الجمعة 06 / ربيع الأوّل / 1442 - 23 / أكتوبر 2020
(322) فضل التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير "أحب الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمدلله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لا يضرك بأيهن بدأت"
تاريخ النشر: ٠١ / جمادى الآخرة / ١٤٣٦
التحميل: 1571
مرات الإستماع: 1547

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

أما بعد: مما يدلّ على فضل الذكر ما جاء من حديث سمرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسولُ الله ﷺ: أحبّ الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر،لا يضرّك بأيهنَّ بدأت.

هذا الحديث أخرجه الإمامُ مسلم في "صحيحه"[1].

وجاء في بعض الرِّوايات في غير "صحيح مسلم": أطيب الكلام[2].

وكذلك أيضًا جاء في آخره في بعض الروايات عند بعض أصحاب السنن قال: وهنَّ من القرآن[3].

وكذلك أيضًا جاء في بعض رواياته أنَّه قال: أفضل الكلام[4].

فقوله: أحبّ الكلام إلى الله أربع، "أحب الكلام" يعني: الأكثر محبوبية إلى الله -جلَّ جلاله- أربع كلمات.

وكذلك أيضًا الرِّواية الأخرى: أفضل الكلام، بمعنى: أنَّ ذلك أعلاه منزلةً ومرتبةً، فهو أجلّ الكلام وأرفعه، وأكثره عائدةً، وأجرًا، وثوابًا عند الله -تبارك وتعالى-: أفضل الكلام.

وذلك أنَّ هذه المحبوبية، وهذا الفضل، حيث تميزت هذه الكلمات الأربع عن غيرها: أنَّ ذلك من ذكر الله -تبارك وتعالى-، هذا من جهةٍ، ثم إنَّ هذا الذكر يتفاوت؛ فهذه الكلمات الأربع: سبحان الله هذا يدلّ على التَّنزيه، والتَّنزيه يستجمع أوصافًا لله -تبارك وتعالى- قد جاءت في كتاب الله، وفي سنة رسوله ﷺ، وذلك كما تضمّن اسمه القدّوس، فإنَّه يدلّ على معنى التَّطهير والتَّنزيه.

وكذلك أيضًا التَّسبيح باستعمالاته المتنوعة، وقد جاء في كتاب الله -تبارك وتعالى- في أكثر من ثمانين موضعًا، تارةً يأمر به: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى[الأعلى:1]، يعني: سبّح ربَّك ذاكرًا اسمه، وتارةً يكون ذلك بإضافته إلى خيار خلقه وأشرفهم من الملائكة والرسل -عليهم السلام-، أنهم يُسبّحون الله -تبارك وتعالى-،يُسبّحون بحمد ربهم.

وكذلك أيضًا جاء بالصيغ المتنوعة في المستقبل: بصيغة الأمر: "سبِّحْ"، وفي الماضي:"سبَّحَ"، وكذلك في المضارع الذي يدلّ على التَّجدد: "يُسبِّحُ لله"، كلّ هذا قد جاء في كتاب الله -تبارك وتعالى-.

فهذه "سبحان الله" بمعنى: التَّنزيه لله -تبارك وتعالى-، فهي تدلّ على الأوصاف المتعلقة بالتَّنزيه والتَّقديس، ومعلومٌ أنَّ التنزيه والتَّقديس يتضمن ثبوت كمال ضدّه، فكلّ سلبٍ للنَّقائص فيما يتَّصل بالله -تبارك وتعالى- فذلك لثبوته، فإذا نزّه عن كل عيبٍ ونقصٍ، فهذا يتضمن أو يستلزم أنه قد ثبتت له جميع أوصاف الكمال: "سبحان الله، والحمد لله"، وقد مضى الكلامُ على هذه الجُمَل من حيث المعنى، وأنَّ الحمد هو إضافة أوصاف الكمال لله -تبارك وتعالى-.

الحمد لله عرفنا الفرق بين الحمد والثناء؛ فإضافة أوصاف الكمال حمدٌ، وإعادته ثانيًا ثناءٌ، والكثرة منه تمجيدٌ، كما يدلّ عليه: إذا قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[الفاتحة:2] قال: حمدني عبدي، فإذا قال: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ[الفاتحة:3] قال: أثنى عليَّ عبدي؛ لأنَّه ثنَّى الحمد، فإذا قال: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ[الفاتحة:4] قال: مجَّدني عبدي[5]، والمجد يدل على الكثرة في أوصاف الكمال.

ثم قال: ولا إله إلا الله، وعرفنا أنَّ هذه كلمة التوحيد، وما تضمنته في شقّيها من النَّفي والإثبات: فـ"لا إله" نفيٌ لكلِّ ما يُعبد من دون الله -تبارك وتعالى-، وهي نفيٌ أيضًا بالتضمن والالتزام، كذلك أيضًا ما يتبع ذلك منالعابدين، وكذلك أيضًا العبادات الباطلة التي يتقرّب بها المشركون، وكذلك أيضًا البدع والمحدثات، وهكذا أيضًا أنواع المخالفات والمعاصي.

