الأحد 20 / ربيع الآخر / 1442 - 06 / ديسمبر 2020
(210) دعاء الهم والحزن .. إلى قوله "اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك"
تاريخ النشر: ٢٧ / ذو القعدة / ١٤٣٥
التحميل: 3018
مرات الإستماع: 2824

الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله.

أما بعد: فهذا شُروعٌ في أذكارٍ مُتنوعةٍ تُقال في أحوالٍ ومناسباتٍ مُتعددةٍ، مضى الكلامُ على الأذكار التي تُقال في الصَّباح والمساء، وعند النوم، وما يُقال بعد الصَّلوات، وفي الصَّلاة، وما يُقال بعد الوتر، إلى غير ذلك.

فهذا دعاء الهمِّ والحزن: فعن عبدالله –يعني: ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه- قال: قال رسولُ الله ﷺ: ما أصاب أحدًا قطُّ همٌّ ولا حزنٌ فقال: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدلٌ فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسمٍ هو لك، سميتَ به نفسَك، أو علَّمتَه أحدًا من خلقك، أو أنزلتَه في كتابك، أو استأثرتَ به في علم الغيب عندك؛ أن تجعل القرآنَ ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همِّي؛ إلا أذهب اللهُ همَّه وحُزنَه، وأبدله مكانه فرحًا، قال: فقيل: يا رسول الله، ألا نتعلَّمها؟ فقال: بلى، ينبغي لمن سمعها أن يتعلَّمها.

أخرجه الإمامُ أحمد -رحمه الله- في "مسنده"[1]، وقال عنه شيخُ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: مشهور[2]. وصححه الحافظُ ابن القيم[3]، وقال الهيثمي: "رجاله رجال الصَّحيح، غير أبي سلمة الجهني، وقد وثَّقه ابن حبان"[4]، وصححه الصَّنعاني[5]، والشيخ أحمد شاكر[6]، والألباني[7]، وكذلك أيضًا الشيخ شُعيب الأرناؤوط[8]، والشيخ عبدالقادر الأرناؤوط[9].

فهذا الحديث عظيمٌ، يقول النبيُّ ﷺ في صدره: ما أصاب أحدًا قطُّ همٌّ ولا حزنٌ، فـ"أحد" هنا نكرة في سياق الشَّرط، وهي من صيغ العموم، النَّكرة إذا جاءت في سياق الشَّرط أو النَّفي أو النَّهي أو الاستفهام فإنَّها تكون للعموم، فأي أحدٍ: رجل أو امرأة، شيخ كبير أو شابّ أو صغير.

ثم قال: "همٌّ ولا حزنٌ"، جاء به مُنكرًا، فهذا يصدق على كلِّ ما يكون من هذا القبيل: الهمّ والحزن أيًّا كان منشأه، يعني: سواء كان ذلك بسبب كائنةٍ ووقائع عامَّة، كما هو حال الأمّة اليوم -نسأل الله أن يرفع عنها البلاء-، أو كان ذلك لأمرٍ يخصّه مما يكرهه في نفسه، أو ماله، أو ولده، أو نحو ذلك، فهذا يصدق على جميع ما يمكن أن يُقال له: همٌّ أو حزنٌ، قلَّ ذلك أو كثر.

الهمّ والحزن والغمّ وما أشبه ذلك عبارات مُتقاربة، وبعض أهل العلم ممن تكلَّموا في الفروق يقولون: بأنَّ الهمَّ هو الفكر في إزالة المكروه، واجتلاب المحبوب، يعني: هو يُفكر في أمرٍ يُحاذره، كيف يدفعه؟ فيُصيبه همٌّ، أو في جلب المحبوب؛ هذا الإنسان يريد أن يتزوج مثلاً، فهو مهمومٌ، هذا الإنسان مُقبلٌ على أمر يستثقل قدومه، فهو مهمومٌ، فبعض الناس يكون مهمومًا إذا كان مُقبلاً على عملٍ جديدٍ، أو يكون مهمومًا إذا كان مُقبلاً على عهدٍ جديدٍ في دراسةٍ، أو في عامٍ جديدٍ، أو في انتقالٍ، أو غير ذلك، فهذه التَّحولات والانتقالات لا شكَّ أنها مما تستثقله النفوس، على تفاوتٍ بينها.

