الجمعة 13 / شعبان / 1445 - 23 / فبراير 2024
حديث «لا تسبي الحمى فإنها تذهب خطايا بني آدم..» إلى «لا تسبوا الديك..»
التحميل: 0
مرات الإستماع: 0

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعدُ:

فهذا "باب كراهة سب الحمى" والكراهة هنا بعض أهل العلم أطلقها وأراد بها: كراهة التنزيه، وهذا في غاية الغرابة؛ لأن النهي جاء مصرحًا به، والأصل أن يُحمل على التحريم، ولا يعلم صارف لذلك.

وكذلك أيضًا ما يتعلّق بسب الحمى، والحديث -كما سيأتي- الذي أورده المصنف -رحمه الله- أنها دعت وقالت: "لا بارك الله فيها" فقال النبي ﷺ: لا تسبي الحمى فعقد المصنف -رحمه الله- ترجمة هذا الباب بناء على هذه اللفظة النبوية، واعتبر النبي ﷺ هذا الدعاء سبًا، فإن السب هو إضافة الأمور المكروهة والمذمومة، وما إلى ذلك للغير، ويدخل فيه الدعاء عليه بما يكره.

والحمى: مرض معروف، لا يحتاج إلى تفسير.

فجابر يقول بأن النبي ﷺ دخل على أم السائب، أو أم المسيِّب، وبعضهم يضبطه المسيَّب فقال: مالكِ يا أم السائب، أو يا أم المسيب يعني: على الشك من الراوي تزفزفين؟ قالت: "الحمى، لا بارك الله فيها" فقال: لا تسبي الحمى، فإنها تذهب خطايا بني آدم، كما يذهب الكير خبث الحديد[1].

قوله ﷺ: يا أم السائب مالكِ تزفزفين؟ يعني: تتحركين بطريقة تحصل للمريض، بمعنى: ترتعشين، تتحرك حركة سريعة، تضطرب معها الأطراف، وما إلى ذلك من غير إرادة، فهذا هو الارتعاش، يعني: أنها ترتعد، وجاء في بعض ألفاظه بالراء ترفرفين[2]، وهو بمعناه.

مالكِ تزفزفين فقالت: "الحمى، لا بارك الله فيها" فنهاها النبي ﷺ عن سبها، ثم بيّن ذلك بقوله: فإنها تذهب خطايا بني آدم فالفاء هنا تدل على تعليل النهي عن السب؛ لماذا لا تسب الحمى؟ قد يقول قائل: لا تسب الحمى؛ لأنها أمر قدره الله على الإنسان، ففي هذا اعتراض على قدر الله -تبارك وتعالى-، وتضجر من القدر المكروه.

لكن النبي ﷺ ذكر العلة هنا، فقال: فإنها تذهب خطايا بني آدم، كما يذهب الكير خبث الحديد والكير: نار الحداد، فيذهب ما في الحديد من الشوائب؛ ولذلك كان الرجل إذا برئ من الحمى كان السلف يقولون له: ليهنك البرء، يعني: من الذنوب، فكان ذلك بمقتضى هذا الحديث: أن الإنسان يخرج بعد الحمى سليمًا نقيًا من الذنوب،

كما يفعل هذا الكير الذي للحداد للحديد، فيستخرج خبثه، فالكير الذي يوقده الحداد هي نار قوية جدًا تؤثر في الحديد، وتزيل ما داخله، فهذه الحمى هي بهذه المنزلة، فيخرج الإنسان نقيًا، فصار هذا من جملة مكفرات الذنوب، الذنوب تكفر بالتوبة، وبالاستغفار، وبالحمى، وبالمصائب المكفرة، وبالحسنات العظيمة الماحية، وكذلك بمغفرة الله ، وما إلى ذلك من المكفرات، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- عشرة منها.

ثم قال: "باب النهي عن سب الريح، وبيان ما يقال عند هبوبها".

"النهي عن سب الريح" والريح معروفة، هي الهواء الذي يندفع ويتحرك بقوة.

وبعضهم يقول: الريح إذا ذُكرت في القرآن، فهي للعذاب، وإذا ذُكرت الرياح، فهي للرحمة، وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ [الأعراف:57].

وأما العذاب فإن الله -تبارك وتعالى- أخبر أنه أرسل على عاد الرِّيحَ الْعَقِيمَ [الذاريات:41] ولكن هذا ليس باطراد، كما في قوله -تبارك وتعالى-: حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ [يونس:22] فذكر الريح الطيبة، لكن لو قيل: إن الأغلب في الاستعمال أن الريح في القرآن تأتي للعذاب، ولكن ذلك ليس بمطرد، وهذا ما يسمونه بكليات القرآن، فإن هذه الكليات يقال: كل ريح في القرآن فهي للعذاب، لكن منها ما له مستثنيات، فيقال: إلا في الموضع الفلاني، ومنها: ما لا يصح الاستثناء منه؛ لكثرة ما يخرج عن ذلك، يعني: أنه لا يصح أصلاً، حتى مع الاستثناء، ومنها: ما يكون كليًا، بمعنى الكلية باطراد، فهي على هذه الأنواع الثلاثة.

