الثلاثاء 10 / شوّال / 1441 - 02 / يونيو 2020
‏[1] من قوله تعالى: {الم ۝ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا} الآية:1 إلى قوله تعالى: {وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ} الآية:11‏
تاريخ النشر: ١٨ / ربيع الآخر / ١٤٣٢
التحميل: 11030
مرات الإستماع: 27475

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

قال المصنف -رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى:

الم ۝ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ۝ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ۝ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَاء مَا يَحْكُمُونَ [سورة العنكبوت:1-4]، أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة "البقرة".

وقوله: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ استفهام إنكار، ومعناه: أن الله لابد أن يبتلي عباده المؤمنين بحسب ما عندهم من الإيمان، كما جاء في الحديث الصحيح: "أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد  له في البلاء"، وهذه الآية كقوله: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [سورة آل عمران:142]، ومثلها في سورة "براءة".

وقال في البقرة: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [سورة البقرة:214]؛ ولهذا قال هاهنا: وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ أي: الذين صدقوا في دعواهم الإيمان مِمن هو كاذب في قوله ودعواه، والله يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، وهذا مجمع عليه عند أئمة السنة والجماعة؛ وبهذا يقول ابن عباس وغيره في مثل: إِلا لِنَعْلَمَ [سورة البقرة: 143] إلا لنرى؛ وذلك أن الرؤية إنما تتعلق بالموجود، والعلم أعم من الرؤية، فإنه يتعلق بالمعدوم والموجود.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد.

فقوله -تبارك وتعالى: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا يعني: أظن الناس أن يتركوا؟ والحسبان هنا بمعنى الظن، وقوله -تبارك وتعالى: وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ يعني: يمتحنون ويبتلون، وأصل الفتْن بمعنى الاختبار والامتحان؛ ولذا يقال لإدخال المعادن في النار من أجل أن تتخلص من شائبها فتصفوا معادنها، هذا أصل الفتْن، ولهذا قال الله -تبارك وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا [سورة البروج:10]، فتنوهم: فُسر بهذا وهذا، قيل: أحرقوهم بالنار في قصة الأخدود، وقيل: فتنوهم يعني في دينهم، والمعنيان متلازمان، فهم فتنوهم في دينهم، أرادوهم على الكفر، وأدخلوهم في النار من أجل ذلك.

وقوله -تبارك وتعالى: وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ، يعني: أن هذه هي سنته الجارية في عباده، والعلم هنا فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا الله يعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، فعلم مالم يكن لو كان كيف يكون كقوله مثلا: لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً [سورة التوبة:47]، والله -تبارك وتعالى- لما رد على المنافقين حينما وعدوا اليهود بأن ينصروهم وأن يخرجوا معهم قال: لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُوا لَا يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ [سورة الحشر:12]، هذا علم ما لم يكن لو كان كيف يكون، فأخبر عما لم يكن، لئن أخرجوا لا يخرجون معهم، فلم يخرجوا معهم، ولئن قوتلوا لا ينصرونهم، وكذلك كان.

فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا يعني في دعوى الإيمان، وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ الله يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، و المراد بقوله -تبارك وتعالى: فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ كما قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله: "والله يعلم ماكان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون وهذا مجمع عليه عند أئمة السنة والجماعة وبهذا يقول ابن عباس وغيره في مثل قوله: إِلا لِنَعْلَمَ، إلا لنرى؛ وذلك أن الرؤية إنما تتعلق بالموجود، والعلم أعم من الرؤية، فإنه يتعلق بالمعدوم والموجود"

يعني: أن الله -تبارك وتعالى- يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن، ما كان هذا الموجود وما يكون هذا المعدوم، قاله ابن عباس -رضي الله عنهما، وهو الذي مشي عليه ابن كثير، حيث فسر العلم هنا بمعنى خاص وهو الرؤية، وهذا معنى قول من قال من أهل العلم: إن العلم المراد به هنا علم تحقق الوقوع، فإن تحقق الوقوع هو المقصود هنا، وكلام ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- أي لنرى، وهو الذي فسره به ابن كثير-رحمه الله، وهذا معنى قول من قال: أي العلم الذي يترتب عليه الجزاء، فهذه عبارات متقاربة صحيحة لا إشكال فيها.

والعلم الذي يترتب عليه الجزاء ليس هو ما كان في علم الله -تبارك وتعالى، وإنما هو صدور ذلك ووقوعه من المكلف، هذا العلم الذي يترتب عليه الجزاء، وعلى هذا تحمل النصوص الواردة في هذا المعنى، والأشياء التي يذكر الله علمه عنها يصيغة: حتى نعلم كذا، كقوله مثلاً: حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ [سورة محمد:31] يعني حتى نعلم المجاهدين، المقصود بالعلم هنا علم الوقوع وهو الذي قال ابن كثير إن ابن عباس فسره بأخص من مطلق العلم وهو الرؤية، رؤية ذلك حصوله من المكلف، حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ أن يقع ذلك ويحصل ويتحقق، فهذا هو العلم الذي يترتب عليه الجزاء.

وأيضاً مثل: وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ [سورة البقرة:143]، الله يعلم من سيتبع الرسول ومن يرتد لكن المقصود العلم الذي يترتب عليه الجزاء، وهكذا إذا رأيت شيئاً من ذلك فهو محمول على ذلك المعنى؛ لأن الله بكل شيء عليم، لا يخفى عليه خافية، لا يخفى عليه من سيتبع الرسول ومن سينكص على عقبيه، والله تعالى أعلم.

وقوله: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ أي: لا يحسبن الذين لم يدخلوا في الإيمان أنهم يتخلصون من هذه الفتنة والامتحان، فإن مِن ورائهم من العقوبة والنكال ما هو أغلظ من هذا وأطم؛ ولهذا قال: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا أي: يفوتونا، سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ أي: بئس ما يظنون.

قوله: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا أن يسبقونا: يعني أن يفتنونا فلا نجازيهم، ولا نحاسبهم، ولا نعاقبهم على سيئاتهم فإن الله -تبارك وتعالى- قادر عليهم، ونواصي الخلق بيده لا يفوته منهم أحد إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا [سورة الرحمن:33].

مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ۝ وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ۝ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ [سورة العنكبوت5-7].

يقول تعالى: مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ أي: في الدار الآخرة، وعمل الصالحات رجاء ما عند الله من الثواب الجزيل، فإن الله سيحقق له رجاءه ويوفيه عمله كاملا موفوراً، فإن ذلك كائن لا محالة؛ لأنه سميع الدعاء، بصير بكل الكائنات؛ ولهذا قال: مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.

قوله -تبارك وتعالى: مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ معنى الرجاء: الحافظ ابن كثيرهنا لم يبين المراد به على وجه الخصوص، والرجاء يأتي بمعنى الطمع فلو فُسر به هنا لقيل: مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ يعني: من كان يطمع بلقائه -تبارك وتعالى، والقرطبي -رحمه الله- فسر الرجاء هنا بمعنى الخوف، ونقل عليه الإجماع، مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ أي من كان يخاف لقاء الله إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا [سورة يونس:7] يعني: لا يخافون لقاءنا، بهذا الاعتبار وعلى هذا المعنى لا يخافون لقاءنا، فيكون المعنى: قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ [سورة التوبة:29]، مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [سورة الطلاق:2]. 

