تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الأربعاء 15 / جمادى الآخرة / 1440 - 20 / فبراير 2019
‏(1) من أول السورة " تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ..."‏
تاريخ النشر: ٢٥ / ذو القعدة / ١٤٣٣
التحميل: 7398
مرات الإستماع: 4215

بسم الله الرحمن الرحيم

المصباح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير

سورة الزمر من الآية (1) إلى الآية (8)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فكان هناك موضع يحتاج إلى مراجعة وهو عند قوله -تبارك وتعالى-: {هَذَا ذِكْرٌ} [سورة ص:49]، وما في غالب النسخ كما في المختصر هنا: أي هذا فصل فيه ذكر لمن يتذكر، قال السدي: يعني القرآن العظيم، {هَذَا ذِكْرٌ}، وبعض النسخ فيها "هذا فضل"، وهو في عامة النسخ "هذا فصل"، بالصاد، هذا فصل، وفي إحدى النسخ المطبوعة "هذا فضل"، وإلا فالطبعات المعروفة المشهورة في غالبها "هذا فصل"، وحتى طبعة الشعب "هذا فصل"، والشيخ أحمد شاكر -رحمه الله- حينما أثبت في المختصر "هذا فضل" فذلك بناءً على النسخة التي اعتمدها -والله أعلم-؛ لأن آخر كتاب عمدة التفسير لم يكن محرراً كما هو معلوم، يعني الكتاب صدر منه خمسة أجزاء اختصار تفسير ابن كثير لأحمد شاكر -رحمه الله-، وتوفي الشيخ ومضى على ذلك عشرات السنين، ثم بعد ذلك ظهر المختصر كاملاً، وذلك أنهم وجدوا نسخة من تفسير ابن كثير نسخة الشيخ أحمد شاكر الذي كان يضرب بالأحمر على التي تحذف، فالضرب على المواضع التي تحذف لا يعني أن الألفاظ محررة في نهاية الأمر، فهذه النسخة التي كتب عليها هي نسخة قديمة معروفة -أو التي اختصرها- وفيها "هذا فضل"، لا تعني أن الشيخ -رحمه الله- كان يرجح هذا، وإنما أخذوا هم هذه النسخة وحذفوا الذي ضرب عليه وأخرجوا الباقي.

