الأربعاء 04 / ربيع الأوّل / 1442 - 21 / أكتوبر 2020
(82) آخر الحديث على دعاء دخول المسجد
تاريخ النشر: ٠٤ / ربيع الأوّل / ١٤٣٥
التحميل: 2451
مرات الإستماع: 2131

إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيّئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مُضلَّ له، ومَن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريكَ له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله وسلَّم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

في هذه الليلة -أيّها الأحبّة- أتحدَّث عن ذكرٍ جديدٍ يتَّصل بالدخول إلى المسجد، فقد أورد هنا أنَّه يقول: بسم الله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله، اللهم افتح لي أبوابَ رحمتك[1].

قل: "بسم الله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله ﷺ"، التَّسمية في هذا الذكر عند الدُّخول إلى المسجد، يقول في الحاشية: رواه ابنُ السُّني، وحسَّنه الألباني في "الثّمر المستطاب"[2].

التَّسمية في أوَّله جاءت من حديث فاطمة -رضي الله عنها- عند ابن ماجه، وقد تراجع الألبانيُّ -رحمه الله- عن تصحيحه، كان قد صحَّحه، ثم تراجع عن ذلك[3].

وجاء أيضًا من حديث أنسٍ عند ابن السُّني، وكان الألباني -رحمه الله- قد حسَّنه[4]، ثم تراجع عن ذلك؛ بل قال بأنَّ التَّسمية في أوَّله منكر[5]. يعني: أنَّ هذه الرِّواية حكم عليها بالنَّكارة.

وأهل العلم -كما هو معلومٌ- يحكمون على الحديث، وقد يتراجعون عن هذا الحكم، كما أنَّهم يتراجعون أيضًا عمَّا يحكمون به مما يتَّصل بالفقه في العبادات، والمعاملات، وغير ذلك.

إذًا التَّسمية في أول هذا الذكر إذا أراد أن يدخل المسجد لا تثبت، لا تصحّ، إذًا ماذا يقول؟

يقول كما في حديث أبي حُميدٍ، أو أبي أُسَيدٍ، عن النبي ﷺ: إذا دخل أحدُكم المسجدَ فليُسلِّم على النبي ﷺ، ثم ليقل: اللهم افتح لي أبوابَ رحمتك[6].

والسَّلام على النبي ﷺ ثابتٌ في هذا الحديث من طُرقٍ متعددةٍ من حديث أبي حُميدٍ، أو أبي أُسيدٍ، هكذا بـ"أو" عند أبي داود وغيره، يعني: رواه أبو حُميدٍ، أو أبو أُسيدٍ، عن النبي ﷺ، ولكنَّه عند النَّسائي وأحمد هكذا: "سمعتُ أبا حُميدٍ وأبا أُسيدٍ يقولان"[7]، هنا الرِّواية عنهما بالجزم، وعند ابن ماجه: عن أبي حُميدٍ[8]، وهكذا أيضًا هو عند الإمام عبدالرزاق في "المصنف"[9].

على كل حالٍ، هذا الحديث ثابتٌ، هذا القدر من السَّلام على النبي ﷺ عند الدُّخول إلى المسجد، هذا سكت عنه أبو داود، ونحن نعلم أنَّ ما سكتَ عنه أبو داود فهو صالحٌ للاحتجاج عنده[10]، وصححه ابنُ حبان[11]، والإمام النووي[12]، والسيوطي[13]، ومن المعاصرين الشيخ ناصر الدين الألباني[14]، وسماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز[15] -رحم الله الجميع-، كما حسَّنه الحافظُ ابن حجر[16]. هذا بذكر السَّلام على النبي ﷺ وما يتبعه من قول: "اللهم افتح لي أبوابَ رحمتك".

وهذا أيضًا -يعني: السَّلام على النبي ﷺ- جاء من حديث أبي هريرة عند ابن ماجه[17]وابن السُّني، وصححه الشيخُ ناصر الدين الألباني -رحمه الله-[18]، والحديث رواه آخرون على كل حالٍ عن النبي ﷺ.