كلام النبي ﷺ كثير، وكذلك جاء في القرآن مثل هذا، أن الإيمان باليوم الآخر هو الذي يدعو الإنسان ويحفزه إلى الامتثال والعمل، لو علم أنه سيحاسب ويجازى في يوم يقف فيه بين يدي الله -تبارك وتعالى، وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُواْ بَلَى وَرَبِّنَا [سورة الأنعام:30]، فهذا من لقاء الله .

وكذلك أخبرنا النبي ﷺ عن الحساب، وأن الله -تبارك وتعالى- يحاسب كل واحد بمفرده حساباً خاصاً، فهذا من لقاء الله ، وقد يطلق على ما بعد الموت عموماً فيقال: فلان لقي ربه بمعنى أنه ارتحل إلى الدار الآخرة قال: مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، والحافظ ابن كثير –رحمه الله- لم يفسر هنا فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍولو قيل: إن لقاء الله هو اليوم الآخر فإن ذلك له أجل معلوم، ولو فسر بالوقوف بين يديه في الحساب فذلك له أجل معلوم عند الله .

وقوله: وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ، كقوله: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ [سورة فصلت:46] أي: من عمل صالحا فإنما يعود نفع عمله على نفسه، فإن الله غني عن أفعال العباد، ولو كانوا كلهم على أتقى قلب رجل منهم ما زاد ذلك في ملكه شيئا؛ ولهذا قال: وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ.

قال الحسن البصري: إن الرجل ليجاهد، وما ضرب يوما من الدهر بسيف.

قول الحافظ ابن كثير -رحمه الله: إن الله سيحقق له رجاءه ويوفيه عمله ليس تفسيراً لـ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ، ولكنه من قبيل ذكر بعض لوازمه، فإذا جاء أجله -الأجل الوقت المعلوم- فإن الله سيجازي كل عامل بعمله، فيوفيه حسابه.

ثم أخبر أنه مع غناه عن الخلائق جميعهم، ومع بره وإحسانه بهم يجازي الذين آمنوا وعملوا الصالحات أحسن الجزاء، وهو أنه يكفر عنهم أسوأ الذي عملوا، ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون، فيقبل القليل من الحسنات، ويثيب عليها الواحدة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، ويجزي على السيئة بمثلها أو يعفو ويصفح، كما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [سورة النساء:40]، وقال هاهنا: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ.

فيما ذكره من الشواهد قوله تعالى:وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ فـ"أحسن" أفعل تفضيل، وبعض أهل العلم يفهم من مثل هذا أن الله تفضلاً منه وتكرماً على عباده يجازي أهل الإيمان بأحسن أعمالهم، يعني أن أعمالهم تنقسم الى أحسن وحسن، فهو لفضله -تبارك وتعالى- يعطيهم ويعاملهم أحسن الأعمال ويجازيهم بأحسن العمل الذي عملوه هذا معنى. 

وبعض أهل العلم يقول: إن أحسن هنا ليس المراد بها معنى أفضل التفضيل وإن كانت على صيغة أفعل التفضيل، ولكن المراد بها مطلق الوصف بمعنى أن الله -تبارك وتعالى- يجازيهم بالحسن من أعمالهم، ويتجاوز عن السيء، ولا شك أن أفعل التفضيل قد تأتي ويراد بها مطلق الاتصاف، ومنه على أحد القولين -وهو الأقرب والله تعالى أعلم- وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى [سورة الليل:17]، ومعلوم أن من السلف من فسره بأفعل التفضيل، وقال: المراد: أبو بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه- فسر بهذا: الأتقى -أفعل التفضيل، والأقرب -والله تعالى أعلم- أن المراد مطلق الاتصاف، يعني سيجنبها التقي من الناس، وذكرت شاهداً عليه وهو قول الشاعر:

تمنى رجالٌ أن أموت وإن أمت فتلك سبيلٌ لست فيها بأوحدِ

يعني: لست فيها بواحد، فمن أهل العلم من فسر قوله -تبارك وتعالى: وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ يعني: ولنجزينهم بالحسن، أحسن بمعنى الحسن، فيكون قد جمع لهم بين تكفير السيئات والجزاء على الأعمال الحسنة.

ومن أهل العلم من فسره -وهو قول كبير المفسرين ابن جرير -رحمه الله- بأن المراد: وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ يعني أحسن الذي كانوا يعملون في حال شركهم، فأعمالهم في حال الشرك منقسمة فيجزيهم بأحسنها قال هنا: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ يعني: في حال دخولهم في الإسلام تكفر عنهم السيئات ويجزون بالأحسن من أعمالهم، لكن يبقى السؤال في هذا أن أعمالهم منها ما هو حسن ومنها ما هو أحسن، ومنها ما هو سيء لكن يمكن أن يقول: إن القسمة بهذا الاعتبار هذا أحسن وهذا أسوء، فيكون الجزاء بالأحسن أو على الأحسن، فالأحسن يدخل فيه الحسن إذا جعلت القسمة ثنائية، وابن جرير -رحمه الله- من أين أخذ هذا؟ ذلك باعتبار ما كان في حال الشرك أنه قال هنا: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ دخلوا في الإيمان، وهذه السورة مكية وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ التي مضت وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ لكن بالنسبة لأهل الإيمان الذين يعملون السيئات، هل يقال بأن من كان مؤمناً فإن الله يجزيه بالأحسن من أعماله أو بالحسن بإطلاق؟ كل من كان مؤمناً وعمل الصالحات فإن الله يجزيه بهذا.

ابن جرير لاحظ هذا المعنى فقال: هذا لمن دخل في الإيمان فهو وعد من الله أن يكفر عنه؛ لأن الإيمان يجبّ ما قبله، ولكنه أسلم على ما أسلف فيجزيه على أعماله الصالحة الطيبة، لكن بالنسبة لعموم المؤمنين إذا وقع منهم بعد الإيمان السيئة فهم تحت المشيئة، إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم، ومعلوم أن من أهل الإيمان من يدخل النار، وهذا يعني أنه لم تكفر عنه سيئاته، وليس لعموم أهل الإيمان وعد بهذا، ولهذا كان منقبة لأهل بدر أن الله قال: اعملوا ما شئتم قد غفرت لكم [1]

وفي مثل هذا المقام يحسن أن تُجمع نظائر ذلك من القرآن في الآيات التي فيها تكفير السيئات، ثم بعد ذلك ينظر إلى اعتبار المجموع أن الآيات يفسر بعضها بعضاً، لكن هنا الكلام على توجيه كلام ابن جرير -رحمه الله، يعني: من الناس قد يستبعد هذا من أول وهلة، فلماذا حمله على هذا المعنى الخاص -في حال شركهم- فقال هذا التوجيه؟ الذي حمله هو ما ذكرت وإلا فالمقام يحتاج الى تتبع، ونظر في النصوص الواردة في هذا الباب، والله تعالى أعلم.

وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ۝ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ [سورة العنكبوت:8، 9].

يقول تعالى آمرا عباده بالإحسان إلى الوالدين بعد الحث على التمسك بتوحيده، فإن الوالدين هما سبب وجود الإنسان، ولهما عليه غاية الإحسان، فالوالد بالإنفاق والوالدة بالإشفاق؛ ولهذا قال تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا ۝ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [الإسراء:23، 24].

