الخميس 16 / شعبان / 1441 - 09 / أبريل 2020
[27] من قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ} الآية 94 إلى قوله تعالى: {وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} الآية 96.
تاريخ النشر: ٠٤ / ذو القعدة / ١٤٢٦
التحميل: 3086
مرات الإستماع: 2287

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المفسر -رحمه الله تعالى:

وقد كان ابن عباس -ا- يرى أنه لا توبة لقاتل المؤمن عمدًا.

وروى البخاري عن ابن جبير قال: اختلف فيها أهل الكوفة فرحلت إلى ابن عباس فسألته عنها فقال: نزلت هذه الآية: وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ [سورة النساء:93] هي آخر ما نزل وما نسخها شيء، وكذا رواه أيضًا مسلم والنسائي[1].

والذي عليه الجمهور من سلف الأمة وخلفها أن القاتل له توبة فيما بينه وبين ربه فإن تاب وأناب وخشع وخضع وعمل عملًا صالحًا بدَّل الله سيئاته حسنات، وعوض المقتول من ظلامته وأرضاه عن طلابته.

قال الله تعالى: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ [سورة الفرقان:68] إلى قوله: إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا الآية [سورة الفرقان:70] وهذا خبر لا يجوز نسخه وحمله على المشركين، وحمل هذه الآية على المؤمنين خلاف الظاهر، ويحتاج حمله إلى دليل والله أعلم.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -تبارك وتعالى: فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا [سورة النساء:93] فهم منه بعض أهل العلم أن هذا الخلود هو البقاء الأبدي السرمدي، ومثل هذه النصوص لا شك أنها من نصوص الوعيد، ومن أهل العلم من يعرض عن تأويلها؛ ليحصل المقصود من الزجر؛ لئلا يخف أثر ذلك في النفوس، ولكن حينما يشتبه الأمر لاسيما في مقام التعليم، فإنه قد يحتاج إلى بيان ذلك، لمعرفة أصل وهو أنه ليس شيء من الذنوب خلا الشرك بالله -تبارك وتعالى- يوجب الخلود في النار، وهذه عقيدة أهل السنة والجماعة، وبناء عليه قال بعض أهل العلم: إن الخلود في مثل هذه النصوص مقصود به المدد الطويلة، فإن العرب تسمي ذلك خلودًا.

ومن أهل العلم من يقول: هذا جزاؤه إن جازاه الله أي أن هذا ما يستحقه، وإلا فإن الإنسان إذا تاب تاب الله عليه، والشرك أعظم من القتل كما قال تعالى: إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء [سورة النساء:48] والقتل داخل تحت عموم قوله: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ [سورة النساء:48] أي: ما دون الإشراك، فقد يغفر الله للعبد ابتداء، وقد يكون ذلك بشفاعة، وقد يكون بحسنات عظيمة ماحية، وقد يكون بمصائب مكفرة، أو بغير ذلك مما يحصل للإنسان من أسباب تكفير الذنوب وإن عظُمت، وإن عذب هذا الإنسان فإنه يعذب بقدر جنايته ثم يخرج من النار كما دلت على ذلك النصوص الأخرى التي تدل على خروج الموحدين من النار، والله تعالى أعلم.

وقول ابن كثير: "وهذا خبر لا يجوز نسخه" يعني أن النسخ إنما يكون في الإنشاء، أي في الأمر والنهي فقط، وأما نسخ الأخبار فإن نسخها يعني تكذيبها فإذا قلت: جاء زيد، ثم قلت: لم يأتِ زيد، فهذا تكذيب للخبر السابق، وهذا بخلاف ما إذا قلت: افعل ثم قلت: لا تفعل، فهذا ليس تكذيبًا وإنما هو نسخ للأمر، وأما الأخبار التي هي بمعنى الطلب فهي داخلة في الإنشاء ونسخها لا يعد تكذيبًا لها، ومن أمثلة الأخبار التي بمعنى الإنشاء -الأمر أو النهي- قوله تعالى: فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ [سورة البقرة:197] فمعناه لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا، ومثال ذلك أيضًا قوله تعالى: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ [سورة البقرة:233] أي: ليرضعن أولادهن، وهذا أسلوب معروف.

قال تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ الآية [سورة الزمر:53] وهذا عام في جميع الذنوب، مِن كفرٍ وشرك وشك ونفاق وقتل وفسق وغير ذلك، كل من تاب أي: من أيِّ ذلك تاب الله عليه.

