الجمعة 13 / شعبان / 1445 - 23 / فبراير 2024
الحديث عن آيات الباب، حديث «إن الصدق يهدي إلى البر..»
مرات الإستماع: 0

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فهذا باب تحريم الكذب، والكذب في إطلاقه الأوسع في كلام العرب يأتي بمعنى ما يخالف الواقع، ولو كان القائل أو المتكلم لا يقصد هذه المخالفة والمباينة، بينما قال والواقع.

ومن ثم نجد في كلام السلف إطلاق الكذب على الخطأ، فحينما توجد مباينة بين القول وبين الخارج، يعني الواقع فإن ذلك يكون كذبًا بهذا الاعتبار، لكنه ليس بالكذب المذموم الذي جاءت به النصوص، فإذا قال أحد قولاً كأن يقول مثلاً بأن زيدًا مسافر، وهو يعتقد أنه مسافر، لكن الواقع أنه موجود، فأخطأ، فيقال: هذا كذب بهذا الاعتبار، لكنه ليس بالكذب المحرم المذموم، هذا من قبيل الخطأ، وهكذا حينما يقول الإنسان في حكم من الأحكام وفي قضية من القضايا يقول قولاً مخالفًا للصواب والحق، كأن يقول: يحرم كذا، أو يجوز كذا، وذلك غلط، يعني مخالف للحق الذي جاء به الرسول ﷺ، فمن خالفه في ذلك يقول: كذب، يعني: أخطأ.

أما الكذب المذموم فهو ما وقعت فيه المخالفة بين ما في نفس القائل وبين القول وإن وافق الواقع، بمعنى: أنه طابق القول في الواقع، لكنه خالف ما في نفسه، فلو قال مثلاً عن زيد: بأنه مسافر، وهو يعتقد أنه مقيم، وتبين في الواقع أنه مسافر، لكنه أخطأ، فهذا يعتبر كذب، وهو من الكذب المذموم، فلو سأله أحد أين فلان؟ فقال: غير موجود، وهو يعتقد أنه موجود، وتبين أنه غير موجود فعلاً، لكنه لم يعلم، ولم يشعر بذلك، فهذا يعد من الكذب المذموم، وهو وجود المخالفة بين القول وما في نفس القائل، فهذا هو الكذب المذموم المحرم، فيكون بالقول، كهذه الصور والأمثلة التي ذكرتها آنفًا، ويكون أحيانًا بصورة غير صريحة، مثل لو أنه أظهر حالاً غير الحال التي يبطنها، كأن يظهر لغيره أنه لا يعلم بالأمر الفلاني، فهذا نوع من الكذب دقيق، يعني هو يعلم، لكنه لم يقل: أنا لم أعلم، لكنه أفهمه بطريق غير مباشر أنه لم يعلم مثلاً، هذا الإنسان مرض، وبقي في المستشفى مدة، وهذا يسأله وهو يعلم عن حاله أنه دخل المستشفى، يقول: أين أنت هذه المدة الطويلة؟ يقول: أنا في المستشفى، فيقول: سبحان الله، منذ متى؟ قال: من الوقت الفلاني إلى الوقت الفلاني، فقوله: سبحان الله، يعني: يُفهم ذاك أنه لم يعلم، وما قال: أنا ما أعلم، حتى يقع في الكذب الصريح، لكن الواقع أن هذا نوع دقيق من الكذب، واضح، وهذا الإنسان يقول: بأنه مات له قريب، والسامع يعلم، لكنه شغل ونسي وغفل، فأراد أن يبدي له أنه لم يعلم بذلك؛ ليعتذر بهذا من تقصيره في تعزيته، وما أراد أن يكذب، يقول: ما علمت، ولكنه قال: سبحان الله متى مات؟ ومتى دفنتموه؟ ومتى صليتم عليه؟ وهو يعلم متى صلوا عليه، ومتى دفنوه، فهذا نوع من الكذب دقيق، وهو من قبيل الكذب بالحال.

وهناك نوع أخفى من هذا، وهو من هذا القبيل الكذب بالحال، يعني: أن يظهر حالاً غير ما يبطن، كأن يظهر الخشوع، وليس بخاشع، وأن يظهر الإيمان، وليس بمؤمن، فذاك نفاق أن يظهر حالاً من الصلاح والتقوى والزهد والعبادة، وما إلى ذلك، وهو ليس كذلك، فهذا نوع من الكذب أخفى، لا يعلمه إلا الله -تبارك وتعالى-.