فهنا قال: لا تسبوا الريح، فإذا رأيتم ما تكرهون، فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح، وخير ما فيها، وخير ما أمرت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح، وشر ما فيها، وشر ما أمرت به[3]، رواه الترمذي، وقال: "حديث حسن صحيح".

هذا الحديث يدل على ما ذكرت: أن الريح لا تأتي دائمًا للعذاب، وإنما تأتي تارة للعذاب، وتارة للرحمة، وقوله ﷺ: لا تسبوا الريح هذا نهي، والأصل أنه للتحريم، إلا لصارف، مع أن بعض أهل العلم يقولون: أن هذا نهي للتنزيه، ولا دليل على ذلك، فلا يوجد ما يصرفه من التحريم إلى التنزيه لا تسبوا الريح لأن سب الريح إنما هو سب لمصرفها، فإنها لا تصرف لها بنفسها، كما جاء النهي عن سب الدهر.

قال: فإذا رأيتم ما تكرهون فهنا نهاهم عن شيء، وأمرهم بشيء، كما هي عادة الشارع يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا [البقرة:104] فأعطاهم البديل، وهذا كثير في الكتاب والسنة؛ ولما جاء بلال بتمر جنيب، وسأله النبي ﷺ: أكل تمر خيبر هكذا؟ فقال: لا والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، بالثلاثة، فقال: لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبًا[4]، والجنيب: هو الجيد من التمر، فعلمه البديل عن ذلك، والأمثلة على هذا كثيرة.

فهنا علمهم ما يقولون بدلاً من السب الذي نهاهم عنه، فقال: قولوا لأن هذا السب لا نفع فيه، وهي لا تدبير لها، فماذا ينتفعون بهذا السب، فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح، وخير ما فيها مثل بعض الناس وبعض النساء أحيانًا تشتط تدعو على زوجها، فيقال: ادعي له بالهداية، فإذا هداه الله كان صالحًا لك ولولدك، لكن نفسها أحيانًا لا تحتمل، فتدعو عليه بالويل، والثبور، والخراب، والهلاك، وما إلى ذلك، مع أنها لا تنتفع من هذا، فهؤلاء الذين يسبون الريح لا ينتفعون بذلك، لكن لو قالوا كما قال النبي ﷺ لكان خيرًا لهم.

اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح، وخير ما فيها فإنها هذه الرياح تبرد الهواء، ويحصل بها نفع للناس، بإزالة العوالق، وما إلى ذلك، وكذلك دفع كثير من الأوضار والعلل والأوبئة، ويحصل بها تأبير النخيل، وتلقيح الأشجار، ويحصل بها أيضًا تلقيح السحاب إلى غير ذلك من الأمور الكثيرة.

وخير ما أمرت به يعني: من الرحمة والخير، فتجمع متفرق السحاب، وتسوقه حيث شاء الله -تبارك وتعالى-.

ونعوذ بك من شر هذه الريح فإن هذه الريح قد يكون فيها العذاب، كما أرسلها الله على عاد، والنبي ﷺ قال: نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور[5]، والصبا هي الريح التي تأتي من المشرق، يعني: التي تستقبل وجه الكعبة، فهذه هي الصبا، وما عن يمين الكعبة يقال لها: الجنوب، وما عن شمالها يقال لها: الشمال، ومن ناحية الخلف -يعني: غرب الكعبة- يقال لها: الدبور نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور فريح الصبا وريح الدبور هذه من المشرق، وهذه من المغرب، فريح الشمال تأتي من الشمال، وهي باردة يابسة، وريح الجنوب بخلاف ذلك، والريح التي تأتي من الغرب تكون حارة وجافة، والريح التي تأتي من الشرق تكون بعكس ذلك.

قال: ونعوذ بك من شر هذه الريح، وشر ما فيها، وشر ما أمرت به ما الذي أمرت به هذه الريح؟ قد تفرق السحاب، وقد تقلع الأشجار، وقد تهدم البيوت، وقد تسبب طوفانًا، وما إلى ذلك، فهذه أمور تحصل والتاريخ مليء بمثل هذه الأشياء على مر الدهور، ومن قرأ في كتاب من كتب التاريخ مثل كتاب البداية والنهاية لابن كثير يجد أشياء عجيبة جدًا، يعني: البحر يحصل له جزر بعيدًا جدًا، فيدخل يلتقطون اللؤلؤ يدخلون في داخل البحر ثم يرجع البحر عليهم، فيغرقون، هذا موجود ومذكور في كتاب البداية والنهاية، وأمور عجيبة جدًا، الرياح تهب فتقتلع البنيان، وتقتلع السقوف، ويذكرون أشياء وأحداث عجيبة جدًا.