قال الله تعالى: إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء [سورة النساء:48] فهذه الآية عامة في جميع الذنوب ما عدا الشرك، وهي مذكورة في هذه السورة الكريمة بعد هذه الآية وقبلها لتقوية الرجاء، والله أعلم.

وثبت في الصحيحين خبر الإسرائيلي الذي قتل مائة نفس ثم سأل عالمًا هل لي من توبة؟ فقال: ومن يحول بينك وبين التوبة ثم أرشده إلى بلد يعبد الله فيه، فهاجر إليه فمات في الطريق، فقبضته ملائكة الرحمة[2] كما ذكرناه غير مرة، وإن كان هذا في بني إسرائيل فلأن يكون في هذه الأمة التوبة مقبولة بطريق الأولى والأحرى؛ لأن الله وضع عنا الآصار والأغلال التي كانت عليهم وبعث نبينا ﷺ بالحنيفية السمحة، فأما الآية الكريمة وهي قوله تعالى: وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا الآية [سورة النساء:93] فقد قال أبو هريرة وجماعة من السلف: "هذا جزاؤه إن جازاه" ومعنى هذه الصيغة: أن هذا جزاؤه إن جوزي عليه، وكذا كل وعيد على ذنب لكن قد يكون لذلك معارض من أعمال صالحة تمنع وصول ذلك الجزاء إليه على قول أصحاب الموازنة والإحباط، وهذا أحسن ما يسلك في باب الوعيد، والله أعلم بالصواب.

وبتقدير دخول القاتل إلى النار، إما على قول ابن عباس - وأرضاه- ومن وافقه: أنه لا توبة له، أو على قول الجمهور حيث لا عمل له صالح ينجو به فليس بمخلد فيها أبدًا، بل الخلود هو المكث الطويل، وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله ﷺ: أنه يخرج من النار من كان في قلبه أدنى ذرة من إيمان.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [سورة النساء:94].

روى الإمام أحمد عن عكرمة عن ابن عباس -ا- قال: مرَّ رجل من بني سليم بنفر من أصحاب النبي ﷺ يرعى غنمًا له، فسلم عليهم، فقالوا: ما سلم علينا إلا ليتعوذ منا، فعمدوا إليه فقتلوه وأتوا بغنمه النبيَّ ﷺ فنزلت هذه الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إلى آخرها، ورواه الترمذي في التفسير ثم قال: هذا حديث حسن[3].

وفي الباب عن أسامة بن زيد -ا- ورواه الحاكم ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

وروى البخاري عن ابن عباس -ا: وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا [سورة النساء:94] قال: قال ابن عباس: كان رجل في غنيمة له فلحقه المسلمون فقال: السلام عليكم، فقتلوه وأخذوا غنيمته، فأنزل الله في ذلك: وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا [سورة النساء:94] قال ابن عباس: عرض الدنيا تلك الغُنيمة، وقرأ ابن عباس: السَّلام.

يقول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ [سورة النساء:94] هذه هي القراءة المشهورة التي عليها عامة القراء، وفي قراءة أخرى متواترة وهي قراءة حمزة (فتثبَّتوا) والتبيّن والتثبت معناهما متقارب فالتبيُّن يعني التريث والتمهل من أجل أن يتحقق مما يريد فعله وهكذا أيضًا معنى التثبت.

وقوله: وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا [سورة النساء:94] قراءة عامة المكيين والمدنيين والكوفيين وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا) [سورة النساء:94] والسلم يمكن أن يكون بمعنى الاستسلام، ويمكن أن يكون بمعنى ألقى إليكم الإسلام كما يقول ابن جرير -رحمه الله- في تفسير وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ [سورة النساء:94] أي: أظهر الاستسلام لتعريفكم أنه مؤمن وأنه منكم، وكأن ابن جرير بهذا القول جعل الاستسلام والإسلام متلازمان، أو كأنه أراد أن يجمع بين المعنيين، أي أن قوله: أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلمَ [سورة النساء:94] معناه: لم يقاتلكم وأعلمكم أنه على دينكم.

