الثلاثاء 05 / جمادى الأولى / 1444 - 29 / نوفمبر 2022
مقدمة حول باب الجهاد
مرات الإستماع: 0

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

كتاب الجهاد، الجهاد معنى واسع، ويقال بهذا الإطلاق الواسع لكل ما يصدق عليه ذلك ابتداء من جهاد النفس والهوى والشيطان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله -تبارك وتعالى- إلى القتال، فهذا كله يقال له: الجهاد بمفهومه الشامل الواسع، لكن عند الإطلاق إذا قيل الجهاد، إذا أمر الشارع به، وهكذا في الأبواب التي يذكرها الفقهاء -رحمهم الله- كتاب الجهاد، وفي أبواب الفضائل في كتب السنن، وما إلى ذلك، كل هذا يقصد به الجهاد بمعناه الخاص، الذي هو القتال كما هنا فليس الكلام هنا في مجاهدة النفس، وإنما في الجهاد الذي بمعنى القتال، لكن يبقى بهذا المعنى الخاص الذي هو أعلى درجات الجهاد، وأفضل وأجل الدرجات الداخلة تحته، ما المراد به؟

هل كل قتال يقال له جهاد؟

العلماء -رحمهم الله- كثيرًا ما يقولون: الجهاد هو قتال الكفار مثلا، وهذا على كل حال فيما يبدو -والله تعالى أعلم- أنه من قبيل التعريف بالمثال، وإلا فإن هذا التعريف لا يضبطه ضبطًا دقيقًا، وإذا أردت أن تعرف هذا؛ انظر إلى الأشياء التي ترد عليه:

صور جهاد ليس من قبيل قتال الكفار، النبي ﷺ لما ذكر الخوارج وأمر بقتالهم وقتلهم، وذكر فضل ذلك، وأخبر لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد[1] الآن هذا القتال للخوارج، والعلماء مختلفون فيهم، منهم من يكفرهم؛ لأن النبي ﷺ قال: يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية[2] ومن العلماء من يرى أنهم ليسوا بكفار، وعلي لما سئل عنهم قال: "من الكفر فروا"[3]، وليس الحديث الآن عن هذه الطائفة، لكن هذا مثال عند من لم يكفرهم، النبي ﷺ صراحة أمر بقتالهم وقتلهم، هل هذا يعتبر قتال كفار عند من لم يكفرهم؟

الجواب: لا، قطعًا، إذًا حينما نقول: الجهاد هو قتال الكفار؛ يَرِد عليه مثل هذا، فقتال الخوارج هل هو مشروع أم غير مشروع؟

هو مشروع بأمر النبي ﷺ إذًا لا بدّ أن يكون من قبيل الجهاد، واضح؟ انظر إلى أمثلة أخرى الله قال في القتال بين المسلمين: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ الآن صار إذا تعذر الإصلاح، فقوتل الباغي من الفئتين، هل هذا قتال مشروع أم غير مشروع؟

هو مشروع؛ لأن الشارع أمر به، أليس كذلك، وما هو العمل المشروع؟ هو الذي أمر به الشارع أمر إيجاب أو أمر استحباب؛ هذا المشروع، فالآن قتال هذه الفئة الباغية يعتبر مشروعًا، إذًا هل هو من الجهاد أم ليس من الجهاد؟ يعني حينما يقاتلون هؤلاء البغاة أليس هذا من قبيل العمل بما أمر الله به بنص القرآن؟

الجواب: بلى، فإذًا هذا القتال يعتبر من الجهاد، وهم من المؤمنين، أعني الذين يقاتلون طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وقال: فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وقال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ فقتالهم يعتبر من الجهاد، وقل مثل ذلك في أمثلة وصور متنوعة، إذًا تحديد الجهاد بأنه قتال الكفار هذا لا يكفي، وهو تعريف ناقص، لكن نستطيع أن نقول: كل قتال مشروع، مشروع يعني أن الله شرعه، فهو من الجهاد بهذا الإجمال، يبقى تفسير المشروع؛ ما هو المشروع؟

هذه قضية كبيرة، لماذا كانت قضية كبيرة؟ لأن كل أحد يدعي أن قتاله مشروع، فهذا المتأول يدعي أن قتاله مشروع، والعلماء -رحمهم الله- كالبخاري وغيره يبوبون في الصحيح، ونحو ذلك قتال البغاة والمتأولين، يعني عندهم تأويل، فقاموا بناء عليه بأعمال، بقتال هؤلاء من المتأولين يقاتلون، أو يتركون على تأويلهم، ويقال: ما شاء الله ما دام متأولين دعوهم يفعلون ما شاؤوا، هذا غير صحيح طبعًا، فلا بدّ من دفعهم، وفرق بين القتال، وبين القتل أيضا، لكن من لا يندفع شره، وآذاه إلا بالقتل؛ فإنه يقتل، فهذه مسائل فيها تفاصيل، وكلام لأهل العلم في قتال البغاة، والفرق بينه وبين قتال الكفار، وما إلى ذلك، لكن الآن إذا كان الأمر بهذه المثابة نقول: القتال المشروع، إذًا حينما يدعي أحد أن قتاله مشروع هنا يحتاج أن يحقق ذلك، فإذا كان قاصر العلم، ما عنده علم: عامي أو شبه عامي أو طالب علم، لا يصل إلى هذه المراتب، فماذا يفعل؟

فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ يرجع إلى العلماء الراسخين الربانيين فيسألهم، وبعض القضايا، يعني النوازل تحتاج إلى معرفة بأمور متعددة، يعني يحتاج أن يكون عالمًا بالشريعة، راسخًا، ويحتاج أن يكون هذا الإنسان عنده دين وورع، يخاف من الله ، يتقي الله فيما يقول، ويحتاج أن يكون هذا المسؤول أو المستفتى أن يكون عنده أيضا عقل يزن به المصالح والمفاسد، وما إلى ذلك، ويكون عنده أيضا معرفة بالحال الواقعة ما هي، ما الذي يجري بناء على ذلك، يتكلم إن استطاع يتكلم، وإلا فيسعه السكوت، وبعض المسائل وبعض الصور قد يتوقف العالم فيها، لا يتضح له شيء.

انظر الآن ما يجري قتال بين دول إسلامية مثلا، هل هذا قتال؟ من الذي في سبيل الله؟ نقول: فقاتلوا التي تبغي، ولكن لو كان البغي من الطائفتين من الذي في سبيل الله؟

أيضا الآن هذه الثورات التي تقوم هنا وهناك، هؤلاء القتلى ما حكمهم؟ هل هؤلاء يقال لهم: شهداء أم لا؟ بعضهم قد يقاتل قومية، وبعضهم يقاتل تحت راية أن الشعب هو مصدر السلطة، الشعب هو مصدر التشريع، الشعب هو المرجع الوحيد، صار الشعب هو إله الأولين والآخرين، ورب العالمين، وقيوم السماوات والأرضين -نسأل الله العافية- عبارات مزعجة نسمعها الشعب، والشرعية للشعب، والرجوع للشعب، والشعب هو الذي يفصل، والشعب هو مصدر السلطة، والشعب هو مصدر التشريع، وصار الشعب مقدسًا، صار إلهًا، يعني يا شعب مسحوق، ما له قيمة، ولا له أي اعتبار، وإلا شعب ينتفخ ويتضخم ويتعاظم، ويكون معبودًا من دون الله، نرجع إلى الشرع، والله هو الذي يحكم، والله -تبارك وتعالى- وشرعه هو مصدر التشريع، وليس الشعب، ولا يجوز تضخيم الشعب بهذه الطريقة، وهذه العبارات التي نسمعها تدوي، وللأسف تجدها تنتقل من بلد إلى بلد نفس العبارات، وتردد، وقد يرددها جهال، وللأسف أيضا قد تسمعها أحيانا من بعض كما يقال: ما عليهم شرهة[4]، يقولون نفس العبارات التي يقولها العوام، إذًا ما فائدة العلم، وما الفرق بين العالم والجاهل إذا كان العالم، أو من ينتسب إلى العلم، أو طالب العلم يجاري العوام في مثل هذه العبارات؟

فالمقصود الآن: إنسان يقاتل بهذه الشعارات، الشعب، والشعب، هل هذا يقال: في سبيل الله، ويقال: إنه شهيد؟

يعني غاية ما يستطيع الإنسان أن يقوله في هذا: يبعثون على نياتهم، الله يتولى عباده، نحن لا ندخل بين الله وبين عباده، لكن نحن نعلم أن من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله، هذا الذي عندنا، لا شعب، ولا ما شعب.

فهؤلاء الله أعلم بحالهم فنقول: يبعثون على نياتهم، لكننا لا نغتر بمثل تلك الشعارات، وتلك العبارات، والعاقل طالب العلم مؤمن، يميز بين الحق والباطل، ومعدن الحق، ومعدن الشبهات، وما إلى ذلك مما يعني يقع تطيش به كثير من العقول للأسف الشديد.

وليس المقصود الآن هو الخوض في مثل هذه القضايا، فأنا أترك الخوض فيها عمدًا، وإلا فأنا أتابع كل ما يجري أولاً بأول، ولكن لا أحب الخوض فيها، والله أعفاني من هذا كله، وهذه أمور لا نعرف مداها، وإلى أي حد تنتهي، فالإنسان لا يتقلد أمام الله برقبته شيئا، وقد عافاه الله، وأغناه عن هذا كله، ولم يطالبه به، ولا يقول أحد: إن هذا والله من البيان الواجب؛ لأنها ما وقفت على العبد الضعيف، تكلم كثيرون، وكتب كثيرون، وليس كل أحد ينبغي عليه أن يسجل موقفا في الأحداث، وأن يقول، وأن يكتب، لا، لا من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت[5] وأمور لم تتضح معالمها وأبعادها، ولا يعرف الإنسان مداها يسعه في ذلك السكوت، فليس المقصود الآن الخوض في هؤلاء، وما جرى لهم، وحكم القتلى الذين يقتلون فيها، ليس هذا من مقصودنا، لكن أبين لك قضية الجهاد حينما يقال: قتال الكفار، وقتال غير الكفار كما ذكرت في الأمثلة السابقة؟

فهذه تحتاج إلى تفصيل، لكن لو قيل: بأنه القتال المشروع، فهذا هو الصحيح، تبقى المشروعية كل أحد يدعي وصلاً بليلى من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله[6].

