الأحد 22 / شعبان / 1445 - 03 / مارس 2024
حديث «خلق الله التربة يوم السبت..» إلى «الحمى من فيح جهنم..»
التحميل: 0
مرات الإستماع: 0

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فعن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي، فقال: خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة، في آخر الخلق، في آخر ساعة من النهار، فيما بين العصر إلى الليل[1] رواه مسلم.

هذا الحديث فيه إشكال معروف، وذلك أن الله -تبارك وتعالى- أخبر أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وجاء تفصيل ذلك في كتاب الله -تبارك وتعالى-: أنه خلق الأرض في يومين، ثم استوى إلى السماء، فخلقها أيضًا في يومين، ثم دحا الأرض وقدر فيها أقواتها في يومين: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا [النازعات:30] فالخلق هكذا خلق الأرض أولاً، ثم خلق السماء، ثم بعد ذلك قدر في الأرض أقواتها في يومين، فصار مجموع ذلك ستة أيام، أربع منها راجعة إلى الأرض، ويومان لخلق السماء.

هذا الحديث في خلق هذه الأشياء المفصلة غير السماوات والأرض: خلق التربة يوم السبت، وخلق الجبال يوم الأحد، والشجر الاثنين، والمكروه الثلاثاء، والنور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم يوم الجمعة بعد العصر فهذا به إشكال من هذه الحيثية، وهو في صحيح مسلم، ومن ثم فإن أهل العلم تكلموا في هذا الحديث من جهة أنه وقع الخطأ لبعض رواته.

ثم ذكر حديث أبي سليمان، خالد بن الوليد قال: "لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية"[2] رواه البخاري.

"انقطع في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف" خالد بن الوليد سيف الله، وسيف رسوله، وسيف الإسلام، وقد تأخر إسلامه فأسلم ما بين الفتح والحديبية، ولم تطل مدة بقاءه في هذه الدنيا، فقد توفي بحدود سنة اثنتين وعشرين للهجرة، ومع ذلك كانت على يده هذه الفتوحات الواسعة، الشاسعة، حتى إنه في حروب الردة قد أبلى بلاءً حسنًا -كما هو معلوم- في يوم اليمامة، وفي غيره.

ثم بعد ذلك توجه إلى العراق، وأول ما بدأ في حروب العراق في أول لقاء مع العدو حيث كانوا يحفرون الخنادق، ويربطون الجنود بالسلاسل فيما يعرف بوقعة كاظمة، فتركهم لما علم بذلك يحفرون، وتباطأ في السير، حتى أضناهم الحفر، وكلت قواهم، فلما فرغوا من الحفر، وقد ذهبت قوتهم مال، وعدل عنه إلى ناحية أخرى، فتقافزوا إليه يريدون أن يدركوه في تلك الناحية، وذهب عملهم باطلاً، وحفرهم لم ينتفعوا منه إلا التعب، فلقيهم، وقد كلت عزائمهم، وضعفت أجسامهم، فظفر بهم .

وهكذا استمر في حروب العراق، في أكثر من أربعين وقعة متتابعة لم يهزم في وقعة واحدة، وفي بعضها اجتمع عليه الروم والفرس معًا، لأول معركة يعرف اجتماع الفرس والروم، وهم أعداء، بينهم عداوة تاريخية، المعسكر الشرقي، والمعسكر الغربي اجتمعوا عليه في معركة واحدة، واستطاع أن يهزمهم جميعًا -رضي الله عنه وأرضاه- ثم بعد ذلك توجه إلى الشام، وأبلى بلاءً حسنًا.

فالحاصل: أنه في النهاية مات على فراشه.

لو أن عبدًا مُدرك الفلاح -البقاء يعني- لناله مُلاعب الرماحِ[3]

ولهذا كان يقول عند موته: "فلا نامت أعين الجبناء"[4].

