الجمعة 24 / ذو الحجة / 1441 - 14 / أغسطس 2020
‏[6] من قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ} الآية 18 إلى قوله تعالى: {وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ} الآية 22‏
تاريخ النشر: ١٢ / رمضان / ١٤٢٩
التحميل: 4192
مرات الإستماع: 6674

بسم الله الرحمن الرحيم

قال –تبارك وتعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء [سورة الحـج:18].

 يخبر تعالى أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له، فإنه يسجد لعظمته كل شيء طوعاً وكرهاً، وسجود كل شيء مما يختص به، كما قال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ وقال ههنا: أَلَمْ تَرَ أَنّ اللّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأرْضِ أي: من الملائكة في أقطار السموات، والحيوانات في جميع الجهات من الإنس والجن والدواب والطير وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ [سورة الإسراء:44] وقوله: وَالشّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنّجُومُ إنما ذكر هذه على التنصيص، لأنها قد عُبدت من دون الله فبين أنها تسجد لخالقها وأنها مربوبة مسخرة لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ [سورة فصلت:37] الآية.

وفي الصحيحين عن أبي ذر قال: قال لي رسول الله ﷺ: أتدري أين تذهب هذه الشمس؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنها تذهب فتسجد تحت العرش، ثم تستأمر، فيوشك أن يقال لها ارجعي من حيث جئت[1].

وعن ابن عباس –ا- قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله إني رأيتُني الليلة وأنا نائم كأني أصلي خلف شجرة فسجدت، فسجدت الشجرة لسجودي، فسمعتها وهي تقول: اللهم اكتب لي بها عندك أجراً، وضع عني بها وزراً، واجعلها لي عندك ذخراً، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود، قال ابن عباس: فقرأ رسول الله ﷺ: سجدة ثم سجد، فسمعته وهو يقول مثل ما أخبره الرجل عن قول الشجرة[2]، رواه الترمذي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه.

وقوله: وَالدّوَآبّ أي: الحيوانات كلها، وقد جاء في الحديث عن الإمام أحمد أن رسول الله ﷺ نهى عن اتخاذ ظهور الدواب منابر، فرب مركوبة خير وأكثر ذكراً لله تعالى من راكبها[3].

وقوله: وَكَثِيرٌ مّنَ النّاسِ أي: يسجد لله طوعاً مختاراً متعبداً بذلك وَكَثِيرٌ حَقّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ أي: ممن امتنع وأبى واستكبر.

قوله -تبارك وتعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ هذا الاستفهام استفهام تقريري ومعناه: ألم تعلم؟ وهذا السجود من أهل العلم من يفسره بمعناه اللغوي، ومعنى السجود في لغة العرب: الخضوع، بمعنى أن كل شيء يخضع لعظمة ربه وخالقه .

ومن أهل العلم من يفسر ذلك بسجود الظلال وهو الذي ذهب إليه كبير المفسرين ابن جرير -رحمه الله- ويمكن لمن قال بهذا القول أن يحتج بقوله –تبارك وتعالى: يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالْشَّمَآئِلِ سُجَّدًا لِلّهِ [سورة النحل:48].

ومن أهل العلم من يقول وهو ظاهر كلام ابن كثير -رحمه الله- أن السجود يفسر بمعناه الشرعي، وأصل السجود في الشرع هو وضع الجبهة على الأرض، وقد يطلق على الانحناء والركوع، كما قال الله : ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا [سورة النساء:154] وليس معنى هذه الآية أنهم يدخلون وجباههم على الأرض، وإنما يدخل بهيئة الركوع تقديساً وتعظيماً وشكراً لله -تبارك وتعالى، وهذا تفسير يَسْجُدُ.

والإنسان المؤمن يسجد طوعاً وغير المؤمن يسجد كرهاً بمعنى أنه خاضع لله يدبره ويصرفه كيف شاء، وبعضهم يفسر ذلك بسجود المنافق، لكن هذا التفسير لا يكفي؛ لأن غير المنافقين من الكفار لا يسجدون، وكذلك أيضاً سجود الظلال فغير الآدميين يسجدون لله -تبارك وتعالى- سجود اختيار لكن هذا السجود كل شيء بحسبه، وقد قال –تبارك وتعالى: يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ [سورة الجمعة:1].

وتعرفون ما جاء في تسبيح الطعام[4]، وقد جاء عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ: إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم عليّ قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن[5].

 وتعرفون حنين الجذع الذي كان يخطب عليه النبي ﷺ ثم تركه إلى المنبر فحن كحنين العشار إلى ولدها[6].

