الأربعاء 15 / شوّال / 1445 - 24 / أبريل 2024
حديث «أربع من كن فيه، كان منافقا خالصا..» إلى «أفرى الفرى أن يري الرجل عينيه..»
مرات الإستماع: 0

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

ففي باب تحريم الكذب أورد المصنف -رحمه الله- حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- أن النبي ﷺ قال: أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن، كانت فيه خصلة من نفاق، حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر[1]، متفق عليه.

يقول: "وقد سبق بيانه، مع حديث أبي هريرة بنحوه في باب الوفاء بالعهد".

قوله ﷺ هنا: أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا يعني: أربع خصال، أو أربعة أوصاف من كن فيه كان منافقًا خالصًا يعني: أنه قد صار منافقًا صرفًا، وحمله بعض أهل العلم على النفاق العملي؛ لأن النفاق نوعان: نفاق عملي، ونفاق اعتقادي، والنفاق الاعتقادي: هو أن يبطن الكفر ويظهر الإسلام، ويحتمل: أن يكون ذلك بمعنى النفاق المعروف، بمعنى: أنه لا تجتمع هذه الأربع، وتتحقق إلا في من كان بتلك المثابة، يعني: كان من المنافقين، أما المؤمن فلا تجتمع فيه هذه جميعًا، ويكون متصفًا بها في وقت واحد.

قال: ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها المؤمن قد يكون فيه خصلة من الكفر، ولا يكون كافرًا، وقد يكون فيه خصلة من خصال الجاهلية، ولا يكون جاهليًا، وقد يكون فيه خصلة من خصال النفاق، ولا يكون منافقًا، وقد قال النبي ﷺ: اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت[2]؛ ولما ذكر أوصاف الجاهلية ذكر الطعن في الأنساب والنياحة على الميت، فهذه كلها من أوصاف الجاهلية، وهي من شعب الكفر، فقد يوجد في الرجل شيء من هذا، ولكنه لا يكون كافرًا، ولا منافقًا، ولا جاهليًا، وفي قصة أبي ذر حينما عير رجلاً بأمه، فقال له: "يا ابن السوداء" قال النبي ﷺ: إنك امرؤ فيك جاهلية[3]، فأبو ذر تعجب من هذا على كبر سنه، وقِدم إسلامه، فلا يخرجه ذلك من الإسلام.

والنبي ﷺ أخبر أيضًا أن سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر[4]، فهذه قد توجد في المسلم أو المؤمن، فيكون ذلك نقصًا في إيمانه الواجب، فإذا جاء مثل هذا في النصوص، فيدل على أن إيمانه الواجب قد نقص، بمعنى: أنه يكون من أهل الوعيد إن لم يغفر الله له.

فهنا: من كانت فيه خصلة منهن، كانت فيه خصلة من نفاق، حتى يدعها يعني: يقال: هذا مؤمن فيه صفة من صفات المنافقين، أو فيه شعبة من شعب النفاق.

إذا أؤتمن خان وهذه الأمانة تشمل الأمانة على الأعيان، يعني: أن يعطيه أحد شيئًا يأتمنه عليه، كأن يعطيه مالاً مثلاً، أو ضيعة، أو غير ذلك، فيخون، كأن يجحد هذا مثلاً أو أن يختلس منه، أو نحو ذلك.

وكذلك أيضًا إذا اؤتمن على أسرار الناس خانها، فإذا ائتمنه أحد على أمر من الأمور ألا يفشيه وألا يظهره، خانه في ذلك.

وإذا حدث كذب هذا يدل على أن هذه الأوصاف من ديدنه، وأنها تتكرر، وأن ذلك لم يحصل مرة واحدة إذا حدث كذب فهذا الفعل هنا مبني على الشرط، فيدل على التكرار، وأنه كلما حدث الناس كذب في حديثه معهم.

وإذا عاهد غدر فهو ينكث في العهد، سواء كان هذا العهد مع الله -تبارك وتعالى-، أو كان هذا العهد مع المخلوقين.

وإذا خاصم فجر يفجر بالأيمان، فيحلف مثلاً كاذبًا، ويفجر أيضًا في الخصومة، فيحصل منه لجاج وأذية وتجاوز للحدود التي ينبغي أن يقف عندها، فيصل منه ألوان الأذى لمن خاصمه، ويحصل منه فجور بالقول أو بالفعل، فيتأذى الناس منه، فيكون من شر الناس، وهو: مَن أحسن الناس إليه اتقاء شره.

