الجمعة 13 / شعبان / 1445 - 23 / فبراير 2024
حديث «هلك المتنطعون..» إلى «إن من أحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلسًا..»
التحميل: 0
مرات الإستماع: 0

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فهذا "باب كراهة التقعير في الكلام، والتشدق فيه، وتكلف الفصاحة، واستعمال وحشي اللغة، ودقائق الإعراب في مخاطبة العوام ونحوهم".

"باب كراهة التقعير في الكلام" بمعنى: أنه يتنطع ويتكلف في اختيار الألفاظ، ومخارج الحروف؛ لإظهار الفصاحة والبلاغة، فيأتي الكلام متكلفًا، ولا يتكلم على سجيته، والعرب كانوا يكرهون ذلك، ويعيبونه في الشعر، وفي النثر، وكان الشاعر عندهم هو الذي يلقي الكلام على عواهنه، والقصيدة على سجيته في مناسبتها، بمعنى: أنه لا يرتب الألفاظ، ولا يغير فيزيد وينقص، ويبدل من هذه القصيدة، ثم يخرجها للناس، هذا هو الشاعر الفحل المفلق عندهم، وكانوا يمدحونه بهذا، كما ذكر هذا جماعة من أئمة اللغة، كابن قتيبة، وغيره.

وكان الشاعر الذي يحسن القصيدة، فيعيد النظر فيها، ويهيئها، ثم يخرجها للناس، لا يكون شعره عندهم بتلك المنزلة؛ ولهذا هبطت مراتب بعض الشعراء عند العرب، قالوا: لأنه كان يهيأ قصيدته قبل أن يقولها، يعني: يكتبها قبل، وينقحها، ثم يقولها للناس.

أما الشاعر المتخير عندهم هو الذي يلقيها على السجية، فهذا الفحل من فحول الشعراء، وعلى جودة شعر بعض العرب المشاهير جدًا، إلا أن شعرهم لم يكن بتلك المنزلة عند أئمة هذا الشأن، قالوا: لأنه كان يهيئ قصائده وشعره.

وهكذا الخطيب حينما يقال: خطيب يرتجل الخطبة، ليس معناه ذاك الذي يحظرها، ولربما حفظها عن ظهر قلب، ثم يلقيها من غير ورقة على المنبر، هذه لا يقال له: ارتجال، وإنما الارتجال عند العرب في الخطبة هو الذي يلقي الخطبة إذا حانت المناسبة من غير أن يهيئ كلامًا سابقًا، ومن غير إعداد، جاءت مناسبة فقام وتكلم، وخطب، أو رأى شيئًا فقام وتكلم، أو قيل له: قم فاخطب، فقام وخطب، فهذا يقال له: ارتجال.

أما الخطبة المحضرة يلقيها من غير ورقة، هذا لا يقال له: مرتجل عند العرب، ولكنه هيأها وحفظها؛ ولهذا نحن نقول للخطباء: لربما يكون الإلقاء من أوراق أفضل؛ لأن الخطباء الذين يلقون بإعداد هذا لا يقال له: ارتجال، ثم إن الإلقاء بورقة أصلح لنية الإنسان، بحيث لا يدخله عجب، وأبعد ما يكون عن الرياء.

والأمر الثالث: أن الإلقاء بورقة أضبط فيما يقوله، فلا يخرج عن الموضوع، ويتشتت ويستطرد في أشياء ويجره الكلام إلى أمور لم يردها ابتداء، ثم بعد ذلك قد يذهب عليه بعض مضامين الخطبة، التي أراد أن يلقيها على مسامع الناس، خاصة الذين لا ينضبطون في كلامهم، أو قد ينسى كثيرًا من النصوص، ولا يحفظها، وكذلك المنقولات، حتى يأتي بها على وجهها، من غير تبديل، ولا تحريف، ولا زيادة، ولا نقصان، فيكون قائلاً على هؤلاء العلماء، ومضيفًا إليهم أشياء لم يقولوها.

فالمقصود: أن العرب من عادتهم كما يقول الشاطبي: " كانوا يرمون بالكلام على عواهنه"[1]، يعني: من غير تنقير ولا تدقيق، ولا يشقون الشعرة والشعيرة، فينقرون ذلك التنقير الذي حصل للمتأخرين، وإنما كانوا يلقون كلامًا جزلاً من غير تقعر فيه.

والتقعر: التعمق في الكلام والإلقاء وطريقة الإلقاء، واختيار العبارات، وما إلى ذلك.

