الأربعاء 10 / محرّم / 1446 - 17 / يوليو 2024
الحديث عن آيات الباب (3-3)
التحميل: 0
مرات الإستماع: 0

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

ففي باب بيان ما أعد الله للمؤمنين في الجنة، أورد المصنف -رحمه الله- فيما أورده من الآيات في صدر هذا الباب:

قوله -تبارك وتعالى-: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ ۝ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ۝ يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ ۝ كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ ۝ يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ ۝ لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ۝ فَضْلاً مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [الدخان:51-57].

فقوله -تبارك وتعالى-: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ يعني: أنهم في مكان يأمنون فيه من كل المخاوف، فلا يحصل لهم في هذا المكان، أو في هذا المقام شيء مما يخافه الناس، فهم آمنون من كل وجه، آمنون من سخط الله، وآمنون من عذابه، وآمنون من غِيَرِهِ، وآمنون من كونهم يتحولون من هذا النعيم، وينتقلون منه إلى غيره، كما أنهم آمنون من النار وعذابها، وهم آمنون أيضًا من الشرور والآفات والعلل والأمراض، كل ما يمكن أن يحصل للناس منه خوف في الدنيا والآخرة، فهم آمنون منه.

فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ جنات عرفنا أنها البساتين كثيرة الأشجار والعيون، التي تكون مياهها سارحة في الجنة، تحت أشجارها، وتلك أنهار الجنة.

يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ السندس والإستبرق كل ذلك من الحرير، إلا أن ما غلظ منه له اسم خاص، وما دق ورقَّ له اسم خاص، فالسندس: هو الحرير الرقيق، والإستبرق: هو الحرير الغليظ، فلما ذكر مقامهم، وما يحصل لهم فيه من النعيم والحبور واللذة والبهجة والجنات والعيون، فإن ذلك ما يسر الإنسان، ويطرب له قلبه، ذَكَرَ اللباس يلبسون هذه الألبسة الفاخرة الناعمة الرقيقة، وهم أيضًا في غاية المتعة، مع حال عظيمة من المصافاة، فهم متقابلون على سرر الجنة.

يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ يقابل بعضهم بعضًا، وهذا أمتع في المجالس، وهو يدل أيضًا على المصافاة، وأنه ليس بينهم مشاحنة، ولا هجر.

كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ مع هذا النعيم كله، فإنه ينضاف إلى ذلك أن الله زوجهم بالحور العين، والعين: جمع عيناء، والحور: جمع حوراء، والحوراء قيل: هي شديدة بياض عينها، مع السواد؛ وذلك حينما تصفو العين، وتكون في حال من الجمال، مع السعة، عيناء يعني: واسعة العين، فهذه السعة حينما يكون ذلك في بياض العين مع سواد شديد، فذلك غاية الجمال، وهذا الذي كانت تعرفه العرب بأذواقها السليمة قبل أن تتدنس تلك الأذواق، الآن تدنست أذواق كثير من الناس، وصاروا يستحسنون ما ليس بحسن، من ذلك أن الناس لربما صاروا يغيرون ألوان عيونهم من السواد إلى الزرقة مثلاً، أو نحو ذلك، مع أن العرب كانت تكره هذا، وليس ذلك من سيماهم، وكانوا يعتقدون -وإن كان هذا لا يصح- أن الغدر في زرقة العيون، وأن قوله -تبارك وتعالى-: وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا [طه:102] قال المفسرون: أي: زرق العيون، لكن العرب كانت تعتقد أن زرقة العين تعني الغدر، وليس هذا بالضرورة، فقد وُجد أخيار صلحاء من أهل الإيمان عيونهم زرقاء، هكذا خلقهم الله ، فلا ذنب لهم، لكن نحن نذكر هذا في مقام تغير الأذواق عند الناس.