ومع هذه الوصية بالرأفة، والرحمة، والإحسان إليهما في مقابلة إحسانهما المتقدم قال: وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا، أي: وإن حَرَصا عليك أن تتابعهما على دينهما إذا كانا مشركين، فإياك وإياهما، لا تطعهما في ذلك، فإن مرجعكم إلي يوم القيامة، فأجزيك بإحسانك إليهما،  وصبرك على دينك، وأحشرك مع الصالحين لا في زمرة والديك، وإن كنت أقرب الناس إليهما في الدنيا، فإن المرء إنما يحشر يوم القيامة مع مَنْ أحب، أي: حبا دينيا؛ ولهذا قال: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ.

وروى الترمذي عند تفسير هذه الآية عن سعد قال: نزلت فيَّ أربع آيات، فذكر قصته وقال: قالت أم سعد: أليس قد أمرك الله بالبر؟ والله لا أطعَمُ طعاما ولا أشرب شرابا حتى أموت أو تكفر، قال: فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شَجَروا فاها، فأنزل الله: وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا الآية.

وهذا الحديث رواه الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي أيضا، وقال الترمذي: حسن صحيح.

قوله -تبارك وتعالى: وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا الحافظ ابن كثير -رحمه الله- ما تعرض لتفسير ذلك على الخصوص، إنما ذكر المعنى العام للآية.

مضى الكلام على معنى الوصية في سورة الإسراء، وقلنا إن قوله –تبارك وتعالى: وَقَضَى رَبُّكَ [سورة الإسراء:23] أي: وصى، وإن الوصية هي طلب الفعل أو الترك مع التأكيد على ذلك، هذه هي الوصية، أوصيك بكذا.

فقوله -تبارك وتعالى: وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا يعني: وصيناه بالإحسان، قال -تبارك وتعالى: وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا ولم يقل: وصيناه بوالديه، فـ "حسنا" هنا نعت لمصدر محذوف، يعني وصيناه إيصاءً، وصى إيصاءً، هذا الإيصاء نعته "حسناً"، يعني: أنه إيصاء بالإحسان، وصيناه إيصاءً حسناً قال: حسناً على المبالغة، وصينا الإنسان حسنا، وصاه إيصاءً فعبر بالنعت بهذا المصدر على سبيل المبالغة، وبعضهم يقول: هذا على حذف المضاف، يعني وصينا الإنسان حسنا يعني ذا حسنى.

وعلى كل حال وصينا الإنسان حسناً أن يفعل، أو وصينا الإنسان أن يفعل الحسنى هذه طريقة الكوفيين، وهي طرقة سهلة النحو والإعراب ليس فيها تكلفات البصرين، وإن كان مذهب البصريين أدق وأعمق، ولكن من يصعب عليه النحو فإن مذهب الكوفيين أسهل وأوسع.

وبعضهم يقول: وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا يعني: أن يفعل بوالديه ما يَحسُن، هذا قال به الزجاج، أن يفعل بوالديه ما يحسن، وبعضهم يقول: "حسناً" هي صفة لموصوف محذوف يعني ووصيناه أمراً ذا حسن، وصيناه حسنه، حسنا: يعني أمراً ذا حسن.

وبعضهم يقول: هذا الفعل "وصى" مضمن معنى فعل آخر، والتضمين أن يُضمَّن فعل معنى فعل آخر يتناسب مع ما بعده في التعدية والإعراب، والمعنى هنا: وصينا قالوا مضمن معنى فعل آخر يعني في آخره فعل آخر دل عليه، يعني ألزمناه حسنا بحيث إن وصيناه حسناً قد لا يتضح فيها المعني، وصينا مضمن معنى فعل آخر يتناسب مع ما بعده، وصيناه أي ألزمناه حسناً، وهذه على كل حال طريقة معروفة سبق الكلام عليها.

وبعضهم يقول: هو منصوب بنزع الخافض، وصيناه بحسن يعني بإحسان، فلما حذف حرف الجر انتصب، قال: وصيناه حسنا، والأصل وصيناه بحسن، وبعضهم يقول: أصل "حسنا" مصدر لفعل محذوف، وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ يحسن حسنا مصدر لفعل محذوف، لاحظ القول الأول الذي ذكرناه أنه نعت لمصدر، وصينا الإنسان بوالديه حسنا.

ولاحظ هنا أنه قال: فإن الوالدين هما سبب وجود الإنسان إلى أن قال: الوالد بالإنفاق والوالدة بالإشفاق، هذا من باب ذكر بعض وجوه الإحسان من قبل الوالدين للولد، وذلك من موجبات البر، ومعلوم أن ذلك لا يختص بما ذكر يعني الوالد بالإنفاق والوالدة بالإشفاق، فلو كان الوالد لا ينفق -ترك الولد وترك أمه وما أنفق عليه، أو كان معهما ولكن الأم هي التي تتولى الإنفاق بسبب فقره والأم غنية، أو نحو ذلك- فلا يقال: ضاع حق الأب، فالوالد هو سبب وجوده قبل كل شيء بصرف النظر عن قضية الإنفاق وجدت أو لم توجد فإن ذلك يضاعف الحق ويعظم به، كلما كان الأب الوالد أكثر قياماً بحقوق الولد كالتسمية، أو اختيار الأم أو الإنفاق والتربية والرعاية إلى آخره كلما كان البر آكد وأعظم.

فهناك قدر واجب من البر، وهناك قدر مستحب، فالبر معنى كلي يتفاوت في أفراده وأبعاضه على مراتب، كما يقال في الإيمان والعلم والصبر ونحو ذلك، فهناك قدر واجب ولو كان الأب لا يحسن تربيته ولم يحسن إليه ولم ينفق عليه، فهو سبب جوده، والأم بالإشفاق، فلو كانت الأم لا تشفق فهو مأمور ببرها، يكفي أنها سبب أيضاً لوجوده بالحمل، ولو ماتت أمه أثناء الولادة فهو مأمور ببرها بعد موتها بالدعاء لها إن كانت مسلمة، وصلة أهل ودها والرحم وما أشبه ذلك، هذا ما يتعلق بالحافظ ابن كثير -رحمه الله.

ثم إن الله -تبارك وتعالى- قال: وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا [سورة لقمان:15] لاحظ هنا ذكر المجاهدة ومع ذلك يأمره بالإحسان إليهما، فإن مجاهدتهما له بالإشراك تدل على أنهما على الإشراك، وليس ذلك فحسب، بل يأمرانه بالإشراك، بل هناك مجاهدة مطالبة بحثٍّ وقوة ومراجعة بهذا الشأن، ومع ذلك يأمره بالإحسان إليهما بهذه الصيغة "حُسنا"، فكيف إذا كان الوالد مشركاً وكان عاصياً في شركه؟ كيف لو كان مشركاً ولم يأمره بشيء من الشرك؟ كيف لو كان الوالد من أهل الصلاح والخير والدين؟

فهذا أولى وآكد، ولكن كثيراً من الناس يغفلون عن هذا كله، ربما رأى من أبيه شيئاً من التقصير فضيع حقه وبره، قد يكون الولد فيه دين وإقبال على الله -تبارك وتعالى- ولكنه يضيّع في هذه القضية التي يذكرها الله بعد حقه، والعقوق من أكبر الكبائر، فإذا قيل له ذلك: ذكر بعض الذنوب والسيئات التي يقارفها أبوه، وهذا لا شك خطأ، ويكفي هنا ذكر المجاهدة على الشرك ومع ذلك وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا.