فهنا دفع المكروه، أو جلب المحبوب، يكون التَّفكيرُ في ذلك مُقلقًا لصاحبه؛ ولذلك كان القلقُ يعصف في نفوس الناس بمثل هذه الأعصار والأزمان، فإذا قوي اليقينُ والتَّوكل على الله -تبارك وتعالى- والرضا بقضائه؛ فإنَّ ذلك يُخفف عنه وطأته حتى يتلاشى، ولكن هذه الأمور تحتاج إلى رياضةٍ للنفوس، وتربيةٍ، ومُجاهداتٍ، وتحتاج إلى صبرٍ، ولربما يطول أوانُ ذلك حتى تستقيم له النفس، لكن من رحمة الله -تبارك وتعالى- لعلمه بقلَّة صبرنا، وضعفنا، وعجزنا؛ أنَّه ذكر لنا حلولاً عاجلةً آنيةً وقتيَّةً يظهر أثرُها مباشرةً؛ ولذلك انظر في هذا الحديث كيف جاء به بهذه الصِّيغة؟ الشَّرط والجزاء: ما أصاب أحدًا قطّ همٌّ ولا حزنٌ فقال، ثم ذكر هذا الذكر: إلا أذهب اللهُ همَّه وحُزنَه، وليس فقط إزالة وجلاء، وإنما وأبدله مكانه فرحًا.

وهذا الهمّ هو أمرٌ يعتور النفوس، كما أنَّ الأبدانَ يعتورها ما يعتورها من الآلام: من الصُّداع، من المرض، من العِلل، كذلك النفوس يعتريها ما يعتريها، فهذا كما قال شيخُ الإسلام[10] -رحمه الله-: مثل: الحرّ والبرد، لا يسلم منه أحدٌ، ولكن أثره يتفاوت في النفوس؛ فالذين لا يعرفون الله، ولا يتوكلون عليه، ولا يثقون به؛ يلجؤون إلى أن يفروا من هذا إلى الموت، إلى الانتحار، يفرون من الحياة، لا يُطيقونها، وذلك تجده هناك في بلاد الغرب حيث الرفاهية، لما كانت النفوسُ خاليةً.

وسبحان الله! بقدر ما تكون هذه النفوسُ مُرفَّهةً بقدر ما تتأذَّى، فتجد البلاد التي يكثر فيها الضعفُ والفقرُ والكوارث ونحو ذلك يصبرون على الحرِّ الشَّديد، والبرد الشَّديد، والمصائب العظيمة، ويقولون: "الحمد لله" إذا كانوا من أهل الإيمان، وتجد أصحابَ النفوس المرفّهة ممن لا يعرفون الله لو حصل لهم أدنى مكروهٍ، فإنَّ هؤلاء لا يحتملون، تطيش عقولهم، ويحصل لهم من الحزن والألم ما لا يُقادر قدره؛ فيفرّون من ذلك إلى الانتحار.

ولذلك يوجد في بعض تلك البلاد رُخَصٌ، ويوجد هناك وسائل مُقننة للموت بطريقةٍ مُريحةٍ، وتقرأ أنَّ امرأةً قدمت للمحكمة تطلب، ماذا تطلب؟ أنَّها لا يُطالب زوجها، ولا يُلاحق قانونيًّا إذا أحضر لها آلةً طبيةً للتَّخلص من الحياة، ألا يُلاحق قانونيًّا، هي مُقدّمة للمحكمة أنها هي التي طلبت منه، وأنَّه لا يلحقه في ذلك جرمٌ ولا حرجٌ.

فالحاصل أنَّ الهمَّ هو الفكر في إزالة المكروه، واجتلاب المحبوب، ومن ثم فإنَّ الإنسان قد يقول لصاحبه، يُخاطبه يقول: أرجو أن تهتمّ بهذا الموضوع، ومن هنا نعرف الفرقَ بين الهمِّ والغمِّ -أعاذنا الله وإياكم من ذلك كلِّه.