قال: وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ عينها واسعة، وسواد في بياض شديد، ولربما يقول الأطباء: بأن هذا البياض يتغير في الدنيا عند الإنسان إذا تقدمت به السن، يعني في وقت الطفولة البياض شديد، فإذا تقدمت به الأيام والسن، ولاقى من الهموم ما لاقى، فإن ذلك يظهر في عينيه، فيظهر فيها في هذا المكان هذا البياض يميل إلى الصفرة، يصفر ما عاد بذلك البياض النقي الصافي، والأطباء المعاصرون يقولون: إن الأحزان والأكدار والهموم التي تنتاب الإنسان يتغير معها هذا البياض فيميل إلى الصفرة، أما الحور العين فلا يوجد هموم ولا غموم ولا أحزان، ولا أوصاب، فانظر إلى عين الطفل الصغير، كيف يكون البياض شديد؛ لأنه لا يكابد ولا يلاقي ما يلاقيه الكبار.

يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ يدعون يعني: يطلبون؛ بمجرد ما يدعو يُؤتى له بها، كما قال الله : يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ [الزخرف:71] من هذه الأشياء التي في هذه الصحاف أن هذه الفواكه يُؤتى بها إليهم يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ وقد مضى الكلام على هذا، لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ [الزخرف:73] كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا [البقرة:25] يشبه الذي كان في الدنيا من حيث الصورة، ولكن في الطعوم يختلف، أو يُشبه الذي أعطوه قبل ذلك في الجنة، فيقولون: هذا الذي جاءنا قبل قليل، ولكنه في الواقع الظاهر متشابه، والحقائق مختلفة تمامًا، فهنا يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ وكما سبق في مناسبة مضت إذا كان هذا في الفواكه يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ وأن الفاكهة قدر زائد على ما يطعمه الناس، فإن هذا يدل على كثرة النعيم، وسعته، وهم مع ذلك آمنون، الإنسان قد يأكل ويتخوف من الأمراض، يأكل الفاكهة ويقول: يحصل له تلبك إذا كان مع غيرها مثلاً، ويأكل الطعام ويخشى من أشياء ومضار وآثار وتلوث، ولربما يسقى بماء غير جيد في الدنيا، وفيه من الآفات والأمراض والعلل، وفي كل يوم تقرأ من التقارير: أن هذا يسبب الأمراض الفلانية، وهذا اكتشف أنه يؤدي إلى كذا، أما هناك فيأمنون من كل هذه المخاوف، لا يوجد أمراض، ولا يوجد ما يستقذر، ويأمنون من القذارة، ويأمنون من المرض، ويأمنون من المحاسبة عليه؛ لأن الإنسان يحاسب على المطعوم؛ لأن حينما نشاهد ألوان الفواكه والموائد نسأل الله أن يرزقنا وإياكم شكرها، وأن يغني المسلمين من فضله، والله إن الإنسان يخاف حينما يشاهدها، يخاف؛ لأنه سيحاسب على هذا جميعًا، ونحن ما قمنا بقليل من الشكر، نحن في غاية التقصير، وهذه الموائد التي تعرض بين أيدينا هذه سنحاسب عليها، وإذا كان النبي ﷺ لما خرج من الجوع، وخرج معه خيار الأمة أبو بكر وعمر من الجوع، ثم ذهبوا إلى ذلك الأنصاري، وذبح لهم الشاة، وجاء لهم بالبسر، فلما أكلوا ماذا قال النبي ﷺ؟ لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة[1]، خرجوا من الجوع من شدة الجوع أفضل الأمة أفضل ثلاثة، ويقول: لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة حصل مرة، ومع ذلك يحاسبون عليه، وهم أتقياء أنقياء أخيار بررة، فكيف بالذي يتقلب في هذه المطعومات والمشروبات والفُرش الوثيرة، وما إلى ذلك، ثم بعد ذلك لا يزيده إلا ترهلاً وكسلاً وخمولاً وقعودًا عن طاعة الله ، وهناك أمان لا يحاسب عليه، ولا تورثه تنغيصًا، الأكل في الدنيا كما يقول الشاطبي: لا توجد في الدنيا لذة كاملة من كل وجه إطلاقًا، فالإنسان قبل أن يحصل هذه الفواكه يحتاج يذهب ويبحث عنها، ثم إذا جاء بها هناك طرق لتنظيفها والتخلص من الآفات التي فيها، فهي يوضع عليها من المواد، وترش بأشياء لحفظها، ثم بعد ذلك فهو في حال تناولها يكابد ويعاني، ولربما يجد ما ينغص عليه أكله، ثم بعد أكله أيضًا يجد لربما من الآثار والأضرار ما لا يخفى؛ ولهذا كان أكثر ما يأتي الناس من الداء في الدنيا إنما هو من الطعام والشراب، هناك أمن كامل بكل وجه، فهم آمنون من هذه الناحية، وآمنون أيضًا من العذاب، وآمنون من أن تسلب هذه منهم، وآمنون من نفادها لا تنتهي، في الدنيا تنتهي هذه الثمار، لها مواسم معينة، إذا أكثر الناس منها لربما كان ذلك سببًا لذهابها وانعدامها وشحها، هناك متوفرة في كل حين، ولا يقال: هذه فاكهة صيف، وهذه فاكهة شتاء، وهذه لا تخرج الآن، وليس هذا موسمها، وهذه أجود، وهذه رديئة، وهذه حامضة، أو نحو ذلك.

لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى [الدخان:56] التي ماتوها، وهذا من الأمن، فإن أكثر ما يتخوفه الناس إنما هو ما يتعلق بالأجل والرزق، فهذه الأنهار السارحة، والفواكه الكثيرة، وكل ما يشتهون، ليس هناك قلق فيما يتصل بالأرزاق، وليس هناك قلق فيما يتصل بالآجال؛ لأنه لا يوجد موت أصلاً، ولا يُوجد أمراض.

وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ [الدخان:56] لأن هذا أعظم ما يحاذر ويخاف: أن يعذب الله العبد في النار، فهنا وقاهم الله ذلك، فَضْلاً مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [الدخان:57] هذا فضل من الله وحده، والأعمال لا تبلّغ الإنسان، ولكنها سبب، فالآيات التي فيها: أن الله ذكر أن ذلك جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:17] هذه الباء للسببية، بمعنى: أن هذا فقط سبب، ولكنه لا يكافئ نعم الله على العبد، ومن ثم واعلموا أن أحدًا منكم ليس بمنجيه عمله قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته[2]، فهذا فضل منه ، والفضل هو ما زاد عن قدر العدل، فلو عاملنا الله بعدله لما نجا أحد، ولكننا نسأله أن يعاملنا بفضله، وإذا أردت أن تدعو على إنسان تقول: الله عامله بعدلك، فإذا عامله بعدله، فإنه لم يؤد قليلاً من شكر الله -تبارك وتعالى-.

قال: ذَلِكَ أي: النعيم السابق المذكور هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وجاء بـ(هو) هنا لتقوية الكلام؛ كأنه يقول: هذا هو الفوز العظيم، وليس ما سواه، فهذا يشبه الحصر، يعني: هذا الفوز العظيم الحقيقي، وهذا الفوز بمعنى الظفر بالمطلوب، هذا النجاح والفوز الكبير، فهذا الفوز وصفه هنا بأنه عظيم، ووصفه في موضع آخر بأنه كبير، وكل هذه الأوصاف متحققة له، قد ينجح الإنسان في اختبار، وقد يتخرج من الجامعة، وقد ينتهي بالماجستير، أو الدكتوراه، وقد يتزوج ويحصل له بعض ما تمناه، ولكن الفوز العظيم الحقيقي هو الذي يكون في الجنة، والنجاة من النار.