ما ليس لك به علم: لا شك أن كل ما يكون من صور الإشراك فذلك لا حقيقة له؛ لأن الله لا شريك له، فمن اتبع شيئاً من هذا فهو متبع ما ليس له به علم، وهذه قضية محققة، كل من ادعى مع الله شريكاً أو صرف شيئاً من العبادة لغير الله فهو متبع ما ليس له به علم؛ ولهذا في قوله تعالى: وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [سورة الإسراء:36]، يعني لا تتبع ما ليس لك به علم، فيدخل في ذلك دخولاً أولياً الإشراك بالله عبادة غير الله -تبارك وتعالى- وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ [سورة المؤمنون:117] ما يوجد أحد به برهان، فذلك لبيان الحال والواقع على ما هو عليه.

وهنا قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله: "وأحشرك مع الصالحين لا في زمرة والديك، وإن كنت أقرب الناس إليهما في الدنيا، فإن المرء إنما يحشر يوم القيامة مع مَن أحب، أي حباً دينياً" هذا القيد الذي ذكره الحافظ ابن كثير هنا يقصد أن الحب الذي لا يكون دينياً لا يؤاخذ عليه الإنسان، ولا يقال فيه: فإن الإنسان يحشر مع من أحب لو كان ذلك المحبوب كافراً، ولهذا كثير من الناس يستشكل في باب الولاء والبراء مسألة المحبة للكافر، هل محبة الكافر بمجردها تكون من موالاته أو لا؟ هذا يلتبس، والله -تبارك وتعالى- يقول: لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ[سورة المجادلة:22] ولم يقل: يحبون وإنما قال: يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فالمودة أخص من المحبة، فالمودة لا تصلح للكافر، وهي نوع من موالاته.

وأصل مادة الولاء تدل على القرب، يقول هذا يلي هذا، فالموالاة فيها هذا المعنى: تقريب الكافر، تقديم الكافر على المسلمين، وإيثاره عليهم فهنا الحافظ ابن كثير -رحمه الله- يقول: المحبة الدينية.

والذي يظهر -والله تعالى أعلم- أن محبة الكافر لا لدينه أن ذلك ليس من الموالاة، وأن ذلك لا يقال: إنه حرام؛ لأن المحبة أنواع: منها ما يكون من قبيل المحبة الطبيعية بين الناس العادية، مثل محبة الوالد لولده، ومحبة الولد لوالده، ومحبة الرجل لزوجته، والإنسان يجوز له التزوج بالكتابية، ولا يقال له: يتزوج من الكتابية لكن لا يحبها، فهو ما تزوجها إلا لأنه يحبها، و لا يقال: تزوجْها وأبغِضْها لأنها كافرة، وإنما يقال له: لا تحبها لدينها، ولا يجوز أن تتولاها ولو كانت أقرب قريب، كما في قوله تعالى: قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ [سورة التوبة:24].

فهنا لا تكون محبة الكافر بحيث إنها تزاحم محبة الله، لا يجوز أن يحب أحداً سوى الله -تبارك وتعالى- محبة تزاحم محبة الله، إن كانت محبة الأموال، أو غير ذلك، لكن الموالاة هي التى تحرم، ولا يجوز للمسلم أن يوادّ أعداء الله -تبارك وتعالى، والمودة أخص من المحبة، ولذلك كان بعض السلف يقول: " اللهم لا تجعل لصاحب بدعة عليّ يداً"؛ لأن النفس مجبولة على محبة من أحسن إليها، فإذا وُجد كافر أحسن إليه، أو صاحب بدعة مغلظة، أو نحو ذلك أحسن إليه فإن قلبه قد يحبه.

وبعض الناس يسأل ويقول: لي صديق كافر فيه صفات جميلة، وفيه صفات طيبة، كالوفاء، والصدق، والكرم، وحسن الخلق، صاحب معروف، وإحسان، وقلبي يحبه كصديق يجوز أو لا؟ وهل هذا موالاة للكافرين؟

فالجواب: هذا ليس بمحرم بمجرده، لكن قد ترتقي هذه المحبة إلى مراتب تصير إلى حال من الموالاة، فهذا لا يجوز، والمقصود أن هذا هو المراد بقول ابن كثير -رحمه الله: أي حباً دينياً، يريد أن يقول: إن المحبة التي لا تجوز هي حب الكافر لدينه، و كثيراً ما يلتبس هذا المعنى، وأظن أن هذا هو الوسط بين من يقول: يجوز موالاة الكفار غير المحاربين، من الناس من يقول هذا وللأسف، يقوله بعض المنسبين للعلم وهذا غير صحيح، ولا يوجد في الكتاب والسنة ما يدل على هذا التقييد، فالكافر لا يجوز موالاته، وإنما ذكر الله -تبارك وتعالى- البر والإقساط لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ [سورة الممتحنة:8]، يعني الإحسان والمصانعة والتعامل معهم بشتى المصالح، ولهذا قال: وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ عداه بإلى لأنه مضمن معنى الإفضاء "تفضوا إليهم"، يعني يكون بينك وبينهم اشتراك في مصالح تجارية، وغير ذلك.

فالبر والإقساط غير الموالاة، والموالاة لا تجوز بحال من الأحوال، لا للمحاربين ولا لغير المحاربين، ولهذا أهل السنة يقولون: الولاء والبراء يتجزأ وينقسم والكافر ليس له شيء من هذا، والمؤمن كامل الإيمان له الولاء كله، والفاسق صاحب البدعة يعطى من الولاء بحسب حاله، حسب إيمانه، ويكون له من البراء بحسب ما عنده من الانحراف والمعصية أو البدعة ونحو ذلك، وهذا هو الصحيح، خلافاً لمن إذا كره أحداً أو رأى عليه مخالفة فإنه يتبرأ منه براءة كاملة، ويتعامل معه أحياناً أعظم مما يتعامل مع اليهود والنصارى كما يقول، هذا لا يجوز، هذا خلل في العقل، وخلل في العلم، وخلل في الدين هذه الثلاث معاً غالباً ما تكون مجتمعة، فتصدر مثل هذه الأشياء التي أحياناً لا تصح أن تصدر من إنسان يعرف ما يخرج من رأسه.

وقوله: لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ [سورة العنكبوت:9] يعني في جملة الصالحين.

وللحافظ ابن القيم -رحمه الله- على هذه الآيات كلام جيد قال -رحمه الله: " فذكر سبحانه في هذه السورة أنه لابد أن يمتحن خلقه، ويفتنهم ليتبين الصادق من الكاذب، والمؤمن من الكافر، ومن يشكره ويعبده ممن يكفره، ويعرض عنه ويعبد غيره، وذكر أحوال الممتحنين في العاجل والآجل، وذكر أئمة الممتحنين في الدنيا وهم الرسل وأتباعهم وعاقبة أمرهم، وما صاروا إليه"[2].