وإلا الله تدلّ على الإثبات؛ إثبات الوحدانية لله -تبارك وتعالى-.

والله أكبرعرفنا أنَّ ذلك بمعنى: أنه أكبر من كل شيءٍ على الإطلاق، فهو أكبر من كل كبيرٍ، أكبر من كل الذَّوات التي تُوصف بالكبر، وكذلك أيضًا هو أكبر من كل ما هو كبير عند الناس من العلوم والعالمين، وكذلك أيضًا أهل الجدة، وأصحاب العقول، ونحو ذلك، فالله أكبر من ذلك كلِّه.

قال: لا يضرّك بأيهنَّ بدأتَ يعني: أنَّك إن بدأت بأولها، أو بآخرها، أو بوسطها، أو غير ذلك؛ فذلك كلّه لا ينقص من أجرك شيئًا؛ لأنها جُمل مُستقلّة، وهي من ذكر الله -تبارك وتعالى-، فالتَّقديم والتَّأخير فيها لا يضرّ.

وقد ذكرتُ في مقدّمات هذه المجالس في الأذكار: أنَّ هذا مما يستدلّ به على أنَّ ما يُقال بعد الصَّلاة: "سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر"، أو "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر"، أنَّ هذه تُقال على هذا الترتيب، هذا هو الأفضل، وبيّنتُ وجه ذلك من جهة الارتباط في المعنى، وأنَّه لو قدَّم وأخَّرفيها؛ فإنَّ ذلك لا إشكالَ فيه، فله أن يُقدّم ويُؤخّر، وله أيضًا أن يقول ذلك على هذا النَّسق: "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر"، أو يقول:"سبحان الله" حتى يبلغ بها العدد الوارد، ثم يقول بعد ذلك: "الحمد لله"، ثم يقول:"لا إله إلا الله"، ثم يقول:"الله أكبر"، وهكذا: لا يضرّك بأيهنّ بدأتَ.

وفي الرِّواية التي أشرتُ إليها: وهنَّ من القرآن[6]، الثلاث الأول: "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله"، كلّ ذلك في القرآن، أمَّا الرابعة، وهي قول:"الله أكبر" فلم ترد في القرآن، ولكنه ورد مضمونها، فذلك كما في قوله -تبارك وتعالى-: وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا[الإسراء:111]، وكما في الذكر: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ[العنكبوت:45]، ونحو ذلك.

وقوله هنا: أحبّ الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر هذه الجُمَل قلنا: الجملة الأولى تدلّ على أوصاف التَّنزيه، تتضمّنها، والثانية: الحمد يكون على الإنعام والإفضال، فذلك يدلّ على أوصاف الجمال.

وكذلك أيضًا "لا إله إلا الله"، فإنها تدلّ على الوحدانية، فالأوصاف التي ترجع إلى هذا المعنى داخلة فيه، وأمَّا قوله: "الله أكبر" فإنها تدلّ على أوصاف العظمة.

ومن هنا قالوا: إنَّ جميع الصِّفات ترجع إلى هذه الكلمات الأربع، وبهذا الاعتبار صارت أحبّ الكلام إلى الله -تبارك وتعالى-، أو أفضل الكلام، وهذا يدلّ على تفاضل الكلام.

وبعض أهل العلم يقول: إنَّ قوله: أحبّ الكلام إلى الله، أو أفضل الكلام أنَّ ذلك ما عدا القرآن. هكذا فهمه بعضُ أهل العلم، باعتبار أنَّ القرآن هو أفضل الكلام، قالوا: فإنَّ ذلك يُفهم من أفعل التَّفضيل.

ولكن عرفنا في بعض المناسبات أنَّ أفعل التفضيل قد تأتي مُرادًا بها مُطلق الاتِّصاف، ولكن الذي يظهر هنا أنه يُراد بها التَّفضيل، لكن تأتي القاعدة الأخرى، وهي: أنَّ أفعل التفضيل تمنع من الزيادة، ولا تمنع من التَّساوي، يعني: أنَّ هذا أفضل الكلام، قد بلغ الغاية في الفضل، وذلك في جملة الذكر، ولا يمنع من وجود ما يبلغ الغاية من الذكر كذلك كالقرآن.

وقوله ﷺ: وهنَّ من القرآن[7] أيضًا، لاسيما هذه الكلمات الثلاث بنصِّها، والرابعة بمضمونها ومُقتضاها، فيبقى هذا على ظاهره: أنَّ ذلك أحبّ الكلام إلى الله، وأفضل الكلام.

وكما ذكرنا في بعض المناسبات، وفي المقدّمات أيضًا من أنَّ هذا الذكر يكون في كل مقامٍ بحسبه؛ فقد يكون هو الأفضل، كما لو كان بعد الصَّلاة، فالأفضل أن يقول الإنسانُ: "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر"، ولا يشتغل بقراءة القرآن.

