الثلاثاء 07 / شعبان / 1441 - 31 / مارس 2020
[30] من قول الله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُواْ اللّهَ} الآية 103 إلى قوله تعالى: {وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} الآية 113.
تاريخ النشر: ٠٧ / ذو القعدة / ١٤٢٦
التحميل: 3257
مرات الإستماع: 2229

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المفسر -رحمه الله تعالى:

ولنذكر سبب نزول هذه الآية أولاً قبل ذكر صفتها:

روى الإمام أحمد عن أبي عياش الزُّرَقي قال: كنا مع رسول الله ﷺ بعسفان، فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد وهم بيننا وبين القبلة، فصلى بنا رسول الله ﷺ الظهر، فقالوا: لقد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم، ثم قالوا: تأتي عليهم الآن صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم، قال: فنزل جبريل بهذه الآيات بين الظهر والعصر: وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ [سورة النساء:102] قال: فحضرت فأمرهم رسول الله ﷺ فأخذوا السلاح فصفنا خلفه صفين، قال: ثم ركع فركعنا جميعًا ثم رفع فرفعنا جميعًا ثم سجد النبي ﷺ بالصف الذي يليه، والآخرون يحرسونهم، فلما سجدوا وقاموا جلس الآخرون فسجدوا في مكانهم، ثم تقدم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، وجاء هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، ثم ركع فركعوا جميعًا، ثم رفع فرفعوا جميعًا، ثم سجد النبي ﷺ والصف الذي يليه، والآخرون قيام يحرسونهم، فلما جلسوا جلس الآخرون فسجدوا ثم سلم عليهم، ثم انصرف، قال: فصلاها رسول الله ﷺ مرتين، مرة بعسفان ومرة بأرض بني سليم، وهكذا رواه أبو داود والنسائي وهذا إسناد صحيح وله شواهد كثيرة.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فهذه الصفة التي جاءت في حديث أبي عياش الزُّرقي حينما صلى النبي ﷺ بعسفان هي إحدى الصفات الواردة في صلاة الخوف، فصلاة الخوف جاءت بصفات متعددة بحسب حال المسلمين مع عدوهم؛ توسعة من الله -تبارك وتعالى- عليهم، وهذه الصفات ربما تزيد على الثمان أو نحو ذلك، إذا اعتبرنا التداخل الموجود في بعض الروايات وإلا فإن الروايات في ذلك كثيرة، حتى إن بعض أهل العلم كابن حزم يذكر في ذلك ستة عشر وجهًا، وبعضهم يزيد عليه، مع أن الحافظ ابن القيم -رحمه الله- يقول: صلاها النبي ﷺ عشر مرات، وفي المقابل يقول ابن العربي المالكي: إن النبي ﷺ صلاها أربعًا وعشرين مرة، فعلى كل حال إذا طرحت الروايات الضعيفة وطرح التداخل الموجود في بعض الصفات فإن العدد سيكون أقل من هذا بكثير -والله تعالى أعلم- فهي بحسب حال العدو.

ومن أسهل هذه الصفات وأوضحها أن ينقسم القوم إلى قسمين، فيصلي الإمام بطائفة منهم ركعة إذا كانت الصلاة ثنائية مثلًا -كصلاة الفجر- ثم يقوم، فتتم هذه الطائفة لنفسها ركعة ثم ترجع في مواجهة العدو، ثم تأتي الطائفة الأخرى ويصلي بهم ركعة ثم يجلس في التشهد حتى يتموا لأنفسهم ركعة، ثم يسلمون معه.

ومن الصفات القريبة من هذه أن يصلي بالطائفة الأولى ركعة ثم تبقى قائمة في مقابلة العدو وهي في الصلاة، ثم تأتي الطائفة الأخرى وتصلي معه ركعة، ثم تتم كل طائفة لنفسها، ويكون هذا الإتمام بالتناوب، بمعنى أنهم لا يتمون معًا وإلا ذهبت فائدة مشروعية صلاة الخوف.