ذكر في الآيات خبر نوح ﷺ، وذكر خبر إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- فهؤلاء أئمة الممتحنين ذكرهم كأمثلة يأتسى بهم النبي ﷺ وأهل الإيمان، فنوح -عليه الصلاة والسلام- قضى مدة طويلة ألف سنة إلا خمسين عاماً، وهو يدعوهم إلى الإيمان ومع ذلك هم كانوا في غاية الإصرار على الكفر، فهذه المدة التي قضيتها مع قومك يا محمد ﷺ لا تساوي شيئاً بالنسبة للمدة التي قضاها نوح -عليه الصلاة والسلام- فيكون ذلك حافزاً على الصبر.

وقال الحافظ ابن القيم -رحمه الله: "وافتتح بالإنكار على من يحسب أنه يتخلص من الامتحان والفتنة في هذه الدار إذا ادعى الإيمان، وأن حكمته سبحانه وشأنه في خلقه يأبى ذلك، وأخبر عن سر هذه الفتنة والمحنة وهو تبيين الصادق من الكاذب، والمؤمن من الكافر، وهو سبحانه كان يعلم ذلك قبل وقوعه، ولكن اقتضى عدله وحمده أنه لا يجزي العباد بمجرد علمه فيهم، بل بمعلومه إذا وجد، وتحقق، والفتنة هي التي أظهرته، وأخرجته إلى الوجود، فحينئذ حسن وقوع الجزاء عليه.

ثم أنكر سبحانه على من لم يلتزم الإيمان به، ومتابعة رسله خوف الفتنة والمحنة التي يمتحن بها رسله وأتباعهم ظنه وحسبانه أنه بإعراضه عن الإيمان وتصديق رسله يتخلص من الفتنة والمحنة، فإن بين يديه من الفتنة، والمحنة، والعذاب، أعظم وأشق مما فرّ عنه، فإن المكلفين بعد إرسال الرسل إليهم بين أمرين: إما أن يقول أحدهم آمنت، وإما أن لا يقول، بل يستمر على السيئات، فمن قال: آمنت امتحنه الرب تعالى وابتلاه؛ لتتحقق بالإيمان حجة إيمانه وثباته عليه، وأنه ليس بإيمان عافية، ورخاء فقط، بل إيمان ثابت في حالتي النعماء والبلاء.

ومن لم يؤمن فلا يحسَب أنه يُعجز ربه تعالى ويفوته، بل هو في قبضته وناصيته بيده، فله من البلاء أعظم مما ابتلى به من قال: آمنت، فمن آمن به وبرسله فلابد أن يبتلي من أعداء رسله بما يؤلمه، ويشق عليه، ومن لم يؤمن به وبرسله فلابد أن يعاقبه، فيحصل له من الألم والمشقة أضعاف ألم المؤمنين، فلابد من حصول الألم لكل نفس مؤمنة أو كافرة، لكن المؤمن يحصل له الألم في الدنيا أشد، ثم ينقطع، ويعقبه أعظم اللذة، والكافر يحصل له اللذة، والسرور ابتداء ثم ينقطع، ويعقبه أعظم الألم والمشقة. 

وهكذا حال الذين يتبعون الشهوات، فيلتذون بها ابتداء، ثم تعقبها الآلام بحسب ما نالوه منها، والذين يصبرون عنها ينالون الألم بفقدها ابتداء، ثم يعقب ذلك الألم من اللذة والسرور بحسب ما صبروا عنه، وتركوه منها، فالألم، واللذة أمر ضروري لكل إنسان، لكن الفرق بين العاجل المنقطع اليسير، والآجل الدائم العظيم بون، ولهذا كان خاصة العقل النظر في العواقب والغايات، فمن ظن أنه يتخلص من الألم بحيث لا يصيبه ألبته فظنه أكذب الحديث، فإن الإنسان خلق عرضة للذة، والألم، والسرور، والحزن، والفرح، والغم، وذلك من جهتين:

  • من جهة تركبه وطبيعته وهيئته، فإنه مركب من أخلاط متفاوتة متضادة يمتنع أو يعز اعتدالها من كل وجه، بل لابد أن يبغي بعضها على بعض، فيخرج عن حد الاعتدال، فيحصل الألم. 
  • ومن جهة بني جنسه فإنه مدني بالطبع لا يمكنه أن يعيش وحده، بل لا يعيش إلا معهم، وله ولهم لذّات ومطالب متضادة ومتعارضة لا يمكن الجمع بينها، بل إذا حصل منها شيء فات منها أشياء، فهو يريد منهم أن يوافقوه على مطالبه وإرادته، وهم يريدون منه ذلك، فإن وافقهم حصل له من الألم والمشقة بحسب ما فاته من إرادته، وإن لم يوافقهم آذوه، وعذبوه، وسعوا في تعطيل مراداته كما لم يوافقهم على مراداتهم"[3].

يعني: هو يريد أن يقول: هناك ألم لابد أن يحصل في هذه الحياة الدنيا في جهة من جهات متعددة، فهذا ألم واقع في الدنيا، وحاصل ولابد، وهناك ألم آخر في الآخرة، فيقول: إن الآم في الحياة الدنيا كما قال الله  -تبارك وتعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ [سورة البلد:4]، فهو يترقب ما لم يكن، فيحصل له بذلك ألم، وكذلك يحصل له الألم من جهتين: الألم الواقع والذي هو المترقب، هناك ألم مترقب، وهناك ألم حاصل، الحاصل من جهتين:

الأولى ما كان في نفسه، بمعنى أن الإنسان مركب من أخلاط، فإذا طغى الواحد منها على الآخر حصل الألم، إما الألم الحسي، أو الألم المعنوي، والألم الحسي مثل: لو أنه اختل مزاج البدن يعني عافية البدن المادية المحسوسة فيحصل له ألم يؤلمه، هذا يؤلمه، وهذا الجزء يؤلمه، وبطنه، إلى آخره، وهناك ألم معنوي الذي يسمونه النفسي هو متصل بهذه الأخلاط، الذي يسميه القدماء بغلبة السوداء مثلاً، فإذا اختلت هذه الأشياء التي هي في الإنسان -هذه الاخلاط- أصبح عنده كآبة، أصبح عنده حزن، وغيره، وهذا الألم النفسي.

وهناك ألم من الخارج، بمعنى أن هذا الإنسان بطبعه لابد أن يخالط الناس، وسيأتيه بسبب هذه المخالطة صداع كثير، فهو يحتاج أن يراعي هذا، ويحتاج أن يرضي هذا، وهذا يسيء إليه بكلمة، وهذا يسيء إليه، وهذا لم يسلم، ولهذا لابد من وقوع الألم في هذه الحياة الدنيا، فمن أراد أن يتوقى ما قد يلحقه بسبب تدينه، واستقامته على الصراط المستقيم، فيرضي الناس بسخط الله -تبارك وتعالى- فإنه يكون قد دفع الأذى والألم العاجل، مع أنه لابد له من ألم في الدنيا، وعلى الآجل الدائم المستمر الذي يلحقه في الآخرة بعذاب النار، والخلود فيها مع ما يحصل له في الدنيا من أنواع الآلام من الجهات التي ذكرتها، وغيرها باعتبار أن الإنسان حينما يعرض عن ذكر الله فإن له معيشة ضنكا إلى آخره، فالحل هو التمسك بالوحي.