فالإنسان يحصل له الغمُّ لوقوع ضررٍ قد حصل وتحقق، أو أنَّه يتوقع هذا الضَّرر، أو يتوهّمه، فهذا يكون من قبيل الغمِّ، وقد يُقال أيضًا ذلك للحزن إذا طالت مُدَّته، فالحزن إذا تطاول يكون من قبيل الغمِّ والهمِّ؛ فإنَّ أصلَ الهمِّ يدلّ على معنى الذَّوبان، فلمَّا كان الحزنُ إذا طال يُذيب البدن؛ فيظهر أثره من الضَّعف والشُّحوب، وتذهب عافيةً الإنسان، وتتحوّل، وتذهب نضارته، فإذا رآه الإنسانُ عرف أنَّ هذا الإنسانَ قد قرضته الهموم، فهذا إذا طال يكون من قبيل الحزن.

ومن ثم إذًا الفرق بين الهمِّ والحزن: أنَّ الحزنَ من هذه الحيثية مما يتطاول من الهمِّ، مع أنَّ المشهور عند أهل العلم من أهل اللغة وغيرهم: أنَّ الحزنَ هو ما يُساور النفسَ من القلق والألم لفائتٍ؛ لأمرٍ فات -فوات محبوب-، أو لوقوع مكروهٍ؛ فيحزن الإنسانُ، ويُقابله الخوف، وهو توقّع المكروه في المستقبل إذا ذكر الخوف والحزن: لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62]، لا في الدنيا، ولا في الآخرة، هؤلاء أولياء الله -تبارك وتعالى-، لا يخافون من شيءٍ مُستقبلٍ، ولا يحزنون لفائتٍ، هذا هو المشهور في الحزن والخوف.

وأهل الجنَّة إذا دخلوا الجنةَ يقولون: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ [فاطر:34]، فكان ذلك من أعظم النَّعيم الذي يناله أهلُ الجنة، فدلّ على أنَّ مُفارقةَ الحزن من النَّعيم؛ ولهذا قال شيخُ الإسلام[11] -رحمه الله- بأنَّ الحزنَ غير مطلوبٍ، ولا مأمور به، وإنما ينبغي دفعه، إلا أن يكون من الإشفاق من الدَّار الآخرة، أو كان ذلك من قبيل النَّدم على ذنوبٍ، لكنَّه النَّدم الذي يبعث على التوبة، وليس الذي يُقعد الإنسان عن العمل، ويُورثه اليأس، فهذا مذمومٌ، وهو من عمل الشَّيطان، ولا ينتفع به الإنسانُ؛ ولذلك من الخطأ أنَّ الإنسان يجترّ الأحزان، وإنما يفعل ذلك لنقص عقله.

والنفوس قد جُبلت على حاجاتٍ من –ربما- الضَّراعة والرِّقة والبُكاء، ونحو ذلك، فإن لم يُوجّه ذلك في سبيله، والخوف من الله ، وقراءة القرآن، وتدبّر القرآن، والخوف من الآخرة، ويبكي الإنسانُ لذلك، ويُشفق، وإلا فإنَّه يبحث عنه هنا وهناك؛ ولذلك يوجد مَن يتقصّد سماع القصائد الحزينة، والقصص الحزينة، وما إلى ذلك، مُسجّلة أو مُصوّرة؛ ليجتلب البكاء، يُريد أن يبكي، وهذا ضعفٌ في عقل الإنسان.

وهكذا أيضًا ما يفعله الإنسانُ بنفسه مما يُعاقبها به من إعادة شريط الذِّكريات السَّيئة: الأحزان، المصائب، يُعيدها، يتحدَّث بها، يتذكَّرها، سواء كان ذلك في غبنٍ مُتكررٍ يقع له في بيعٍ وشراءٍ، وخسارات، أو مُخادعات وغشّ مُؤلم ذهبت فيه أمواله، أو نحو ذلك، أو كان هذا في أمورٍ أخرى وقعت له في جسمه، أو في ولده من المكاره والمصائب ونحو ذلك.

فهذا لا يصحّ اجتراره، فإنَّ الحزنَ كما قال شيخُ الإسلام[12] يُضعف قوى القلب، فلا ينتفع به: لا في عمل دنيا، ولا في عمل آخرة؛ ولذلك فإنَّ الإنسان يدفعه، ولا يقف معه، ولا خيرَ في شيءٍ من ذلك.

لكن قد يُطلق الحزنُ -كما ذكر بعضُ أهل العلم من المفسّرين وغيرهم، وهو استعمالٌ قليلٌ فيما يظهر- على معنى الخوف، وهو أحد المعاني في قوله -تبارك وتعالى-: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ [فاطر:34]، فسَّره بعضُهم بأنَّه الخوف والإشفاق من الدَّار الآخرة، فلمَّا دخلوا الجنةَ اطمأنت نفوسُهم واستراحت، وذهب عنهم ذلك الخوفُ والإشفاقُ الذي كان يُساور نفوسَهم.

