هل قرأ فيهما بأم القرآن؟ يعني: كأنه قرأ على غير عادته من غير ترسل وترتيل، قراءة خفيفة سريعة، وفي رواية لمسلم: "كان يصلي ركعتي الفجر إذا سمع الأذان ويخففهما"[3].

وفي رواية: "إذا طلع الفجر"[4]، هذا الرواية توضح المراد إذا سمع الأذان، يعني: يساوي إذا طلع الفجر، وكان المؤذن يؤذن لرسول الله ﷺ الأذان الثاني إذا طلع الفجر، ولربما طرق أسماعكم كلام كثير حول الأذان الذي أثبت وقته في التقويم، هل وقته على طلوع الفجر أو أنه متقدم عليه؟

فهذا فيه كلام كثير، ولم يتفق الناس فيه على شيء، والذين نظروا وحاولوا أن يتعرفوا على الوقت الحقيقي لطلوع الفجر اختلفوا، فاللجان منها ما أقر الوقت على التقويم، وقالوا: هو كما في التقويم، ومنهم من قال غير ذلك يعني: قالوا: إن التقويم متقدم، واختلفوا في الوقت في الفارق ما بين التقويم وبين طلوع الفجر في تقديرهم، فبعضهم يقول: إن ذلك لا يتجاوز بحال من الأحوال أربع دقائق بأقصى حدّ، والذي يقول هذا له خبرة ومعرفة وينظر في طلوع الفجر، وفي طلوع الشمس سائر العام، يعني: ما هي مرة في حياته طلع إلى مكان خارج البلد، وجلس ينظر ولربما ينظر من جهة أخرى غير الجهة التي يطلع منها الفجر؛ لأنه لا دراية له، فمثل هذا لا يعرف في البلد التي فيها الأنوار، كما هو الآن، فمنهم من يقول: أربع دقائق بحد أقصى، ومنهم من أوصل ذلك إلى عشرين دقيقة، ولربما أوصلها بعضهم إلى أكثر من هذا، فهذا الاضطراب هو الذي حمل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- إلى القول بإبقاء الناس على ما تعارفوا في التقويم؛ لأن هؤلاء كلهم من أهل العلم، واختلفوا فنبقي الناس على ما عهدوا وعرفوا، حتى لا يكون هناك بلبلة وتشتيت، فيبقون على التقويم.

وعلى كل حال لو أن الناس احتاطوا بحيث ما تقام الصلاة قبل عشرين دقيقة، والنساء في البيوت لا يصلين قبل عشرين دقيقة، والإنسان لا يصلي سنة الفجر بمجرد ما يسمع الأذان أو بعد الأذان بدقائق، أو نحو ذلك، فهذا أحوط.

وفي الصوم يحتاط للصوم، فإذا سمع الإنسان الأذان أمسك، فلا يأكل ولا يشرب، وبهذا يكون قد احتاط لعبادته من الجهتين، في الصوم إذا سمع الأذان أمسك، فلا يأكل ولا يشرب، وفي الصلاة لا يصلي قبل عشرين دقيقة، أو خمسة وعشرين دقيقة، فهذا -والله أعلم- أحوط للعبادة.

ولكن من صلى قبل ذلك هل يقال: إنه صلاته غير صحيحة؛ لأنها وقعت قبل الوقت؟ هذا يصعب جدًا، ومن أكل أو شرب حتى انتهى الأذان مثلاً، أو بعد الأذان بدقيقتين أو ثلاث، كما يقول بعضهم، هل نستطيع أن نقول: إن صومه غير صحيح؟

لا نستطيع ذلك، ثم لو نظرت إلى كلام هؤلاء الذين اختلفوا مثلاً هذا الذي يقول: الفرق كحد أقصى أربع دقائق، هذا من أخبر الناس بهذه الأمور، لكن حينما يقال له: وصف هذا بالثواني، أول ما يطلع نقطة، ثم بعد ذلك يظهر نقطتان أخريان، وخط أبيض، يعني: هو يتحدث عن نقطة بداية طلوع الفجر، فهل الفجر الذي يراه الناس يحتاج فيه إلى بصر كبصر هذا الذي يرى ما لا يراه عامة الناس لقوة إبصاره، ثم هل الفجر يكون برؤية نقطة أو نقطتين أو ثلاث؟ الجواب: لا، الفجر يكون منبلجًا وظاهرًا، ويستنير، فالكلام ليس في هذه البداية التي لا يكاد يراها عامة الناس، فالله قال: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة:187] فهل يتبين بظهور نقطة أو بنقطتين أو بثلاث؟ هذا ما يتبين.

فالمسألة إذا نظرت إليها حتى أنها لا تخلو من إشكال، وقد ذكر بعض من خرج مع بعض طلاب العلم ممن يعرف الجهات يقول: كان ينظر من الناحية الأخرى ينتظر الفجر، يعني: هو ما يعرف من أين يطلع الفجر؟ فالناس ما اعتادوا على هذا بسبب جلوسهم في المدن، ونحو ذلك.

وهذه القضية فيها كلام كثير، فلو أن الإنسان احتاط فيها للعبادة، فإذا سمع الأذان أمسك، وفي الصلاة لا يصلي قبل نحو عشرين دقيقة، لا في رمضان، ولا في غير رمضان -والله تعالى أعلم-.