قال الله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ [سورة الأحزاب:1]، وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ [سورة الأحزاب:2]، وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا [سورة الأحزاب:3] هذه الوصايا الثلاث في أول الاحزاب، ما يوجد حل ولا طريق غير هذا الألم، فليكن في الله، وفي ذات الله، والله المستعان، يعني أسوء ما يكون أن الإنسان يؤذَى، ولربما يقتل وهو على غير الصراط المستقيم هذا أصعب شيء، تجد بعض الناس يلحقه الأذى والابتلاء ولربما فقد حياته على باطل.

وقال -رحمه الله: "فيحصل له من الألم والتعذيب بحسب ذلك، فهو في ألم، ومشقة، وعناء، وافقهم أو خالفهم، ولا سيما إذا كانت موافقتهم على أمور يعلم أنها عقائد باطلة، وإرادات فاسدة، وأعمال تضره في عواقبها، ففي موافقتهم أعظم الألم، وفي مخالفتهم حصول الألم، فالعقل والدين والمروءة والعلم تأمره باحتمال أخف الألمين؛ تخلصاً من أشدهما، وبإيثار المنقطع منهما؛ لينجو من الدائم المستمر، فمن كان ظهيراً للمجرمين من الظلمة على ظلمهم، ومن أهل الأهواء والبدع على أهوائهم وبدعهم، ومن أهل الفجور والشهوات على فجورهم وشهواتهم ليتخلص بمظاهرتهم من ألم أذاهم أصابه من ألم الموافقة لهم عاجلاً وآجلا أضعاف أضعاف ما فرّ منه"[4].

وجه ذلك أن بعض الناس يكون في بيئة فيها بدع وانحرافات وهو يعلم أن هذه بدعاً ومخالفات وانحرفات وشركيات أحياناً، ويقول: هذا مجتمعي هذه بيئتي هذا قومي لا أستطيع أن أخالفهم يعادونني ونحو ذلك فهو في الواقع قد ضل الطريق، وبعض الناس قد لا يكون من هذا القبيل -بدع وشركيات أونحو ذلك- لكن كثير من الشباب لربما يقول: إن أبناء عمي وأقاربي ونحو ذلك غير متدينين، وإني أخالطهم كثيراً فيحصل لي بسبب ذلك النقد واللمز وما أشبه ذلك بسبب استقامتي، وبسبب هيئتي ومظهري ونحو ذلك يحصل لي بسبب هذا إحراج وألم ومضايقات. 

فيقال: إن وافقتهم حصل لك أضعاف ذلك، وعندما يؤثر الإنسان ما عند الله ويرجو مرضات ربه يعوضه الله -تبارك وتعالى، كما سيأتي في ثنايا هذه السورة، إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- مما قال -على أحد القولين: إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي [سورة العنكبوت:26]، فالله - تبارك وتعالى- وهب له الأولاد إسحاق ويعقوب كما وهب له إسماعيل -عليه الصلاة والسلام- وجعل في ذريته النبوة، والكتاب، ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ [سورة مريم:49]، عوضه الله بهؤلاء الأولاد والذرية الذين تقر بهم عينه وينسونه الأهل والوطن والعشيرة.

وقال -رحمه الله: "وسنة الله في خلقه أن يعذبهم بإنذار من إيمانهم، وظاهرهم وإن صبر على ألم مخالفتهم وجانبتهم أعقبه ذلك لذة عاجلة وآجلة تزيد على لذة الموافقة بأضعاف مضاعفة، وسنة الله في خلقه أن يرفعه عليهم ويذلهم به بحسب صبره وتقواه وتوكله وإخلاصه"[5].

هذه جملة مهمة جداً، وسنة الله -الأمر الذي يحصل ويتكرر- أن الله -تبارك وتعالى- يذلهم له بحسب صبره وتقواه ونصره، هذا الذي يتململ بسبب مخالفتهم وانتقاصهم له وتعييرهم أحياناً، كثير من الناس قد ينحرف فترى بعض الشباب يشتكي من مثل هذا، وانحرف بسبب البيئة والأقارب، فهذا المعنى مهم جداً.

وقال -رحمه الله: "وإذا كان لابد من الألم والعذاب فذلك في الله وفي مرضاته، ومتابعة رسله أولى وأنفع منه في الناس ورضائهم وتحصيل مراداتهم، ولما كان زمن التألم والعذاب طويلاً فصبره طويل، فأنفاسه ساعات، وساعاته أيام، وأيامه شهور وأعوام سلّى سبحانه الممتحنين فيه بأن ذلك الابتلاء آجلا ثم ينقطع، وضرب لأهله أجلا للقائه يسليهم به، ويشكر نفوسهم ويهون عليهم أثقاله، فقال: مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [سورة العنكبوت:5]، فإذا تصور العبد أجل ذلك البلاء وانقطاعه وأجل لقاء المبتلى سبحانه وإثباته هان عليه ما هو فيه وخف عليه حمله"[6].

فلما كانت ساعات الابتلاء طويلة الساعة كيوم واليوم كشهر والشهر كسنة، سلّاهم تبارك وتعالى فقال: مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ فيكون ذلك تسلية لهم، تخفيفاً وتهويناً عليهم؛ ولذلك تجد الإنسان الذي يعاني و يكتئب يلجأ إلى النوم مع أن بعض الأطباء يقول: إن هذا لا يصح ولا يحسن وإنه يضره، والواقع أنه ليس كذلك -والله أعلم، يلجأ إلى النوم ليغيب عن عالمه مثل الرجال الكبار يذهبون إلى المخدرات -نسأل الله العافية- فهذا يلجأ إلى النوم ويغيب ويقصر المدة.

ثم قال - رحمه الله : "ثم لما كان ذلك لا يحصل إلا بمجاهدة للنفس، وللشيطان، ولبني جنسه، وكان العامل إذا علم أن ثمرة عمله، وتعبه يعود عليه وحده لا يشكره فيه غيره كان أتم اجتهاداً، وأوفر سعياً، فقال تعالى: وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [سورة العنكبوت:6]، وأيضا فلا يتوهم متوهم أن منفعة هذه المجاهدة، والصبر، والاحتمال يعود على الله سبحانه؛ فإنه غني عن العالمين، لم يأمرهم بما أمرهم به حاجة منه إليهم، ولا نهاهم عما نهاهم عنه بخلاً منه عليهم، بل أمرهم بما يعود نفعه، ومصلحته، عليهم في معاشهم، ومعادهم، ونهاهم عما يعود مضرته، وعتبه عليهم في معاشهم، ومعادهم، فكانت ثمرة هذا الابتلاء، والامتحان مختصة بهم، واقتضت حكمته أنْ نصب ذلك سبباً مفضياً إلى أن يميز الخبيث من الطيب والشقي من الغوي، ومن يصلح له ممن لا يصلح، قال تعالى: مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [سورة آل عمران:179]. 

