الأربعاء 04 / ربيع الأوّل / 1442 - 21 / أكتوبر 2020
(308) ما يقال عند الذبح أو النحر
تاريخ النشر: ٠٧ / جمادى الأولى / ١٤٣٦
التحميل: 1687
مرات الإستماع: 1534

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

أما بعد: فهذا باب "ما يُقال عند الذَّبح أو النَّحر"، يقول:"بسم الله، والله أكبر، اللهم منك ولك، اللهم تقبل مني"، هذه الصِّيغة بهذا التركيب جمعها من روايتين من حديث جابر بن عبد الله -رضي الله تعالى عنه وأرضاه-؛ ولذلك وضع هذه الزيادة بين معقوفين: [اللهم منك ولك].

وقد جاء حديثُ جابر -رضي الله تعالى عنه- في "صحيح مسلم"، قال: شهدتُ مع رسول الله ﷺ الأضحى بالمصلّى -مُصلّى العيد-، فلمَّا قضى خطبتَه نزل من منبره، وأُتي بكبشٍ، فذبحه رسولُ الله ﷺ بيده، وقال: بسم الله، والله أكبر، هذا عني وعمَّن لم يُضحِّ من أُمَّتي[1].

والشَّاهد فيه أنَّه قال: بسم الله، والله أكبر، فهذا الذي في "صحيح مسلم" من حديث جابر ، وفي غير "صحيح مسلم": كسنن أبي داود وغيره، جاءت هذه الزيادة التي ذكرها المؤلفُ، فقد جاء عن جابر   قال: "ذبح النبيُّ ر يوم الذَّبح كبشين أقرنين، أملحين، موجوأين، فلمَّا وجَّههما قال: إني وجهتُ وجهي للذي فطر السَّماوات والأرض، على مِلّة إبراهيم حنيفًا، وما أنا من المشركين، إنَّ صلاتي ونُسكي ومحياي ومماتي لله ربِّ العالمين، لا شريكَ له، وبذلك أُمرتُ، وأنا من المسلمين، اللهم منك ولك، وعن محمدٍ وأُمّته، بسم الله، والله أكبر، ثم ذبح"[2].

فقوله في الرِّواية الأولى:"شهدتُ مع رسول الله ﷺ الأضحى بالمصلّى"، السُّنة أن تُصلّى صلاةُ العيد بالمصلّى خارج البُنيان، خارج البلد.

"فلمَّا قضى خُطبتَه نزل من منبره"؛ لأنَّ خطبةَ العيد تكون بعد الصلاة كما هو معلومٌ.

"فلمَّا قضى خطبته نزل من منبره، وأُتي بكبشٍ فذبحه رسولُ الله ﷺ بيده"، هذه هي السّنة: أنَّ الإمام يكون هو الذي يذبح أولًا، والسّنة أن يذبح بالمصلّى، ولكن لا شكَّ أنَّ أحوالَ الناس اليوم تغيّرت؛ فقد لا يكون ذلك مُهيَّأً، فلو كانت الحالُ ربما في مكانٍ يتهيّأ فيه ذلك، فهذه هي السّنة، فيذبح؛ ليقتدي به الناس، وإظهارًا لهذه الشَّعيرة التي هي من شعائر الدِّين، ومن أجلّ القُربات؛ فإنَّ إراقةَ الدماء تقرُّبًا إلى الله -تبارك وتعالى- في هذا من بذل المال، وأيضًا من العمل الذي يُحبّه الله -تبارك وتعالى-، وقد قال النبي ﷺ: أفضل الحجّ العَجّ والثَّجّ[3]، فالعجّ: هو رفع الصّوت بالتَّلبية، والثّجّ: إراقة الدِّماء؛ دماء الهدي، فأهل الأمصار يذبحون الأضاحي.

