الجمعة 13 / شعبان / 1445 - 23 / فبراير 2024
حديث «إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه..»
مرات الإستماع: 0

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

ففي باب تحريم الرياء أورد المصنف -رحمه الله- حديث أبي هريرة وهو حديث عظيم، ينبغي للمؤمن أن يقف عنده، وأن يعرض نفسه على ذلك، وهو قوله: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد، فأتي به فعرفه نعمته، فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدتُ[1].

عرفه نعمته النعمة هنا مفرد مضاف إلى المعرفة، وهو الضمير، أي عرفه نعمه عليه، هذه النعمة يدخل فيها قوة البدن، العافية، نعمة المال، يدخل فيها سائر ما ينعم الله على العبد من المراكب، والعرض، وما إلى ذلك، عرفه بهذه النعم، أنعمت عليك، تفضلت عليك، ماذا فعلت؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدتُ، قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال: جريء، فقد قيل قال: جريء يعني شجاع، الجرأة هنا المراد بها الشجاعة؛ لأنها قوة القلب وإقدامه، فهذه هي الجراءة التي يمدح فيها الإنسان فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار.

الآن هؤلاء كما جاء في بعض الروايات: أول من تسعر بهم النار يوم القيامة[2] هؤلاء الثلاثة، قبل الزاني والسارق وشارب الخمر، هذا إنسان مجاهد، وقتل، فذهبت نفسه، وذهبت حياته، فخسر في الدنيا، هذه النفس، وهذه الحياة، ولم يعوض عن ذلك في القيامة، بل صارت خسارته مضاعفة، فيكون أول من تسعر بهم النار يوم القيامة قبل أولئك الذين لم يجاهدوا، والذين أسرفوا على أنفسهم بالذنوب والسيئات، فقد قيل، قاتلت؛ لأن يقال: جريء، فقد قيل، قالوا في الدنيا هذه الكلمة: فلان شجاع، فلان ما شاء الله، ثم ماذا ما الذي نفعه ذلك؟ ما أغنى عنه قيل الناس هذا؟

ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم، وعلمه، وقرأ القرآن، فأتي به، فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم، وعلمته، وقرأت فيك القرآن يعني الأول يحتاج إلى شجاعة، ويحتاج إلى قوة بدن، وهذا يحتاج إلى ذهن، يحتاج إلى ذكاء، يحتاج إلى فهم، قال: كذبت، ولكنك تعلمت ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، نسأل الله العافية.

فهذا الإنسان الذي جلس، وتعلم العلم حتى صار له ملكة، بحيث صار يعلم الناس، وقرأ القرآن حتى قيل عنه: إنه قارئ، فمثل هذا يحتاج إلى مواصلة الليل بالنهار، ويحتاج إلى صبر، وفطام للنفس عن كثير من شهواتها، ومألوفاتها، النفس تريد الاسترواح، تريد الدعة، تريد اللهو، تميل إلى الغفلة، هذا لا يخرج مع الناس، ولا يذهب مع الناس، ولا ينبسط مع الناس، ويتنزه، جالس بين هذه الكتب، ويحفظ القرآن، ويطلب العلم، ويصبر نفسه في هذه المجالس، هذا صبر عظيم، ويحتاج إلى تضحيات كثيرة جدًا، ومع ذلك يكون أول من تسعر به النار يوم القيامة.

تعلمت ليقال: عالم، وقرأت ليقال: هو قارئ فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار.

ورجل وسع الله عليه، وأعطاه من أصناف المال فأتي به فعرفه نعمه فعرفها أنعمت عليك بالمال ماذا فعلت؟ قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به، فسحب على وجهه، ثم ألقي في النار[3]. رواه مسلم.

لاحظوا الآن هذه الأعمال الثلاثة، هذا الإنسان بذل نفسه، هذا الأول، أغلى ما يملك الإنسان هو النفس، والثاني: بذل أنفاسه، والأوقات هي الحياة، في طلب العلم، وحفظ القرآن، والاشتغال به، والتعليم، والإقراء، حتى صار حاذقًا يقال له: قارئ، عالم، والثالث: بذل المال، وهو شقيق النفس، والناس كما قال الله : وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا فالنفوس مجبولة على حب المال، فأغلى ما يملك الإنسان هو النفس، ثم المال، والأنفاس في الحقيقة هي العمر، فمن أدرك هذا المعنى صارت أغلى عنده من المال، يعطي الناس من المال، ولا يعطيهم من الوقت؛ لأنه يعطيهم من أنفاسه، يعطيهم من عمره.

