الأربعاء 15 / شوّال / 1445 - 24 / أبريل 2024
حديث «لقد سألت عن عظيم..»، «أتدرون ما الغيبة..»
مرات الإستماع: 0

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

ففي "باب تحريم الغيبة والأمر بحفظ اللسان" أورد المصنف -رحمه الله- حديث معاذ قال: قلت يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة، ويباعدني من النار؟ قال: لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله تعالى عليه[1].

هذا الحديث قد مضى الكلام عليه في "باب المراقبة"، ولا بأس أن أشير هنا بعض الإشارات إلى بعض المعاني المتعلقة به.

قوله: "يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار؟"، هذا كما ذكرنا سابقا يدل على حرص الصحابة على هذا المطلب الكبير الذي هو أعظم المطالب، أن يحصل للإنسان الفلاح بالنجاة من النار ودخول الجنة، "يدخلني الجنة ويباعدني من النار"، قد يقول قائل: إن قوله يدخلني الجنة يكفي عن قوله ويباعدني من النار فهل هذا من قبيل التأكيد؟

يمكن أن يقال -والله تعالى أعلم-: إن قوله: "يدخلني الجنة" لا يعني أنه لا يدخل النار؛ لأن أهل الإيمان يدخلون الجنة في العاقبة ولكن قد يدخلون النار ويمحصون فيها لذنوبهم، فهو يسأل عن ما يتحقق به هذا وهذا، يدخل به الجنة ويباعد من النار، بمعنى أنه لا يدخل النار أصلاً.

قال: لقد سألت عن عظيم، يعني هذا مطلب كبير، وليس المقصود بقوله: لقد سألت عن عظيم أنه شيء صعب، -والله تعالى أعلم- قال: وإنه ليسير على من يسره الله تعالى عليه، فلا تعارض ومن ثم فلا حاجة لأن يفهم قوله ﷺ لقد سألت عن عظيم أي أنه صعب، ثم أراد أن يسهله فقال: وإنه ليسير على من يسره الله عليه، لكن سألت عن مطلب من المطالب الكبار المطالب العظيمة وإنه ليسير، كما أخبر النبي ﷺ بأن الجنة أقرب إلى أحدنا من شراك نعله، وأن النار كذلك[2].

وقوله: وإنه ليسير على من يسره الله تعالى عليه، يدل على أنه لا حول ولا قوة إلا بالله، لا تحول من حال إلى حال لا يمكن لإنسان أن يحصل الفلاح والنجاح إلا بتوفيق الله -تبارك وتعالى-، ولذلك فإن العبد بحاجة إلى سؤال الله -تبارك وتعالى- في كل حاجاته ومطالبه؛ لأنه لا يمكن أن يصل ويوفق إلا بتوفيق ربه ومالكه وخالقه.

ثم ذكر له ذلك قال: تعبد الله لا تشرك به شيئًا فهذا هو الأمر الأول الذي هو دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام الذي هو التوحيد ولا يصح عمل بدونه ولهذا ذكر الأشياء الأخرى بعده.

قال: وتقيم الصلاة، وكما سبق في مناسبات شتى أن الصلاة لم ترد مأمورا بها أو مطلوبا من العبد أن يأتي بها إلا بلفظ الإقامة، "تقيم" يعني أن يأتي بها مستوفية للشروط والأركان والواجبات فإذا استوفى المستحبات فذلك يكون أوفى وأعظم في إقامتها.

وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً، هذه الأركان الخمسة هذا إذا يدل على أن من لزم هذه الأمور الخمسة، وقام بها على الوجه المطلوب فإنه يدخل الجنة ويباعد من النار طبعًا إذا اجتنب الكبائر، إذا اجتنب المعاصي، اجتنب الذنوب.

ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة، يعني ترس وقاية حصن حصين من النار، الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وهذه قضية نغفل عنها كثيرا تطفئ الخطيئة وأبلغ ما يكون تصوير ذلك كما يطفئ الماء النار يعني ما يبقى لها أثر فالخطايا كالجمر كالنار المحرقة تحرق أصحابها، فالصدقة تطفئها، فلو أن الإنسان أكثر من الصدقة فإن ذلك يكون سببًا لوقايته من شؤم الذنوب وجرائرها وتوابعها، ولهذا قال الله -تبارك وتعالى-: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة:103]، وكذلك في قوله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود:114]، فإتباع الخطايا والذنوب بالحسنات من صلاة الليل وغيره كل ذلك له أثر بالغ في إطفاء نار المعاصي والذنوب.

قال: وصلاة الرجل من جوف الليل، ثم تلا: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ [السجدة:16]، من جوف الليل يعني من وسطه تتجافى جنوبهم عن المضاجع، يعني ترتفع وتتباعد عن المضاجع يقومون للصلاة هذا هو الراجح من أقوال المفسرين، حتى بلغ: يَعْمَلُونَ [السجدة:19] يعني: يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ۝ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:16-17].

 ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر، وعموده، وذروة سنامه، يعني أعلى الأشياء فيه، فإن السنام هو أعلى ما يكون في البعير، قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد[3].

فالذي لا يصلي لا يكون له هذا، وكيف يقوم بيت يعني كيف تقوم الخيمة بلا عمود؟!

قلت: بلى يا رسول الله قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد، ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟، بملاك ذلك كله يعني بما يقوم به بقوامه.

"قلت: بلى يا رسول الله. فأخذ بلسانه قال: كف عليك هذا، وهذا هو الشاهد يعني ملاك كل ما سبق كف عليك هذا؛ لأن الإنسان قد يعمل أعمالاً صالحة ثم يُذهب ذلك جميعًا هذا اللسان، قد يقول كلمة تودي بدنياه وآخرته، فلا ينتفع بصلاته وصيامه وما إلى ذلك، فإذا أمسك الإنسان لسانه فهذا خير له كما سبق في بعض الدروس أن كف اللسان أفضل من حال ذلك الذي يصوم النهار ويقوم الليل ولكنه يفري بلسانه أعراض المسلمين.

"قلت: يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك، يعني فقدتك أمك، وهذا هكذا تقوله العرب، وليس المقصود معناه.

وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم؟، يعني هل يقلبهم على وجوههم إلا حصائد الألسن، يعني ما تحصده ألسنتهم ما يحصلونه بهذه الألسن التي كأنها مناشير، أو منجل يحصد به الزرع، رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

ثم ذكر حديث أبي هريرة ، أن رسول الله ﷺ قال: أتدرون ما الغيبة؟، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته[4]، رواه مسلم.

بهته يعني افتريت عليه كذبًا من البهتان، وقد مضى الكلام على هذا الحديث في أول هذا الباب، ويكفي فيه تفسير النبي ﷺ هذا، ولا حاجة إلى تفسير غيره واجتهاده، أتدرون ما الغيبة؟، جاء به بأسلوب فيه ترغيب تتشوف النفوس وتتطلع إلى معرفته لأهمية ما سيذكره بعده، قال: ذكرك أخاك بما يكره، هذا الذي يذكره بما يكره، ولو قال: إن هذا شائع في الناس، اللهم إلا إن كان ذلك في حال بحيث لا يعرف إلا بهذا، ذكره باسمه فلم يعرف فذكر أمرًا آخر كأن يقول: الأعمش، الأعرج، كريم العين، أو ما أشبه ذلك ما يعرف إلا بهذا لم يقصد بذلك الإساءة، ولم يقصد بذل التنقيص منه، ولم يكن ذلك منه ابتداء، ولكنه لا يعرف إلا بهذا، فعندها لا بأس، ولهذا تجد في تراجم أهل العلم كثيرا ما يذكرون: الأعمش، والأعرج، والأعور، وكذلك في الحديث ذو اليدين؛ لأن يديه طويلتان، أما إذا كان لا يكره ذلك فهذه ليست بغيبة، لكن لو كان القائل لا يكره ولكن المقول فيه يكره، فهذه غيبة، يعني بعض الناس يتكلم في الناس ويذكر عيوبًا ويقول: ما فيها؟! لو أنا ما أكره عادي، نقول: عادي بالنسبة لك لكن بالنسبة له هو يكره ذلك، فلا يُقال فيه فالمقياس ليس بمقياس المتكلم، وإنما مقياس المقول فيه.

ذكرك أخاك بما يكره، من وصف، أو فعل، أو غير ذلك مما يقال فيه مما يكرهه، فهذا كله داخل في الغيبة.

وقد يكون بالإشارة كما في الحديث: "حسبك منها وأشارت أنها قصيرة"[5]، فهذا كله أيضًا من الغيبة، قال: "أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته"، هذه هي الغيبة، بعض الناس يشتط ويقول: هو هكذا، أنا ما قلت عليه شيئًا آخر، نقول: نعم هذه هي الغيبة، لو قلت شيئًا آخر لكان هذا أعظم، وهو البهتان، والله تعالى أعلم.

وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

  1. أخرجه أحمد في المسند، برقم (22016)، وقال محققوه: "صحيح بطرقه وشواهده، وهذا إسناد منقطع، أبو وائل -وهو شقيق بن سلمة- لم يسمع من معاذ، وعاصم بن أبي النجود صدوق حسن الحديث، وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين"، وقال الألباني: "صحيح لغيره"، في صحيح الترغيب والترهيب، برقم (739).
  2. أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب: ((الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك))، برقم (6488).
  3. أخرجه الترمذي، أبواب الإيمان عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب ما جاء في حرمة الصلاة، برقم (2626)، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (5136).
  4. أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الغيبة، برقم (2589).
  5. أخرجه أبو داود، كتاب الأدب، باب في الغيبة، برقم (4875)، والترمذي، أبواب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، برقم (2502)، وقال الألباني: "حسن صحيح"، في تحقيق رياض الصالحين، برقم (1533).

مواد ذات صلة