والأقرب أنَّ الأفضل بالنسبة للحاجِّ أن يذبح البدنَ: الإبل، ثم البقر، ثم الغنم، وقد أهدى النبيُّ ﷺ مئةَ بدنةٍ لما حجَّ -عليه الصلاة والسلام-، ولكن حينما كان في المدينة ضحَّى بكبشين كما دلَّ عليه الحديث؛ ولذلك فإنَّ الأقرب -والله أعلم- أن تكون الأُضحيةُ بالضَّأن، وليس بالإبل، وإن لم يكن هذا محلّ اتِّفاقٍ، لكن فعل النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- هو الأكمل والأفضل.

فالسنة أن يكون ذلك بالضَّأن، ويصحّ بالبدن، والبقر، وبسُبْع البدنة، كما يصحّ أيضًا بالمعز بشرطه، يعني: إذا بلغت السنَّ التي تُجزئ فيها الأُضحية، هذا هو المشروع.

وأمَّا في العقيقة: فإنَّ السنة قطعًا أن يكون ذلك بالغنم، وأمَّا العقيقة بالإبل أو بالبقر فذلك خلاف المشروع، وقد أُنكر على مَن فعل ذلك في أواخر زمن الصَّحابة -رضي الله تعالى عنهم-، وذلك أنَّه جاء من قوله ﷺ التَّنصيص على نوع العقيقة التي تكون بالنسبة للمولود: أنَّ ذلك يكون بالغنم.

وقوله: "فلمَّا قضى خُطبته نزل من منبره، وأُتي بكبشٍ، فذبحه رسولُ الله ﷺ بيده"، هذه هي السنة: أن يتولى ذبحَ الأُضحية بيده، سواء كان رجلًا أم امرأةً.

بعض العامَّة يظنون أنَّ المرأة لا تذبح مطلقًا، وبعضهم يظنون أنها لا تذبح الأُضحية، ليس كذلك، بل المشروع أن يتولى ذبح أُضحيته، سواء كان رجلًا أم امرأةً، لكن إن كان لا يُحسن الذَّبح، أو ليس به جسارة: كأن تكون المرأةُ تخاف وتجبن عن هذا؛ فلا بأس أن يتولى الذَّبحَ غيرُها، لكن السّنة أن يتولى ذبحَ أُضحيته بنفسه.

"فذبحه رسولُ الله ﷺ بيده، وقال: بسم الله"، هنا الواو لمطلق الجمع، فإنَّ التَّسمية تكون بين يدي الذبح، لا تكون بعده،فلا يُفهم من هذا أنَّه ذبحه وقضى ذبحَه ثم قال: بسم الله، لا، وإنما لمطلق الجمع: بسم الله، والله أكبر، هذا عني وعمَّن لم يُضحِّ من أُمَّتي، وفي الرِّواية الأخرى: "أنه ذبح كبشين أقرنين"[4]، فهنا ذكر العدد: "أقرنين، أملحين، موجوأين، أو موجأين. اختلف العلماء في ضبطها، وسيأتي الكلامُ على ذلك.

فالشاهد أنَّ قوله ﷺ: بسم الله، والله أكبر، هذا عني وعمَّن لم يُضحِّ من أُمَّتي، وهذا من رحمته ﷺ ولُطفه، ورفقه بأُمَّته، وحرصه على مصالحها الدُّنيوية والأُخرويَّة.

اللهم يعني: يا الله، هذاأي: الكبش، أو ما ذُكر من الكبشين كما في الرِّواية الأُخرى، عني يعني: اجعله أُضحيةً عني، وعمَّن لم يُضحِّ من أُمَّتي كما في بعض رواياته، صفة هذه الأُضحية كما جاء في الرِّواية الأخرى: "جيء بكبشين موجأين، أو موجوأين"، "كبشين أملحين"، الأملح هو الذي يكون في لونه الأبيض، وبين تضاعيف صوفه سواد، يُقال له: أملح، يجمع بين البياض والسَّواد، يكون البياضُ هو الغالب فيه.