والسلام هو التحية المعروفة، وهي تحية أهل الإيمان، فإذا قالها فهو يعلمهم بذلك بإسلامه؛ لأنها مستعملة بين المسلمين، وهو يقول لهم: السلام عليكم، ليفهمهم أنه على دينهم، فهذه المعاني متلازمة، فمن قال: إن ذلك يعني الإسلام، ومن قال: إنه الاستسلام، ومن قال: إنها التحية المعروفة، فالمعنى الجامع هو أنه إنما كف عن قتالكم وألقى إليكم هذه التحية إعلامًا منه بأنه على دينكم، ومثل هذا لا يجوز قتله باعتبار أنه قال ذلك اتقاءً للقتل وتعوذًا وخوفًا، وإنما يحمل الناس على الظاهر.

وروى الإمام أحمد -رحمه الله- عن القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد عن أبيه عبد الله بن أبي حدرد قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلى إضم فخرجت في نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة.

"إضم" هو واد كبير معروف، يشق الحجاز حتى يفرغ في البحر.

فخرجت في نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة الحارث بن ربعي ومحلم بن جثامة بن قيس.

محلم بن جثامة بن قيس هو أخو الصعب بن جثامة في قصة الحمار الوحشي.

حتى إذا كنا ببطن إضم مر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي على قَعود له معه مُتيَّع له ووطب من لبن.

قوله: "معه مُتيَّع له ووطب من لبن" يعني معه متاع قليل وسقاء من لبن.

فلما مر بنا سلم علينا، فأمسكنا عنه وحمل عليه محلم بن جثامة فقتله بشيء كان بينه وبينه وأخذ بعيره ومُتيَّعه، فلما قدمنا على رسول الله ﷺ وأخبرناه الخبر نزل فينا القرآن: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ إلى قوله تعالى: خَبِيرًا [سورة النساء:94] تفرد به أحمد.

كم من منافق في هذا العصر يجمع من السيرة أخطاء أصحاب النبي ﷺ في غزواتهم فيروجها في قناة فضائية أو في كتاب، ولا غرابة في ذلك فهذا هو ديدن المنافقين.

ومن أمثلة تلك الكتابات التي تدل على نفاق أصحابها أن أحد الكتاب كتب: إن أول من فتح باب التكفير هو أبو بكر لما كفر المرتدين وحاربهم واستحل دماءهم وأموالهم، وهذا المثال أيضًا من الأمثلة التي يمكن للمنافقين أن يبرزوها للناس بالطريقة التي تشوه الدين الإسلامي وحملته، مع أنه لا حجة لهذا القائل بمثل هذه الأمثلة، والله المستعان.

وروى البخاري عن ابن عباس -ا- قال: قال رسول الله ﷺ للمقداد: إذا كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار فأظهر إيمانه فقتلتَه فكذلك كنت أنت تخفي إيمانك بمكة من قبل هكذا ذكر البخاري هذا الحديث معلقًا مختصرًا[4].

قوله تعالى: كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ [سورة النساء:94] يحتمل معنيين: الأول: كذلك كنتم من قبل كفارًا غير مؤمنين فهداكم الله إلى الإسلام، وهذا المعنى تحتمله الآية وبه قال جماعة من السلف.

والمعنى الثاني: كذلك كنتم تخفون إسلامكم في قومكم فمنَّ الله عليكم بإظهار الدين وإعزازه حتى أظهرتم إسلامكم، وهذا أرجح؛ لأنه لو كان المعنى كنتم كفارًا فمن الله عليكم بالإسلام فما وجه الإنكار أن يقتلوا ذلك الرجل؟ بمعنى أنه لو كان معنى الآية كذلك كنتم كفارًا من قبل مثله فمعنى ذلك أنهم قتلوه وهو كافر ولا لوم عليهم حينئذ؛ لأنه من المشركين الأعداء وهم في جهاد، فالقضية ليست كذلك، وإنما القضية أن هذا مؤمن ألقى إليهم السلام، فإذًا كذلك كنتم من قبل مثل هذا تخفون إيمانكم، فهو كان في قومه المشركين يخفي إيمانه فلما جاء المسلمون اطمأن إليهم وأنهم لن يتعرضوا إليه فألقى إليهم السلام وحصل ما حصل، فعلى هذا يكون المعنى الثاني هو الأرجح، وهو الذي عليه كثير من المحققين منهم ابن جرير -رحمه الله- والله أعلم.