وفيما يتعلّق بالصَّلاة على النبي ﷺ التي ذكرها هنا، فإنها صحَّت من فعل رسول الله ﷺ، وأما السَّلام فقد صحَّ الأمرُ به عن النبي ﷺ؛ أمر أن يُسلّم الداخلُ إلى المسجد، أن يُسلّم على النبي ﷺ، ثم يقول: "ربّ اغفر لي ذنوبي"، هكذا في بعض الرِّوايات، كما في حديث فاطمة -رضي الله عنها- عند الترمذي[19] وابن ماجه، وكان الألباني -رحمه الله- قد صححه، ثم تراجع عن ذلك[20]، والترمذي -رحمه الله- قال: حديثٌ حسنٌ، وليس إسناده بمتَّصلٍ[21]. فذكر: "ربّ اغفر لي ذنوبي" لا يثبت.

ثم يقول: اللهم افتح لي أبوابَ رحمتك، هذا من حديث أبي حُميدٍ، أو أبي أُسيدٍ، أو هما معًا، وهو مُخرَّجٌ في "صحيح مسلم": "اللهم افتح لي أبوابَ رحمتك"[22].

الخلاصة أنَّه يقول: الصَّلاة والسَّلام على رسول الله، ويقول: اللهم افتح لي أبوابَ رحمتك، إذا كانت الصلاةُ على النبي ﷺ من العبد فإنَّه يكون بمعنى الدُّعاء، وإذا كانت من الملائكة: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ [الأحزاب:56] فهي بمعنى الاستغفار، وإذا كانت من الله فهي أن يذكر عبدَه في الملأ الأعلى: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [الأحزاب:43].

وهذا أوضح من تفسير الصَّلاة من الله بالرَّحمة، ومن الخلق بمُطلق الدُّعاء، ولا شكَّ أنَّ الاستغفارَ في صلاة الملائكة أنَّه لونٌ من الدُّعاء.

السلام على النبي ﷺ ما المراد به؟ ما معنى السَّلام؟

هذا سيأتي -إن شاء الله تعالى- مُفصَّلاً في الكلام على الصَّلاة على النبي ﷺ بعد التَّشهد، لكن هنا لا بدَّ من الإشارة إلى شيءٍ مما يذكره أهلُ العلم في معناه؛ معنى السَّلام على النبي ﷺ، فهم يتكلَّمون عادةً عن السَّلام الذي يُلقَى حينما نقول: السلام عليكم، أو نقول: السلام على النبي ﷺ، هل المقصود به نعني اسمَ الله -تبارك وتعالى- الذي هو السَّلام، أو المقصود الدُّعاء بالسَّلامة، أو أنَّ ذلك جميعًا مُراد، وأنَّ هذا الاسم يتضمّن السَّلامة ويقتضيها؟

كل هذا سيأتي الكلامُ عليه، إن شاء الله تعالى.

فإذا قلنا: السَّلام على النبي يعني: اسم الله عليك، في بعض معانيه أنَّك تقول: اسم الله عليك، تُلقي عليه اسم الله، وهذا يقتضي أن تتحقق له السَّلامة، وأن يتضمّن الدُّعاء له بالسَّلامة؛ ولهذا يقولون بأن تأويله: لا خلوت من الخيرات والبركات؛ لأنَّ ما وقع عليه ذلك حلَّت به البركات، واجتمعت فيه الخيرات، وسلم من المعايب والآفات والنَّقائص، فكل ذلك يتحقق بهذا الدُّعاء: السَّلام عليك، مع أنَّ الصيغة صيغةُ خبرٍ، ونحن حينما نُسلِّم على الآخرين نقول: السلام عليكم، نحن في مضامينه نُوصل لهم رسالة أنَّه لا يصل إليكم منا ما تكرهون، يعني: أنهم يكونون في سلامٍ وعافيةٍ من كلِّ ما يتخوفون، أو يُحاذرون، أو يكرهون.

هذه المعاني وغيرها مما يذكره أهلُ العلم يمكن أن تكون داخلةً فيه، والحافظ ابنُ القيم -رحمه الله- كما سنذكر -إن شاء الله تعالى- في الكلام على الصَّلاة على النبي ﷺ وسَّع المعنى جدًّا، وربط بين هذه الأقوال[23]، وسيأتي في موضعه، إن شاء الله.

إذًا حينما يقول: السلام على النبي، يقول بعد ذلك: "اللهم افتح لي أبواب رحمتك"، افتح لي أبوابَ الرحمة، يمكن أن يُفسَّر بأنواع الرحمة، فهذه الأنواع أبواب، ويمكن أن يُفسَّر بما يقرب من هذا، فإنَّ مَن فُتِحت له أبواب الرَّحمة تتابعت عليه الخيرات والبركات والألطاف الرَّبانية في الدنيا وفي الآخرة، إذا فُتِحت للعبد أبوابُ الرحمة معنى ذلك أنَّه حصلت له الأنوار والهدايات بجميع أنواعها: هدايات الإرشاد، وهدايات التَّوفيق، ويحصل له مع ذلك من أنواع البرِّ والخير والمحابِّ والمسارِّ إلى أن يصير إلى النَّعيم الـمُقيم في الجنَّة، فإنَّها رحمة الله، يرحم بها مَن شاء من عباده.