وإذا نظرت إلى هذه الأمور المذكورة في هذا الحديث، وهي هذه القضايا الأربع، تجد أنها تتصل بالكذب جميعًا، فإذا نظرت إلى الأول، وهو أنه إذا اؤتمن خان فهذا كذب منه، وكذلك أيضًا إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر فهذا أيضًا كذب منه، بمعنى: أنه حصل منه الخلف، وهذا كذب في فعله، وقد يكون من قبيل الكذب بالقول والفعل، وهكذا إذا خاصم فجر يفجر بأيمانه مثلاً، فيكون كاذبًا، يتكلم بكلام لا حقيقة له، وما إلى ذلك، فهذا يتصل بالكذب.

ثم ذكر حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي ﷺ قال: من تحلم بحلم لم يره كلف أن يعقد بين شعيرتين ولن يفعل، ومن استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صب في أذنيه الآنك يوم القيامة، ومن صور صورة عُذب وكلف أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ[5]، رواه البخاري.

قال: تحلم أي: قال: إنه حلم في نومه، ورأى كذا وكذا، وهو كاذب.

و(الآنك) بالمد، وضم النون، وتخفيف الكاف: وهو الرصاص المذاب.

قوله ﷺ: من تحلم بحلم يعني: ادعى منامًا لم يقع، وقد يكون ذلك في الأمور المحبوبة، وقد يكون في الأمور المكروهة، وإن كان الحلم يأتي في الأمور المكروهة في إطلاق أضيق، كما جاء في بعض الأحاديث بأن: الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان[6]، والحلم الذي يكون من الشيطان هو الذي يرى فيه ما يكره، فذلك هو الحلم الذي من الشيطان، لكن هنا والذي يظهر -والله أعلم- أنه أوسع، بمعنى: أنه أرى عينيه ما لم تريا، كما جاء في بعض الأحاديث، ويكون بذلك كاذبًا في المنام، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة[7]، فيكون كاذبًا على الله ، فهي نوع من الوحي، ويكون ذلك كذبًا على الوحي، وهو كاذب على الملك -ملك الرؤيا-؛ ولهذا فإن ذلك يُعد من الكبائر، وقد رتب عليه هذه العقوبة، وما ذكر معه عقوبة خاصة، فإن ذلك يكون سببًا لعده من كبائر الذنوب.

فقال: كلف أن يعقد بين شعيرتين كلف يعني يوم القيامة، كلف وهو يعذب، فيكون ذلك كما قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله- تطويلاً لأمد العذاب، فيعذب بهذا[8].

وقد جاء في بعض الروايات: أنه يدفع إليه شعيرة، فيكلف بأن يعقد بين طرفيها، أو كما قال النبي ﷺ، فهذا الذي يحاول أن يعقد بين طرفي شعيرة -حبة شعير- هذا لا يمكن، كذلك لو أراد أن يعقد بين شعيرتين، هذا لا يمكن، فيكون ذلك تطويلاً لأمد العذاب في النار.

قال: ومن استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون يعني: لا يريدون أن يسمع، سواء كان ذلك الاستماع مباشرة، كأن جلس منهم بمكان يستمع إلى كلامهم، ولم يشعروا به، أو أنه كان يستمع إليهم عبر وسيلة من الوسائل، فهذا لا يجوز، فبعض الناس قد يفعل هذا، ويدخل في هذا أشياء؛ كالذي يخترق أجهزة الناس مثلاً، ثم بعد ذلك ينظر ما بداخلها، ويقرأ كلامهم وأسرارهم، أو أنه يتنصت على اتصالاتهم، أو غير ذلك مما يؤذيهم به، فهو داخل في هذا.

صب في أذنيه الآنك والآنك هنا قال: الرصاص المذاب.

وبعضهم يقول: الرصاص الأسود المذاب، وبعضهم يقول: الرصاص الأبيض المذاب، وبعضهم يقول: الرصاص الخالص المذاب.