وذكر حديث حفصة -رضي الله عنها- "أن رسول الله ﷺ كان إذا أذن المؤذن للصبح، وبدا الصبح" يعني: ليست القضية مرتبطة بالأذان، وإنما بظهور الصبح "صلى ركعتين خفيفتين"[5]، متفق عليه.

وفي رواية لمسلم: "كان رسول الله ﷺ إذا طلع صلى الفجر لا يصلي إلا ركعتين خفيفتين"[6] الواقع أن وقت النهي يبدأ من طلوع الفجر، فلا يستباح فيه الصلاة سوى هذه، مع فرض الفجر، يعني: لو جاء إنسان وقال: أنا بعد طلوع الفجر إلى الإقامة أريد أن أتنفل، يقال له: لا، ليس هذا الوقت للتنفل، وإنما يصلى فيه فقط السنة الراتبة، والفرض، وما عدا ذلك لا يصلى، فهو وقت نهي، وليس وقت النهي يبدأ بعد طلوع الفجر فقط، بل من طلوع الفجر هو وقت نهي، لكن يبقى من فاته الوتر هل يصليه وترًا قبل صلاة الفجر؟

هذا جاء عن جماعة من الصحابة عن علي، وغيره، فلو فعل فلا بأس، فيصلي الوتر قبل الفرض.

وذكر أيضًا حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: "كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل مثنى مثنى، ويوتر بركعة من آخر الليل" وهذا يدل على أن الوتر منفصل عن صلاة الليل "ويصلي الركعتين قبل صلاة الغداة، وكأن الأذان بأذنيه"[7]، متفق عليه، الأذان المراد به هنا الإقامة، كأنه بأذنيه، يعني: كأنه يسمع الإقامة، يتخفف ويسرع، كأنه يريد أن يدرك تكبيرة الإحرام؛ لشدة التخفيف، وهذا التخفيف بعضهم قال: من أجل أن يقبل على الفريضة، وفيها تطويل في القراءة؛ لأن الله قال: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا[الإسراء: 78] وقرآن الفجر المقصود به الذي يكون في الفريضة، في صلاة الفجر، وليس في النافلة مثلاً، وإنما يكون في الفرض؛ ولهذا يستحب فيه التطويل، فهي السنة، إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا والمقصود: صلاة الفجر، تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار، كما في الحديث الآخر: يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل..."[8]، ومن تتبع الروايات الصحيحة الواردة في التنزل الإلهي وجد أن بعضها يدل على أن الله -تبارك وتعالى- أيضًا يشهدها، والملائكة تشهدها، فيسنّ فيها تطويل القراءة.

فبعض أهل العلم يقول: يصلي ركعتين خفيفتين من أجل أن ينشط لهذا، وبعض أهل العلم يقول: يخفف في هاتين الركعتين من أجل أن يصلي في أول الوقت، فإن صلاة الفجر يستحب أن تكون في أول الوقت، بغلس، يعني: بوقت الظلام، لا في وقت الإسفار، والله تعالى أعلم.

وهذا آخر ما كان عليه حال رسول الله ﷺ، وبقيت بعض الأحاديث في الباب، نتركها في ليلة أخرى -إن شاء الله تعالى-.

والله أعلم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.

  1. أخرجه البخاري في كتاب الأذان، باب الأذان بعد الفجر برقم (619) ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب ركعتي سنة الفجر، والحث عليهما وتخفيفهما، والمحافظة عليهما، وبيان ما يستحب أن يقرأ فيهما برقم (724).
  2. أخرجه البخاري في كتاب التهجد، باب ما يقرأ في ركعتي الفجر برقم (1170) ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب ركعتي سنة الفجر، والحث عليهما وتخفيفهما، والمحافظة عليهما، وبيان ما يستحب أن يقرأ فيهما برقم (724).
  3. أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب استحباب ركعتي سنة الفجر، والحث عليهما وتخفيفهما، والمحافظة عليهما، وبيان ما يستحب أن يقرأ فيهما برقم (724).
  4. أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب استحباب ركعتي سنة الفجر، والحث عليهما وتخفيفهما، والمحافظة عليهما، وبيان ما يستحب أن يقرأ فيهما برقم (723).
  5. أخرجه البخاري في كتاب الأذان، باب الأذان بعد الفجر برقم (618) ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب ركعتي سنة الفجر، والحث عليهما وتخفيفهما، والمحافظة عليهما، وبيان ما يستحب أن يقرأ فيهما برقم (723).
  6. أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب ركعتي سنة الفجر، والحث عليهما وتخفيفهما، والمحافظة عليهما، وبيان ما يستحب أن يقرأ فيهما برقم (723).
  7. أخرجه البخاري في أبواب الوتر باب ساعات الوتر (995) ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب صلاة الليل مثنى مثنى، والوتر ركعة من آخر الليل برقم (749).
  8. أخرجه البخاري في كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة العصر برقم (555) ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاتي الصبح والعصر، والمحافظة عليهما برقم (632).

مواد ذات صلة