فإذا فُتِحت للعبد أبوابُ الرحمة فذلك يعني أنَّه قد تتابعت عليه فيوض الرحمن، وخيراته، وهداياته، وألطافه، إلى أن يدخل الجنة: افتح لي أبوابَ رحمتك، فهنا لم يُحدد شيئًا مخصوصًا، فيدخل فيه كلّ ما يمكن أن يُتصوّر من أبواب الرحمة الدّنيوية والأخروية.

ولاحظ أنَّه هنا عند الدُّخول: افتح لي أبوابَ رحمتك، وعند الخروج -كما سيأتي- يذكر أبوابَ الفضل، وذلك أنَّه حينما يدخل المسجد فهو يتعرَّض بدخوله هذا لنفحات الرحمة والألطاف الرَّبانية، ويطلب ذلك، ويسأله، ويتلمّسه بذكره، وصلاته، وعبادته، ومُكثه في المسجد، وانتظار الصَّلاة إلى الصَّلاة، فهو مُشتغلٌ بما يُقربه إلى الله -تبارك وتعالى-، فهو داخلٌ إلى المسجد لذكرٍ، وعبادةٍ، ومحابٍّ لله ، فهنا يُناسب ذكر الرحمة، أمَّا إذا خرج فيُناسب ذكر الفضل، وسيأتي الكلامُ على ذلك -إن شاء الله تعالى- في الليلة الآتية.

وهذا الدُّعاء مُستحبٌّ عند دخول المسجد، وقد ذكر شيخُ الإسلام -رحمه الله- يقول بأنَّ ذلك يتأكَّد عند الدُّخول إلى مسجد النبي ﷺ[24]، فهذا باعتبار حديث فاطمة الذي أشرتُ إليه آنفًا، وهو لا يخلو من ضعفٍ، وفيه: أنَّ النبي ﷺ علَّمها إذا دخلت المسجد أن تقول ذلك[25].

هذا بالإضافة إلى اختصاص مسجد النبي ﷺ بأنَّه مسجده -عليه الصلاة والسلام-، وقد ذكر شيخُ الإسلام -رحمه الله- بأنَّ العلماء -رحمهم الله- حينما ألَّفوا في المناسك، وذكروا آداب الزِّيارة إلى مسجد رسول الله ﷺ، ذكروا منه أن يقول عند الدُّخول -دخول مسجد النبي ﷺ-: "السَّلام على النبي"، يُسلِّم عليه، مع أنَّ ذلك عامٌّ في كل مسجدٍ.

ويقول شيخُ الإسلام -رحمه الله- وهو يُريد أن يصل إلى هذا، يقول: هذا أنفع من السَّلام عليه عند قبره[26]؛ لأنَّ شيخ الإسلام -رحمه الله- يرى أنَّ الذهابَ إلى قبر النبي ﷺ أنَّ ذلك ليس بلازمٍ، وذكر أن الصحابة ما كانوا يذهبون إلى القبر، وأنَّهم كانوا يقدمون من الأسفار والمغازي، ويُصلِّي الواحدُ منهم في مسجد النبي ﷺ ركعتين، ويُسلِّم على النبي ﷺ من مكانه الذي صلَّى فيه، لا يذهب إلى القبر، وقال بأنَّ الذي عُرِف عنه، الوحيد من الصَّحابة الذي عُرِف عنه أنَّه كان إذا قدم من سفرٍ، أو أراد أن يُنشئ سفرًا أتى القبر، فسلَّم على النبي ﷺ هو ابن عمر ، إذا أراد أن يُسافر، أو جاء من سفرٍ[27].

هذا، والله تعالى أعلم، وصلَّى الله على نبينا محمدٍ، وآله وصحبه.

اللهم ارحم موتانا، واشفِ مرضانا، وعافِ مُبتلانا، واجعل آخرتنا خيرًا من دُنيانا، والله أعلم.