فالمقصود: أن هذه العبارة تحتمل الوجهين: هذا فصل، وهذا فضل، يحتمل، فهنا {هَذَا ذِكْرٌ} قال: أي هذا فصل فيه ذكر لمن يتذكر، ويحتمل أن يكون: هذا فضل فيه ذكر لمن يتذكر، قال السدي: يعني القرآن العظيم، وهذا الذي اختاره ابن جرير كما سبق، فالآن إذا قلنا: هذا فضل بالضاد هذا يوافق قول جماعة من المفسرين في تفسير الآية -تفسير هذا الموضع من الآية-، هذا فضل {هَذَا ذِكْرٌ} يعني: لما ذكر هؤلاء الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- يعني كأن المعنى هكذا: هذا شرف وذكر جميل وفضل يُذكرون به، {هَذَا ذِكْرٌ} ذكر جميل، لما أثنى على هؤلاء الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ * إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ * وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ * وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنْ الْأَخْيَارِ * هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ} [سورة ص:45-49] هذا فضل أعطاهم الله -عز وجل- إياه، وذكر جميل يذكرون به، {وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ} [سورة الشعراء:84]، {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [سورة الشرح:4]، فهذا قال به جماعة من المفسرين كالزجاج والواحدي وابن الجوزي والقرطبي وآخرين، يعني فسروها: {هَذَا ذِكْرٌ} أي: شرف وذكر جميل وما شابه ذلك، فعلى هذا المعنى هذا الاحتمال، فهو إشارة إلى مدح من ذكر من الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- وإبقاء الشرف لهم هذا يحتمل، ويحتمل معنى آخر {هَذَا ذِكْرٌ} يعني: أن القرآن ذكر للعالمين، يتذكرون به، تكون الإشارة إلى القرآن، لهذا هنا قال السدي يعني: القرآن، وهذا اختيار ابن جرير، يعني هذا القرآن ذكر، هذا معنى آخر، أما الذي قبله {هَذَا ذِكْرٌ} فيعني: هذا الذي ذكره الله -تبارك وتعالى- في حق هؤلاء الأنبياء {ذِكْرٌ} أي: شرف وفضل وما أشبه ذلك، والثاني {هَذَا ذِكْرٌ} أي: هذا القرآن ذكر يتذكر به من أراد الله به خيراً، ويحتمل أن يكون {هَذَا ذِكْرٌ} يعني: هذا فصل، يعني أن يكون ذلك مثلما تقول: هذا نوع، ثم تنتقل إلى النوع الآخر، لما ذكر هؤلاء الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- قال: {هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ}، ذكر الأنبياء هؤلاء ثم انتقل إلى أمر آخر، ما يكون لأهل الإيمان عموماً غير الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، ذاك مختص بهم، وهنا انتقل الحديث إلى عموم المؤمنين هذا فصل، مثلما تقول: هذا نوع، هذا باب، مثل: أما بعد، للفصل بين كلامين أو نحو ذلك، وهذا الذي مشى عليه صاحب الكشاف واختاره صاحب التفسير الكبير، ورجحه ابن جزي في التسهيل، واختاره أبو حيان في البحر المحيط هذا فصل، يعني الحديث عن الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- هذا فصلٌ، ثم انتقل إلى الحديث عن المؤمنين، فصل في الكلام، هذا باب، هذا نوع، هذا جانب، ثم ينتقل الحديث إلى غيرهم، يعني هذه الجملة {هَذَا ذِكْرٌ} على هذا المعنى يكون قد جيء بها للإيذان بأن الكلام الذي قبلها قد تم، ثم شرع في كلام آخر، فهي فصلت الكلام السابق عن الكلام الآتي بعدها قصداً، للانتقال إلى غرض آخر، كما تقول: أما بعد، ولو تأملنا كلام ابن كثير -رحمه الله- أيّ المعنيين يقصد؟، {هَذَا ذِكْرٌ}، لو قلنا: أي هذا فصل فيه ذكر لمن يتذكر، هذا فضل فيه ذكر لمن يتذكر، على هذه العبارة وهذا السياق يكون الأقرب هذا فصل فيه ذكر لمن يتذكر، ما سبق ما ذُكِر فيه ذكر لمن يتذكر، على كلام ابن كثير، وإلا فيمكن أن يكون هذا فضلاً وشرفاً يذكر به هؤلاء الأنبياء، هذا معنى آخر، هذا فضل فيه ذكر لمن يتذكر، أو هذا فصل فيه ذكر لمن يتذكر، على سياق الكلام في ابن كثير هنا عبارته: هذا فصل فيه ذكر لمن يتذكر، أو فضل فيه ذكر لمن يتذكر، والأقرب أن نحملها على فصل، هذا فصل فيه ذكر لمن يتذكر، لكن فضل تبقى محتملة، وليس ذلك ببدع في الكلام فابن كثير -رحمه الله- مسبوق إلى هذا، والإشكال هو أن نسخ ابن كثير الخطية فيها تغيير وتبديل وحذف وإضافة وتعديل، والسبب -والله تعالى أعلم- أن الحافظ ابن كثير -رحمه الله- في حياته كان يضيف ويحذف ويعدل حيناً بعد حين، فجاءت النسخ الخطية متفاوتة، فالذين يحققون الكتاب يجدون هذا التفاوت في النسخ، وأما الذين يحققون على النسخ المطبوعة فهذا ليس تحقيقاً وإنما هو عبث في التراث، وهؤلاء يجمعون أخطاء الطباعة والتحريفات في الطباعة، وتحريف المصحفين في النسخ الخطية، والسقط الذي في الطباعة، واختلاف ما في النسخ أو اختلاف النسخ الخطية ضمناً، فيجمعون ذلك جميعاً في نسخة واحدة، فما قصدَ ابنُ كثير حذفَه وشطبه أرجعوه، وما وقع من تحريفات النساخ وضعوه، فجاءوا بنسخة هي مزيج من هذا جميعاً، والمؤلف حينما يصلح في كتابه ويحذف لا يمكن أن يقبل أن أحداً من الناس يأتي ويجمع له ما حذفه من جديد ويعيدها كما كانت في صورتها الأولى حينما كتبها، فيحتمل أن ابن كثير -رحمه الله- قال: هذا فضل، وفي بعض النسخ قال: هذا فصل مثلاً في نسخة أخرى يحتمل، فالأقرب إلى السياق "هذا فصل" يعني في الكلام، وإذا كان هذا يرد في المعنى وذاك يرد في المعنى أيضاً فالأمر في هذا يسير، بمعنى أن هذا لا يقال: إنه خطأ وتحريف، وإن الكلام لا معنى له بهذا الاعتبار مثلاً، الأمر يسير، يحتمل هذا ويحتمل هذا.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمستمعين.

تفسير سورة الزمر

وهي مكية.