هنا قال: قال الله تعالى: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء:36] وقد تكلمنا على هذه الآية من قبل، والشاهد هنا في موضوع الكذب، قلنا: بأن القفو هو الاتباع، فيدخل في ذلك جميع المحرمات والمنهيات، فلا يكون الإنسان مزاولاً لشيء منها، أو فاعلاً له؛ لأنه يكون قد قفا ما ليس له به علم إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً [الإسراء:36] فالسمع والبصر والفؤاد، ستسأل عن هذا الإنسان ماذا عمل بها؟ فإذا نطقت هذه الجوارح، ونطق عليه اللسان بأنه يكذب، هو سيحاسب على هذا.

وهذا أيضًا حينما يقال: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً [الإسراء:36] هي تسأل عن الإنسان ماذا عمل بها؟ كما أنه يسأل هو أيضًا عنها، فهذا يُسأل، وهذا يُسأل، فإذا كان الإنسان يكذب بلسانه، فإن لسانه يشهد عليه بذلك.

وقال تعالى: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18] وقد مضى الكلام أيضًا على هذه الآية، والشاهد في موضوع الكذب: أن هذا الكذب لا شك أنه من المعاصي والمحرمات، وقد يكون من الكبائر، فكل هذا يُكتب، وإنما الذي اختلفوا فيه هل يكتب الكلام المباح أو لا يكتب؟ وهل يكتب ما لا يترتب عليه الجزاء أو لا؟

ثم ذكر حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابًا[1]، متفق عليه.

قوله ﷺ: إن الصدق يهدي إلى البر البر هو الطاعة والمعروف والعمل الصالح، فهي كلمة جامعة واسعة، تنتظم كل محاب الله القلبية، وما يتصل باللسان، وما يتصل بالجوارح، وأعظم ذلك الإيمان بالله -تبارك وتعالى- وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [البقرة:177] الآية.

قال: وإن البر يهدي إلى الجنة فالبر يوصله إلى الجنة؛ وذلك أن الإنسان يكون مؤمنًا تقيًا صالحًا، أما إذا كان الإنسان يكذب، فإن ذلك يفتح له آفاق المعصية والفجور، كما قال النبي ﷺ: وإن الكذب يهدي إلى الفجور فالإنسان إذا التزم الصدق لا سيما إذا روعي في ذلك الصدق في أحواله الثلاث: الصدق في الحال، والصدق في المقال، والصدق أيضًا في أعماله، فهنا يهديه هذا الصدق إلى  البر، فيكون مخلصًا يريد وجه الله -تبارك وتعالى-، لا يريد وجهًا سواه، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإنه يلزم الجادة والصراط المستقيم من أجل أنه لن يعتذر عن شيء يحتاج إلى الاعتذار  عنه بالكذب، فالصدق هو الذي ينجيه، وانظروا إلى حال المنافقين على سبيل الإطلاق والإجمال ماذا فعلوا؟ الذي أوقعهم في هذا كله هو الكذب؛ ولهذا قال الله : اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [المجادلة:16] اتخذوها ترس، يتقون ما يوجه إليهم من التهم، حينما يقال: فعلت هذا، يقول: أبدًا ما فعلت، ويحلف؛ ولهذا قال الله : فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [المجادلة:16] فالفاء هذه تدل على التعليل، وعلى ترتيب ما بعدها على ما قبلها، ما الذي جعلهم يصدون؟ والصدود هنا بمعنييه: اللازم والمتعدي، صدوا في أنفسهم، وصدوا غيرهم، هو أنه استمرؤوا الكذب، فبقوا على حالهم، فصاروا صادين في أنفسهم، وصاروا يعملون في صد الناس عن الإسلام، فإذا قيل لهم، حلفوا أنهم ما فعلوا، فصاروا يدخلون من فجور إلى فجور، حتى انغمسوا في النفاق، فصاروا من أهل الدرك الأسفل من النار.

قال: وإن الرجل ليصدق يعني: يتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا يصدق ويتحرى الصدق، كما في الرواية الأخرى، يعني يكثر منه ذلك حتى يكتب عند الله صديقًا والصديق: هو من كثر صدقه وتصديقه، فمن كثر صدقه يقال له: صديق، صيغة مبالغة، فإذا كتب عند الله كذلك، فهو في أعلى المنازل، كما قال الله : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا [النساء:69] فهذه منازل عالية لأهل الإيمان والجنة.