  1. أخرجه أبو داود في "سننه": كتاب الصَّلاة، باب فيما يقوله الرجلُ عند دخوله المسجد، برقم (465)، وصححه الألباني في نفس الكتاب.
  2. أخرجه ابن السُّني في "عمل اليوم والليلة": باب ما يقول إذا دخل المسجد، برقم (87)، وحسَّنه الألباني في "الثمر المستطاب في فقه السنة والكتاب" (2/604).
  3. أخرجه ابن ماجه في "سننه": كتاب المساجد والجماعات، باب الدُّعاء عند دخول المسجد، برقم (771)، وضعَّفه الألباني في "مشكاة المصابيح"، برقم (731).
  4. أخرجه ابن السُّني في "عمل اليوم والليلة": باب ما يقول إذا دخل المسجد، برقم (88)، وحسَّنه الألباني في "الثمر المستطاب" (2/604).
  5. انظر: "الثمر المستطاب في فقه السنة والكتاب" للألباني (2/605- 606).
  6. أخرجه مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب ما يقول إذا دخل المسجد، برقم (713).
  7. أخرجه أحمد في "مسنده" برقم (16057)، والنَّسائي في "سننه": كتاب المساجد، باب القول عند دخول المسجد وعند الخروج منه، برقم (729)، وصحَّحه الألباني في نفس الكتاب.
  8. أخرجه ابن ماجه في "سننه": كتاب المساجد والجماعات، باب الدُّعاء عند دخول المسجد، برقم (772)، وصححه الألباني في نفس الكتاب.
  9. أخرجه عبدالرزاق في "مصنفه": كتاب الصَّلاة، باب ما يقول إذا دخل المسجد وخرج منه، برقم (1665).
  10. أخرجه أبو داود في "سننه": كتاب الصَّلاة، باب فيما يقوله الرجلُ عند دخوله المسجد، برقم (465)، وصححه الألباني في نفس الكتاب.
  11. أخرجه ابنُ حبان في "صحيحه": كتاب الصَّلاة، ذكر ما يقول المرء عند دخول المسجد يريد الصلاة، برقم (2047)، وصححه الألباني في نفس الكتاب.
  12. انظر: "خلاصة الأحكام" للنَّووي (1/314).
  13. انظر: "جمع الجوامع" أو "الجامع الكبير" للسيوطي (2226، 2227).
  14. انظر: "صحيح الجامع الصغير"، برقم (510).
  15. انظر: "مجموع الفتاوى" لابن باز (26/37- 38).
  16. قال الحافظ ابن حجر: رواه مسلم في "صحيحه"، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم بأسانيد صحيحةٍ، وليس في رواية مسلم: ((فليسلم على النبي -صلى الله عليه وسلم-))، وهو في رواية الباقين. انظر: "نتائج الأفكار في تخريج أحاديث الأذكار" لابن حجر (1/270).
  17. أخرجه ابن ماجه في "سننه": كتاب المساجد والجماعات، باب الدُّعاء عند دخول المسجد، برقم (773)، وقال مُحققه في "الزوائد": إسناده صحيح، ورجاله ثقات.
  18. انظر: "صحيح الجامع الصغير"، برقم (510).
  19. أخرجه الترمذي في "سننه": كتاب أبواب الصَّلاة، باب ما يقول عند دخوله المسجد، برقم (314)، وصححه الألباني في "الجامع الصغير"، برقم (8844).
  20. أخرجه ابن ماجه في "سننه": كتاب المساجد والجماعات، باب الدُّعاء عند دخول المسجد، برقم (771)، وضعفه الألباني في "مشكاة المصابيح"، برقم (731).
  21. انظر: "سنن الترمذي" (1/415).
  22. أخرجه مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب ما يقول إذا دخل المسجد، برقم (713).
  23. انظر: "جلاء الأفهام" لابن القيم (ص378).
  24. انظر: "الرد على الأخنائي قاضي المالكية" لابن تيمية (ص261).
  25. أخرجه ابن ماجه في "سننه": كتاب المساجد والجماعات، باب الدُّعاء عند دخول المسجد، برقم (771)، وضعَّفه الألباني في "مشكاة المصابيح"، برقم (731).
  26. انظر: "مجموع الفتاوى" لابن تيمية (27/206)، و"الرد على الأخنائي قاضي المالكية" لابن تيمية (ص102).
  27. أخرجه الآجري في "الشريعة": كتاب مذهب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- في أبي بكر وعمر وعثمان -رضي الله عنهم أجمعين-، باب ذكر دفن أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما- مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، برقم (1853).

مواد ذات صلة