روى النسائي عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصوم حتى نقول: ما يريد أن يفطر، ويفطر حتى نقول: ما يريد أن يصوم، وكان يقرأ في كل ليلة بني إسرائيل والزمر"([1]).

يقول: إن سورة الزمر مكية، بعض العلماء يستثني بعض الآيات، وإن كانوا لا يتفقون على عدد المستثنى، يعني أن بعضهم يزيد على بعض، وذلك -والله تعالى أعلم- أن من أهل العلم من يلاحظ المعنى، فيقول: هذه السورة مكية بناء على أنها نزلت في مكة، ثم يستثني بعض الآيات؛ لأنها تحدّث عن قضية، مثلاً هي مكية تحدثت عن اليهود أو عن المنافقين، قال: هذا كان في المدينة إذاً هذه الآيات مدنية، أو تحدثت عن معنى فهمه، قد لا يكون هو معنى الآية بالضرورة، يعني مثلاً: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [سورة الكوثر:2]، يقول لك: السورة مكية وهذه الآية مدنية؛ لأن المقصود صلاة العيد ونحر الأضاحي، طيب هل هذا المعنى مسلّم؟، من قال: إن المقصود {فَصَلِّ لِرَبِّكَ} يعني صلاة العيد يقول: صلاة العيد ما شرعت إلا في المدينة، هذا المعنى غير مسلم، وإن المقصود بالنحر نحر الأضاحي، ليس هذا بالضرورة، وهكذا يقولون: صلاة عيد الفطر والتكبير مع الصلاة، في آية {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [سورة الأعلى:14-15] قالوا: تزكى أخرج زكاة الفطر، {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ} هذا التكبير في العيد، قالوا: السورة مكية والآية مدنية، بناءً على هذا المعنى الذي فهموه، وهذا المعنى غير مسلم أصلاً، وإنما {تَزَكَّى} يعني زكى نفسه من الشرك والذنوب والمعاصي، {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى}، وتلك {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}، {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [سورة الأنعام:162-163]، {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}، وليس المعنى صلاة العيد ونحر الأضاحي، فهذا المعنى توهمه، ثم لو سُلم بهذا المعنى، فإن من الآيات ما ينزل قبل تقرير وشرع الحكم، يكون متقدماً عليه، والحكم أعم من الحلال والحرام والواجب، وهذا له نظائر في القرآن، المقصود أن السورة حينما تنزل بمكة الأصل أن جميع الآيات نازلة بمكة إلا لدليل، فيكون عندنا سبب نزول صحيح أنها نزلت في المدينة وما كان من هذا القبيل، ويوجد في السورة المكية آيات مدنية، ولكن لا يقال هذا من جهة المعنى، فيكون هو المعول فقط، ولكن لابد من نقل صحيح، يعني هنا مثلاً ما الذي جعلهم يقولون: إنه تُستثنى آيات هي نازلة في المدينة، يقولون في قوله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [سورة الزمر:53]، إنها نزلت في وحشي الذي قتل حمزة -رضي الله تعالى عنه- وإنه أراد أن يسلم، وكان يمنعه من الإسلام هذا الجرم العظيم، وإنه نزل فيه آيات إلى آخره، فنقول: لو ثبت هذا وصح لقيل: هذه مستثناة، لكن إذا لم يصح نقول: لا يستثنى منها شيء، هذه قاعدة، دائماً تجدون في كتب التفسير هذه المستثنيات إما تبنى أحياناً على روايات ضعيفة أو على معنى لاح للمفسر، فليس بالضرورة إذا تحدثت الآيات عن اليهود مثلاً أو بعض الآيات أن تكون الآية نازلة في المدينة، ولا الحديث عن المنافقين كذلك، يعني في سورة العنكبوت ذكر الله المنافقين {وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ } [سورة العنكبوت:11]، قالوا: هذه مدنية، وكذلك أيضاً في سورة الأنفال وهي مدنية ذكر الله فيها المنافقين في غزوة بدر قبل أن يظهر النفاق على المشهور، والمشهور عند أهل العلم أن النفاق لم يظهر بعد غزوة بدر، وذلك في قوله -تبارك وتعالى- في سورة الأنفال {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا} [سورة الأحزاب:12]، هذا قبل وقوع الغزوة، يقولون: هؤلاء ذهبوا يقاتلون قريشاً وهم في هذا الضعف والقلة، قبل غزوة بدر، والسبب في ذلك وإن كان هذا استطراداً لكنه مهم في مثل هذه المواضع التي يحكم فيها بأن السورة مكية أو مدنية، وقضية النفاق هذه لربما وجدت في مكة، ووجدت قبل غزوة بدر بدليل آية العنكبوت وآية الأنفال، قبل غزوة بدر، وقت الضعف يعني، وما هذا النفاق الذي يكون في وقت الضعف؟ النفاق الذي يكون في وقت الضعف يكون بسبب الضعف أمام الأذى، يعني الضعف بسبب الخوف، فالناس قد يحصل لهم شيء من ضعف الإيمان ولربما التلون، التلون هذا هو النفاق، لكن النفاق على مراتب ودرجات، فالنفاق قد يكون خالصاً، وقد يعتري في بعض الحالات، نافق فلان، نافق حنظلة، نافق كذا، كما فهم، يعني بعض المواقف نافق فلان، لقد نافق يا رسول الله دعني أضرب عنقه، يعني بسبب موقف محدد، في أوقات الاستضعاف قد يحصل، ولهذا يقولون دائماً بعد الحروب بعد استيلاء العدو يقولون: ونجم النفاق، هذا يقال في التاريخ، يعني لما يستولي العدو ويتغلب يبدأ ضعفاء النفوس يبحثون عن حماية، فيمد بعضهم يده للعدو، ويبدأ يدل على عورات المسلمين، ليتخذ يداً عند هذا العدو، يبدأ يتجمل أمام العدو ويتنصل مما كان عليه في السابق، هذا نفاق، فالنفوس لها تحولات، هذه التحولات منها ما يكون مجرد ضعف في الإيمان، لكن لا يصل إلى حد النفاق، ومنها ما يكون نفاقاً، ومنها ما يكون كفراً، ((يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً))([2])، ذكرها النبي -صلى الله عليه وسلم- في آخر الزمان، والعكس أيضاً، ((يبيع دينه بعرض من الدنيا))، فهذا ملحظ دقيق لا يكاد يذكر في الحديث عن النفاق، وإنما نحن لا نتصور إلا إنساناً يكون قد نافق نفاقاً خالصاً، وأن مثل هذا بهذه الطريقة وهذا التدبير إنما حصل في المدينة بعد غزوة بدر في وقت القوة، وأنهم ماذا يصنعون بالنفاق في وقت الضعف في مكة؟، نقول: هناك نوع من النفاق يتسلل للنفوس بسبب الشدة فيحصل، الذين خرجوا مع المشركين في غزوة بدر وهم من المسلمين، {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ} [سورة النساء:79]، خرجوا مع المشركين بأسمائهم، واقرءوا في كتب السيرة أسماء الذين خرجوا في بدر مع المشركين من المسلمين، الذين كانوا في مكة، وقُتل عدد من هؤلاء، وقال الله فيهم: {أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} [سورة النساء:121]، فمثل هذا التصرف حينما يخرجون ويقولون: نحن من المستضعفين، تصرفهم هذا هو نوع نفاق.