 ومن صفات صلاة الخوف إذا كان العدو بينهم وبين القبلة أن يصطفوا على صفين فيصلوا جميعًا مع الإمام ثم يركعوا ويرفعوا من الركوع معه، فإذا جاء السجود سجد الصف الأول ويبقى الصف الثاني قائمًا، ثم يتقدم الصف الثاني في الركعة الثانية ويتأخر الصف الأول ثم يركعون ويرفعون معًا، فإذا جاء السجود سجد الصف الأول -الذي كان هو الصف الثاني في الركعة الأولى- ويبقى الصف الثاني في قيامهم –الذي كان هو الصف الأول في الركعة الأولى- فإذا فرغوا من سجودهم سجد الصف الثاني ثم يتشهدون معه جميعًا وينصرفون جميعًا.

ومن الصفات أن يصلي بهؤلاء ركعتين ويسلم بهم ثم يصلي بالطائفة الأخرى ركعتين جديدتين وينصرف بهم، وتكون الصلاة بالثانية بالنسبة إليه نافلة، وهكذا إذا كانت الصلاة ثلاثية –المغرب- يصلي بهؤلاء ثلاث ركعات وينصرف ويصلي بأولئك ثلاث ركعات وينصرف، وكل هذا ثابت عن رسول الله ﷺ.

وإذا كانت الصلاة من ركعتين فإنه ينتظر الطائفة الثانية وهو قائم، وإذا كانت الصلاة من أربع ركعات فإنه ينتظر في التشهد الأول وإذا كانت الصلاة من ثلاث ركعات فينتظر في التشهد الأول، يعني أن الطائفة الثانية تصلي معه ركعة واحدة.

كما ثبت أيضًا من حديث حذيفة أن النبي ﷺ صلى صلاة الخوف ركعة واحدة، وهذه الصيغة ثابتة وصلاها حذيفة حينما كانوا بطبرستان، فالذي يظهر -والله تعالى أعلم- أن هذه الصفات بحسب الحال، ففي حال الخوف الشديد أو في حال الالتحام يصلون إيماء من غير استقبال ولا ركوع ولا سجود، وإذا كانوا في حالة أخرى فينظر في مقامهم وشدة الخوف وموقع العدو فيختارون الصفة التي تكون أليق بالحال فيصلون بها.

ومن أهل العلم -كما سبق فيما أورده الحافظ ابن كثير عن إسحاق بن راهويه -رحمه الله- من يرى أنه يصلي ركعة فإن لم يستطع فسجدة، فإن لم يستطع فبتكبيرة الإحرام؛ لأنه ذكر لله كما قال إسحاق -رحمه الله- فالمقصود أن كل هذه الصفات والصور لصلاة الخوف ثابتة وصحيحة، والله تعالى أعلم.

يقول أبو عياش: "فحضرت" يعني صلاة العصر"فأمرهم رسول الله ﷺ فأخذوا السلاح فصفنا خلفه صفين" طبعًا أخذ السلاح واجب؛ لأن ظاهر الأمر الوجوب في قوله: وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ [سورة النساء:102] إلا إذا كان لهم عذر من مطر أو جراح أو مرض أو نحو ذلك، ولا يبلغ هذا أن يكون شرطًا لصحة الصلاة كما قال بعض أهل العلم مثل داود الظاهري -رحمه الله- حيث يقول: إن حمل السلاح من شروط صحة صلاة الخوف، وذلك أن لها شروطًا منها: أن تكون في حال الخوف، واشترط بعضهم أن يكون ذلك في السفر ولا تصح في الحضر، وعلى كل حال هذه الشروط منها ما هو مختلف فيه، لكن عامة أهل العلم يرون أنها تصح من غير حمل السلاح لكن يجب أخذه، فالقول بأن ذلك من شروط الصحة قول بعيد، والله تعالى أعلم.

يقول: "فصفنا خلفه صفين، قال: ثم ركع فركعنا جميعًا ثم رفع فرفعنا جميعًا ثم سجد النبي ﷺ بالصف الذي يليه، والآخرون يحرسونهم، فلما سجدوا وقاموا جلس الآخرون فسجدوا في مكانهم، ثم تقدم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء" يعني أن الجميع يصلون حتى حينما تقدموا لكن من أجل أن يحصل لهؤلاء سجود معه ابتداء من غير تأخير يتقدم هؤلاء ويتأخر أولئك، وهذا ثابت أيضًا في حديث جابر بن عبد الله -ا- وهذه إحدى الصفات الثابتة، والله أعلم.

فمن ذلك ما رواه البخاري عن ابن عباس -ا- قال: قام النبي ﷺ وقام الناس معه فكبر وكبروا معه وركع وركـع ناس منهم، ثم سجد وسجدوا معه، ثم قام الثانية فقام الذين سجدوا وحرسوا إخوانهم، وأتت الطائفة الأخرى فركعوا وسجدوا معه والناس كلهم في الصلاة ولكن يحرس بعضهم بعضًا.