والموجوأين يعني: هو الذي نُزع أُنثياه: إمَّا نزعًا، يعني: أن يكون هذا تارةً بالصّرم والقطع، وإمَّا أن يكون ذلك باستخراج ذلك دون قطعهما، يعني: أنَّه يسحب الأُنثيين بحيث تنقطع شهوتُه بالكلية، ويُبقي ذلك في موضعه، لكنَّه كأنَّه قد فصل ارتباطهما، بحيث ينزع ذلك من غير جراحةٍ.

وهناك طريقة ثالثة بالرضّ، رضّ العروق التي ترتبط بهما الأُنثيان، فيكون ذلك إطفاءً لشهوته بالكليّة.

طرقٌ مُتعددةٌ عند العرب معروفة، فهذا يكون أطيبَ للحمه، ويكون أوفر وأكثر، يعني: يكون ممتلئًا إذا حصل به ذلك، ثم بعد ذلك يكون أطيبَ أيضًا للحمه: "أقرنين، أملحين، موجوأين".

وقد قال جمعٌ من أهل العلم: بأنَّ الأفضل في الأُضحية أن تكون بهذه الصِّفة: أقرن؛ له قرون، أملح كما وصفتُ.

وبعضهم يقول: الموجوء أفضل؛ لأنَّ ذلك أوفر في لحمه، لكن اللون هل يُؤثر؟

لا شكَّ أنَّ ذا القرون أكمل ممن يكون أجمًا لا قرونَ له، لكن اللون هل يُؤثر، أو لا يُؤثر؟

بعض أهل العلم يقول: اللون يُؤثر في لحمه؛ فالأملح يكون أطيبَ لحمًا، وهذا يُمكن أن يُرجع فيه لأهل الخبرة: إمَّا بكثرة التّجربة، أو بالمعرفة والبحث والدِّراسة والتَّشريح، يعني: الذين لهم علمٌ بالطبِّ البيطري: هل الألوان تُؤثر في اللَّحم، أو أنَّ الذي يُؤثر فيها المرعى فحسب؟

بعض أهل العلم يقول: اللون يُؤثر؛ ولذلك استحبّوا الأملح على غيره.

وبعضهم قيّده قال: إن كان اللونُ يُؤثر فالأملح أفضل، وإن لم يكن يُؤثر فإنَّ ذلك ...

وقد جاء في وصفهما في روايات أخرى –يعني: في وصف هذين الكبشين في حديث عائشة رضي الله عنها-: "أنهما ينظران في سوادٍ، ويأكلان في سوادٍ، ويمشيان في سوادٍ"[5]، ما معنى ذلك؟

أنَّ حول العينين سواد، وكذلك حول الفم سواد، والقوائم سوداء: يمشيان في سوادٍ، وينظران في سوادٍ، ويأكلان في سوادٍ، فهذا هو المراد، والله تعالى أعلم.

بعض أهل العلم كره الموجوء، قالوا: لأنَّ هذا يكون لنقص العضو.

والواقع أنَّ هذا العضو إزالته تكون كمالًا فيه من جهة ما يُطلب؛ وهو اللَّحم، فإنَّ الأُضحية لا يُطلب فيها كمالٌ لا يحتاج إليه الناسُ، فمثل هذا الموضع لا يُؤكَل أصلًا، فإذا قُطِعَ، وكان ذلك أوفر في لحمه وأطيب؛ فإنَّ ذلك لا يُؤثر فيه؛ ولذلك ما كان بهذه الصِّفة فإنه مجزئٌ في الأضاحي، بدليل أنَّ النبي ﷺ ضحَّى به.