والله قال: يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ [سورة سبأ:10] يعني مع داود ﷺ أي: رددي معه ورجعى معه، والطير والهدهد كلّم سليمان وأخبره عمن يعبد الشمس من دون الله، قال: أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ [سورة النمل:25] فهذه الأشياء التي تدرك إدراكاً يليق بها فيحمل السجود على معناه الشرعي؛ لأن الأصل أن الألفاظ الشرعية تحمل على المعاني الشرعية، فإن لم يوجد فالمعنى العرفي، فإن لم فاللغوي، فلا نبدأ به في التفسير.

فنؤمن بقول النبي ﷺ: أتدري أين تذهب الشمس؟، ثم أخبر أنها تذهب فتسجد تحت العرش ثم تستأمر.

وليس لأحد أن يقول بأن الشمس تغيب عن قوم وتطلع على آخرين، أو متى تذهب؟ فلا نعارض الوحي بعقولنا، فالوحي هو المتبوع وهو المقدم.

وما عجز عن إدراكه عقل الإنسان فإنه يقول آمنا به، ويسلم لله ، وهذا الذي جاء في حديث ابن عباس لما رأى في المنام شجرة تسجد وتقول: "اللهم اكتب لي بها عندك أجراً، وضع عني بها وزراً، واجعلها لي عندك ذخراً، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود" وهذه رؤيا حق.

وهكذا الدواب تسجد لله -تبارك وتعالى- والحديث الذي ذكره هنا: رب مركوبة خير وأكثر ذكراً لله تعالى من راكبها، وهذا القدر في الحديث لا يصح، وهو من رواية ابن لهيعة وفيه كلام، والله أعلم.

قوله: وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء، وهذه الآية تدل على أن من حُرم السجود والصلاة، فإن الله –تبارك وتعالى– قد أهانه، ولا يمكن أن تحصل له الكرامة، فمن أراد الذل والهوان والمهانة فليترك السجود لله .

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: إذا قرأ ابن آدم السجدة اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار[7] رواه مسلم.

هذا الحديث يدل على فضل السجود عند قراءة السجدة، ومن المعلوم أن السجود عند قراءة السجدة ليس بواجب كما هو معروف، ولكن له فضل ومزية فإن استطاع الإنسان ألا يتركه فهو خير له، والشيطان يتحسر حينما يراه يسجد.

وروى الإمام أحمد عن عقبة بن عامر قال: قلت يا رسول الله أفضلت سورة الحج على سائر القرآن بسجدتين؟ قال: نعم، فمن لم يسجد بهما فلا يقرأهما[8] ورواه أبو داود والترمذي

على كل حال هذا الحديث لا يصح، فيه ضعف، وقد وردت بعض الروايات عن الصحابة –رضوان الله عليهم– تدل على أن سورة الحج فضلت بسجدتين[9]، بمعنى أن السجدتين في سورة الحج ثابتة، دون أن يقيد ذلك بأن من لم يسجد فلا يقرأهما، فلا يصح بهذا شيء، بل للإنسان أن يقرأ ولو لم يسجد، والنبي ﷺ سجد وترك.

وقد قال أبو داود في المراسيل عن خالد بن معدان -رحمه الله- أن رسول الله ﷺ قال: فضلت سورة الحج على سائر القرآن بسجدتين ثم قال أبو داود: وقد أسند هذا، يعني من غير هذا الوجه ولا يصح[10].

وقال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي عن أبي الجهم أن عمر سجد سجدتين في الحج وهو بالجابية، وقال: إن هذه فضلت بسجدتين.

وروى أبو داود وابن ماجه عن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن، منها ثلاث في المفصل وفي سورة الحج سجدتان، فهذه شواهد يشد بعضها بعضاً[11].

لا يخلو هذا الحديث من ضعف، وعدد السجدات في القرآن فيه خلاف بين أهل العلم.

قوله: هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَاب ٌمِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ ۝ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ ۝ وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ ۝ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [سورة الحـج:19-22].

ثبت في الصحيحين عن أبي ذر: أنه كان يقسم قسماً أن هذه الآية هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِي رَبّهِمْ نزلت في حمزة وصاحبيه، وعتبة وصاحبيه يوم برزوا في بدر[12]. لفظ البخاري عند تفسيرها.

ثم روى البخاري عن علي بن أبي طالب أنه قال: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة، قال قيس: وفيهم نزلت: هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِي رَبّهِمْ قال: هم الذين بارزوا يوم بدر عليٌّ، وحمزة، وعبيدة، وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة[13]. انفرد به البخاري.