وإن الكذب يهدي إلى الفجور يقوده إليه، والفجور أصل هذه المادة (الفجر) تدل على الشق، ومنه الفجر المعروف، يكون في الظلام، وهذا الفجور يكون بالخروج إلى معصية الله ، ويكون بتعدي حدوده، ويكون الفجور بالإعراض عن الله -تبارك وتعالى-، والعمل بما يسخطه، فهذا الإنسان الذي يقتحم حدود الله ، ولا يبالي، يكون فاجرًا، فإذا كان الإنسان يكذب، فإن هذا الكذب يقوده للفجور، من جهة أن المعصية تقود إلى أختها، وتدعو إليها، ومن جهة أخرى العذر عنده جاهز، فإذا وقع في أمور مشينة، فإنه يبادر إلى تكذيب ذلك، فيقول: ما حصل؛ ولذلك تجد -نسأل الله الهداية للجميع والعافية للجميع- مزاولات تنافي الأخلاق، فالمرأة تجد في جهاز زوجها مكالمات ورسائل وأشياء، وأمور لا تدل على خير، بل تدل على علاقات محرمة، فلما تواجهه به، مباشرة يكذب، فإن كان محترفًا للكذب، يعني له سابق خبرة في الكذب، يعني: ليست قضية جديدة أول مرة، فإنها لا تأتيه ببرهان إلا والجواب جاهز، فتجد إجابات تدل على سرعة بديهة في الكذب، ولا تستطيع أن تأخذ من هذا الإنسان لا حقًا ولا باطلاً، نسأل الله العافية.

الكذب يهدي إلى الفجور فيقع في هذه الأمور المشينة، ويقع في أشياء، ويتخطى حدود الله -عز وجل-، ولا يبالي، وإذا قيل له، مباشرة يقول: أبدًا، ما حصل، وجاء الجواب جاهزًا، نسأل الله العافية.

وإن الفجور يهدي إلى النار هذه هي النتيجة في الأخير، قال: وإن الرجل ليكذب يعني: ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا لما يكتب عند الله كذابًا كيف ستكون حاله؟ هل سيكون مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين؟ أبدًا، بل ما يذكره النبي ﷺ كما سيأتي من صفات المنافق: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر[2]، كل هذا في الواقع، كما سيأتي -إن شاء الله- يرجع إلى الكذب، وعائد إليه؛ ولذلك لا يكون هذا الوصف من صفات أهل الإيمان، ولكن الصدق يحتاج إلى ترويض للنفس ومجاهدة، سواء كان الصدق مع الله بالإخلاص، فالنفس تدعوه إلى أشياء، أو كان ذلك من قبيل الصدق في الأقوال مع الناس، والصدق في التعامل، فكل هذه الأشياء تحتاج إلى مجاهدة وصبر، وإلى نوع من الشجاعة؛ لأن أصل الكذب في الواقع مبناه على الجبن والضعف والخور الذي في داخل الإنسان، فلا يستطيع أن يواجه الآخرين، ويقول: نعم، أنا فعلت هذا، وجهة نظري فيه كذا، أو فعلته وأنا مخطئ، ولكنه لا يستطيع ولا يجرؤ، فمباشرة يكذب، من الذي فعل كذا؟ ومباشرة اليمين تسبق، ومن الذي قال كذا؟ ومن الذي أخذ كذا؟ فهو مباشرة يبادر بالكذب؛ لأنه لا يجرؤ على الثبات والوقوف، وقول الحق.

وانظروا إلى حال الثلاثة الذين خلّفوا عن غزوة تبوك، هؤلاء كان الصدق في حقهم في البداية مرًا، ولكن ليست العبرة بنقص البدايات، وإنما بكمال النهايات، ما النهاية التي وصلوا إليها؟ وقد جاءهم الناصحون، وجاءهم من يقول: يا فلان كان لك مندوحة، وأولئك الذين تخلفوا سواكم معشر الثلاثة، كان يمكن أن تعتذر بما اعتذروا من الأعذار الكاذبة، ولكن الله حفظهم من الكذب، فبقوا هذه المدة الطويلة مع المعاناة الشديدة في القصة المعروفة، ثم بعد ذلك تاب الله عليهم، وذُكر هذا في كتاب الله -عز وجل-، ووُعظ به أهل الإيمان أعظم موعظة.

ثم قال الله معقبًا على هذا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119] كونوا معهم، وكونوا في حكمهم، وكونوا معهم أيضًا في ملازمتهم ومصاحبتهم ومخالطتهم.

أما أولئك الذين اعتذروا بالأعذار الكاذبة، فقد استمتعوا قليلاً، ولكن في النهاية هذه الآيات الكثيرة في سورة براءة، جاءت لتفضح هؤلاء، ما بقي إلا أن تذكر الأسماء، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي [التوبة:49] ومنهم من يقول..، ومنهم..، حتى كاد أن يسميهم، فالعاقبة للصدق، ولو كانت في البداية هناك معاناة، ولو كان هناك شيء من التأذي، فيحتاج إلى شيء من الصبر والمصابرة، ثم بعد ذلك تكون العاقبة له، والله تعالى أعلم.

وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.

  1. أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب قول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة:119] وما ينهى عن الكذب برقم (6094) ومسلم في البر والصلة والآداب، باب قبح الكذب وحسن الصدق... برقم (2607).
  2. أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب علامة المنافق برقم (34) ومسلم في الإيمان، باب بيان خصال المنافق برقم (58).

مواد ذات صلة