ويُؤخذ منه كما سبق: أنَّه يُشرع للمُضحِّي أن يقوم بذلك بنفسه،في الرِّواية الأخرى قال: وجَّهتُ وجهي، يعني: وجهتي، كما سبق في الكلام على الأذكار التي وردت فيها هذه الجملة: وجَّهتُ وجهي وجهتي، أو الوجه، ويكون ذلك دالًّا أيضًا على الذَّات: للذي فطر السَّماوات والأرض أبدعهما، حنيفًا الحنف: كثيرٌ من أهل اللُّغة والمفسّرين وغيرهم يقولون: هو الميل، وأنَّ ذلك يُقال له: الأحنف، يعني: مَن كان فيه ميلٌ في مقدم القدمين، ومنه قول أمّ الأحنف بن قيس حينما كانت تُرقّصه وهو صغيرٌ:

والله لولا حنفٌ برجله ما كان في فتيانكم من مثله[6]

فهذا هو الحنف، هذا المشهور، يعني: أنه مائلٌ عن سائر الأديان إلى دين الإسلام، مع أنَّ بعضَ أهل العلم -ومنهم كبير المفسّرين أبو جعفر ابن جرير رحمه الله- فسّر الحنف بالاستقامة[7]، وقالوا: قيل للأحنف، يعني: المائل القدمين، أو مقدم الرِّجلين، قالوا له ذلك تفاؤلًا، كما قالوا للفلاة المهلكة قالوا عنها: مفازة، كأنَّه يفوز بقطعها، وقالوا للديغ تفاؤلًا: سليم، فكانت العربُ تتفاءل بمثل هذه الأسماء، وهكذا، فهذا يحتمل.

قال: وما أنا من المشركين هذا تأكيدٌ للتوحيد: وجَّهتُ وجهي للذي فطر السَّماوات والأرض:

فلواحدٍ كُنْ واحدًا في واحدٍ أعني: سبيلَ الحقِّ والإيمان[8]

يجمع أنواع التوحيد: توحيد المعبود -جلَّ جلاله-، وتوحيد الوجهة والصِّراط الذي يسلكه، وهو الصِّراط الذي رسمه اللهُ لعباده من أجل سلوكه: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ[الأنعام:153].

"فلواحدٍ" هو الله،"كن واحدًا" في وجهتك، "في واحدٍ" في طريقٍ واحدٍ، وهو صراطه المستقيم، أعني: سبيل الحقِّ والإيمان: وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ[يونس:90]، إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي[الأنعام:162]، الصَّلاة معروفة، والنُّسك فُسّر بالنَّسيكة، النُّسك يُطلق بإطلاقٍ واسعٍ، وهو العبادة، ويُطلق بإطلاقٍ أضيق، وهو أعمال الحجِّ، وما والاه، وما اتَّصل به، يُقال: المناسك، يُؤدِّي النُّسك، ونحو ذلك، ويُقال أيضًا: النُّسك والنَّسيكة للذَّبيحة: إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي قيل: الذَّبيحة التي يُتقرّب بها إلى الله-تبارك وتعالى-.

وأصل ذلك يُقال للفضّة المذابة التي لا شوبَ فيها، وكلّه ما يُتقرب به إلى الله -تبارك وتعالى-، يُقال له: نسيكة، ويُقال ذلك للذَّبيحة التي تُذْبَح تقربًا إلى الله .

والذَّبائح ثلاث:

ذبيحة يُتقرب بها إلى الله، فهي عبادة: كالأُضحية، والهدي، والعقيقة، ونحو ذلك مما يُشرع: كالنَّذر، والذَّبائح التي أمر الله بها في الكفَّارات، ونحو ذلك.

النوع الثاني: ذبيحة اللَّحم، هذه يُطلب فيها أن يُسمّي الله -تبارك وتعالى-، وألا يذكر غيرَه، ألا يذبح على غير اسم الله ، ولا يتقرّب بها إلى معبودٍ من المعبودات الباطلة، هي ذبيحة لحمٍ، يعني: ما ذبحها قُربةً، هو ذبحها للحمٍ، فهذا لا إشكالَ فيه، فهو أمرٌ سائغٌ مُباحٌ.