لكن ينبغي أيضا أن نعرف قد يقاتل الإنسان لتكون كلمة الله هي العليا، لكن قتاله مبني على مفهوم فاسد، على تصور فاسد، على تأويل فاسد؛ لقلة علمه وبصره وصبره، صدر منه ما صدر فقتل، وهو على باله أنه يقاتل في سبيل الله، وعمله ليس كذلك، فهل مثل هذا يقال إنه معفى، ما عليه شيء، حتى لو كان تأويله فاسدًا وبعيدًا؟

فالمسألة تحتاج إلى تفصيل، ولا أعلم كتابات تفصل هذا تفصيلاً دقيقًا، ودراسة محررة بناء على الواقع المعاصر، قتال يحصل بين دول إسلامية، قتال يحصل بين مجموعات من المسلمين، إلى آخره، فيه صور تشتبك وتشتبه.

للأسف صدر كتاب قبل سنوات أكثر من عشر سنوات في ثلاث مجلدات عن الجهاد، وتكلم فيه عن كل هذه القضايا المعاصرة، هي عناوين جميلة تراها في الفهرس، لكن إذا نظرت إلى ما كتبه، وتأملت فيه؛ وجدت أنه قد بني على مفهوم، وتعريف غير صحيح للجهاد؛ لأنه الآن إذا ما استطعنا أن نضبط، ما المراد بالجهاد الشرعي، الجهاد الحقيقي، الجهاد المشروع؟ فعندئذ سندخل فيه أشياء ليست منه، أو نخرج منه أشياء هي منه، فما تنضبط القضية عندنا، ولذلك حاول أن يضبطه بطريقة يرد عليه فيه إيرادات، وللأسف عمل للكتاب دعاية كبيرة جدًا، ووزع بكميات هائلة، يعني بيع منه كميات كبيرة جدًا، دعايات في ذلك الحين، والكتاب في نظري لا يستحق ذلك، والمعلومات فيه غير موثوقة، نعم هو ناقش قضايا لا تكاد تجدها تناقش في كتب أهل العلم، لكن ليست العبرة أنه ناقشها، العبرة هل عالجها بطريقة صحيحة أم لا؟ مصدره الذي يرجع إليه، ويبني عليه كلامه هي كتب لأحد الكاتبين المعاصرين ممن كتب في كل ما يتعلق بشؤون الدولة الإسلامية في الاقتصاد، والجهاد، والعلاقات الدولية، وما إلى ذلك، ولكن كتاباته غير محررة، أعني بذلك حزب التحرير، كتابات بعض رؤوس حزب التحرير، فهذا يرجع إليه كثيرًا، يعني الكاتب عالة على هؤلاء، وكتابات هؤلاء فيها إشكالات كثيرة، وفيها نظر، وفيها خلط، ما هي بكتابات محررة، وتستقي من الأدلة، وبنظر عالم يستطيع أنه يستنبط إلى آخره، فالكتاب كبير، في ثلاث مجلدات، وأظنه رسالة دكتوراه، ولكن فيه خلط كثير.

فعلى كل حال أنا استطردت في الكلام على هذا المفهوم، لكن لا بأس على كل حال لعل هذا مفيد في هذا الباب الذي فيه مضائق كثيرة، ولربما نجد أشياء من ممارسات يقال إنها من الجهاد، وليست منه، وأسأل الله أن يجنبنا وإياكم مضلات الفتن، وصلى الله على نبينا، وعلى آله وصحبه.

  1. أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: {تَعْرُجُ المَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [المعارج: 4]، وقوله جل ذكره: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10] وقال أبو جمرة، عن ابن عباس، بلغ أبا ذر مبعث النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال لأخيه: اعلم لي علم هذا الرجل، الذي يزعم أنه يأتيه الخبر من السماء وقال مجاهد: "العمل الصالح يرفع الكلم الطيب" يقال: {ذِي المَعَارِجِ} [المعارج: 3]: "الملائكة تعرج إلى الله" برقم (7432)، ومسلم، كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم، برقم (1064).
  2. أخرجه البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، برقم (3610)، ومسلم، كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم، برقم (1064).
  3. انظر: العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم، لابن الوزير (3/287).
  4. أي: ما عليهم لوم ولا عتب.
  5. أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، برقم (6018)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب، برقم (47).
  6. أخرجه البخاري، كتاب العلم، باب من سأل، وهو قائم، عالما جالسا، برقم (123)، ومسلم، كتاب الإمارة، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله، برقم (1904).

مواد ذات صلة