قوله -تبارك وتعالى: هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِي رَبّهِمْ، ذكر الله -تبارك وتعالى- في الآيات السابقة الذين يجادلون في الله بغير علم، وذكر الطوائف الذين آمنوا، والذين هادوا، والصابئين، والنصارى، والمجوس، وذكر أهل الإيمان، وأهل الكفر، ثم قال: هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِي رَبّهِمْ وذكر من يسجد، ومن لا يسجد فقوله: هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِي رَبّهِمْ هذا يمكن أن يرتبط في المعنى مع ما قبله، يعني فريق أهل الإيمان، وأهل الكفر اخْتَصَمُواْ فِي رَبّهِمْ اختصموا في وحدانيته ، وطاعته، وعبادته، فأهل الإيمان عبدوا ربهم -تبارك وتعالى- ووحدوه، وأهل الكفر عبدوا غيره وجعلوا له الأنداد والنظراء.

وما جاء في هذه الآية من الآثار أنها نزلت في حمزة وصاحبيه، وهكذا قول علي فهذه العبارة ليست من العبارات الصريحة في سبب النزول، ولو كان هذا من قبيل الصريح في سبب النزول فإن العبرة بعموم اللفظ والمعنى لا بخصوص السبب، فالآية تشمل الفريقين عموماً، أهل الإيمان وأهل الكفر في كل زمان ومكان.

وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد في هذه الآية: مثل الكافر والمؤمن اختصما في البعث، وقال في رواية هو وعطاء في هذه الآية: هم المؤمنون والكافرون.

وقول مجاهد وعطاء: إن المراد بهذه الكافرون والمؤمنون. يشمل الأقوال كلها، وينتظم فيه قصة يوم بدر وغيرها، فإن المؤمنين يريدون نصرة دين الله ، والكافرون يريدون إطفاء نور الإيمان وخذلان الحق وظهور الباطل، وهذا اختيار ابن جرير، وهو حسن.

هذا الأسلوب في الجمع بين الأقوال في الترجيح هي مزية هذا التفسير، ولذلك يتميز تفسير ابن كثير، وتفسير ابن جرير وأضواء البيان، وكلام ابن القيم، وكلام شيخ الإسلام في التفسير بالتحقيق وحسن النظر في الروايات، والجمع بين الأقوال والتأصيل والتقعيد.

ولهذا قال فَالّذِينَ كَفَرُواْ قُطّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مّن نّارِ، أي: فصلت لهم مقطعات من النار، قال سعيد بن جبير: من نحاس، وهو أشد الأشياء حرارة إذا حمي.

يقول الله –تبارك وتعالى: لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ [سورة الزمر:16]، لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [سورة الأعراف:41]، والمهاد مثل الفراش، وقد قال النبي ﷺ: النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب[14]، والقطران معروف شديد الاشتعال.

يُصَبّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ، أي: إذا صب على رءوسهم الحميم وهو الماء الحار في غاية الحرارة.

وروى ابن جرير عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: إن الحميم ليصب على رءوسهم فينفذ الجمجمة حتى يخلص إلى جوفه، فيسلت ما في جوفه حتى يبلغ قدميه، وهو الصهر، ثم يعاد كما كان[15] ورواه الترمذي وقال حسن صحيح.

هذا الحديث فيه ضعف، والله -تبارك وتعالى- أخبر أن هذا الذي يصب على رءوسهم يصهر به ما في بطونهم والجلود، وصهر ما في البطون واضح، أما الجلود فبعض أهل العلم يقول: يصهر به ما في بطونهم ويقدر للجلود فعلاً آخر، فيقول: ويحرق الجلود، أو ويحرق به الجلود، أو نحو ذلك، فحذف الفعل واكتفي بفعل لأحدهم، والآخر مقدر مثل قولهم:

علفتُها تبنًا وماءً باردًا، يعني: علفتُها تبناً وسقيتُها ماءً باردًا.

فالجلود لا تصهر، بل تحرق، ومن أهل العلم من يقول: لا حاجة لهذا فإن النار تصهر البطون والجلود، ونار جهنم قد زادت على هذه النار بسبعين جزءاً فلماذا لا تصهر الجلود؟، وهذا هو الأولى أن يقال حملاً للقرآن على ظاهره؛ لأن الأصل عدم التقدير، ومهما استطعنا أن نبقي اللفظ على حاله، وأن يحمل على وجه صحيح من غير الحاجة إلى دعوة تقدير فهذا هو الأصل.

وهكذا رواه ابن أبي حاتم، ثم روى ابن أبي حاتم عن عبد الله بن السري قال: يأتيه الملك يحمل الإناء بكلبتين من حرارته، فإذا أدناه من وجهه تكرّهه، قال: فيرفع مقمعة معه فيضرب بها رأسه فيفرغ دماغه، ثم يفرغ الإناء من دماغه فيصل إلى جوفه من دماغه، فذلك قوله: يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ.

مثل هذه الروايات لا تثبت، ولا تصح، ومثل هذا لا يقال من جهة الراوي، لكنه يحتاج إلى إسناد يعتمد عليه.

قال ابن عباس في قوله: وَلَهُمْ مّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍقال: يضربون بها، فيقع كل عضو على حياله فيَدعُون بالثبور.