النوع الثالث: وهي الذَّبائح الشّركية التي تُذبح للجنِّ، إذا بنى دارًا، أو حفر بئرًا، أو غير ذلك، قالوا: اذبح على عتبة الباب، اذبح على شفا البئر، ونحو ذلك، هذه للجنِّ، فهذه لا تجوز، وهذا شركٌ بالله ، شركٌ أكبر.

وكذلك أيضًا الذَّبائح التي تُذبح للموتى، للمقبورين، للأضرحة، والذَّبائح التي تُذبح للأصنام، والأوثان، والأشجار، والتي تُعبد من دون الله ، فهذه شركٌ أكبر يُخرج من الملّة.

فهذه الأنواع الثلاثة في الذَّبائح: إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي يعني: يحيى ويموت، لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[الأنعام:162]، يعني: أنَّ الحياة مُستغرقة ما بين الحياة والموت في التَّوجه إلى الله، والتَّقرب إليه .

لِلَّهِ فهذه الإضافة تكون للملك، حياتي ملكٌ لله ، يُحييني متى شاء، ويُميتني إذا شاء، متى شاء، فهذا كلّه أنا فيه ملكٌ له.

هذا أحد المعاني في تفسيرها، أو أنَّ ذلك باعتبار ما يصرفه العبدُ في حياته وموته من جهدٍ ومالٍ وعملٍ وطاعةٍ وقُربةٍ: أنَّ ذلك جميعًا لربه وخالقه -جلَّ جلاله-. 

رَبِّ الْعَالَمِينَ والربّ عرفنا أنَّه يُقال للمالك، والسّيد، والمربّي، والمدبّر، والمتصرّف، وما إلى ذلك، فكلّ ذلك يُقال فيه.

فهذا مما يمكن أن يُضاف عند الذَّبح، يقول: "بسم الله" يعني: مُستعينًا به، أو أذبح بسم الله، وهنا كما قال الله وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا[الحج:36]، يعني: عند نحرها.

اللهم يا الله،منك هذه الأُضحية عطيّة ومنحة منك، واصلة إليَّ، منك ولك، فهي مذبوحة للتَّقرب إليك -جلَّ جلالك، وتقدَّست أسماؤك-.

فالعبادة لله -تبارك وتعالى-، هذا منك ولك، والاستعانة به، كما يقول شيخُ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في "التّدمرية"، يقول كما في هذا الحديث: "فما لم يكن بالله لا يكون؛ فإنَّه لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله، وما لم يكن لله لا ينفع ولا يدوم: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ[الفاتحة:5]"[9].

"ما لم يكن بالله لا يكون" يعني:إن لم يُعن الله عليه فإنَّه لا يكون، فالإنسان ضعيفٌ.

"وما لم يكن لله لا ينفع ولا يدوم" ينقطع إذا ذهب ما يُرجيه من هؤلاء المخلوقين، فقد يفعل أعمالًا من القُربات أو الطَّاعات، أو الذّهاب والمجيء ونحو ذلك؛ رجاء ما عند المخلوق، لكن هذا ما يلبث أن ينقطع ويتلاشى، أمَّا ما كان لله -تبارك وتعالى- فهو الذي يدوم.

وعلى العبد المؤمن أن يربط قلبَه بربه -تبارك وتعالى-، ويتوجّه إليه بكُليته، ولا يلتفت لأحدٍ من المخلوقين: يرجوهم أن يُعطوه، أو أن يمنعوه، فإنَّ تعلّق القلب بمخلوقٍ يكون سببًا للخذلان والخيبة.