وقد روي مطولًا موصولًا، فروى الحافظ أبو بكر البزار عن ابن عباس -ا- قال: بعث رسول الله ﷺ سرية فيها المقداد بن الأسود فلما أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا، وبقي رجل له مال كثير لم يبرح، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأهوى إليه المقداد فقتله، فقال له رجل من أصحابه: أقتلت رجلًا شهد أن لا إله إلا الله؟ والله لأذكرنَّ ذلك للنبي ﷺ فلما قدموا على رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله إن رجلًا شهد أن لا إله إلا الله فقتله المقداد، فقال: ادعوا لي المقداد، يا مقداد أقتلت رجلًا يقول: لا إله إلا الله، فكيف لك بلا إله إلا الله غدًا؟ قال: فأنزل الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ [سورة النساء:94] فقال رسول الله ﷺ للمقداد: كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار فأظهر إيمانه فقتلتَه، فكذلك كنت أنت تخفي إيمانك بمكة من قبل[5].

وقوله: فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ [سورة النساء:94] أي خير مما رغبتم فيه من عرض الحياة الدنيا الذي حملكم على قتل مثل هذا الذي ألقى إليكم السلام وأظهر إليكم الإيمان، فتغافلتم عنه واتهمتموه بالمصانعة والتقية، لتبتغوا عرض الحياة الدنيا، فما عند الله من الرزق الحلال خير لكم من مال هذا.

وقوله: كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ أي: قد كنتم من قبل هذه الحال كهذا الذي يُسر إيمانه ويخفيه من قومه، كما تقدم في الحديث المرفوع آنفًا.

في قوله: فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ على المعنى الذي ذكرنا أنه هو الأرجح في قوله: كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ يكون المعنى هنا: مَنَّ عليكم بإعزاز الدين وإظهاره، وتحتمل معنىً آخر هو أنه من عليكم بالتوبة والإيمان، والله أعلم.

وكما قال تعالى: وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ الآية [سورة الأنفال:26] ورواه عبد الرزاق عن سعيد بن جبير في قوله: كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ تستخفون بإيمانكم كما استخفى هذا الراعي بإيمانه.

 وقوله: فَتَبَيَّنُواْ [سورة النساء:94] تأكيد لما تقدم، وقوله: إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [سورة النساء:94] قال سعيد بن جبير: هذا تهديد ووعيد.

لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ۝ دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا [سورة النساء:95، 96].

روى البخاري عن البراء قال: لما نزلت لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ دعا رسول الله ﷺ زيدًا فكتبها، فجاء ابن أم مكتوم فشكى ضرارته فأنزل الله: غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ [سورة النساء:95].

وروى البخاري أيضًا عن سهل بن سعد الساعدي أنه رأى مروان بن الحكم في المسجد، قال: فأقبلت حتى جلست إلى جنبه فأخبرنا أن زيد بن ثابت أخبره أن رسول الله ﷺ أملى عليَّ: "لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ" فجاءه ابن أم مكتوم وهو يمليها عليَّ، قال: يا رسول الله، والله لو أستطيع الجهاد لجاهدت -وكان أعمى- فأنزل الله على رسوله ﷺ وكان فخذه على فخذي فثقلت عليَّ حتى خفت أن ترض فخذي ثم سرِّي عنه، فأنزل الله: غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ [سورة النساء:95] [انفرد به البخاري دون مسلم].

وقد روى الترمذي عن ابن عباس -ا- قال: لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ [سورة النساء:95] عن بدر والخارجون إلى بدر.

ولما نزلت غزوة بدر، قال عبد الله بن جحش وابن أم مكتوم إنا أعميان يا رسول الله فهل لنا رخصة؟ فنزلت: لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً [سورة النساء:95] فهؤلاء القاعدون غير أولي الضرر.

قوله: لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ هذه قراءة أهل الكوفة وأبي عمرو -برفع، "غير من قوله: غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ على أنه وصف للقاعدين، هكذا: لا يستوي القاعدون غير أولي الضرر، وفي القراءة الأخرى المتواترة -وهي قراءة أهل الحرمين- بالفتح على أنه استثناء من القاعدين أو المؤمنين، ليكون المعنى هكذا: إلا أولي الضرر فإنهم يستوون مع المجاهدين.

والمقصود بقوله: لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ على القراءة الأولى: أن أولي الضرر يلحقون بالمجاهدين في الأجر والمثوبة كما دل عليه الحديث: ما سرتم مسيرًا وقد علل ذلك النبي ﷺ بقوله: حبسهم العذر[6] ومن الأحاديث التي تدل على ذلك الحديث الذي ذكر فيه النبي ﷺ أن الناس أربعة وذكر أنهم في الأجر سواء.

وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ۝ دَرَجَاتٍ مِّنْهُ [سورة النساء:95-96] على القاعدين من المؤمنين غير أولي الضرر، هذا لفظ الترمذي، ثم قال: هذا حديث حسن غريب.

فقوله: لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ كان مطلقًا فلما نزل بوحي سريع غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ صار ذلك مخرجًا لذوي الأعذار المبيحة لترك الجهاد -من العمى والعرج والمرض- عن مساواتهم المجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم كما ثبت في صحيح البخاري عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم من مسير ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه، قالوا: وهم في المدينة يا رسول الله؟ قال: نعم، حبسهم العذر[7].

وقوله: وَكُلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى [سورة النساء:95] أي الجنة والجزاء الجزيل، وفيه دلالة على أن الجهاد ليس بفرض عين بل هو فرض على الكفاية.

ثم قال تعالى: وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا [سورة النساء:95] ثم أخبر سبحانه بما فضلهم به من الدرجات في غرف الجنان العاليات ومغفرة الذنوب والزلات وحلول الرحمة والبركات، إحسانًا منه وتكريمًا؛ ولهذا قال تعالى: دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا [سورة النساء:96] وقد ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: إن في الجنة مائة درجة أعدَّها الله للمجاهدين في سبيله ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض[8].

يعني: فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً [سورة النساء:95] من غير أولي الضرر، وأما أولوا الضرر فإنهم يلحقون بالمجاهدين؛ لأنهم حبسهم العذر، وهذه الدرجة والمنزلة التي تكون للمجاهدين يحصل فيها التفاوت بينهم بحسب بلائهم وبذلهم وما يقع لهم، فمنهم من يموت في ساحة المعركة -يقتل شهيدًا- ومنهم من يموت في طريقه إلى الجهاد، ومنهم من يموت من أثر ذلك مما يصيبه من الجراح لكنه لا يموت في أرض المعركة، فهؤلاء وكذا من لم يمت منهم بسبب الجهاد لهم درجات متفاوتة كما جاء في هذا الحديث، ويكون ذلك هو المراد بقوله: دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً [سورة النساء:96].

ويمكن أن يكون ذلك باعتبار عموم أهل الإيمان، أي أنه لما ذكر أن المجاهدين لهم درجة على غيرهم قال: دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً [سورة النساء:96] يعني أن أهل الإيمان يتفاوتون في هذه الدرجات، فالإيمان درجة والهجرة درجة والصديقية درجة، فأهل الإيمان على درجات، والله تعالى أعلم.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.

  1. أخرجه البخاري في كتاب التفسير - باب تفسير سورة النساء (4314) (ج 4 / ص 1676) ومسلم في كتاب التفسير (3023) (ج 4 / ص 2317).
  2. أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء – باب أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ [سورة الكهف:9] (3283) (ج 3 / ص 1280) ومسلم في كتاب التوبة - باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله (2766) (ج 4 / ص 2118).
  3. أخرجه الترمذي في كتاب تفسير القرآن عن رسول الله ﷺ باب تفسير سورة النساء (3030) (ج 5 / ص 240) وأحمد (2023) (ج 1 / ص 229) والحاكم (2920) (ج 2 / ص 256) وصححه الألباني في صحيح الترمذي برقم (3030).
  4. صحيح البخاري تعلقًا في كتاب الديات (ج 6 / ص 2518).
  5. أخرجه الطبراني في الكبير (12409) (ج 12 / ص 30) والبزار (5127) (ج 2 / ص 196) وقال: هذا الحديث لا نعلمه يروى بهذا اللفظ إلا عن ابن عباس، ولا نعلم له طريقًا عن ابن عباس إلا هذا الطريق.
  6. سيأتي تخريجه.
  7. أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير - باب من حبسه العذر عن الغزو (2684) (ج 3 / ص 1044).
  8. أخرجه البخاري عن أبي هريرة في كتاب الجهاد والسير - باب درجات المجاهدين في سبيل الله (2637) (ج 3 / ص 1028) ومسلم عن أبي سعيد في كتاب الإمارة - باب بيان ما أعده الله تعالى للمجاهد في الجنة من الدرجات (1884) (ج 3 / ص 1501).

مواد ذات صلة