يدعون بالثبور: يقولون واثبوراه لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا [سورة الفرقان:14]، وقوله: وَلَهُمْ مّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ قطعة من الحديد مثل المحجن معكوفة الطرف تضرب بها رءوس أهل النار، والعياذ بالله.

وقوله: كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا [سورة الحـج:22].

قوله: مِنْ غَمٍّ يعني: بسبب غم أو لأجل الغم، أُعِيدُوا فِيهَا يضربون بهذه المقامع، يعني: لا يُتركون يحترقون في النار فقط، بل يضربون بالمقامع، ويسحبون على الوجوه في النار، وقد قال –تبارك وتعالى: يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ [سورة القمر:48]، ويصب عليهم من الحميم، ويأكلون الزقوم، -نسأل الله العافية، وأمور هائلة، لو كان يلقي في النار فقط لكان هذا كافياً.

وإذا تأملت لو انطفأت الكهرباء ساعة، وهم في حر لذابوا، وفي سنة من السنوات قبل خمسين سنة في الحج مات خلائق بسبب الشمس والحر، حتى إن بعض الناس صار يذهب يبحث عن مكان يجلس فيه يأتيه هواء، ويصعدون الجبال فلما نزلوا وجدوا الموتى أعداداً كبيرة جداً على قلة الناس في ذلك الوقت في الحج، فكيف لو احترقوا أو نحو ذلك، ولو نظرت إلى المستشفيات -نسأل الله العافية- ودخلت قسم الحريق فتجد شيئاً هائلاً، الأطباء يقولون: فعلت به النار هذا الفعل، ثوانٍ فقط، فكيف بنار جهنم، يبقى فيها لا يموت فيها ولا يحيا، نسأل الله العافية، أعاذنا الله وإياكم وجميع المسلمين.

قال الأعمش عن أبي ظبيان عن سلمان قال: النار سوداء مظلمة لا يضيء لهبها ولا جمرها، ثم قرأ: كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا [سورة الحـج:22].

وقوله: وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ كقوله: وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ [سورة السجدة:20] ومعنى الكلام أنهم يهانون بالعذاب قولاً وفعلاً.

يقال لهم: وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِوهذه الآية كقوله –تبارك وتعالى: وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ. والله أعلم، وصلى الله على نبيه.

  1. رواه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة الشمس والقمر بحسبان (6/ 2700)، برقم: (6988)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان (1/ 138)، برقم: (159).
  2. رواه الترمذي، كتاب الدعوات عن رسول الله ﷺ، باب ما يقول في سجود القرآن (5/ 489)، برقم: (3424)، وحسنه الألباني.
  3. رواه الإمام أحمد (3/ 440)، برقم: (15684)، وإسناده ضعيف.
  4. رواه البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام (4/ 194)، برقم: (3579)، ومسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب في صفات الجنة وأهلها وتسبيحهم فيها بكرة وعشيا (4/ 2180)، برقم: (2835).
  5. رواه مسلم، كتاب الفضائل، باب فضل نسب النبي ﷺ وتسليم الحجر عليه قبل النبوة (4/ 1782)، برقم: (2277).
  6. رواه البخاري، كتاب الجمعة، باب الخطبة على المنبر (1/ 311)، برقم: (876).
  7. رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة (1/ 87) برقم: (81).
  8. رواه أبو داود، كتاب الصلاة، باب تفريع أبواب السجود، وكم سجدة في القرآن ( 2/ 58)، برقم: (1402)، ورواه الترمذي، أبواب السفر، باب ما جاء في السجدة في الحج ( 2/ 470)، برقم: (578)، وأحمد (4/ 151)، برقم: (17402)، واللفظ لأحمد، وضعفه الألباني.
  9. السنن الكبرى (2/ 317)، برقم: (3548).
  10. المراسيل لأبي داود (1/ 72)، برقم: (78).
  11. رواه أبو داود، كتاب الصلاة، باب تفريع أبواب السجود، وكم سجدة في القرآن ( 2/ 58)، برقم: (1401)، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، والسنة فيها، باب عدد سجود القرآن (1/ 335)، برقم: (1057)، وضعفه الألباني.
  12. رواه البخاري، كتاب التفسير،  باب تفسير سورة الحج (4/ 1768)، برقم: (4466).
  13. رواه البخاري،  كتاب التفسير، باب تفسير سورة الحج (4/ 1769)، برقم: (4467).
  14. رواه مسلم، كتاب الجنائز، باب التشديد فى النياح (3/ 45)، برقم: (2203).
  15. رواه الترمذي، صفة جهنم، باب ما جاء في صفة شراب أهل النار (4/ 705)، برقم: (2582)، وضعفه الألباني.

مواد ذات صلة