يصب في أذنيه، والإنسان لو صب في أذنيه ماء حار لتفقع وتفقأ من ذلك أذنه الطبلة الخارجية والوسطى، وحصل له من الألم والعذاب ما لا يخفى، فكيف بصب الرصاص، نسأل الله العافية، وهذا جعل فيه الجزاء من جنس العمل، وقد جاء ذلك في عقوبات الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- كما مضى في درس التفسير في التعليق على المصباح المنير، من كلام الحافظ ابن كثير -رحمه الله- في كلام في تعذيب الأمم، فقوم لوط قلب الله عليهم أرضهم، وأتبعهم بالحجارة، فهم لما حصل منهم مثل هذا، وأرادوا إخراج لوط ومن معه من قريتهم؛ لأنهم أناس يتطهرون، وهددوه بالعقوبة والرجم، وما إلى ذلك، وكذلك من أرجفوا بنبيهم رُجفت بهم الأرض، إلى غير ذلك، فهنا يعذب بأن يصب في أذنه الآنك.

قال: ومن صوّر صورة عذب وكلف أن ينفخ فيها الروح؛ وليس بنافخ لأنه لا يستطيع، فيكون ذلك تعذيبًا له، يقال له: انفخ فيها، فهذه عقوبة من جنس العمل أيضًا، وقد يكون الإنسان يشهد الزور مثلاً، ونحو ذلك، ولم يذكر فيه مثل هذه العقوبة، فيمن تحلم بحلم: أن يعقد بين شعيرتين، فذاك شهد زورًا، وأخبر عما لا حقيقة له، وهذا أيضًا أخبر عما لا حقيقة له، لكن لما كان هذا كاذبًا على الوحي والنبوة، أو كاذبًا على ربه -تبارك وتعالى-، ذكرت معه هذه العقوبة الخاصة، والله تعالى أعلم، وهذا كله يدل على أنه من الكبائر.

ثم أيضًا هنا قوله ﷺ: من تحلم بحلم لم يره كلف مهما كان المبرر، يعني: قد يكون المبرر عند الإنسان في نفسه، وفي نظره أنه شيء حسن، يريد به الموعظة مثلاً، وهذا يفعله بعض الناس، قد تقول المرأة لزوجها الذي يسرف على نفسه، أو يعمل عملاً محرمًا بأنها رأت فيه رؤيا سيئة كذا وكذا؛ ليخاف، وقد تقوله المرأة لولدها ليتعظ، وقد تقوله المرأة لأخيها من أجل أن ينزجر عن ما يواقعه من الذنوب والجرائم والمعاصي، هذا لا يجوز، وكل هؤلاء متوعدون بهذه العقوبة؛ لأن الغاية لا تبرر الوسيلة، فهذه وسيلة محرمة، لا يجوز للإنسان أن يتخذها ذريعة ليتوصل إلى غاية محمودة بزعمه، ولا يجوز لأحد أن يعظ الناس برؤى كاذبة، مهما كان السبب، وهكذا أيضًا في مثل حديث الصور هذا من صوّر صورة عذب وكلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ الآن هذا الحديث يدل على أنها من الكبائر، يعذب أن ينفخ فيها الروح.