هذا فيما يتعلق باستثناء آيات من السورة، وأما هذا الحديث حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصوم حتى نقول: ما يريد أن يفطر"، فمعناه أنه كان -عليه الصلاة والسلام- يواصل الصوم، يصوم حتى نقول: ما يريد أن يفطر، يسرد الصوم سرداً، وهذا لا إشكال فيه، وإنما المحرم هو صوم الدهر، فلو أن الإنسان مثلاً شغل عن الصيام الذي اعتاده -صيام تطوع- في مدة من الزمان ثم أراد أن يعوض هذا فسرد الصوم لمدة شهر أو لمدة شهرين أو نحو ذلك ليعوض، ليستدرك ما شغل فيه في سائر أيام العام مثلاً، فهذا لا إشكال فيه، حتى بعض الذين كانوا يدمنون الصوم ويسردون الصوم يصوم كل يوم، هؤلاء كانوا يرون: أن المحرم هو صوم الدهر، وأن من أفطر الأعياد وأيام التشريق لم يصم الدهر، وإن كان عمل هؤلاء مفضولاً، يعني الأفضل أفضل الصيام كما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- صيام داود -عليه الصلاة والسلام- يصوم يوماً ويفطر يوماً، لكن المقصود هنا من فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يسرد الصوم كأنه يعوض -عليه الصلاة والسلام- الأيام التي يفطر فيها حتى يقال: ما يريد أن يصوم، ينشغل -عليه الصلاة والسلام- في أمور أخرى فيسرد الصوم، يعوض، "وكان -عليه الصلاة والسلام- يقرأ في كل ليلة بني إسرائيل والزمر"، هذه هل يقرؤها في صلاة الليل أو يقرؤها خارجاً عنها؟، الظاهر أنه -عليه الصلاة والسلام- كان يقرؤها خارجاً عن الصلاة، يعني يقرؤها قبل النوم وليس في الصلاة؛ لأنه في رواية عنها: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا ينام حتى يقرأ الزمر وبني إسرائيل"، وفي لفظ: "كان لا ينام على فراشه حتى يقرأ"([3])، "لا ينام على فراشه"، فهذا كله يدل على أنه كان -صلى الله عليه وسلم- يقرأ هذه السور قراءة خارج الصلاة، لا ينام حتى يقرؤها، ولو أنه وضعها في صلاة، لو أن المكلف وضعها في صلاة يكون تحقق المطلوب، والقراءة في الصلاة أفضل من القراءة خارج الصلاة، المقصود أنه لا ينام حتى يقرأ هذه السور، وظاهر فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يقرؤها خارج الصلاة.

