السبت 10 / ذو القعدة / 1445 - 18 / مايو 2024
حديث «لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب..» إلى "نهى رسول الله عن الجلالة.."
التحميل: 0
مرات الإستماع: 0

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فهذا "باب كراهية تعليق الجرس في البعير وغيره من الدواب، وكراهة استصحاب الكلب والجرس في السفر"، كراهة تعليق الجرس في البعير، والكراهة هنا قصد بها المصنف -رحمه الله- كراهة تنزيه مع أن ظاهر الأحاديث تدل على أن ذلك للتحريم، والعلماء -رحمهم الله- يطلقون الكراهة تارة يريدون بها هذا، وتارة بها هذا.

كراهة تعليق الجرس: الجرس معروف في البعير، والبعير يقال للذكر والأنثى من الإبل، فيقال للجمل بعير، ويقال للناقة بعير.

قال: وغيره من الدواب، وذلك للإطلاق في الحديث، وما جاء فيه خصوص البعير فإن ذلك يمكن أن يكون باعتبار الغالب أنه يعلق فيه، وإلا فالذي يظهر -والله تعالى أعلم- أن العلة واحدة سواء في البعير أو في غيره، وأورد فيه المصنف -رحمه الله- حديثين:

حديث أبي هريرة - قال: قال رسول الله ﷺ: لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب أو جرس[1]، رواه مسلم.

أما الكلب فمعروف ما ورد فيه، وقد مضى في الباب الذي قبله: "باب تحريم اتخاذ الكلب وما جاء فيه من أنه ينقص من أجره في كل يوم قيراطان"، ويمكن أن يكون ذلك لنجاسة الكلب، أو غير ذلك مما ذكر من العلل.

لا تصحب الملائكة، والمقصود هنا بالملائكة ليسوا الحفظة، وإنما الملائكة الذين يسخرهم الله لكلاءة الإنسان، أو الرحمة، أو نحو ذلك، لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب أو جرس، هنا أطلق كلب أو جرس فظاهره أن ذلك يشمل الكلب المأذون فيه، والجرس مطلقًا سواء كان في بعير أو في دابة كالحمير مثلاً، وما العلة في ذلك؟ لماذا الجرس؟ والملائكة لا تصحب الرفقة التي فيها جرس؟

بعضهم يقولون: باعتبار أن الجرس يدل على أصحابه، وإنما يقصد الاستخفاء من العدو كما يذكر السيوطي[2]، وهذا فيه بعد؛ لأن ذلك على سبيل الإطلاق يعني حتى لو كانوا قد ذهبوا في سفر يأمنون فيه كالحج والعمرة، ونحو ذلك، وليس ثمة عدو.

وبعضهم يقول: باعتبار أن الجرس والناقوس أنه شعار النصارى، وأن ذلك في دينهم فيكون تشبهًا بهم.

وبعض أهل العلم يقول: وهذا هو الأقرب -والله تعالى أعلم-، باعتبار أن الجرس من المزامير، ويدل عليه الحديث الذي بعده، وهو حديث أبي هريرة ، أن النبي ﷺ قال: الجرس مزامير الشيطان[3]، رواه مسلم، فدل على أن الجرس من المزامير، لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب أو جرس؛ لكونه من مزامير الشيطان، والله تعالى أعلم.

وقد ذكر بعض أهل العلم غير ذلك من العلل في هذا النهي ولكن هذا هو الأقرب في ذلك والعلم عند الله -، الجرس مزامير الشيطان، وأبو بكر حينما دخل ووجد جاريتين تضربان بالدف في يوم عيد في بيت رسول الله ﷺ قال: "أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله ﷺ"[4]، فالنبي ﷺ أقره على تسميته للدف بمزمور الشيطان، فدل على أن المعازف عمومًا هي مزامير الشيطان، ولكن النبي ﷺ بين له معنى آخر وهو الرخصة في يوم العيد فيما يتصل بالدف خاصة، وإلا فهو مزمور الشيطان، فالجرس مزامير الشيطان، والدف مزامير الشيطان، وما كان أبلغ من ذلك في الطرب ونحو ذلك فهو من مزامير الشيطان.

وقد ذكر بعض أهل العلم علة استصحاب الجرس، أو الرفقة منع استصحاب الجرس، أو قال بعضهم: لما فيه من الأصوات المطربة، ولكونه يلهي ويشغل عن ذكر الله -تبارك وتعالى-، فهو من المزامير، وهذا يرجع إلى المعنى الذي ذكرته آنفًا، والله تعالى أعلم.