فالشاهد: أنه لفرط شجاعته وقوته وشدة بأسه يقول: "لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة" مؤتة: قريب من الشام، وكانت قبل فتح مكة، في السنة الثامنة كان فتح مكة في رمضان، وكانت مؤتة في صفر، وقيل غير ذلك، يقول: "انقطعت في يدي تسعة أسياف" يعني لقوا عددًا هائلاً من الروم، وانقطعت، يعني: تكسرت في يده تسعة أسياف لشدة الضرب، يقول: فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية[5] سيف يماني موصوف بهذه الصفة، تسعة أسياف تكسرت في يده، إذا كان الشاعر يمدح الأبطال، يقول:

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب[6]

فلول، فكيف بالذي تكسرت في يده تسعة أسياف، وليست بفلول؟ يعني ليست مجرد ثلمة في السيف، من الضرب فيه، والمبارزة، إنما تتكسر السيوف، فهذه هي الشجاعة، وهذه هي المكارم، وهذه هي القوة، وهؤلاء هم الأسلاف -رضي الله عنهم وأرضاهم- فعلى قصر مدته إلا أنه كان إذا ذكر الجهاد، ذكر خالد بن الوليد -رضي الله عنه وأرضاه- حتى صار الناس من الأعداء، إذا ذكر خالد بالجيش أصابهم الوهن، واقرأوا أخباره في فتوحه، وخبر دومة الجندل، حيث إن ملكها أراد أن يفر منها قبل أن يصل إليها خالد، ويقول لأخيه: "أما علمت أنه ما كسرت له راية قط، وأنه ميمون الطائر" يعني يقول: أدرك نفسك قبل أن يصل إليك، الفرار الفرار، النجاة النجاة قبل المواجهة.

وفي بعض الحروب في العراق، التقى بعض العرب من بني تغلب مع الفرس في فتوح العراق، ومعلوم أن العراق كانت تابعة لفارس، فقال: هؤلاء العرب معهم أمير مغرور، قال: إن العرب لا يعرف لهم إلا العرب، فدعونا نواجههم، وابقوا أنتم في داخل الحصون، يقول للفرس، فخرج، وهو يلملم رجاله، ويعبئ جيشه، فقال خالد لأصحابه: لم يعبئ الجيش أصلاً تركهم، وانتخب عشرة من الفرسان الأبطال أصحاب النجدة، والقوة والبأس، فقال: احموا ظهري، فانطلق كالصقر، وأخذ ذلك القائد، وحمله كالطفل من فرسه، ووضعه في حجره، وجاء به إلى أصحابه، وانتهت المعركة، وأولئك، ولوا الأدبار، يريدون دخول الحصن، بدون قتال أخذ القائد، ووضعه في حجره، وجاء به إليهم، وأنهى المعركة بهذه الطريقة -رضي الله عنهم وأرضاهم-.

وعن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: إذا حكم الحاكم، فاجتهد، ثم أصاب فله أجران، وإن حكم، واجتهد، فأخطئ، فله أجر[7] متفق عليه.

كما ترون هذه الأحاديث لا ينظمها موضوع معين؛ لأن المصنف -رحمه الله- جعلها في هذا الباب في آخر الكتاب: باب، أو كتاب الملح، فذكر فيه أشياء لا تدخل تحت الأبواب التي صنفها في هذا الكتاب، وبوبها، فهنا ذاك منقبة لخالد وهذا أيضًا يتصل بالحكم إذا حكم الحاكم فاجتهد، ثم أصاب فله أجران.

والمقصود بالحاكم الذي يجتهد ثم يصيب من كان مؤهلاً للاجتهاد؟ يعني عنده آلة الاجتهاد من العلم، وما يتطلبه الاجتهاد في الحكم، أما إذا وقع على الصواب من غير وجهه، يعني كما يقال: رمية من غير رامي، فإن مثل هذا لا يكون محمودًا، ولا يكون له هذا الأجر الموعود به، أو لا يكون له أجران، وإذا أخطأ لا يكون له أجر واحد، بل يدور أمره على الوزر؛ لأنه إن أصاب، فكما قال الشاطبي -رحمه الله-: "فإن صوابه يكون قد وقع فيه على الصواب، من غير وجهه" فهذا غير محمود.

إذا حكم الحاكم فاجتهد، ثم أصاب والحاكم هنا يشمل القاضي، وكل من يكون حاكمًا يحكم بين الناس، فيكون له أجر على الاجتهاد، وأجر آخر على الصواب وإن حكم، واجتهد يعني معناه أنه إن لم يجتهد إن لم يجتهد، ولو أصاب فإنه يكون مذمومًا، والاجتهاد هو: بذل الوسع، واستفراغ الوسع، من أجل الوصول إلى الحق، فإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد، هذا الأجر الواحد على الاجتهاد، ومن ثم أن المجتهدين لا يؤثمون، وأن غاية ما هنالك أن يقال: أخطأ إذا استفرغ وسعه، إذن المطلوب ثلاثة أشياء: الأول: أن يجتهد، والثاني: أن يكون مستفرغًا للجهد في هذا الاجتهاد، يعني ليس أدنى ما يصدق عليه الاجتهاد، لم يبحث في المسألة، لم يراجعها، لم يستوف ما ينبغي استيفاؤه فيها من النظر في كلام الخصوم، عند الحكم في الخصومات، ونحو ذلك، والبينات، والدعاوى، وما إلى ذلك، إذا لم يستفرغ الجهد حتى لو اجتهد، فإنه لا يكون محمودًا، وكذلك أن يكون مؤهلاً للاجتهاد.