كذلك أيضًا الإكثار من الصَّلاة على النبي ﷺ في ليلة الجمعة، ويوم الجمعة، أفضل من قراءة القرآن، وكذلك حينما يكون بعد العصر، وبعد الفجر، حينما يقول الأذكار، فذلك أفضل من قراءة القرآن، حتى يستتمّها.

فهذا في كل مقامٍ بحسبه: الاستغفار بالأسحار، وكذلك أيضًا ماجاء في غيره مما يتّصل بالذكر عند النوم، أو اليقظة، أو إذا حصلت له انتباهةٌ في نومه، فالذكر المذكور في ذلك الموضع أفضل من قراءة القرآن؛ ولذلك لا يُقال: بأنَّ شيئًا من ذلك هو الأفضل على الإطلاق، كما قال شيخُ الإسلام ابن تيمية [8] -رحمه الله-.

وقوله في هذا الحديث عن هذه الكلمات الأربع: أحبّ الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، هذا يقتضي أن يُكثر المؤمنُ من ذلك، فيقولذلك حيث ورد، كما في الوارد في الذكر بعد الصلاة، ويقوله أيضًا باعتبار أنه من الذكر المطلق في أوقاته المختلفة، يعني: أنه يقول ذلك في ذهابه، ومجيئه، وقيامه، وقعوده، وعلى جنبه، يستغرق الأوقات فيأفضل الذكر، فالأعمار قصيرة، والأعمال كثيرة، فما أفضل الذكر الذي يشغل به لسانه؟

فنحن هنا نتحدّث عن المفاضلة بين الأعمال الفاضلة، فأفضل الذكر ما هو؟ من أجل أن يستغلّ الإنسانُ ذلك، فكيف بالاشتغال بالكلام المباح؟! وكيف بالاشتغال باللَّغو الذي نزَّه اللهُ أهلَ الإيمان في الجنّة عنه: لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا[الواقعة:25]؟ لو كان في اللَّغو خيرٌ لسمعه أهلُ الجنة؛ ولذلكفإنَّ المجالس التي فيها لغوٌ وكلامٌ لا فائدةَ فيه؛ فإنَّ هذا من الشَّقاء والعناء، فكيف إذا كان هذا الكلامُ مُحرَّمًا: كالغيبة، والنَّميمة، والوقيعة في أعراض الناس والاشتغال بهم: هذا كذا، وهذا كذا، وهذا فعل كذا، وهذا طويلٌ، وهذا قصيرٌ، وهذا من الشَّمال، وهذا من الجنوب، وهذا من الشرق، وهذا من الغرب، وهذا من الوسط، وهذا من الهند، وهذا من السّند، وهذا من المشرق، وهذا من المغرب، ونحو ذلك مما يقصد به تنقّص الناس؟!

الإنسان لا شأنَ له بمثل هذا، فمَن أورد عليك ذلك في مجلسٍ فلا تُصْغِ إليه سمعك، والله يقول: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا[الإسراء:36]، وإنما يُقال له: سبِّح ربَّك، واحمده، وهلله، وكبّره تكبيرًا، هذا هو اللَّائق بأهل الإيمان.

فتجدون كلامَ أهل العلم كثيرٌ في المفاضلات بين الأذكار: ما هو أفضل الأذكار؟ ثم بعد ذلك نجد أننا نشتغل، لا أقول: بالأعمال الفاضلة من الذكر، أو المفضولة، وإنما نشتغل بأمورٍ لا طائلَ تحتها، أو مما تحصل به التَّبعة على المرء، ويكون ذلك ضررًا عليه في دينه، ويكون عليه ضرر في دنياه.

أسأل الله أن ينفعني وإياكم بما سمعنا، وأن يجعلنا وإياكم هُداةً مُهتدين.

والله أعلم، وصلَّى الله على نبينا محمدٍ، وآله، وصحبه.

 
  1. أخرجه مسلم: كتاب الآداب، باب كراهة التَّسمية بالأسماء القبيحة وبنافع ونحوه، برقم (2137).
  2. أخرجه أحمد في "مسنده"، برقم (20125)، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة المختصرة"، برقم (346).
  3. أخرجه أحمد في "مسنده"، برقم (20125)، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة المختصرة"، برقم (346).
  4. أخرجه ابن ماجه: كتاب الأدب، باب فضل التَّسبيح، برقم (3811)، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح"، برقم (2294).
  5. أخرجه مسلم: كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعةٍ، وإنه إذا لم يُحسن الفاتحة، ولا أمكنه تعلّمها قرأ ما تيسر له من غيرها، برقم (395).
  6. أخرجه أحمد في "مسنده"، برقم (20125)، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة المختصرة"، برقم (346).
  7. أخرجه أحمد في "مسنده"، برقم (20125)، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة المختصرة"، برقم (346).
  8. انظر: "مجموع الفتاوى" لابن تيمية (11/399).

مواد ذات صلة