الأحد 22 / شعبان / 1445 - 03 / مارس 2024
حديث «من مات وعليه صوم..»، "والله لتنتهين عائشة أو لأحجرن عليها.."
التحميل: 0
مرات الإستماع: 0

الحمد لله، والصلاة على رسول الله، أما بعد:

فعن عائشة -رضي الله عنها- عن النبي ﷺ قال: من مات، وعليه صوم صام عنه وليه[1] متفق عليه.

من مات، وعليه صوم الصوم هنا يدخل فيه صوم النذر بلا إشكال، من نذر أن يصوم، ثم مات، فإنه يصوم عنه وليه، ويدخل فيه أيضًا: القضاء: قضاء رمضان، ويدخل فيه أيضًا الكفارة، من مات، وعليه صوم صام عنه وليه هذا ظاهره -والله تعالى أعلم- وبعض أهل العلم يقولون: بأن القضاء إنما يكون بالإطعام، يعني إذا مات، وعليه قضاء من رمضان، فإنه يطعم عنه، ولا يقضى عنه، وخصوا هذا بالنذر بناءً على رواية في الحديث عند أبي داود: من مات، وعليه صوم نذر صام عنه وليه[2] وهذه الرواية ضعفها بعض أهل العلم.

وعلى كل حال هذا ظاهره العموم، ومن ثم فإنه من مات، وعليه صوم، فيه التفصيل الذي ذكرته في بعض المناسبات، ولعله في رمضان، هذا الإنسان الذي أفطر من رمضان إذا كان عذره مستديمًا، لا يرجى برؤه كالهرم، وكذلك أيضًا المريض الذي لا يرجى زوال علته، فمثل هذا حقه الإطعام، فإذا مات قبل أن يطعم أطعموا عنه، ولا قضاء، وأما من أفطر في رمضان لمرض يرجى برؤه، ولكنه مات في رمضان، أو استمر به المرض حتى مات، فإنه لا إطعام ولا قضاء؛ لأن العذر استمر به، وهذا العذر كان مما يرجى برؤه هذا النوع الثاني.

النوع الثالث: وهو إن كان عذره يرجى برؤه فبرئ، فأمكنه الصوم، ثم بعد ذلك لم يصم، فمات، فهنا يقضى عنه هذا الصيام، يقضيه من؟ يقضيه الولي، والمقصود بالولي هنا: القريب، يعني يقضيه أحد من قرابته، فإذا كان عليه مثلاً من رمضان يومان، فيمكن أن يصوم أحد أقاربه يومًا، ويصوم آخر يومًا آخر، يعني لا يشترط أن يكون الصائم في القضاء واحد، ولكنهم لو لم يريدوا الصوم، فلهم الإطعام يطعمون، من أين يطعمون؟

يطعمون من تركته؛ لأن هذا دين لله -تبارك وتعالى- ولا يكون شيء من المال تركة، إلا بعد أداء الحقوق الواجبة فيه لله، وللناس من الديون، ولو أن هؤلاء القرابة، ما أرادوا الصيام، ولا الإطعام، فهل يصوم غيرهم، لو تبرع أحد بالقضاء عنه، أو بالإطعام، بعض أهل العلم يقولون: ذلك يكون بالإذن، لكن إذا كان هؤلاء لا يبالون بذلك، ولا يقضون، ولا يطعمون عنه، فهم مفرطون مضيعون، ففي هذه الحال -والله تعالى أعلم- يمكن أن يطعم عنه غيره، أو أن يصوم عنه غيره، يعني غير الولي -والله تعالى أعلم- ويجزيه ذلك، ويكون هذا من قبيل إهداء ثواب الأعمال، أو يشبهه، وهذا -إن شاء الله- لا إشكال فيه.

وفرق بعض أهل العلم بين الحج، حيث لا يشترط فيه القرابة، وهنا قال: صام عنه وليه، وذلك أنه يمكن أن يحج عنه القريب، وغير القريب، أما الصيام فخص بالقريب؛ لأنه أولى به، لكن لو أن القريب امتنع، يمكن أن يقوم بذلك غيره -والله تعالى أعلم- وتبرأ ذمته.

قال: من مات، وعليه صوم صام عنه وليه قال: "والمختار جواز الصوم عمن مات، وعليه صوم، لهذا الحديث" يقصد في القضاء، والنذر، والمراد بالولي: القريب وارثًا كان أو غير وارث، بينما الولي في غير هذا الباب يكون الوارث: فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ [الإسراء:33] في القصاص لا يكون ذلك لعموم القرابات، وإنما يكون للوارث منهم.

ثم ذكر حديث عوف بن مالك بن الطفيل، أن عائشة -رضي الله عنها- حُدثت، أن عبد الله بن الزبير -رضي الله عنهما- قال في بيع أو عطاء أعطته عائشة -رضي الله عنها-: "والله لتنتهين عائشة، أو لأحجرن عليها"[3].