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

{تَنزيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّا أَنزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ * لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [سورة الزمر:1-4].

يخبر تعالى أن تنزيل هذا الكتاب وهو القرآن العظيم من عنده -تبارك وتعالى-، فهو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك، كما قال تعالى: {وَإِنَّهُ لَتَنزيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نزلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [سورة الشعراء:192-195].

وقال -تبارك وتعالى-: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [سورة فصلت:41-42].

جرت العادة في القرآن أن الله -تبارك وتعالى- إذا ذكر تنزيل القرآن أعقب ذلك بذكر أسمائه الحسنى، وهنا قال: {تَنزيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ}، وهكذا أيضاً في سورة الجاثية وفي سورة الأحقاف، وفي موضع آخر -في سورة غافر-: {تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [سورة غافر:2]، {تَنزيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ}، فهذا هو الغالب في القرآن، وذلك أن مصدر هذا الكتاب إنما هو من الله -تبارك وتعالى-، ولهذا يذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- أن التنزيل والإنزال في القرآن على ثلاثة أنواع: نوع مطلق، كقوله: {وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ} [سورة الحديد:25]، ونوع مقيد بأنه من الله، وهذا لم يرد إلا في القرآن {تَنزيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ}، ونوع مقيد بغيره مثل {وَأَنزَلَ لَكُم مِّنْ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} [سورة الزمر:6]، {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء} [سورة المؤمنون:18]، مقيد بقيد غير ما سبق، يعني لم يقيده بأنه أنزله من الله، وإنما من السماء، ومن الأنعام، كما سيأتي في قوله: {وَأَنزَلَ لَكُم مِّنْ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ}.

{تَنزيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ}، وقوله هنا: {تَنزيلُ الْكِتَابِ}، يمكن أن يكون التقدير: هذا تنزيل الكتاب، فيكون خبراً لمبتدأ محذوف، ويمكن أن يكون مبتدأ {تَنزيلُ الْكِتَابِ}، وما بعده خبر، يعني الجار والمجرور، وهذا قال به الفراء والزجَّاج وأصحاب المعاني، معاني القرآن.

وقال -جل وعلا- هاهنا: {تَنزيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ} أي: المنيع الجناب، {الْحَكِيمِ} أي: في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.

هذه الأسماء الحسنى تفسيرها في مواضع من كتاب الله -تبارك وتعالى-، فالعزيز هنا يقول: أي المنيع الجناب، هذا أحد معاني العزة بمعنى المنعة، والعزة صفة تكون من مجموع أوصاف، تحصل من مجموعها صفة العزة، العزيز، ولهذا يقول بعضهم: العزيز هو الذي لا يغالب، وكل هذا بعض معناه، والحكيم: أي في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره، لكنه ما فسر بهذا معنى الحكيم، ومضى الكلام على أصل هذه المادة الحاء والكاف والميم، حكيم وأنها تدل على المنع، أو ترجع إلى معنى المنع، عند عامة أهل العلم، فالحكيم والحكمة كل ذلك يرجع إلى معنى المنع، الحَكَمة الحديدة التي توضع في فم الدابة تمنعها من الانفلات، فالحِكمة صفة توجب الإصابة في القول والعمل، فيمتنع معها الخطل في الرأي، والخطأ في اللسان أو في العمل، فتكون الأحكام صائبة، والأقوال صحيحة مسددة، والأفعال على الوجه اللائق، فيقال لمن اتصف بذلك: إنه حكيم، يضع الأمور في مواضعها ويوقعها في مواقعها، يقال: فلان حكيم، الإصابة في القول والعمل، القول صحيح والرأي والحكم صحيح، ويفعل ذلك في الوقت المناسب، هذا هو الحكيم عند الناس، أو الحكيم من الناس.