يقول: "وقام الناس معه فكبر وكبروا معه وركع وركع ناس منهم" أي أنهم كبروا جميعًا لكن ركعت طائفة واحدة معه دون الأخرى، فهذه الصورة غير التي قبلها حيث حصلت المفارقة فيها في السجود.

وروى الإمام أحمد عن جابر بن عبد الله -ا- أن رسول الله ﷺ صلى بهم صلاة الخوف، فقام صف بين يديه وصف خلفه، فصلى بالذي خلفه ركعة وسجدتين، ثم تقدم هؤلاء حتى قاموا في مقام أصحابهم، وجاء أولئك حتى قاموا في مقام هؤلاء، وصلى بهم رسول الله ﷺ ركعة وسجدتين ثم سلم فكانت للنبي ﷺ ركعتين ولهم ركعة، ورواه النسائي وهو في صحيح مسلم بلفظ آخر، وقد رواه عن جابر جماعة كثيرون في الصحيح والسنن والمسانيد.

هذه إحدى الصور الثابتة من حديث جابر، وإلا فقد ورد عن جابر أيضًا -بروايات صحيحة- غير هذه الصفة، وهذا موافق لحديث حذيفة أنهم اكتفوا بركعة واحدة ولم يتموا.

وأما الإتمام فمنه أن تتم الطائفة الأولى ويقف هو ينتظر ثم تسلم وترجع إلى الحراسة، ومنه أن تتم كل طائفة لنفسها بالتناوب كما سبق.

وروى ابن أبي حاتم عن سالم عن أبيه قال: وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ [سورة النساء:102] قال: هي صلاة الخوف، صلى رسول الله ﷺ بإحدى الطائفتين ركعة والطائفة الأخرى مقبلة على العدو، وأقبلت الطائفة الأخرى التي كانت مقبلة على العدو، فصلى بهم رسول الله ﷺ ركعة أخرى، ثم سلم بهم، ثم قامت كل طائفة منهم فصلت ركعة ركعة.

وهذا الحديث رواه الجماعة في كتبهم من طريق معمر به، ولهذا الحديث طرق كثيرة عن جماعة من الصحابة، وقد أجاد الحافظ أبو بكر بن مردويه في سرد طرقه وألفاظه وكذا ابن جرير.

وأما الأمر بحمل السلاح في صلاة الخوف فمحمول عند طائفة من العلماء على الوجوب لظاهر الآية.

وهو قول الإمام الشافعي -رحمه الله- وقد سبق أن داود الظاهري يقول: إن ذلك من شرطها.

ويدل عليه قول الله تعالى: وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ [سورة النساء:102] أي: بحيث تكونون على أهبة إذا احتجتم إليها لبستموها لا كلفة.

إِنَّ اللّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا ۝ فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا ۝ وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [سورة النساء:102-104].

يأمر الله تعالى بكثرة الذكر عقب صلاة الخوف وإن كان مشروعًا مرغبًا فيه أيضًا بعد غيرها ولكن هاهنا آكد؛ لما وقع فيها من التخفيف في أركانها ومن الرخصة في الذهاب فيها والإياب وغير ذلك مما ليس يوجد في غيرها، كما قال تعالى في الأشهر الحرم: فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ [سورة التوبة:36] وإن كان هذا منهيًا عنه في غيرها ولكن فيها آكد؛ لشدة حرمتها وعظمها، ولهذا قال تعالى: فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ [سورة النساء:103] أي: في سائر أحوالكم.

ثم قال تعالى: فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ [سورة النساء:103] أي: فإذا أمنتم وذهب الخوف وحصلت الطمأنينة فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ أي: فأتموها وأقيموها كما أمرتم بحدودها وخشوعها وركوعها وسجودها وجميع شئونها.

هذا الوجه الذي ذكره الحافظ ابن كثير -رحمه الله- في قوله تعالى: فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ وجه حسن، وهو أنه شُرع لهم ذلك لما وقع من التخفيف في أركان الصلاة ومن الرخصة في الذهاب فيها والإياب وغير ذلك.