ابن الزبير هي خالته، وكانت عائشة -رضي الله عنها- سخية في غاية السخاء، تتصدق بالأموال الكثيرة التي تصلها من معاوية أو ما وقع في يدها، فإنها تنفق النفقات بسخاء، فقال : "لتنتهين عائشة، أو لأحجرن عليها"

وبلغها هذا الكلام عن ابن أختها، فغضبت "فقالت: أهو قال هذا؟ قالوا: نعم" هل هذا نقل الكلام من النميمة؟

الجواب: لا؛ لأنه يريد أن ينفذ أمرًا، يريد أن يصل إليها هذا المعنى، من أجل أن تتوقف من هذا العمل لتنتهين، أو لأحجرن عليها يعني كأنه يقول لهم: بلغوها ذلك فغضبت، وقالت: "أهو قال هذا؟ قالوا: نعم، قالت: هو لله علي نذر أن لا أكلم ابن الزبير أبدًا"[4].

هنا النذر ليس فيه نذر طاعة، يعني ما قالت: علي نذر إن حصل كذا أن أتصدق، أن أفعل إلى آخره، وإنما نذر ألا أكلمه، وهذا النذر في حال الغضب يقال له: نذر اللجاج، ويكفر كفارة يمين. فهنا "فاستشفع ابن الزبير إليها حين طالت الهجرة" لما طال هجرها له، استشفع: يعني طلب من يشفع لها ممن له منزلة عندها "فقالت: لا، والله لا أشفع فيه أبدًا" يعني ما أقبل الشفاعة فيه "ولا أتحنث إلى نذري" لا أتحنث إلى نذري يعني: في نذري، يعني لا أكتسب الإثم في عدم الوفاء بالنذر، يعني لا أنقضه "فلما طال ذلك على ابن الزبير كلم المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، وقال لهما: أنشدكما الله" يعني: أسألكما بالله "لما أدخلتما على عائشة -رضي الله عنها- فإنها لا يحل لها أن تنذر قطيعتي، فأقبل به المسور، وعبد الرحمن، حتى استأذنا على عائشة، فقالا: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، أندخل؟

قالت عائشة: ادخلوا، قالوا: كلنا، قالت: نعم، ادخلوا كلكم، ولا تعلم أن معهما ابن الزبير، فلما دخلوا دخل ابن الزبير الحجاب، طبعًا هم يكلموها من وراء الحجاب، حاجز بينهم وبينها، فابن الزبير من محارمها، وهي خالته، فدخل الحجاب، فاعتنق عائشة -رضي الله عنها-: وطفق يناشدها، يعني يسألها، ويبكي، وطفق المسور، وعبد الرحمن يناشدانها إلا كلمته، وقبلت منه، ويقولان: إن النبي ﷺ نهى عما قد علمت من الهجرة، يعني نهى عن الهجر، ولا يحل للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، فلما أكثروا على عائشة -رضي الله عنها- التذكرة، والتحريج، يعني: يحرجون عليها، ويذكرونها، طفقت تذكرهما، وتبكي، وتقول: إني نذرت، والنذر شديد، فلم يزالا بها حتى كلمت ابن الزبير، واعتقت في نذرها ذلك أربعين رقبة، وكانت تذكر نذرها بعد ذلك، فتبكي حتى تبل دموعها خمارها.[5] رواه البخاري.

لاحظوا الآن هي يعني هذا بمنزلة اليمين، عليها كفارة يمين: عتق رقبة، فإن لم تجد فإنها تطعم عشرة مساكين، أو كسوتهم، نعم، فإن لم تستطع فصيام ثلاثة أيام، هنا أعتقت أربعين رقبة، وكان ابن الزبير قبل أن يكلمها، يعني قبل أن يأتي إليها، قد بذل الكفارة عنها، وأعتق، ومع ذلك لم تكتف بهذا، ومع هذا هذه المبالغة بالعتق، والكفارة كانت إذا تذكرت ذلك تبكي حتى تبل دموعها خمارها، وهذا يدل على شدة ورع هؤلاء من الصحابة وما كانوا يحترزون فيه غاية الاحتراز بما يتصل بالعهد والوعد والعقد، مع الله -تبارك وتعالى- من النذر، ونحو ذلك، فمثل هذه الأشياء ينبغي للإنسان ألا يتساهل بها، وأن لا تجري على لسانه من غير مبالاة، والله أعلم.

وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

  1. أخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب من مات وعليه صوم، برقم (1952) ومسلم، كتاب الصيام، باب قضاء الصيام عن الميت، برقم (1147).
  2. أخرجه ابن راهويه في مسنده، برقم (900) وقال الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة: منكر، برقم (5482).
  3. أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب الهجرة، برقم (6073).
  4. أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب الهجرة، برقم (6073).
  5. أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب الهجرة، برقم (6073).

مواد ذات صلة