{إِنَّا أَنزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} أي: فاعبد الله وحده لا شريك له، وادع الخلق إلى ذلك، وأعلمهم أنه لا تصلح العبادة إلا له وحده، وأنه ليس له شريك ولا عديل ولا نديد؛ ولهذا قال: {أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} أي: لا يقبل من العمل إلا ما أخلص فيه العامل لله وحده لا شريك له.

قوله تعالى: {إِنَّا أَنزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ}، يحتمل أن تكون الباء سببية، يعني: أنزلنا إليك الكتاب بسبب الحق، فتكون متعلقة بالإنزال، أنزلناه بالحق، ويحتمل أن تكون متعلقة بمحذوف وليس بالإنزال، أنزلناه بسبب الحق، أو متعلقة بمحذوف هو حال من الفاعل الذي أنزله -تبارك وتعالى- يعني: أنزلنا إليك الكتاب متلبسين بالحق حال إنزاله، هذا من الفاعل، أو من المفعول {أَنزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ} يعني: متلبساً بالحق، هذا من المفعول، {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ}، هذا التقييد {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ}، ما قال: فاعبد الله مثلاً، والله -عز وجل- كما قال عن المشركين: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ} [سورة يونس:18]، قالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} كما سيأتي أيضاً {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}، فهؤلاء يعبدون الأولياء والأنداد، ويقولون: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}، فدل على أنهم يعبدون الله، ويعبدون هؤلاء ليقربوهم إلى الله، ويكونوا شفعاء لهم عند الله -جل جلاله-، فهذا لا ينفعهم؛ لأن العبادة يجب أن تكون خالصة، ولا يمكن أن يقال: هذا عابد لله -عز وجل- أو عبد لله إلا أن يكون مخلصاً، {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ}، ولهذا هذه السورة سورة الزمر يقال لها أيضاً: سورة الإخلاص الثانية، و{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [سورة الإخلاص:1] سورة الإخلاص الأولى.

ثم أخبر تعالى عن عُبّاد الأصنام من المشركين أنهم يقولون: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} أي: إنما يحملهم على عبادتهم لهم أنهم عمدوا إلى أصنام اتخذوها على صور الملائكة المقربين في زعمهم، فعبدوا تلك الصور تنزيلاً لذلك منزلة عبادتهم الملائكة؛ ليشفعوا لهم عند الله تعالى في نصرهم ورزقهم، وما ينوبهم من أمر الدنيا، فأما المعاد فكانوا جاحدين له كافرين به.

قال قتادة والسدي ومالك عن زيد بن أسلم، وابن زيد: {إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} أي: ليشفعوا لنا، ويقربونا عنده منزلة.

ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجوا في جاهليتهم: "لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك"، وهذه الشبهة هي التي اعتمدها المشركون في قديم الدهر وحديثه، وجاءتهم الرسل -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- بردها والنهي عنها، والدعوة إلى إفراد العبادة لله وحده لا شريك له، وأن هذا شيء اخترعه المشركون من عند أنفسهم، لم يأذن الله فيه ولا رضي به، بل أبغضه ونهى عنه.

كما قال الله -عز وجل- عنهم مما يفسر هذا الموضع {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}: {وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ} [سورة يونس:18]، فهم يقولون: {هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ}، هذا معنى {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}، يعني: يطلبون الشفاعة منهم عند الله، يعتقدون أن لهم منزلة عند الله فيصرفون لهم بعض أنواع العبادة من أجل أن يشفعوا لهم، فالزلفى تدل على القرب، فهي نائبة عن المصدر، يعني ليقربونا تقريباً من الله، يقربونا قرباً من الله، فجاءت "زلفى" موضع "قرباً"، يقربونا قرباً، لكن ليست من لفظه، فجعلت في موضع المصدر.

{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [سورة النحل:36]، {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [سورة الأنبياء:25].