ويُؤخذ منه أيضًا: أنَّ المشروع أن يذبح المؤمنُ من الأضاحي أضحيةً واحدةً تكفي عنه وعن أهل بيته، أمَّا هذا الذي توسّع فيه الناسُ فإنه غير مشروعٍ: الزوجة تُضحِّي، والبنت تُضحِّي، والولد يُضحِّي، وكلّ هؤلاء، ويُذبح بالبيت خمس أو ستّ أو أكثر، هذا غير مشروعٍ، واحدة عن الجميع: عن الرجل، وعن أهل بيته، هذا حيث يشتركون في الأجر، لا يشتركون في تملّكها؛ فإنَّ الشاةَ لا يشترك في ملكيّتها أكثر من واحدٍ.

وما يسأل عنه الناس، كثيرٌ من الناس في أيام الأضحى يريد هذا: أن يدفع جزءًا من قيمتها، والآخر يدفع جزءًا، والثالث والرابع، وهي شاة، فيشترك فيها أهلُ البيت، هذا غير صحيحٍ، إنماتكون ملكًا لواحدٍ، ولكن هؤلاء يشتركون معه في الثَّواب والأجر فحسب، لكن هذه هي أُضحيته، هو الذي يُمسِك عن قصِّ الشعر، والأخذ من البشرة؛ لأنها تعلّقت به، أمَّا البقية فإنهم يقصّون، ونحو ذلك، وإذا سُئل: هل ضحّيتَ؟ هل لك أُضحية؟

يقول: لا، ولكنَّها أُضحية واحدة لأبيهم، أو نحو ذلك تكفي عن الجميع، أمَّا الاشتراك بعينها، برأسها تملكًا فإنَّ ذلك يكون في سُبْع البدنة، البدنة لسبعة، الإبل، وكذلك البقرة.

فهذا هو المشروع: أن تكون واحدة، وهذا الذي ذهب إليه جمعٌ من الأئمّة: كالإمام أحمد، والليث بن سعد، والأوزاعي، وإسحاق بن راهويه.

وجاء هذا عن جمعٍ من الصَّحابة: كابن عمر، وأبي هريرة[10]-رضي الله عنهم أجمعين-.

هذا ما يتعلّق بهذا الحديث.

والله تعالى أعلم، وصلَّى الله على نبينا محمدٍ وآله وصحبه.

 

 

  1. أخرجه أبو داود: كتاب الضحايا، بابٌ في الشاة يُضحّى بها عن جماعةٍ، برقم (2810)، وأحمد في "المسند"، برقم (14895)، وقال مُحققوه: "صحيحٌ لغيره"، وصححه الألباني في "إرواء الغليل"، برقم (1138).
  2. أخرجه أبو داود: كتاب الضَّحايا، باب ما يُستحبّ من الضَّحايا، برقم (2795)، وضعّفه الألباني في تحقيق "مشكاة المصابيح"، برقم (1461).
  3. أخرجه الترمذي: أبواب الحجِّ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب ما جاء في فضل التَّلبية والنَّحر، برقم (827)، وحسَّنه الألباني في "صحيح الجامع"، برقم (1101).
  4. متفق عليه:أخرجه البخاري: كتاب الأضاحي، بابٌ في أضحية النبي -صلى الله عليه وسلم- بكبشين أقرنين، ويذكر: سمينين، برقم (5554)، ومسلم: كتاب الأضاحي، باب استحباب الضّحية، وذبحها مباشرةً بلا توكيلٍ، والتَّسمية والتَّكبير، برقم (1966).
  5. أخرجه مسلم: كتاب الأضاحي، باب استحباب الضّحية، وذبحها مُباشرةً بلا توكيلٍ، والتَّسمية والتَّكبير، برقم (1967).
  6. انظر: "تفسير القرطبي" (2/140)، و"أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن" (2/465).
  7. "تفسير الطبري = جامع البيان" ط. هجر (5/485).
  8. "نونية ابن القيم = الكافية الشافية" (ص219).
  9. "التدمرية" (ص232).
  10. انظر: "الاستذكار" (5/239-241)، و"التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" (12/157)، و"المغني" لابن قُدامة (9/437).

مواد ذات صلة