فالشاهد: أن هؤلاء ضحوا هذه التضحيات العظيمة، والنتيجة ثم أمر به فسحب على وجهه، ثم ألقي في النار إذا كان هؤلاء الثلاثة أصحاب هذه الأعمال العظيمة بهذه المثابة، فما يقال إذًا في مثل هذا الموضوع الذي هو الإخلاص، والحذر من الرياء؟ فمثل هذا الذي هو الرياء أيها الأحبة أعظم من كبائر الذنوب، فهؤلاء صار لهم هذا الجزاء، والعقوبة قبل أصحاب الكبائر، ما قال: أول من يؤتى به الزاني والسارق وشارب الخمر، الأمثلة الثلاثة التي دائمًا يمثل الناس بها إذا ذكرت الكبائر، ما قال هذا إطلاقًا، وإنما قال: الشهيد في الظاهر، والعالم القارئ، والثالث المنفق الباذل، أجل الأعمال، وفي أفضل من الشهادة؟ أفضل من مراتب العلماء؟ والقارئ إذا كان مع ذلك العلم، والفهم، والمنفق في سبيل الله، لا يوجد أفضل من هذا، هذه أجل الأعمال، وأعلى المراتب بعد النبوة، ومع ذلك أول من تسعر بهم النار يوم القيامة فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا.

هذه قضية مقررة، واضحة، لكن الشيء الذي نحتاج أن نتبينه، وأن نفهمه هو أن من الناس من ينظر إلى هذه الأشياء بنظر سلبي، وهذا خطأ، وهذا النظر السلبي هو أن الإنسان يعرض عن العمل الصالح، ويقول: لماذا أنفق في سبيل الله؟ لماذا أطلب العلم؟ لماذا أقرأ، وأحفظ القرآن؟ لماذا أشتغل؟ ثم في النهاية هذه النتيجة، نقول هذه النتيجة إذا كانت النية فاسدة، لكن إذا كانت النية صالحة فإن ذلك يرفعك في أعلى المراتب، فالشيطان يزين له يلقي في قلبه هذه الوساوس، والخواطر من أجل أن يعرض عن هذه المقامات الرفيعة، فيثنيه عن معالي الأمور خشية الرياء، نقول: لماذا يثنيك؟ لماذا خشية الرياء؟ تترك هذه الأعمال؟ أصلح النية، وهذا السؤال لا يكاد ينقطع أيها الأحبة إلى هذا اليوم، إلى يومي هذا الذي أحدثكم فيه ترد مثل هذه الأسئلة.

نقول: أصلحوا النيات، هذا يقول: أنا في حلقة قرآن، وأنا أحفظ، وقد فتح الله عليّ، ومتقدم على زملائي، وكذا، ولكنه يأتيني الشيطان، فأريد ترك الحلقة حفاظًا على نيتي، وإخلاصي، وقصدي، هذا اليوم لا يكاد يمر يوم إلا وتأتي هذه الأسئلة التي ظاهر منها أن الشيطان يتلاعب بهؤلاء، ويلقي في قلوبهم الوساوس، الحل بسيط استمر، وأصلح النية.

وهذه تقول: أنا أدرس في تحفيظ، ولي قبول كبير عند الطالبات، وزميلاتي، ولي أثر عليهم إيجابي، ويتقبلون مني، ويتأثرون بما أقول، وما أنصح، وإلى آخره، لكنني أخشى على نفسي من الرياء، يحترمونني، ويقدرونني، ويقدمونني، نقول: سبحان الله، تريد أن تترك هذه الأعمال خشية الرياء، نقول: هذا خطأ، أصلحي النية، واستمري، فبعض الناس حينما يسمع مثل هذا الحديث الحل عنده هو القعود عن الأعمال الصالحات، فيبقى بين الحفر، يقعده الشيطان عن الدرجات العالية خشية الرياء، نقول: أخلص لله، ليس الحل بالترك، فهذا ينبغي أن ينتبه له.

أما الدواء العظيم الناجع لمثل هذه البلايا والرزايا، فأقول بثلاثة أشياء، والكلام في هذا يطول، وقد تحدثت تفصيلاً في موضوع الإخلاص، لكن الآن فقط سأشير إلى ثلاث قضايا:

الأول: عليكم بكثرة النظر في معاني الأسماء الحسنى، فمن عرف الله فإنه لا يلتفت إلى شيء سواه، هذه مهمة جدًا.