"والتشدق فيه" كأنه يخرج الكلام من شدقه؛ لأنه يتفاصح جدًا، فيلوك العبارات والكلمات بطريقة، يتفنن في مخارجها من أطراف فيه؛ لشدة تنطعه وتكلفه، كأنه يخرج الكلام من طرف شدقه، من جانب الفم، وهذا أمر مذموم ليست القضية أن يكون الكلام منمقًا، إنما القضية أن يكون الكلام واضحًا يفهمه المخاطب، ويصل إلى قلبه، فهذه ثلاثة أشياء، فإذا وفق الخطيب لها مع الصواب في مضامين هذا الكلام، فهذا هو الكمال.

أما القوالب، وتزيينها، والعناية بها، دون أن يكون للمضامين شأن يذكر، فإن مثل هذا لا يكون ممدوحًا، وكذلك أيضًا إذا كان هذا الكلام الذي يقوله لا يصل إلى قلوب السامعين، فإنه لا فائدة فيه حينما يطرق الأسماع طرقًا مجردًا، ولا يصل إلى القلوب، فتجد الناس يخرجون من الخطبة كما دخلوا، لم يحصل لهم تأثر بهذه الخطبة، ولم تتغير أحوالهم، ولم تتغير قلوبهم؛ لأنها طرقت أسماعهم، هذه ممكن أن تُورث الناس ثقافة، وتورث الناس معلومات، لكن المقصود بالخطبة أن تصل إلى القلوب؛ لأنها موعظة، وهذا أمر يتوقف على أشياء أخرى غير الكلام، والقوالب اللفظية: صدق الإنسان، ومحبة الخير للناس، ومحبة النصح لهم، وليست الخطبة عنده هي مجرد عبء يريد أن يلقيه عن كاهله، ينتظر متى يخرج من الخطبة، يكون أدى ما عليه، ثم هو يسحبها من الإنترنت، من أحد مواقع الخطابة لا يتكلف بشيء، ثم يأتي ويقرأها على الناس، هذه قضية لا يعجز عنها أحد، إن لم تكن الخطبة همًا يعيشه الإنسان، ويجول في داخله، أو الموضوع الذي يلقيه، أو المحاضرة، أو نحو ذلك، هي قضية تتلجج في نفسه، وقضية يعيشها، وهو هم يحمله، ثم بعد ذلك يوجد عنده النية الصحيحة، والإخلاص لله رب العالمين، مع الصدق، ومحبة الخير وإيصال الحق للناس، وهداية الخلق، فإذا وجد هذا مع كلام واضح، ومضامين صحيحة، فهذه هي الخطبة النافعة التي يخرج الناس، وقد انتفعوا صورة ومعنى.

فهنا "التقعر في الكلام" ويدخل فيه التقعر في الكتابة، يتخير العبارات النادرة، والعبارات الوحشية، يعني: غير المألوفة التي يحتاج الناس إلى قواميس حتى يفهموها.

"التقعر في الكلام، والتشدق فيه، وتكلف الفصاحة" يعني: هو ليس بفصيح، الفصيح لا إشكال، لكنه يتكلف ذلك، فإذا تكلف ذلك هذا أمر مدرك لدى الناس، فالناس يميزون بين الفصيح وغير الفصيح، فغير الفصيح حينما يحاول أن يتفاصح يكون ذلك مرفوضًا، تنبو عنه الأسماع، ولا تقبله القلوب، ولا يصل إليها، والإنسان لا يستطيع أن ينفك من حاله، وكل من لبس ثوبًا له، فإن ذلك يكون شينًا في حقه، وإلا فإن الإنسان إذا اعتاد أن يقرأ في بعض القراءات، فإنها تُؤثر فيه، ولا بدّ، يعني: مثلاً من يقرأ كثيرًا لابن جرير الطبري مثلاً كبير المفسرين، وابن قتيبة، والفارسي، وأمثال هؤلاء بتلك الطبقات، سيجد أن العبارات التي يستعملونها من غير إرادة، هي متأثرة بطريقة كلامهم.

والذي يقرأ كثيرًا لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- سيجد أن عباراته وكلماته وإلقاءه متأثر بهذه الطريقة، وهي طريقة قوية وراقية، قد لا يفهمها كثير من العامة.

والذي يقرأ كثيرًا للشاطبي، كذلك أيضًا سيتأثر ولا بدّ، والذي يقرأ لمثل ابن القيم سيجد أنه عنده من المعاني العذبة، والألفاظ اللطيفة، التي تروق السامعين، وتستهويهم، وينتفعون بها، ولا يشكل عليهم فهمها وما إلى ذلك.