وأخبر أن الملائكة التي في السماوات من المقربين وغيرهم كلهم عبيد خاضعون لله، لا يشفعون عنده إلا بإذنه لمن ارتضى، وليسوا عنده كالأمراء عند ملوكهم، يشفعون عندهم بغير إذن فيما أحبه الملوك وأبوْه، {فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثَالَ} [سورة النحل:74] تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

يعني هؤلاء -أعني المشركين- يقولون: إن الكبراء والملوك والعظماء من أهل الدنيا لا يمكن الوصول إليهم إلا بالشفعاء، فيقولون: إن الله -تبارك وتعالى- أجل وأعظم في ملكه من هؤلاء الملوك في الدنيا، فلابد من الشفعاء الذين يتوصل إلى رضاه بواسطتهم، هكذا يقيسون، وهذه الجملة التي يرددها المشركون وسجلها عليهم القرآن ويقولها الرافضة بعينها، يعني نطق بها بعضهم، فبعض بسطائهم كأنه قد لقن هذا، قال: إذا أردت أن تأتي إلى ملك من الملوك فلابد أن تبحث عمن يوصلك إليه، فنحن كذلك نتوسل إلى الله ونتوصل إليه بعلي والحسين وما أشبه ذلك، هؤلاء يقربوننا عند الله، نفس الكلام، فهم يعبدونهم، أصحاب العتبات المقدسة كما يقولون، يقدمون أنواع العبوديات لهم، بل جعلوا لهم من المنزلة أعظم مما لله -تبارك وتعالى-، فجعلوهم هم الذين يديرون الكون، وهذا هو عين قول المشركين، بل إن قول المشركين دونه، المشركون يقولون: مجرد شفعاء، {هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ} وهؤلاء جعلوهم يدبرون الكون كله، فقولهم أعظم من قول المشركين الأولين.

وقوله -عز وجل-: {إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} أي: يوم القيامة، {فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} أي: سيفصل بين الخلائق يوم معادهم، ويجزي كل عامل بعمله.

في قوله: {فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ} [سورة النحل:74] المقصود به الأمثال السيئة، في مثل قول هؤلاء في تشبيه الله -تبارك وتعالى- بالملوك من أهل الدنيا، وأنه لا يتوصل إليهم إلا بالشفعاء، فكذلك الله، فجعلوه بمنزلة هؤلاء، فهذا محرم لا يجوز، قول منهي عنه، وليس المقصود الأمثال الصحيحة، ولهذا العلماء -رحمهم الله- كانوا يذكرون أمثالاً في مقام الرد على المنحرفين في الاعتقاد، ولربما ذكروا ذلك في مقامات أخرى، فلو قال أحد من الناس: إن الإنسان لو وقف أمام ملك من الملوك فإنه يتجمل في وقوفه، ويحسب كل حركة أو كل ما يصدر عنه، ويتجمل في لباسه وما إلى ذلك، وهو يقف بين يدي الله -عز وجل- في اليوم والليلة خمس مرات، فهو أولى وأحرى أن يتجمل في هذا الوقوف صورة ومعنى، فهذا لا إشكال فيه، ولا يقال: {فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ}، فهذه الأمثال الصحيحة لا إشكال فيها، والعلماء كثيراً ما يذكرون هذا، ولله المثل الأعلى.

وقوله هنا: {إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}، هو قال: سيفصل بين الخلائق يوم معادهم، الكلام هنا السياق {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} فمن نظر إلى أن الضمير يرجع إلى أقرب مذكور قال: هذا في الذين اتخذوا من دون الله أولياء، ففسروا الآية، قالوا: {إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} يعني: هؤلاء العابدين لغير الله -عز وجل- على اختلاف معبوداتهم وأديانهم ومذاهبهم وآرائهم، {يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} فالذين يعبدون غير الله هم على أصناف وملل، وبينهم من الاختلاف الشيء الكثير، هؤلاء يعبدون الملائكة، وهؤلاء يعبدون عزيراً، وهؤلاء يعبدون المسيح، وهؤلاء يعبدون الجن، وهؤلاء يعبدون الشجر أو الحجر، فالله يحكم بينهم، ومن نظر إلى أن الآيات دالة على أن الله -تبارك وتعالى- يحكم بين الخلائق جميعاً، {إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} قال: يحكم بينهم: بين هؤلاء الذين يعبدون من دون الله -عز وجل- أولياء وبين خصومهم من أهل التوحيد والإيمان، {إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} لكن كأنهم نظروا إلى أن الضمير يرجع إلى أقرب مذكور، {يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} وإن جاء بصيغة الغيبة، ما قال: إن الله يحكم بينكم وبينهم مثلاً، قال: {إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} من معبوداتهم وأديانهم، وهذا لا ينفي أن الله يحكم بين العباد والخلائق كما تدل عليه الآيات الأخرى.

ويبدو -والله أعلم- ظهور القول الأول.

{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ} [سورة سبأ:40-41].

وقوله -عز وجل-: {إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} أي: لا يرشد إلى الهداية من قصدُهُ الكذب والافتراء على الله تعالى، وقلبه كفّار يجحد بآياته وحججه وبراهينه.