فابتلاهم سبحانه بإرسال الرسل إليهم بأوامره، ونواهيه، واختياره، فامتاز برسله طيبهم من خبيثهم، وجيدهم من رديئهم فوقع الثواب والعقاب على معلوم أظهره ذلك الابتلاء والامتحان، ثم لما كان الممتحن لابد أن ينحرف عن طريق الصبر والمجاهدة لدواعي طبيعته وهواه وضعفه عن مقاومة ما ابتلي به وعده سبحانه أن يتجاوز له عن ذلك ويكفره عنه؛ لأنه لما أمر به والتزم طاعته اقتضت رحمته أن كفر عنه سيئاته وجازاه بأحسن أعماله"[7].

وقال -رحمه الله: "ثم أخبرهم أن مدة الابتلاء والامتحان في هذه الدار قصيرة جداً بالنسبة إلى دار الحيوان والبقاء، ثم ذكر سبحانه عاقبة أهل الابتلاء ممن لم يؤمن به، وأن مقامهم في هذه الدار تمتع، وسوف يعلمون عند النقلة منها ما فاتهم من النعيم المقيم وما حصلوا عليه من العذاب الأليم، وذكر عاقبة أهل الابتلاء ممن آمن به وأطاع رسله وجاهد نفسه وعدوه في دار الابتلاء ما به هاديه وناصره، فأخبر سبحانه أن أجل عطاء وأفضله في الدنيا والآخرة هو لأهل الابتلاء الذين صبروا على ابتلائه، وتوكلوا عليه، وأخبر أن أعظم عذابه وأشقه هو للذين لم يصبروا على ابتلائه وفروا منه وآثروا النعيم العاجل عليه، فمضمون هذه السورة هو سر الخلق والأمر فإنها سورة الابتلاء والامتحان وبيان حال أهل البلوى في الدنيا والآخرة، ومن تأمل فاتحتها ووسطها وخاتمتها وجد في ضمنها أن أول الأمر ابتلاء وامتحان، ووسطه صبر وتوكل، وآخره هداية ونصر، والله المستعان"[8].

قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ ۝ وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ [سورة العنكبوت:10، 11].

يقول تعالى مخبرًا عن صفات قوم من الذين يدعون الإيمان بألسنتهم، ولم يثبت الإيمان في قلوبهم بأنهم إذا جاءتهم فتنة ومحنة في الدنيا، اعتقدوا أن هذا من نقمة الله تعالى بهم، فارتدوا عن الإسلام؛ ولهذا قال: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ.

قال ابن عباس: يعني فتنته أن يرتد عن دينه إذا أوذي في الله. وكذا قال غيره من علماء السلف. وهذه الآية كقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ... إلى قوله: ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ [سورة الحج:11، 12].

ثم قال: وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أي: ولئن جاء نصر قريب من ربك -يا محمد- وفتح ومغانم، ليقولن هؤلاء لكم: إنا كنا معكم، أي: إخوانكم في الدين، كما قال تعالى: الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [سورة النساء:141] فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ[سورة المائدة:52].

وقال تعالى مخبرًا عنهم هاهنا: وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ، ثم قال تعالى: أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ أي: أوليس الله بأعلم بما في قلوبهم، وما تكنُّه ضمائرهم، وإن أظهروا لكم الموافقة؟

وقوله: وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ أي: وليختبرَنّ الله الناس بالضراء والسراء، ليتميز هؤلاء مِن هؤلاء، ومن يطيع الله في الضراء والسراء إنما يطيعه في حظ نفسه، كما قال تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ [سورة محمد:31]، وقال تعالى بعد وقعة أحد، التي كان فيها ما كان من الاختبار والامتحان: مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ الآية [سورة آل عمران:179].

قوله -تبارك وتعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ [سورة الحج:11] هذا يصدق على ضعفاء الإيمان، وعلى من في قلبه مرض، كما إن ذلك –أيضاً- يصدق على المنافقين.

وقوله -تبارك وتعالى- في هذه السورة -والسورة مكية: وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ، ذكر المنافقين في هذه السورة، والمشهور جداً الذي لم أقف إلى ساعتي هذه على من ينبه على هذا المعنى وهو أن المشهور أن النفاق إنما وجد في المدينة، ويذكر أهل العلم عادة أن ذلك وقع بعد غزوة بدر، فقوي الإسلام، وظهر المسلمون، ويذكرون ما وقع من كلام عبد الله بن أُبي رئيس المنافقين أنه قال: إني أرى أمراً قد توجه، فأمر أصحابه أن يدخلوا فيه ظاهراً، وأخبرنا الله -تبارك وتعالى- عندما قال اليهود: إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَؤُلاء دِينُهُمْ [سورة الأنفال:49]، فالذين في قلوبهم مرض: من أهل العلم من يقول: هم المنافقون، وأن هذا من قبيل تتابع الأوصاف سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ۝ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ۝ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ۝ وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى [سورة الأعلى:1-4]، أن هذا لموصوف واحد، فالمنافقون والذين في قلوبهم مرض هم شيء واحد، ولاشك أن المنافقين في قلوبهم مرض.

ومن أهل العلم من يقول: إن ذكرهم على سبيل العطف على المنافقين، إن الذين في قلوبهم مرض يعني هم ضعفاء الإيمان، وأما في سورة الأحزاب في قوله تعالى: فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ [سورة الأحزاب:32]، فالمرض هناك الميل المحرم إلى النساء، فهذه المسألة -أعني النفاق- تحتاج إلى تحرير، ومزيد من التأمل، وتتبع النصوص الواردة فيها، والدراسة، فنحن نعلم أن النفاق منه ما هو نفاق اعتقادي، وهناك نفاق عملي، نفاق اعتقادي، ونفاق عملي، النفاق الاعتقادي: أن يظهر الإيمان ويبطن الكفر.

والنفاق العملي: ذكره النبي ﷺ في قوله: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان[9]، فهذا نفاق عملي، إذا تأملت هذا، ونظرت فيما جاء من النصوص في الباب من الآيات، والأحاديث، والآثار المنقولة عن الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- تجد أنهم يقولون لمن صدر منه شيء أحياناً مع الأفعال التي لا تتفق مع الإيمان: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق، بناءً على موقف، نافقَ يا رسول الله، نافقَ فلان، وحنظلة قال عن نفسه: نافق حنظله[10]، لما رأى تغير حاله حينما يكون بحضرة رسول الله -عليه الصلاة والسلام، وحينما يرجع يعافس أهله رأى الفرق، فقال: نافق حنظلة.

وقصة حاطب لما كتب للمشركين حكم عليه عمر -رضي الله تعالى عنه- بالنفاق[11]، والنبي ﷺ لما ذكر الفتن في آخر الزمان قال: يصبح الرجل مؤمناً ويمسى كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا[12]، وشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- لما ذكر الفتن، وما يعقبها، أو ما يحصل من جراء ذلك ذكر أنه يظهر النفاق، والعلماء من المؤرخين حينما يذكرون بعض الحوادث، والوقائع العظام، والأمور التي حصلت من حروب، وأشياء، وإغارة العدو على المسلمين تجد أنهم يذكرون أحياناً النفاق بعدها، يقولون: فنجم النفاق.

هؤلاء ناس من المسلمين، وبعض هؤلاء أحياناً من أهل العلم، لكن يقول: فنجم النفاق، ظهر النفاق، بدأت تطلع أشياء ما كانت ظاهرة من قبل، هذا يتكلم بكلام ما يتفق مع الإمام، لا يقوله إنسان مسلم أبداً، هذا يصرح بتصريحات غريبة ما كان يسمعونها، ويظهر على فضائية، ويذكر فيها أشياء تدل على تحولات، نجم النفاق، ظهر النفاق.