"وتكلف الفصاحة، واستعمال وحشي اللغة" وحشي اللغة: الألفاظ التي لم تألفها الأسماع، يعني: يأتي بها نادرة الاستعمال في اللغة.

"ودقائق الإعراب" بمعنى: أنه يركب الكلام بتراكيب يصعب فهمها من جهة مراد المتكلم، إلا بالأعاريب الغامضة والدقيقة الصعبة؛ لأنه أحيانًا يتوقف الكلام كما يقال الإعراب تحت المعنى، فأحيانًا يتوقف فهم الكلام على الإعراب، فأحيانًا تحتاج إلى عملية حتى تفهم أن هذا الفاعل، وأن هذا هو المفعول به، وأن هذا يراد به التمييز، وأن هذا كذا، حتى تفهم الجملة، ماذا يقصد؟

فتجد بعض العبارات أحيانًا فيها صعوبة؛ لأنها مبنية على دقائق الإعراب، لا يفهمها إلا العالم في اللغة، أما بقية الناس فقد لا يفهمون ذلك.

قال: "في مخاطبة العوام، ونحوهم" يقصد أنه إذا خاطب علماء لا إشكال، ويحتجون بهذا أن بعض أهل العلم في كتاباتهم، ونحو ذلك، كانوا يستعملون مثل هذه العبارات، لكن الأحاديث والنصوص التي ورد فيها الذم للتكلف مطلقًا، يدخل فيها مخاطبة العوام، ومخاطبة العلماء، لا فرق، والله أعلم، لكنه في حق العامة أشد؛ لأن هؤلاء لا يفهمونها، فلا فائدة من الكلام إذًا.

ثم ذكر حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: هلك المتنطعون قالها ثلاثًا[2]، رواه مسلم.

والمقصود بالمتنطعين هنا ليس في الكلام فقط، وإنما يقصد المبالغين في الأمور مطلقًا، ويدخل فيه التنطع في الكلام، والتنطع في الكتابة؛ لأن القلم أحد اللسانين، ويدخل فيه التنطع في السؤال، يسأل بتكلف، وينقر عن أمور لم يكلفه الله بالسؤال عنها، ويسأل عن أشياء لا شأن له بها، أين الجنة التي أخرج منها آدم؟ وما لون كلب أصحاب الكهف؟ وأين موقع الكهف؟ وأين رست سفينة نوح؟ وما نوع الخشب الذي بنيت منه السفينة؟ وكم عدد الطوابق والأدوار؟ ويسأل أسئلة لم يطالب بها، ولم يكلف بها، والله -تبارك وتعالى- تركها، وأعرض عنها؛ لأنه لا فائدة فيها.

هلك المتنطعون يتنطع بالسؤال، حتى الخصومة، ويتنطع في قضايا كالصلح، ويتنطع في مطالبته بالحقوق، يعني: يطالب بالدقيق والجليل، يشق الشعر والشعيرة كما يقال، ويتنطع في الشرح، يفكك الألفاظ بطريقة متكلفة، ويحلل الحروف والعبارات، ويطول ذلك جدًا، فيتحول هذا الشرح إلى موسوعة ضخمة، يفكك فيها كل حرف، وكل كلمة، ويستطرد، ويتكلم عن هذه القضية، وهي ليست في صلب الموضوع -الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، مقدمة الكتاب يجلس فيها دروسًا متعددة، يشرح (أل) هذه ما هي؟ وما معنى الحمد؟ وما الفرق بينه وبين الشكر؟ هذا وما دخلنا في الموضوع، هذه بداية المقدمة، فكيف إذا دخلنا في الموضوع؟! فهذا كله من التنطع، وهكذا التنطع في التعبد، وفي التكلف، فيه بأمور لم يكلف الله الإنسان، ويحمل نفسه من العبادة ما لا يطيق، ويتعبد بطريقة لم يتعبد بها النبي ﷺ، ويحرم أشياء على نفسه من الحلال والطيبات، هذا كله من التنطع، إلى غير ذلك.

قال: وعن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- أن رسول الله ﷺ قال: إن الله يبغض البليغ من الرجال لا يبغض البليغ؛ لأن البلاغة صفة كمال، والنبي ﷺ كان من أهل البلاغة والفصاحة، وأتي جوامع الكلم، لكن أي بليغ؟ يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة[3]، كيف تتخلل البقرة؟ تلف العلف بلسانها، فعنده لسان مطرق، لسان يستطيع أن يدير فيه الكلام، بأي طريقة يريد؛ لشدة فصاحته، فيتلاعب بالموجودين، وبقلوبهم، وأسماعهم، وعقولهم، ويأتي بأفانين الاستعمالات اللغوية من غير حاجة، إنما هو نوع من الاستعراض والقدرات اللسانية والبلاغية، يستعرض ذلك بلسانه، فهذا شيء بغيض إلى الله -تبارك وتعالى-.