والأمر الثاني: هو معرفة الخلق المساكين، الضعفاء، وقد قيل، ثم ماذا؟ هؤلاء ما عندهم شيء ينفعون أنفسهم حتى ينفعوك؟ هؤلاء مساكين، فقراء، ضعفاء، فلا تلتفت إليهم، ولا تكترث بهم، اجعل عملك لله هؤلاء لا ينفعون إذا مدحوا، ولا يضرون إذا ذموا، النافع الضار هو الله وحده، فاعرف قدر المخلوقين، اعرف قدر المخلوقين، وإذا أردت أن تعرف حجم المخلوقين هؤلاء انظر إلى الصور الفضائية للأرض تراها قاعًا صفصفًا، شهباء، ليس عليها بنايات، مع أن فيها بنايات، لكن لا يظهر شيء؛ لأن هذا أصغر من أن يظهر، فكيف بالإنسان؟ لا يظهر بهذه الصوة، هؤلاء الدين أصغر من الذر، والهباء يستحقون أن يصرف العمل لهم، ويترك المنعم المتفضل، العظيم الأعظم، صاحب الأوصاف الكاملة الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ إذا استشعر الإنسان هذا هان عليه الخلق.

والأمر الثالث: هو النظر إلى النفس، وتقصيرها، وعيوبها، فلا يكترث الإنسان بالناس، إذا أثنوا عليه، وأعجبوا به، وأطروه، القارئ الكبير، وامتلأت الصفوف، يصلون خلفه، أو هذا العالم الذي يثنون عليه، ماذا يغني عنه هؤلاء، هو أعرف بنفسه، وبذنوبه، وبضعفه، وبتقصيره، لكن أحيانًا يكون العلم مع غفلة، وضعف في البصيرة، فيقع الإنسان، وأحيانًا يكون الإنسان من القراء الحذاق، فيفتن، وتكون هذه القراءة جناية عليه، وقد يكون عند الإنسان أموال طائلة، فيتسلل إليه الشيطان كما يقول بعض أهل العلم، يقول: هؤلاء يحسبون أنفسهم، ويحجزونها عن مواقعة القبائح الظاهرة التي يقع فيها كثير من العامة، فما الذي يحصل؟

النفس تبحث عن استرواح، فيحصل هذا التسلل من طرق خفية، فتجد النفس لذة أعظم من تلك اللذات التي يجدها أولئك في مقارفة المعاصي، والفواحش، والمنكرات، لذة الثناء، والمدح، والشهرة، والإطراء، والتقديم، والتعظيم، وما إلى ذلك، هذه أعظم من لذة هذا الذي يشرب الخمر، أو يأكل القات، أو يأكل شيء من هذه المحرمات، أو يعافسها، أين هذا من هذا؟ فالنفس تتسلل دون أن يشعر، فيحتاج إلى ملاحظة هذه الجوانب -والله المستعان- الشيطان ما يترك أحدًا، ما يترك أحدًا، هذا إنسان مستقيم، وهداه الله وفتح عليه، وأعرض عن الكبائر، والذنوب، والمعاصي، وصار من عباد الله الصالحين، وأعطاه الله صوتًا حسنًا، وحفظ القرآن، وأتقنه، وجاءه الشيطان من هذا الطريق، فأوقعه في أعظم مما أوقع به أولئك الذين يفجرون، ويعصون، وما إلى ذلك، وصار أمام الناس ما شاء الله، من المتقين، وهو يعد نفسه؛ لأن يكون أول من تسعر بهم النار يوم القيامة، هل يشعر.

وقل مثل ذلك في البقية، هداه الله وليس فقط، بل صار يطلب العلم، ولكنه في الواقع يعد نفسه لتلك المرتبة، ليكون أول من تسعر به النار، قبل أولئك الذين يخرجون، ويفعلون أنواع القبائح، والمنكرات.

فهذه أمور يحتاج العبد إلى أن يتفطن لها، الشيطان ما يترك أحدًا، ولا يمكن يظن أحد أنه استطاع أن يتجاوز الشيطان، وأن يسبقه، وأن يغلبه، الشيطان يأتيه من كل طريق، ولو نظر الإنسان في نفسه، وفي حركاته، وسكناته لوجد الشيطان يأتيه من هنا، وهناك طول الوقت، مثل الذئب، رأيتم الذئب يأتي من كل وجه؟ هذا مثله، وأشد، إن رفع يديه يدعو جاء إليه، إن سجد جاء إليه، إن قرأ جاء إليه، إن فتح المصحف جاء إليه، إن حضر في مجلس علم جاء إليه، وهكذا فهو دائمًا في معركة، فيحتاج ألا يضيع سلاحه أبدًا، ولا يغفل، ولا ينام، والله المستعان.

  1. أخرجه البخاري، كتاب الإمارة، باب من قاتل للرياء والسمعة استحق النار، برقم (1905).
  2. أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الزهد، باب ما جاء في الرياء والسمعة، برقم (2382)، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح، برقم (1712).
  3. أخرجه البخاري، كتاب الإمارة، باب من قاتل للرياء والسمعة استحق النار، برقم (1905).

مواد ذات صلة