وبعضهم بدأ يصانع العدو، ويدل على عورات المسلمين؛ ليتخذ عندهم يداً، هذا معنى نجم النفاق، هذا بدأ يتخلى عن مبادئه وعقيدته، هذا بدأ ينتقد أهل الإيمان، ويقع فيهم، فهذا كله من النفاق، وهذا يحصل في أوقات الشدائد، في أوقات الابتلاء، هذا معنى قوله -تبارك وتعالى: وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ الابتلاءات التي تحصل تظهر فيها معادن الناس، وتظهر فيها المخبآت، ويظهر فيها الثبات على الحق، وعلى الدين، تظهر هذه الأشياء في أوقات الشدائد، في أوقات الابتلاء.

فهذا الموضوع -موضوع النفاق- يحتاج إلى مزيد من التحرير، والدراسة، مع أن المتوهم أن القضية واضحة، وأن النفاق هو إظهار الإسلام وإبطان الكفر، وأن هذا وجد، لماذا وجد في مكة؟ لا، يوجد في مكة، يوجد أناس دخلوا في الإيمان دخولاً سطحيا، ولكن في قلوبهم لربما من الواردات والشكوك ما يمكن أن يحصل معه التحول إلى الكفر لأدنى ابتلاء، فهو إن رأى الحال على ما يسر استقام سيره، واستمر، وإن رأى ما يكره انقلب على وجهه، يعبد الله على حرف، الحرف: هو الطرف، كما نقول: فلان على حافة، العوام يقولون: فلان على جُريف -تصغير جرف- يعني مع أدنى شيء يسقط.

فذكْرُ النفاق هنا مع ذكره في آية الانفال: إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَؤُلاء دِينُهُمْ [سورة الأنفال:49]، يدل على أن النفاق ما ظهر بعد غزوة بدر، كثر ودخل أناس يريدون بذلك حقن الدماء وإحراز الأموال، الآن المسلمون صار لهم قوة، لكن في مكة لم يكن هناك إحراز أموال، وحقن دماء يعني: يدخل من أجل أن يحرز ماذا؟ لا، لربما يدخل لأنه يميل إلى ذلك، لأنه يعتقد صدق النبي ﷺ، ولكن ذلك ضعيف جداً مع أشياء تساوره من قلق، ومن شكوك، فبمجرد وقوع الابتلاء اليسير يحصل له الانتكاسة، فالنفاق كان موجوداً بمكة، ولكنه لم يكن ظاهراً. 

والذي يبدو -والله تعالى أعلم- أنه كان بصورة إيمان هشٍّ، هذه الهشاشة لسبب أو لآخر، كأن يكون تابعَ فلاناً، وافق غيره في ذلك، لم يكن لديه من اليقين ما يكفي، الخوف غالب على قلبه، يخاف الناس كما يخاف الله، أو أكثر، فيبقى في حال من التردد، والاضطراب، والحيرة، ولذلك خرج جماعة مع المشركين ممن آمنوا ولم يهاجروا من أهل مكة، كما قال الله : إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا [سورة النساء:97]، فهؤلاء الناس أظهروا الإيمان في مكة، ولم يهاجروا -مع القدرة على الهجرة، فهؤلاء خرجوا مع المشركين في غزوة بدر، فقُتل من قُتل منهم، فتوعدهم الله بجهنم، بالنار، ادّعوا الإيمان، وخرجوا مع المشركين يقاتلون المسلمين، وإذا نظرتم إلى السيرة وجدتم مجموعة من الأسماء ممن كانوا بهذه المثابة ذكرهم ابن هشام وغيره.

مثل هذا نستفيد منه هذا المعنى، وهو معنى كبير يستحق العناية، وموضوع النفاق يستحق دراسات وتأملاً، فكثير من الناس قد يخفى عليه حقيقته، وقد يقع فيه وهو لا يشعر، ولهذا كان أصحاب النبي ﷺ ما منهم أحد إلا يخاف على نفسه النفاق، وعمر يسأل حذيفة بن اليمان: أَسَمّاني رسول الله ﷺ منهم؟ وكان ينظر إلى من يصلي عليه حذيفة -رضي الله تعالى عنه، ومن لا يصلي عليه، حتى يعرف هل هذا منافق أو لا. 

وموضوع النفاق موضوع دقيق قد يخفى، ولهذا جاء في الصحيحين مسلم وغيره لما صلى النبي ﷺ في بيت أحد أصحابه -وهو عتبان- تكلموا على الرجل وأنه منافق، وكانت حجتهم في ذلك أن وجهه للمنافقين، ويرون إقباله على المنافقين، لكن النبي ﷺ بيّن لهم أمراً آخر وهو أنه يبتغي بذلك وجه الله[13]، والنبي ﷺ بين لهم هذا المعنى، وليست مجرد دعوى، لكن يبتغي بذلك وجه الله، فقد يحصل منه تصرفات هي من قبيل تصرفات المنافقين، وقد يحكم عليه بعضهم بالظاهر أن هذا من المنافقين، ولهذا النبي ﷺ ما أنكر عليهم، ولم يقل: هذه غيبة، ولا كيف حكمتم عليه؟ لكن بين لهم أمراً آخر خفي عليهم، وإلا فالفعل الظاهر منه أنه مع المنافقين، والإنسان -مع ضعف الإيمان- قد يتحول إلى منافق خالص، وقد يحصل له نوع نفاق، -نسأل الله العافية، والعجيب أن هذا في آية من كتاب الله في آية الأنفال، ومع ذلك لا تكاد تجد من يذكر مثل هذا، وأن الموضوع أعمق مما لربما يسبق إلى أذهاننا ويتصور في الكثير من الأحيان.

  1. رواه البخاري، كتاب المغازي، باب فضل من شهد بدرا، برقم (3762)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة -رضي الله تعالى عنهم، باب من فضائل أهل بدر وقصة حاطب بن أبي بلتعة، برقم (2494).
  2. شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، لابن القيم الجوزيه (245).
  3. المصدر السابق (245، 246).
  4. شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، لابن القيم الجوزيه (246).
  5. المصدر السابق (246).
  6. المصدر السابق (246).
  7. المصدر السابق (246).
  8. المصدر السابق (247).
  9. رواه البخاري، كتاب الإيمان، باب علامة المنافق، برقم (33)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان خصال المنافق، برقم (59).
  10. رواه مسلم، كتاب التوبة، باب فضل دوام الذكر والفكر في أمور الآخرة والمراقبة وجواز ترك ذلك في بعض الأوقات والاشتغال بالدنيا، برقم (2750).
  11. رواه البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الفتح، برقم (4025)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة -رضي الله تعالى عنهم، باب من فضائل أهل بدر وقصة حاطب بن أبي بلتعة، برقم (2494).
  12. رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب الحث على المبادرة بالأعمال قبل تظاهر الفتن، برقم (118).
  13. رواه البخاري، أبواب المساجد، باب المساجد في البيوت، برقم (415)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب الرخصة في التخلف عن الجماعة بعذر، برقم (657).

مواد ذات صلة