أمَّا الكربُ فإنَّه يختلف مع الحزن: أنَّ الحزنَ هو: تكاثف الغمِّ؛ أن يكون غليظًا، تقول: هذه أرض حزن، وهي الأرض الغليظة التي فيها صلابة.

أما الكرب فهو: تكاثف الغمِّ مع ضيق الصَّدر، فإذا ضاق الصدرُ بالألم والمصيبة فذلك هو الكرب.

وأمَّا الكآبة فهي: الأثر الظَّاهر للحزن، يظهر على وجه الإنسان، ومن ثم يُقال: علته كآبةٌ، ولا يُقال: علاه حزنٌ، أو نحو ذلك، أو الكرب؛ لأنَّ الحزنَ لا يُرى، فهو في القلب، ولكن تظهر آثارُه على الوجه، وتُسمَّى بالكآبة، وهذه معانٍ مُتقاربة.

وكذلك أيضًا الأسف أو الحسرة: فالحسرة غمٌّ يتجدد لفوت فائدةٍ، فليس كل غمٍّ حسرة، وأمَّا الأسف فحسرة معها غضبٌ وغيظٌ ونحو ذلك.

وأمَّا البثّ: يعقوب ﷺ قال: أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ [يوسف:86]، فالمقصود بالبثّ هو: الحزن الذي لا يتمالك صاحبُه لشدَّته واجتماعه فيبثّه، فهذا البثّ إمَّا أن يكون للمخلوقين، وإمَّا أن يكون للخالق -تبارك وتعالى-: إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ [يوسف:86]، فجعل البثَّ بثّه؛ يعني: أظهره، جعل ذلك إلى الله -تبارك وتعالى-.

فهنا العبدُ إذا قال هذا الدُّعاء، أصابه الهمُّ أو الحزن فقال: اللهم إني عبدك، يعني: يا الله، إني عبدك، جاء بـ"إن" المؤكدة: إني عبدك، أقرّ له بالعبودية، وخضع، وليس ذلك فقط: وابن عبدك، وابن أمتك يعني: جاريتك، ثم يقول فوق ذلك: ناصيتي بيدك، النَّاصية هي مُقدّم الرأس، يعني: لا حولَ لي ولا قوَّة إلا بك: مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا [هود:56]، فلا تصرّف لي، ولا حولَ، ولا طولَ، ولا دفعَ، ولا نفعَ إلا بإعانتك وقوَّتك.

قال: ماضٍ فيَّ حكمك، عدلٌ فيَّ قضاؤك، "ماضٍ" أي: ثابت ونافذ، "فيَّ" أي: في حقِّي، "حكمك" الحكم الكوني، والحكم الأمري، فكلّ ذلك يجري على الإنسان، ما حكم اللهُ عليه من الأحكام الشَّرعية فهي نافذة فيه، وكذلك من الأحكام القدرية الكونية، لا بدَّ أن يقع.

اعلم أنَّ ما أصابك لم يكن ليُخطئك، وما أخطأك لم يكن ليُصيبك، إذن انتهى: لو اجتمعت الأُمَّةُ على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه اللهُ لك، ولو اجتمعوا على أن يضرُّوك لم يضرُّوك إلا بشيءٍ قد كتبه اللهُ عليك، قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا [التوبة:51]، فكلّ ذلك قد كتبه الله وقدَّره، فإذا عرف العبدُ ذلك استراح، واطمأنَّ قلبُه، ويعتقد أنَّ ذلك جميعًا من العدل، لا ظلمَ فيه.

عدلٌ فيَّ قضاؤك، ما قدَّرته عليَّ فهو عدلٌ؛ لأنَّ ذلك في موضعه، وإذا عرف العبدُ أنَّ ما أصابه من المكروه، أو المرض، أو ما وقع للأُمَّة من البلاء، أو نحو ذلك؛ أنَّ هذا من العدل، والله يقول: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30]، قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا الهزيمة في يوم أحدٍ: قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران:165]، فذنوب العباد لو يُؤاخذهم الله بها جميعًا: مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ [فاطر:45].