ثم ذكر حديث أبي هريرة قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: الريح من روح الله، تأتي بالرحمة من روح الله يعني: من رحمته لَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ [يوسف:87] يعني: من رحمته وتأتي بالعذاب، فإذا رأيتموها، فلا تسبوها، وسلوا الله خيرها، واستعيذوا بالله من شرها[6]، رواه أبو داود، بإسناد حسن.

وهذه الرحمة بالعباد بهذه الريح -كما سبق- يحصل بها هذه المنافع المتنوعة، ويحصل بها أيضًا هلاك المجرمين والظالمين والكافرين، فكما نشاهد من هذه الرياح العاتية، والأعاصير المدمرة التي تحصل لهؤلاء الكفار.

ثم ذكر حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان النبي ﷺ إذا عصفت الريح، قال: اللهم إني أسألك خيرها، وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها، وما شر فيها، وشر ما أرسلت به[7]، رواه مسلم.

فذاك تعليم من النبي ﷺ للأمة، وهذا من فعله ﷺ وقوله، وتطبيقه -عليه الصلاة والسلام- في مثل هذا المقام.

ثم ذكر بعد ذلك "باب كراهة سب الديك":

وهذا الكراهة حملها بعضهم على كراهة التنزيه، ولا أعلم صارفًا لذلك.

وفيه حديث واحد، وهو حديث زيد بن خالد الجهني قال: قال رسول الله ﷺ: لا تسبوا الديك، فإنه يوقظ للصلاة[8]، رواه أبو داود، بإسناد صحيح.

لا تسبوا الديك لماذا يسب بعض الناس الديك؟ لربما أزعجه؛ لأنه يؤذن في أوقات من الليل، فالديك الذي يؤذن بطريقة منضبطة يقطع الليل أثلاثًا، فلا يحتاج الإنسان إلى ساعة، ويؤذن بدقة، ويوقظ لصلاة الفجر، كما قال النبي ﷺ: ويوقظ لصلاة فالنبي ﷺ قال معللاً للنهي عن سب الديك: فإنه يوقظ للصلاة فهذه علة ذكرها النبي ﷺ، ولا يمنع من أن يكون هناك أيضًا أمور أخرى، مثل ما سبق في مسألة الحمى؛ لأنها لا تتصرف من نفسها، فيعود ذلك إلى مدبرها، يعني: السب وهو تسخط على القدر، فكذلك هنا في سب الديك فإنه يوقظ للصلاة وكذلك جاء في الحديث الآخر، وإن لم مقترنًا بالنهي عن السب إذا سمعتم صياح الديكة، فاسألوا الله من فضله، فإنها ترى ما لا ترون[9]، يعني: ترى الملائكة، فالديك إذا سمع صوته، وجاء مقيدًا ذلك في بعض الروايات بالليل، فإذا صاحت الديكة بالليل، فمعنى ذلك أنها رأت الملائكة، والله تعالى أعلم.

وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

  1. أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض... برقم (2575).
  2. أخرجه ابن حبان في كتاب الجنائز وما يتعلق بها مقدما أو مؤخرا، باب ما جاء في الصبر وثواب الأمراض والأعراض، ذكر كراهية سب ألم الحمى لذهاب خطاياه بها برقم (2938) وصححه الألباني.
  3. أخرجه الترمذي ت شاكر في أبواب الفتن، باب ما جاء في النهي عن سب الرياح برقم (2252) وصححه الألباني.
  4. أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب استعمال النبي -صلى الله عليه وسلم- على أهل خيبر برقم (4244) ومسلم في كتاب المساقاة، باب بيع الطعام مثلاً بمثل برقم (1593).
  5. أخرجه البخاري في أبواب الاستسقاء، باب قول النبي -صلى الله عليه وسلم- نصرت بالصبا برقم (1035) ومسلم في كتاب صلاة الاستسقاء، باب في ريح الصبا والدبور برقم (900).
  6. أخرجه أبي داود في أبواب النوم، باب ما يقول إذا هاجت الريح برقم (5097) وصححه الألباني.
  7. أخرجه مسلم في كتاب صلاة الاستسقاء، باب التعوذ عند رؤية الريح والغيم، والفرح بالمطر برقم (899).
  8. أخرجه أبو داود في أبواب النوم، باب ما جاء في الديك والبهائم برقم (5101) وصححه الألباني.
  9. أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق، باب خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال برقم (3303) ومسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة، باب استحباب الدعاء عند صياح الديك برقم (2729).

مواد ذات صلة