ويمكن أن يقال أيضًا: إن الله علمنا بعد الفراغ من العبادة أن نذكره كما في الأذكار بعد الصلاة حيث كان النبي ﷺ إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثًا ونحو ذلك فكذلك هؤلاء يذكرون الله لكن بحسب حالهم فلا يحتاجون إلى هيئة أو جلوس أو استقبال أو نحو ذلك.

ومما يدل على ذلك أن الله تعالى شرع لنا ذكره بعد قضاء مناسك الحج فقال: فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا [سورة البقرة:200] فالمقصود أنه يُشرع للإنسان الإكثار من ذكر الله بعد هذه العبادات، ومن ذلك ذكره في الجهاد.

يقول تعالى: فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ [سورة النساء:103] على تفسير ابن جرير لقوله تعالى: أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ [سورة النساء:101] أن المراد قصر حدودها وليس قصر كميتها يفسر قوله: فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ [سورة النساء:103] أي أتموا حدودها بركوع وسجود.

ومن أهل العلم -كالشافعي -رحمه الله- من يرى أن قوله: فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ [سورة النساء:103] أي أن الصلاة التي تصلى إيماء في حال الالتحام تقضى بعد ذلك، وهذا فيه بعد، والله تعالى أعلم.

وقوله تعالى: إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا [سورة النساء:103] قال ابن عباس -ا:أي: مفروضًا، وقال أيضًا: إن للصلاة وقتًا كوقت الحج، وكذا روي عن مجاهد وسالم بن عبد الله وعلي بن الحسين ومحمد بن علي والحسن ومقاتل والسدي وعطية العوفي.

وقوله تعالى: وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ [سورة النساء:104] أي: لا تضعفوا في طلب عدوكم بل جدوا فيهم وقاتلوهم واقعدوا لهم كل مرصد.

إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ [سورة النساء:104] أي: كما يصيبكم الجراح والقتل كذلك يحصل لهم كما قال تعالى: إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ [سورة آل عمران:140].

 ثم قال تعالى: وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ [سورة النساء:104] أي: أنتم وإياهم سواء فيما يصيبكم وإياكم من الجراح والآلام ولكن أنتم ترجون من الله المثوبة والنصر والتأييد كما وعدكم إياه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ وهو وعد حق وخبر صدق وهم لا يرجون شيئًا من ذلك، فأنتم أولى بالجهاد منهم وأشد رغبة في إقامة كلمة الله وإعلائها.

وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [سورة النساء:104] أي: هو أعلم وأحكم فيما يقدره ويقضيه وينفذه ويمضيه من أحكامه الكونية والشرعية وهو المحمود على كل حال.

إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا ۝ وَاسْتَغْفِرِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ۝ وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا ۝ يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا ۝ هَاأَنتُمْ هَؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا [سورة النساء:105-109].

يقول تعالى مخاطبًا لرسوله محمد ﷺ: إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ أي: هو حق من الله وهو يتضمن الحق في خبره وطلبه.

قوله تعالى: إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ أي: إنزالًا متلبسًا بالحق، وهذه الآيات نزلت بسبب، وهذا السبب وإن كان لا يخلو من جهة الرواية من ضعف إلا أن هذا الضعف قد يُجبر ويكون ذلك من قبيل الحسن -إن شاء الله- وهو ما أخرجه الترمذي -رحمه الله- في سبب نزولها من حديث قتادة بن النعمان في خبر بني الأبيرق، ولم يذكره الحافظ ابن كثير -رحمه الله- هنا لكن أظنه في الأصل، وخلاصته أن ثلاثة هم بشير وبشر ومبشر سرقوا درعًا من رفاعة بن زيد وطعامًا له فاتُّهموا به وذهبوا إلى بعض قومهم فجاءوا إلى النبي ﷺ ينفون هذه التهمة عنهم ويقولون: إن رفاعة بن زيد قد اتهمهم ونسب إليهم هذا الجرم بلا بينة، فأنزل الله فيهم هذه الآيات.

وبشير هذا -أحد هؤلاء الثلاثة- كان فيه نفاق وكان يهجو أصحاب النبي ﷺ بشعره، ثم بعد ذلك ارتد عن الإسلام مع نفاقه السابق ولحق بالمشركين، ورفاعة بن زيد كان رجلًا كبيرًا في السن قد شاخ في الجاهلية، فكان إسلامه مدخولًا فحسن إسلامه بعدما نزلت هذه الآيات وجعل هذه الدروع والسلاح وما يكمل ذلك صدقة في سبيل الله.