وكذلك الأحاديث الأخرى فيما جاء في التصاوير، وقد مضى الكلام على ذلك في مناسبات شتى، من ذلك قول النبي ﷺ: إن أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون[9]، ويقول: إن أصحاب هذه الصور يوم القيامة يعذبون، فيقال لهم أحيوا ما خلقتم[10] وذكر ﷺ: يخرج عنق من النار يوم القيامة، له عينان يبصر بهما، وأذنان يسمع بهما، ولسان ينطق به، فيقول: إني وكلت بثلاثة: بكل جبار عنيد، وبكل من ادعى مع الله إلها آخر، والمصورين[11]، فأمر بهذه المثابة يدور عند الإنسان بزعمه بين الإباحة وبين كونه من الكبائر العظيمة أيًا كان نوع التصاوير، فمثل هذا حري أن يُترك، وألا يتساهل فيه الناس، وهذا التصوير يدخل فيه أنواع التصوير من الرسم باليد، والتماثيل، ويدخل فيه التصوير الفوتوغرافي، ويدخل فيه التصوير بالفيديو؛ لأن هذه الأنواع جميعًا هي من التصوير، ومن زعم وقال: إن ذلك ليس بمضاهاة لخلق الله، يقال: التصوير ما حُرم لهذه العلة فقط، فلو فرض أن هذه هي العلة، وأن هذه العلة غير موجودة في هذا النوع الجديد من التصوير، فتبقى العلة الثانية، وهو أنه من ذرائع الشرك، وكلما كانت الصورة أكثر مطابقة للواقع، كانت أعظم فتنة، وبلا شك أن النفوس تنشد لما كان أكثر مطابقة للواقع، هؤلاء الذين صوروا ودًا ويغوث ويعوق ونسرًا وسواع... إلخ، وهم رجال صالحون، صورهم ليتذكروهم، ثم عُبدوا بعد أجيال، لو كانت عندهم صور تتحرك يرون فيها يغوث، وود ويعوق... إلخ يتحركون، ويجلسون، ويقومون، وهم يصلون، وهم يصورونهم، وهم يصلون قيام الليل... إلخ، أليس هذا أشد فتنة من صورة مرسومة باليد، أو تمثال؟ أيها أعظم فتنة؟ فكلما كانت الصورة أكثر مطابقة للواقع كانت أعظم فتنة، واعتبر هذا بنفسك، فالصور التي تنشر أحيانًا قبل مائة سنة يقف الإنسان أمامها طويلاً، يتأمل كل شيء، ويعود بالذاكرة إلى تلك الأحداث، ويتأمل تقاطيع وتقاسيم وجوه هؤلاء، وينظر في لباسهم، وأحوالهم، ومراكبهم، وكل شيء، يراه في الصورة فهو ينشد وينجذب لها، لكن لو كانت رسم باليد لم يقف عندها هذا الوقوف، أليس كذلك؟ فكون الصور الحديثة من ذرائع الشرك هذا أوضح وأقوى، وكلما كان الشيء أكثر تحققًا من جهة العلة، كان ذلك أولى بالمنع والتحريم.

المقصود -أيها الأحبة- أمر كهذا تساهل فيه كثير من الناس، فمن قائل من أهل العلم: بأنه من كبائر الذنوب، وأن هذه الأحاديث جميعًا تنطبق عليه، ومن قائل: بأنه مباح، شيء يدور بين هذا وهذا، أليس حريًا بالعاقل أن يتجنبه، وأن يحتاط لنفسه؛ لئلا يقع في مثل قوله: أشد الناس عذابا يوم القيامة فهذه قضية لا ينبغي التساهل فيها.

أما الخروج في البرامج الفضائيات، وما إلى ذلك؛ لنفع الناس لمن هو أهل لهذا، فهذا يؤجر عليه، وهو مطلوب؛ وذلك من قبيل ارتكاب أخف الضررين؛ لدفع أعلاهما، فلا عليه في ذلك حرج، بل هو -إن شاء الله- على خير وأجر، لكن نتحدث عمّا لا يكون كذلك من هذا التوسع الذي صار الناس يقعون فيه، ويتساهلون، والله تعالى أعلم.

وصلى الله على بينا محمد، وآله وصحبه.

  1. أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب علامة المنافق برقم (34) ومسلم في الإيمان، باب بيان خصال المنافق برقم (58).
  2. أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب إطلاق اسم الكفر على الطعن في النسب والنياحة على الميت برقم (67).
  3. أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب المعاصي من أمر الجاهلية، ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك برقم (30) ومسلم في الإيمان والنذور، باب إطعام المملوك مما يأكل برقم (1661).
  4. أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر برقم (48) ومسلم في الإيمان، باب بيان قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((سباب المسلم...)) برقم (64).
  5. أخرجه البخاري في كتاب التعبير، باب من كذب في حلمه برقم (7042).
  6. أخرجه البخاري في كتاب التعبير، باب الحلم من الشيطان، فإذا حلم فليبصق عن يساره، وليستعذ بالله -عز وجل- برقم (7005).
  7. أخرجه البخاري في كتاب التعبير، باب الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة برقم (6988) ومسلم في أوائل الرؤيا برقم (2263).
  8. فتح الباري لابن حجر (12/428).
  9. أخرجه مسلم في كتاب اللباس والزينة، باب لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة برقم (2109).
  10. أخرجه البخاري في كتاب البيوع، باب التجارة فيما يكره لبسه للرجال والنساء برقم (2105) ومسلم في اللباس والزينة، باب تحريم تصوير صورة الحيوان... برقم (2107).
  11. أخرجه أحمد ط الرسالة برقم (8430) وقال محققو المسند: "إسناده صحيح على شرط الشيخين".

مواد ذات صلة