فإذا كان الجرس من مزامير الشيطان فإذا وضع ما يحاكيه بأصوات نغمات الجوال مثلاً فله حكمه، وإذا وضع ذلك في جرس الدار فيما يحاكي هذا صوت الجلجل، فإنه يكون له نفس الحكم، وكذلك إذا وضع في مدرسة، أو نحو ذلك فهذا كله يرجع إلى هذا المعنى، والله تعالى أعلم.

 ثم ذكر "باب كراهة ركوب الجلالة، قال: وهي البعير أو الناقة التي تأكل العذرة، فإن أكلت علفًا طاهرًا فطاب لحمها زالت الكراهة"، كراهة ركوب الجلالة هنا الكراهة أيضًا قصد بها المصنف -رحمه الله- وهو من الشافعية كراهة تنزيه فإن الأحناف[5]، والمالكية[6]، والشافعية[7]، يقولون: يجوز أكل لحم الجلالة، ولكنه يكره، وأن الأفضل أن تحبس حتى تأكل طيبًا ثم بعد ذلك تؤكل ولكنه لا يحرم، خلافًا للإمام أحمد[8] فإنه ذهب إلى التحريم، وظواهر هذه النصوص يدل على التحريم، والأصل أن النهي للتحريم إلا لصارف.

"كراهة ركوب الجلالة"، هنا الركوب وذلك لما يحصل بسبب أكلها النجاسات من تغير رائحتها، وعرقها، فينضح جسمها بالنجاسة، فتكون متغيرة.

قال: "وهي البعير أو الناقة التي تأكل العذرة"، وكذلك لو كانت البقرة أو الحمار، أو الشاة، أو كان ذلك فيما هو دونه من الطيور كالدجاج مثلاً تأكل النجاسات، فإنه ينهى عن أكلها.

قال: "فإن أكلت علفًا طاهرًا فطاب لحمها زالت الكراهة".

ثم ذكر حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: "نهى رسول الله ﷺ عن الجلالة في الإبل أن يركب عليها"[9]، رواه أبو داود، بإسناد صحيح.

وكذلك أن يؤكل لحمها، فإذا حُبست حتى يطيب لحمها فلا بأس، أما الطيور مثل: الدجاج فقد جاء عن ابن عمر -رضي الله عنهما-: أنها تحبس ثلاثًا ثلاثة أيام"[10]، تأكل طيبًا في هذه الثلاث ثم بعد ذلك يجوز أكلها وأما الإبل والبقر والغنم ونحو ذلك فورد عن الإمام أحمد -رحمه الله- ثلاثة أيام[11].

وورد عنه رواية: "أنها تحبس أربعين يومًا"[12]، والمشهور عنه أنها تحبس ثلاثة أيام تعطى طعامًا طيبًا حتى يتغير لحمها، وتتغير رائحته فإن تغيرت طاب أكلها، والله تعالى أعلم.

هذا ما يتعلق بهذا الباب، والله تعالى أعلم.

وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.

  1. أخرجه مسلم، كتاب اللباس والزينة، باب كراهة الكلب والجرس في السفر، برقم (2113).
  2. انظر: شرح السيوطي على مسلم (5/153).
  3. أخرجه مسلم، كتاب اللباس والزينة، باب كراهة الكلب والجرس في السفر، برقم (2113).
  4. أخرجه البخاري، أبواب العيدين، باب سنة العيدين لأهل الإسلام، برقم (95)، ومسلم واللفظ له، كتاب صلاة العيدين، باب الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه في أيام العيد، برقم (892).
  5. انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (1/64)، والبحر الرائق شرح كنز الدقائق (1/134).
  6. انظر: البيان والتحصيل (3/369)، والذخيرة للقرافي (4/104)، والتاج والإكليل لمختصر خليل (4/346).
  7. اللباب في الفقه الشافعي (ص: 391)، والمجموع شرح المهذب (9/28)، و(9/30)، وروضة الطالبين وعمدة المفتين (3/278).
  8. انظر: المغني لابن قدامة (9/413)، والمجموع شرح المهذب (9/30).
  9. أخرجه أبو داود، كتاب الجهاد، باب في ركوب الجلالة، برقم (2558)، وبرقم (3787)، كتاب الأطعمة، باب النهي عن أكل الجلالة وألبانها، وابن ماجه، أبواب الذبائح، باب النهي عن لحوم الجلالة، برقم (3189)، والحاكم في المستدرك، برقم (2249)، وقال الألباني: "إسناده حسن صحيح"، في صحيح أبي داود، برقم (2306)، وصححه في صحيح الجامع، برقم (6875).
  10. أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، برقم (24608)، وصححه الألباني في إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل (8/151)، برقم (2505).
  11. انظر: المغني لابن قدامة (9/414).
  12. انظر: المغني لابن قدامة (9/414).

مواد ذات صلة