ثم ذكر حديث عائشة -رضي الله عنها- أن النبي ﷺ قال: الحمى من فيح جهنم، فأبردوها بالماء[8] متفق عليه.

الحمى معروفة، وهي: علة ترتفع معها حرارة الجسد، وهنا يقول النبي ﷺ: الحمى من فيح جهنم يعني من حرها فأبردوها بالماء أبردوها بالماء: بمعنى: أن ذلك يكون حر هذه النار الذي يؤثر هذا الحر في الجسد، يقابل بالماء البارد: أبردوها بالماء وكيف يكون هذا الإبراد بالماء؟

يكون بصبه على الثياب والجسد، ويكون بالانغماس فيه، ويكون أيضًا بالاغتسال، فهذه ثلاثة أشياء، والعلماء -رحمهم الله- كابن القيم، وغيره، وبعض الشراح، يستشكلون مثل هذا في بعض أنواع الحمى[9] ويقولون: إن الحمى أنواع، ومن أنواعها ما لا يصلح له الاغتسال، أو الانغماس بالماء، وأن ذلك يزيد في العلة، ويقولون: لعل ذلك يكون في بعض أنواعها، أو التي تكون في أرض الحجاز، وجزيرة العرب؛ لأنها حارة.

وعلى كل حال، الذي يظهر -والله أعلم- أن هذا الإبراد بالماء أنه علاج لها بما يقابلها، وما يضادها، وأنه في غاية، وهذا أمر مشاهد، فإن المحموم حينما يغتسل بالماء البارد، فإن ذلك يورثه نشاطًا، وخفة، ويذهب عنه كثير من حرها، وآذاها، ويمكن أن يكون هذا أيضًا بالكمادات الباردة، ونحو ذلك، ولا زال الأطباء اليوم يعالجون المرضى بهذه الصنوف والأنواع، يعني لمن ارتفعت حرارته بالحمى، وغيره، بالكمادات الباردة، وتارة يغمسونه بالثلج، وليس فقط في الماء، أليس كذلك؟

وهل يفرقون بين حرارة، وحرارة، وحمى، وحمى؟ إذا ارتفعت الحرارة، وعجزوا عنها غمسوه بالثلج، فهذا لا إشكال فيه، والأولون كانوا يستشكلون بعض الأنواع، ويقولون: إن ذلك يضره، والنبي ﷺ هنا لم يفرق، لكن هؤلاء الذين فرقوا لا يردون الحديث، ولكن يقولون: إن المخاطبين بذلك كانوا في أرض حارة، فيناسب ذلك؛ لأن الحمى التي تكون عندهم هي من هذا، لكن هذا لا يلزم، فإن الحمى تصيب الناس في الشتاء -كما هو معلوم- وجزيرة العرب جافة، وبردها شديد وجاف، وهو أكثر من برد الأماكن التي لربما تغطيها الثلوج -كما هو معروف- ومع ذلك النبي ﷺ لم يفرق، والأصل حمل المطلق على إطلاقه، والعام على عمومه، إلا لدليل يخصصه، والله تعالى أعلم.

وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.

  1. أخرجه مسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب ابتداء الخلق وخلق آدم عليه السلام، برقم (2789).
  2. أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة مؤتة من أرض الشأم، برقم (4265).
  3. انظر: الأساليب، والإطلاقات العربية، للمنياوي، (61).
  4. أخرجه أبو بكر الدينوري في المجالسة وجواهر العلم، برقم (836) وقال محققه: إسناده ضعيف جدا، وهو حسن من طريق آخر.
  5. أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة مؤتة من أرض الشأم، برقم (4265).
  6. انظر: أمثال العرب، للضببي (170).
  7. أخرجه البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، برقم (7352) ومسلم، كتاب الأقضية، باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب، أو أخطأ، برقم (1716).
  8. أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة النار، وأنها مخلوقة، برقم (3261) ومسلم، كتاب السلام، باب لكل داء دواء واستحباب التداوي، برقم (2209).
  9. انظر: الطب النبوي، لابن القيم (21).

مواد ذات صلة