الأحد 22 / شعبان / 1445 - 03 / مارس 2024
حديث «ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه..»
مرات الإستماع: 0

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

ففي "باب فضل قيام الليل" أورد المصنف -رحمه الله- حديث عبد الله بن مسعود قال: ذكر عند النبي ﷺ رجل نام ليلة حتى أصبح، قال: ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه، -أو قال- في أذنه[1]، متفق عليه.

إيراد المصنف -رحمه الله- هذا الحديث في باب فضل قيام الليل يدل على أنه يرى أن ذلك يقع لمن نام حتى طلع الفجر يعني لمن ترك قيام الليل، أن الشيطان يبول في أذنه، أو في أذنيه، والمسألة معروفة عند أهل العلم منهم من يرى أن ذلك لمن ترك صلاة الفجر حتى أصبح.

وقوله: "حتى أصبح"، يعني دخل في الصباح، والدخول في الصباح يكون بعد طلوع الفجر وصلاة الفجر يقال لها: صلاة الصبح، فذلك صبح قبل أن تطلع الشمس، فليس طلوع الصبح بمتقيد بطلوع الشمس، ومن هنا فهم بعض أهل العلم أنه حتى أصبح يعني دخل في الصباح، إذن ترك قيام الليل، لكنه صلى الفجر، قال: ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه.

وبعض أهل العلم كما سبق فهموا منه أنه قد فوت صلاة الفجر، فاتته صلاة الفجر حتى أصبح لكن لو كان كذلك لقال مثلاً: حتى طلعت الشمس، ولم يقل: "حتى أصبح"؛ لأن الذي صلى الفجر في وقتها صلاها حينما أصبح لا يؤذن حتى يقال: "أصبحت أصبحت"[2]، في قصة آذان ابن أم مكتوم وبلال -رضي الله عنهما- فابن أم مكتوم لا يؤذن إن قال: إن بلالاً يؤذن بليل، فالآذان الذي يكون على الوقت على طلوع الفجر كان آذان ابن أم مكتوم، وكان لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت، أصبحت! فهذا نام حتى أصبح.

فيحتمل أن المقصود ترك قيام الليل، وهنا ذكر للنبي ﷺ رجلاً نام ليلة حتى أصبح، ولو أنه صلى من أول الليل قبل النوم، صلى ما تيسر ثلاث ركعات أوتر بها، أو نحو ذلك، هل يكون ينطبق عليه هنا أنه: بال الشيطان في أذنيه؟

الذي يظهر، -والله أعلم- أنه لا يصدق عليه ذلك حتى على القول بأنه نام عن قيام الليل؛ لأن هذا صلى من الليل، وصلاة الليل غير محدودة، لكن لو أنه نام بعد صلاة العشاء مباشرة ولم يوتر وكان يريد أن يصلي من الليل مثلاً فطلع عليه الفجر ولم يصل، فعند بعض أهل العلم أن ذلك يصدق عليه، وأنه المراد بهذا الحديث، وعرفنا أن قيام الليل لا يشترط أن يكون بعد نوم، ثم إن قوله ﷺ قال: ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه أو في أذنه، بال الشيطان ظاهره أن الشيطان يبول حقيقة في أذنيه، فمن أهل العلم من حمله على ظاهره وهذا -أولى وأقرب- ولا داعي إلى تأويله وحمله على محامل أخرى؛ لأن هذه أمور غيبية لا ندرك حقائقها، وكنهها، وكيفيتها، لكن النبي ﷺ أخبر أن الشيطان له ملابسات مع الإنسان.

أخبرنا أن الشيطان يبيت على خيشومه[3]، ولذلك أمرنا إذا استيقظنا حينما نتوضأ أن يستنثر الإنسان؛ لأن الشيطان يبيت على خيشومه، جاء الشيطان يسرق من تمر الصدقة كما في قصة أبي هريرة حينما جاء ثلاث ليال حتى علّمه آية الكرسي[4].

كذلك في قوله ﷺ: إذا استيقظ من نومه أن يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا، فإنه لا يدري أين باتت يده[5]، بعضهم قال: إن هذا من قبيل التعبد، والتعبد يعني أن العلة غير مدركة لنا، لا نعرف العلة الحقيقية، -فالله أعلم-، لا يدري أين باتت يده.

وبعضهم قال: لعل ذلك له تعلق بالشيطان، الشيطان يكون له نوع ملابسة به، فلذلك أمر أن يغسل يده قبل أن يدخلها في الإناء ثلاثًا.

وبعض أهل العلم قال: لعل يده تقع على موضع نجاسة في البدن كما قال الشافعي -رحمه الله-: "كان الناس في أرض الحجاز بلاد حارة وكانوا يستجمرون بالأحجار، فلربما احتك أحدهم فعلق ذلك بيده فأمر أن يغسلها"[6]، فالشاهد أنه هناك احتمال أن يكون ذلك له تعلق بالشيطان، هذه الجواثيم التي يشتكي منها بعض الناس منه ما يكون من قبيل الشياطين حتى إن بعضهم يذكر أنه يجد نفس عند وجهه، هذا سمعناه كثيرًا من الناس، يجد نفس، وبعض النساء تشعر بمن يجامعها كما يجامعها زوجها، لاسيما من ابتليت بشيء من السحر، أو نحو ذلك، عافى الله الجميع.

فالشياطين لها نوع ملابسة مع ابن آدم، ولهذا تجد أن هؤلاء الشياطين لربما كان لهم نوع عبث بالإنسان حينما ينام فيحتلم، فهذا الاحتلام من الشيطان، ولهذا اختلف أهل العلم هل يقع ذلك لرسول الله ﷺ مثلاً يعني الاحتلام؟ هل يقع أو لا يقع باعتبار أنه عبث من الشيطان؟

قالوا: الشيطان لا يسلط عليه -عليه الصلاة والسلام-، إذن لا يقع منه الاحتلام، خلافهم في هذه المسألة بناء على هذا المأخذ، فهذا الاحتلام هو من عبث الشيطان بابن آدم.

فالشاهد أنه هنا يمكن أن يحمل على ظاهره، ولكن هذه الأمور الغيبية غير محسوسة، ولكن الإنسان يؤمن بها ويجد آثارها، والله أعلم.

وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.

  1. أخرجه البخاري، كتاب بدء، باب صفة إبليس وجنوده، برقم (3270)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب ما روي فيمن نام الليل أجمع حتى أصبح، برقم (774).
  2. أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب أذان الأعمى إذا كان له من يخبره، برقم (617)، ومسلم، كتاب الصيام، باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر، وأن له الأكل وغيره حتى يطلع الفجر، وبيان صفة الفجر الذي تتعلق به الأحكام من الدخول في الصوم، ودخول وقت صلاة الصبح وغير ذلك، برقم (1092)، واللفظ للبخاري.
  3. أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، برقم (3295)، ومسلم، كتاب الطهارة، باب الإيتار في الاستنثار والاستجمار، برقم (238).
  4. أخرجه البخاري، كتاب الوكالة، باب إذا وكل رجلا، فترك الوكيل شيئا فأجازه الموكل فهو جائز، وإن أقرضه إلى أجل مسمى جاز، برقم (2311).
  5. أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب الاستجمار وترا، برقم (162)، ومسلم، كتاب الطهارة، باب كراهة غمس المتوضىء وغيره يده المشكوك في نجاستها في الإناء قبل غسلها، برقم (278).
  6. انظر: المجموع شرح المهذب (1/348).

مواد ذات صلة