ثم قال الله -تبارك وتعالى-: إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ [الانفطار:13] الأبرار: وهم الأتقياء الصلحاء لَفِي نَعِيمٍ ما هذا النعيم، فسره بما بعده، قال: عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ [المطففين: 23] والأرائك: هي السرر ذوات الحجال، يعني: السرير الذي فيه حجلة، مثل الذي توضع فيه العروس، يكون عليه مثل الغطاء أو المظلة أو الشيء الذي يغطيه من أعلى، هذا الذي يقال له: حجلة، فلا يكون حجلة إلا أن يكون مغطى من الأعلى، فهذه هي الأرائك يَنْظُرُونَ لم يحدد النظر إلى ماذا؟ فهم ينظرون إلى هذا النعيم، ويتلذذون بالنظر إليه، وينظرون إلى هذه الأنهار والثمار والأشجار، ينظرون إلى وجه الله -تبارك وتعالى-، ويلتذون بالنظر إليه، ينظرون إلى الحور العين، وينظرون إلى زوجاتهم، وتَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ [المطففين:24] يعني: يظهر أثر النعيم على الوجوه، ولا شك أن النعيم يظهر على وجه الإنسان، فالإنسان الذي يتمرغ في الفقر والحاجة وشظف العيش يظهر هذا على وجهه، والإنسان الآخر المنعم الذي يعيش في حالة من الترف والعيش المخمل هذا يظهر بلا شك على وجهه، فأهل الجنة في غاية النعيم، فيظهر ذلك على وجوههم الحسن والبهجة والبهاء، ولا يكون في وجوههم شيء من الشحوب؛ ولهذا لما ذكر الله الفقراء من المهاجرين قال: تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ [البقرة:273] ما معنى تعرفهم بسيماهم؟ كما قال ابن جرير وغيره: أي بما يظهر عليهم حينما ينظر إليهم المتوسم المتفرس بما يظهر عليهم من شحوب الوجه، ورثاثة الثياب[3]، فيظهر فقر الإنسان من ملامحه ووجهه ولباسه، وما إلى ذلك، فهنا تظهر عليهم آثار النعيم.

قال: يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ [المطففين:25] الرحيق هو الخمر، ومن الذي يسقيهم؟ يسقيهم هؤلاء الولدان الذين يطوفون عليه، يسقون من رحيق مختوم خِتَامُهُ مِسْكٌ [المطففين:26] بعضهم يقولون: إن دنان الخمر هي تكون عادة مختومة، لكن في الدنيا مختومة بماذا؟ بالطين، أو مختومة بمادة من الغراء، أو نحو ذلك، بحيث أنه ما يكون مغشوش، كما يختم الطيب مثلاً في أوعيته الأصلية، ونحو هذا، كما نقول: بالشمع الأحمر، هناك مختوم بالمسك، على قول بعض المفسرين، والأقرب من هذا هو الذي ذهب إليه كثير من السلف فمن بعدهم، واختاره ابن جرير[4]، وابن كثير[5]:

أن المقصود برحيق مختوم، يعني: أن آخر هذا الشراب حينما يشرب تأتيه نكهة وطعم ورائحة المسك، وهذا يكون في غاية الجودة، ولا يوجد في خمر الدنيا التي رائحتها سيئة، وآثارها سيئة، فهذا ختامه مسك، والذين قالوا بهذا قالوا: لا حاجة أن تكون دنان الخمر، أو أوعية الخمر في الجنة أنها مختومة من الأعلى، فهذا لا حاجة إليه، قد يحتاج إليه في الدنيا، لكنه في الجنة لا محل له.

وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين:26] هذا الذي ينبغي أن تتسارع إليه النفوس، وتتسابق إليه الهمم، ويشمر له المشمرون، وليس التنافس في الدنيا، والتكاثر فيها وحطامها.

وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ [المطففين:27] مزاج هذا الشراب مخلوط من عين في الجنة يقال لها: تسنيم، فتسنيم هذا شراب، لمن هم فوقهم في الطبقة والمرتبة هذه، فالرحيق المختوم الخمر الذي في آخره المسك وهو مخلوط من عين يقال لها: تسنيم، يشرب بها المقربون صرفًا غير مخلوط، يعني: شرابهم أرقى وأكمل وأعظم، فأهل الجنة يتفاوتون في النعيم، لكن الذين في المرتبة الأدنى لا يشعرون بالنقص؛ لأنهم يشعرون أنهم أكمل أهل الجنة نعيمًا، ومن ثم لا تتطلع نفوسهم إلى شيئًا آخر إطلاقًا، وهذا من كمال نعيم الجنة، لكن هؤلاء الذي فوقهم، وهم المقربون يشربون من هذه العين التسنيم، يشربونه من غير خلط ولا مزج، يشربونه صرفًا غير مخلوط، لكن يخلط منه للأبرار في شرابهم، فهنا يقال: التسنيم عينًا يشرب بها المقربون، يشربونها من غير مزج، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل الجنة، والله أعلم.

طالب:...

لا، ليس هذا في قوله عن نعيم أهل الجنة وعن عذاب أهل النار: خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود:108] يعني: غير مقطوع، فالتعليق على المشيئة هنا فأولاً علقه بدوام السماوات والأرض، وقد يقول قائل: السماوات والأرض ليس لهن دوام، يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ [إبراهيم:48] فعلقه على شيء زائل، فيقال عن هذا السؤال أولاً: بأن العرب تعلق بزائل، والمراد التأبيد، فيقول: لا أفعله ما دامت السماوات والأرض، ولا يقصد أنها إذا زالت أنه يفعل، يقصد التأبيد، هذه قاعدة، ثم أيضًا قال: إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ فهنا هذا التعليق بالمشيئة من باب التحقيق، وليس من باب التعليق على المشيئة في قوله تعالى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ [الفتح:27] والله قد علم أنهم داخلون قطعًا، ومع ذلك قال: إِنْ شَاءَ اللَّهُ فهذا يسمونه تحقيقًا، حتى قال بعض أهل العلم -وهذا مبالغة ولا يصح-: لا حاجة له، والإخوة المصريون يقول أحدهم مثلاً: أنا جئت من السفر إن شاء الله، وقد جاء فعلاً أليس كذلك؟ ويقول مثلاً: أنا أكلت إن شاء الله، وهو أكل قطعًا، ويقول: هذه سيارتي إن شاء الله، وهي سيارته قطعًا، أليس كذلك؟ فهذا تحقيقًا وليس تعليقًا، وهكذا في قوله في دعاء المقابر: وإنا إن شاء الله بكم لاحقون[6]، وهو يعلم أنه لاحق بهم قطعًا، إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر:30] فهذا من باب التحقيق، أما من باب التعليق: وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ۝ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الكهف:23-24] فتقول: إن شاء الله غدًا سأسافر، فهذا من باب التعليق، فلا يوجد في الجنة شيء اسمه خوف ولا وجل، فهم آمنون، فلا يمكن ولا يرد عليهم ولا يخطر لهم في بال أنهم يتحولون من هذا النعيم، وأن الله يسخط عليهم، أو أنه يمكن أن يحصل لهم غِيَر إطلاقًا، والآيات تدل على ذلك.

والله أعلم.

وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.

  1. أخرجه مسلم في كتاب الأشربة، باب جواز استتباعه غيره إلى دار من يثق برضاه بذلك، وبتحققه تحققا تاما، واستحباب الاجتماع على الطعام برقم (2038).
  2. أخرجه أحمد ط الرسالة برقم (10010) وقال محققو المسند: "إسناده صحيح على شرط البخاري".
  3. تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (5/597).
  4. تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (24/298).
  5. تفسير ابن كثير ت سلامة (8/353).
  6. أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء برقم (249).

مواد ذات صلة