وقوله: لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ [سورة النساء:105]..

ثبت في الصحيحين عن زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة -ا- أن رسول الله ﷺ سمع جلبة خُصم بباب حجرته فخرج إليهم فقال: ألا إنما أنا بشر وإنما أقضي بنحوٍ مما أسمع، ولعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من نار فليحملها أو ليذرها[1].

وروى الإمام أحمد عن أم سلمة -ا- قالت: جاء رجلان من الأنصار يختصمان إلى رسول الله ﷺ في مواريث بينهما قد درست ليس عندهما بيِّنة فقال رسول الله ﷺ: إنكم تختصمون إليَّ وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض وإنما أقضي بينكم على نحو مما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه؛ فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها إسطامًا في عنقه يوم القيامة فبكى الرجلان وقال كل منهما: حقي لأخي، فقال رسول الله ﷺ: أما إذ قلتما فاذهبا فاقتسما ثم توخَّيا الحق ثم استهما ثم ليحلل كل واحد منكم صاحبه[2].

وقوله تعالى: يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ الآية [سورة النساء:108] هذا إنكار على المنافقين في كونهم يستخفون بقبائحهم من الناس؛ لئلا ينكروا عليهم، ويجاهرون الله بها.

الحافظ ابن كثير –رحمه الله- لم يكمل تفسير قوله تعالى: إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا ۝ وَاسْتَغْفِرِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا [سورة النساء:105-106].

قوله تعالى: وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا يعني أن مثل هؤلاء الذين سرقوا -وينطبق على كل من خان أيًا كانت خيانته- فإنه لا يحسن بحال من الأحوال من المسلم المؤمن التقي أن يجعل نفسه مدافعًا عن الخائنين ومحاميًا لهم بالذب عنهم والتماس المعاذير لهم ويخرِّج خياناتهم وينتصب لذلك، وإنما ينبغي عليه أن يشتغل بنفسه وبذنوبه ويستغفر الله ويسأل الله -تبارك وتعالى- أن يرحمه وإلا فإن من جعل نفسه بهذه المثابة فقد يكون بمنزلتهم وحكمهم.

قد يفهم من قوله: وَاسْتَغْفِرِ اللّهِ [سورة النساء:106] أن المراد استغفر الله لما وقع -إن كان شيء من ذلك قد وقع- بحسب ما سمع النبي ﷺ فهو –عليه الصلاة والسلام- يحكم بالظاهر وليس عليه في ذلك ملامة.

قوله: وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ [سورة النساء:107] يعني لا تدافع عنهم.

وقوله تعالى: يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ الآية [سورة النساء:108] هذا إنكار على المنافقين في كونهم يستخفون بقبائحهم من الناس؛ لئلا ينكروا عليهم ويجاهرون الله بها؛ لأنه مطلع على سرائرهم عالم بما في ضمائرهم، ولهذا قال: وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا [سورة النساء:108] تهديد لهم ووعيد.

قوله تعالى: إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ [سورة النساء:108] التبييت أصله ما يقع في الليل وهذا غالب ما يكون من الدسائس والمؤامرات، كما قال الله -تبارك وتعالى- في صفة المنافقين التي مضى الكلام عليها: بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ [سورة النساء:81] حيث إنهم إذا كانوا عند النبي ﷺ فإنهم يقولون له: طاعة، أي أمرنا طاعة أو شأننا طاعة، فإذا خرجوا كانوا بهذه المثابة أي بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ [سورة النساء:81] ولذلك تقول: هذا أمر بُيِّت بليل، أي: دُبِّر، فالتبييت هنا بمعنى التدبير وعبر عنه بذلك؛ لأنه غالبًا ما يكون بالليل فيفاجأ الناس به في الصباح.

ثم قال تعالى: هَاأَنتُمْ هَؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا الآية [سورة النساء:109] أي هب أن هؤلاء انتصروا في الدنيا بما أبدوه أو أبدي لهم عند الحكام الذين يحكمون بالظاهر وهم متعبدون بذلك فماذا يكون صنيعهم يوم القيامة بين يدي الله تعالى الذي يعلم السر وأخفى، ومن ذا الذي يتوكل لهم يومئذ في ترويج دعواهم، أي لا أحد يكون يومئذ لهم وكيلا، ولهذا قال: أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا [سورة النساء:109].