وفي الحديث الأخير في هذا الباب:

قال: وعن جابر أن رسول الله ﷺ قال: إن من أحبكم إليّ، وأقربكم مني مجلسًا، يوم القيامة، أحاسنكم أخلاقًا وهذا مضى الكلام عليه، وليس الباب هنا في حسن الخلق، فقد مضى الكلام على حسن الخلق في مناسبة، وباب سابق.

قال: وإن أبغضكم إليّ وأبعدكم مني يوم القيامة لاحظ هذا أبغض الناس إلى النبي ﷺ، من هو؟ وأبعدكم مني يوم القيامة هذا أمر ليس بالسهل، قال: الثرثارون[4] الثرثار هو كثير الثرثرة، وكثير الكلام، يتكلم كثير فيما يعنى وما لا يعني، وما يحتاج إليه وما لا يحتاج إليه، فيما فيه فائدة، وما لا فائدة فيه، المهم أن اللسان يتكلم، وإذا رأيت الرجل أو المرأة يتكلم كثيرًا، فاعلم أن ذلك لضعف في عقله؛ ولذلك في أمثال العرب كثير ما مضمونه: أن قلة الكلام، وطول الصمت أمارة على كمال العقل، فهذا الذي يتكلم يكون لسانه قائده، فالكلمات تسبق العقل، فلا يكون خطام ولا زمام، منطلقة، فهو يتبعها، وكل ما يتعنى في باله تكلم به، فهذا اللسان يتحرك كثيرًا، فهذا اللسان الذي يتحرك كثيرًا ثرثار، معنى ذلك أنه سيقع في الأعراض، وسيقع في أمور لا يحل له الخوض فيها؛ ولهذا قال النبي ﷺ: وهل يكب الناس على وجوههم في النار، إلا حصائد ألسنتهم[5]، فهذا اللسان من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة[6]، ما بين لحييه يعني: اللسان هذا، الذي جعل الله عليه هذه الأبواب: الأسنان، وجعل الشفتين كلها أغلاق على هذا اللسان، ومع ذلك لا يكاد يتوقف.

الثرثارون والمتشدقون الذي كأنه يتكلم من جانب فمه، يتفاصح.

والمتفيهقون المتفيهق أصل هذه المادة التي هي (فهق) تدل على الامتلاء، يعني: كأنه الذي يملأ فمه بالكلمات لشدة تفاصحه، فهو متكلف، لما يتكلم يتكلم بطريقة يملأ فمه بالعبارات؛ لشدة تفاصحه، وكأنه لعظم وثوقه بنفسه، يريد أن يملأ المكان بكلامه، فيتكلم بهذه الطريقة.

والجامع لهذه الأشياء كلها هو التكلف، وقد مضى باب في الكلام عن التكلف، يتكلف إذا تكلم، والذي يتكلف في الكلام، أو يتكلف في القراءة، في الصلاة، أو في خارج الصلاة، يعني: يقرأ بطريقة متكلفة، هذا أمر غير محمود، يعني: يتكلف في مخارج الحروف، ويتكلف في المدود، ويتكلف في الغنة، والإدغام، والإخفاء، وما إلى ذلك، فهذا أمر مذموم في القراءة، وقد نهينا عن التكلف كما في البخاري عن عمر موقوفًا[7]، والله تعالى أعلم.

وصلى الله وسلم على محمد، وعلى آله وصحبه.

  1. الموافقات (1/70).
  2. أخرجه مسلم في كتاب العلم، باب هلك المتنطعون برقم (2670).
  3. أخرجه الترمذي ت شاكر في في أبواب الأدب، باب ما جاء الفصاحة والبيان برقم (2853) وأبو داود في كتاب الأدب، باب ما جاء في المتشدق في الكلام (5005) وصححه الألباني.
  4. أخرجه الترمذي ت شاكر في أبواب البر والصلة، باب ما جاء في معالي الأخلاق برقم (2018) وصححه الألباني.
  5. أخرجه ابن ماجه في كتاب الفتن، باب كف اللسان في الفتنة برقم (3973) وسنن الترمذي ت شاكر في أبواب الإيمان، باب ما جاء في حرمة الصلاة برقم (2616) وصححه الألباني.
  6. أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب حفظ اللسان برقم (6474).
  7. أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعنيه برقم (7293).

مواد ذات صلة