فقوله: ماضٍ فيَّ حكمك، عدلٌ فيَّ قضاؤك هذا مُتضمن لأصلين عظيمين كما يذكر الحافظُ ابن القيم[13]، عليهما مدار التوحيد:

الأول: إثبات القدر، وأنَّ أحكامَ الرب -تبارك وتعالى- نافذةٌ في عبده، ماضيةٌ فيه، لا انفكاكَ له عنها، ولا حيلةَ له في دفعها.

الثاني: أنَّه -تبارك وتعالى- عدلٌ في هذه الأحكام، غير ظالمٍ لعبده، بل لا يخرج فيها عن العدل والإحسان، فبموجبات ذلك فالظُّلم سببه حاجة الظالم، أو جهل الظالم، أو سفه الظالم، وهذا كلّه لا يمكن أن يكون في حقِّ الله -تبارك وتعالى-؛ فهو بكل شيءٍ عليم، وكذلك هو غنيٌّ عن كل شيءٍ، كل شيءٍ فقيرٌ إليه، وهو أحكم الحاكمين، فلا تخرج ذرَّةٌ من مقدوراته عن حكمته وحمده، كما لم تخرج عن قُدرته ومشيئته، فحكمته نافذةٌ، حتى نفذت مشيئته وقُدرته.

ولهذا قال نبيُّ الله هود ﷺ وقد خوَّفه قومُه بآلهتهم: إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ۝ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ ۝ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [هود:54-56]، يعني: مع كونه قد أخذ بنواصي الخلق، فهو يتصرف فيهم كما شاء، فهو على صراطٍ مستقيمٍ، لا يتصرف فيهم إلا بالعدل، والحكمة، والإحسان، والرحمة.

فقوله: ماضٍ فيَّ حكمك مُطابقٌ لقوله: مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا.

وقوله: عدلٌ فيَّ قضاؤك مُطابقٌ لقوله: إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.

وهكذا في هذا الدُّعاء كما نرى: بدأ يتوسّل بأسمائه -تبارك وتعالى-، بأسماء الربِّ التي سمَّى بها نفسَه، ما علم العبادُ منها، وما لم يعلموا، سواء كان ذلك مما استأثر بعلمه، أو أطلع عليه بعضَ الأنبياء أو الملائكة، فإنَّ هذا التَّوسل من أعظم التَّوسل وأحبّه إلى الله -تبارك وتعالى-.

بقيت للحديث بقيةٌ نُكملها في مجلسٍ لاحقٍ.

أسأل الله أن يجعل لنا ولكم وللمسلمين من كلِّ همٍّ فرجًا، ومن كلِّ ضيقٍ مخرجًا، ومن كل بلاءٍ عافية، وأن يجعل القرآنَ العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وذهاب أحزاننا، وجلاء همومنا، وأن يُذكِّرنا منه ما نسينا، وأن يُعلِّمنا منه ما جهلنا، وأن يرزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النَّهار على الوجه الذي يُرضيه عنا.

والله أعلم، وصلَّى الله على نبينا محمدٍ، وآله وصحبه.

  1. أخرج أحمد في "المسند"، برقم (3712)، وقال محققوه: إسناده ضعيف.
  2. "مجموع الفتاوى" (17/431).
  3. "إعلام الموقعين عن ربِّ العالمين" (1/125)، و"الأمثال في القرآن" (ص23)، و"الجواب الكافي لمن سأل عن الدَّواء الشَّافي = الدَّاء والدَّواء" (ص208).
  4. "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد" (10/186)، برقم (17445).
  5. "الإنصاف في حقيقة الأولياء وما لهم من الكرامات والألطاف" (ص102).
  6. في تعليقه على "مسند الإمام أحمد"، حديث رقم (4318).
  7. "السلسلة الصحيحة"، برقم (199).
  8. في تعليقه على حديث رقم (3712)، من "مسند الإمام أحمد"، ط. الرسالة.
  9. في تحقيق "الأذكار" للنووي، ت: الأرناؤوط (ص123).
  10. "مجموع الفتاوى" (12/256-257).
  11. "مجموع الفتاوى" (10/16).
  12. "مجموع الفتاوى" (10/17).
  13. انظر: "زاد المعاد في هدي خير العباد" (4/189-190)، و"الطب النبوي" لابن القيم (ص153).

مواد ذات صلة