إذا كان الدفاع عنهم قد وقع لهم في الدنيا فمن الذي يدافع عنهم ويجادل عنهم ويكون محاميًا عنهم يوم القيامة حيث ينشغل كل إنسان بنفسه ويفر من أقرب الناس إليه؟!

وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا ۝ وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ۝ وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا ۝ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مُّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاُّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا [سورة النساء:110-113].

يخبر تعالى عن كرمه وجوده: أن كل من تاب إليه تاب عليه من أي ذنب كان، فقال تعالى: وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا [سورة النساء:110] قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس -ا- أنه قال في هذه الآية: أخبر الله عباده بعفوه وحلمه وكرمه وسعة رحمته ومغفرته، فمن أذنب ذنبًا صغيرًا كان أو كبيرًا ثم يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا، ولو كانت ذنوبه أعظم من السماوات والأرض والجبال. [رواه ابن جرير].

وروى الإمام أحمد عن علي قال: كنت إذا سمعت من رسول الله ﷺ شيئًا نفعني الله بما شاء أن ينفعني منه، وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر- قال: قال ﷺ: ما من مسلم يذنب ذنبًا ثم يتوضأ فيصلي ركعتين ثم يستغفر الله لذلك الذنب إلا غفر له وقرأ هاتين الآيتين: وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ الآية [سورة النساء:110]، وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ الآية [سورة آل عمران:135][3].

وقوله: وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ الآية [سورة النساء:111] كقوله تعالى: وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى الآية [سورة الأنعام:164] يعني أنه لا يغني أحدٌ عن أحد وإنما على كل نفس ما عملت لا يحمل عنها غيرها ولهذا قال تعالى: وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [سورة النساء:111] أي: من علمه وحكمته وعدله ورحمته كان ذلك.

قوله تعالى: وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ الآية [سورة النساء:111] هي كقوله تعالى أيضًا: وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى [سورة فاطر:18]، وكقوله –تبارك وتعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا [سورة فصلت:46]

يقول تعالى: وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا [سورة النساء:112] من أهل العلم من يقول: الخطيئة والإثم معناهما واحد أو متقارب، وبعضهم يفرق بينهما وهذا هو الأقرب؛ فالخطيئة يقع فيها الإنسان بطريق العمد وبغير قصد، وأما الإثم فإنه لا يكون إلا بطريق العمد، قال الله تعالى في دعاء المؤمنين: رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [سورة البقرة:286] والله قال: قد فعلت، فلا يؤاخذ الإنسان فيما أخطأ به، وهذا الفرق ذكره ابن جرير -رحمه الله.

وبعض أهل العلم يقول: إن الخطيئة هي الصغائر والإثم هو الكبائر.

والإثم يطلق على الذنب ويطلق على ما ينتج عنه من المؤاخذة، فأنت تقول مثلًا: الكذب من الآثام، وتقول: من كذب فإنه يأثم، يعني يلحقه تبعة من هذا الفعل، ويطلق الإثم في غالب الاستعمال عند العرب على بعض الذنوب المعينة كالخمر كما قال القائل:

شربت الإثم حتى ضل عقلي كذاك الإثم تفعل بالعقول

يقصد ذنبًا معينًا وهو الخمر.

قوله تعالى: وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا [سورة النساء:112] أي: ذنبًا من الذنوب سواء كان ذلك قاصرًا أو متعديًا، ولهذا قال قبله: وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ [سورة النساء:110] فالسوء كل ما يخرج عن طاعة الله ويكون من قبيل المخالفة أيًا كان صغيرًا أو كبيرًا.

وقيل للذنب والمعصية سوءًا؛ ربما لأنها تسوء صاحبها إذا نظر إليها في صحيفة عمله، ويقابل ذلك الحسنة.

قوله: أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ [سورة النساء:110] يعني يظلم نفسه بالتقصير في طاعة الله وترك ما أمره الله به؛ فهذا من ظلم النفس وإن كان لا يعمل شيئًا في الخارج كالذي يكذب أو يسرق أو نحو ذلك من السوء، فالتقصير فيما أمر الله به وترك طاعته وفعل المعصية كله من ظلم النفس، ولذلك كان ظلم النفس أعم من فعل السوء.

وفي قوله: وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا [سورة النساء:112] الخطيئة: أعم من الإثم لأنها تكون بطريق القصد وبغير قصد لكنها بغير قصد لا يؤاخذ الإنسان عليها.

وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ [سورة النساء:113] أي: قبل نزول ذلك عليك، كقوله: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ [سورة الشورى:52] إلى آخر السورة.

يقول: وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ [سورة النساء:112] ما قال: يرم بهما وإنما وحَّد الضمير، فإما لأنه يعود إلى الكسب أي: ومن يكسب ثم يرم بما اكتسب، أو لأنه يعود على الإثم يعني يرم بالإثم، فالضمير إما أن يعود على الكسب أو الإثم؛ لأنه لو كان على الخطيئة لكان قال: ثم يرم بها إلا أن يقال: إنه يعود إلى الخطيئة والإثم معًا وذكَّر الضمير تغليبًا فهذا معروف في كلام العرب، أو يقال: إنه جعل الضمير مذكرًا باعتبار "أو" بمعنى أنه يكسب واحدًا منهما، والله أعلم.

وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ [سورة النساء:113] أي: قبل نزول ذلك عليك، كقوله: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ [سورة الشورى:52] إلى آخر السورة.

قوله: وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ [سورة النساء:113] أي أن الله أنزل عليك كتابه ووحيه.

وهذه الآية كقوله مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ [سورة الشورى:52] وكقوله: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى [سورة الضحى:7] يعني عن الوحي والنبوة فأنزل الله عليك هذا الوحي والكتاب.

ويحتمل أن يكون قوله: وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ [سورة النساء:113] يعني حيث أطلعك الله على جلية الأمر في هذه القضية التي أرادوا فيها أن يضللوك عن وجه الصواب والحق لتحكم فيها بغير ذلك.

وقال تعالى: وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ [سورة القصص:86] ولهذا قال تعالى: وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا [سورة النساء:113].

يقول تعالى: وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [سورة النساء:113] الحكمة إذا ذكرت مع الكتاب فهي السنة، وإذا ذكرت مفردة فمن أهل العلم من يفسرها بالنبوة في بعض المواضع، ومنهم من يفسرها بالفقه في الدين أو العلم بالقرآن، ومن أهل العلم من يجمع هذه المعاني ويعيدها إلى شيء واحد -كالحافظ ابن القيم -رحمه الله، فيرجع ذلك إلى الفقه في الدين والعلم بالشرع، ولا شك أن ذلك أوفى ما يكون في النبوة، وما يعلمه الناس من هذا فإنما يكون عن طريق الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام.

وهذه الحكمة تكون علمية وعملية، فالحكمة العملية هي وضع الشيء في موضعه وإيقاعه في موقعه، ويمكن أن يعبر عن الحكمة بأنها الإصابة في القول والعمل، ويمكن أن يقال: الحكمة العلمية هي معرفة الحق، والحكمة العملية هي العمل به على الوجه الصحيح، بمعنى وضع الشيء في موضعه وإيقاعه في موقعه، فالفقه في الدين هو الحكمة العلمية، وإيقاع الشيء في موقعه ووضعه في موضعه هو الحكمة العملية.

والإنسان يحتاج إلى علم بحدود ما أنزل الله ويحتاج إلى عقل، أما أن يكون عنده علم لكنه لا يضع الشيء في موضعه، فلا يتكلم حيث يحسن الكلام ولا يسكت حيث يحسن السكوت، ولا يقدم حيث يحسن الإقدام، فهذا وإن كان عنده علم إلا أنه قد يفسد أكثر مما يصلح، وقد يكون عند الإنسان عقل لكن لا علم له، وإنما يحصل الكمال بهما معًا، والله أعلم.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

  1. أخرجه البخاري في كتاب الحيل - باب إذا غصب جارية فزعم أنها ماتت فقضي بقيمة الجارية الميتة ثم وجدها صاحبها فهي له ويرد القيمة ولا تكون القيمة ثمناً (6566) (ج 6 / ص 2555) ومسلم في كتاب الأقضية - باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة (1713) (ج 3 / ص 1337).
  2. أخرجه أحمد (26760) (ج 6 / ص 320) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (455).
  3. أخرجه أحمد (47) (ج 1 / ص 8) وإسناده صحيح كما قال شعيب الأرناؤوط.

مواد ذات صلة