العلماء -رحمهم الله- في العادة يقولون في قوله: {إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} يعني مصراً على التكذيب والكفر، ولهذا في مثل قوله: {لا يهدي القوم الظالمين}، {الكافرين}، يقولون: المقصود المصرين على الكفر أو الظلم؛ لأن الله هدى كثيراً من الكافرين والظالمين، والكاذبين وما أشبه ذلك، الكفار الذين أسلموا ولا زالوا، فيهديهم الله -عز وجل-، فلهذا العلماء -رحمهم الله- يفسرون هذا يقولون: هم المصرون على كفرهم، على ضلالهم، أهل العناد والشقاق.

ثم بين تعالى أنه لا ولد له كما يزعمه جهلة المشركين في الملائكة، والمعاندون من اليهود والنصارى في العزير وعيسى فقال -تبارك وتعالى-: {لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} أي: لكان الأمر على خلاف ما يزعمون، وهذا شرط لا يلزم وقوعه ولا جوازه، بل هو محال، وإنما قصد تجهيلهم فيما ادعوه وزعموه، كما قال -عز وجل-: {لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ} [سورة الأنبياء:17]، {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} [سورة الزخرف:81]، كل هذا من باب الشرط، ويجوز تعليق الشرط على المستحيل لمقصد المتكلم.

هذا جواب {لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ}، أن التعليق على شرط لا يقتضي تحقق الوقوع، يعني قد يقول قائل: هذا محال، فكيف علقه على شرط، هذا مستحيل؟، فيقال: التعليق على شرط لا يقتضي الوقوع، وهذه قاعدة معروفة، يجاب بها عن مثل هذا السؤال الذي يرد في مثل هذه المقامات، مع أن هذه المواضع من كتاب الله -تبارك وتعالى- التي علق فيها على شرط تحتمل معنى آخر، فمثلاً في هذا الموضع، بعض العلماء يقول: إن الله قال: {لاصْطَفَى} ما قال: لاتخذ، {لاصْطَفَى}، يعني: لاصطفى يعني لعبوديته؛ لأن كل ما سوى الخالق فهو مخلوق، ولا يمكن أن يكون هذا المخلوق يصلح أن يكون ولداً يُصطفي مما يَخلق، فهذا المخلوق لا يصلح أن يكون ولداً للخالق؛ لأنه جنس لا يصلح لأن يكون ولداً لله    -عز وجل-، هذا لا يتأتى، كيف يكون مخلوق ولداً للخالق؟!، فهو من جنس لا يصلح له هذا، المخلوق لا يصلح أن يكون ولداً للخالق -تبارك وتعالى-، قالوا: ولهذا قال: {لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ}، فاصطفى مما يخلق ليس للولدية وإنما للعبودية الخاصة، قالوا: فعبر بالاصطفاء، هذا هنا يذكره بعض أهل العلم ويفسر الآية بهذا، وعليه -على هذا التفسير- لا يقال هنا: إن المعلق على شرط لا يقتضي الوقوع، فعندهم أن هذا ليس من هذا القبيل، وهكذا في قوله مثلاً: {قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} [سورة الزخرف:81]، {قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ}، بعضهم يقول: {فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} لله -عز وجل-، فهنا لا يتأتى القول بهذه القاعدة، أن المعلق على شرط لا يقتضي الوقوع، لا يقتضي الحصول؛ لأن المعنى عندهم ليس {فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} لهذا الولد، لكن عند من فسره بهذا قال: {فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} للولد، أن هذا لو {كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ} فيكون معلقاً على شرط، والمعلق على شرط لا يقتضي الوقوع، ولهذا فمثل هذه القواعد يمكن أن يجاب بها عن مواضع من كتاب الله -عز وجل-، ويمكن أن يجاب بقواعد أخرى، بحسب المعنى، ويمكن أن يجاب بإجابات غير القواعد عن هذه السؤالات، ولذلك هؤلاء الذين يوردون إشكالات ويلبسون على الناس في كلامهم وكتاباتهم ومواقعهم، ويتابعهم بعض الناس ويقعون في إشكالات، الواقع أنه يمكن أن يجاب عن إشكالاتهم بأنواع الأجوبة، بكل سهولة، المشكلة أنهم يعرضون هذا على أناس لا يعرفون هذه المعاني، وما يراد بها، وكلام أهل العلم فيها، وما يمكن أن يجاب به، وما هي القاعدة في هذا الباب، وإلى آخره، فيتحيرون، وبعضهم يقع عنده لبس وشك في كلام الله -عز وجل-، أو يضربون بعضه ببعض، ويصفونه بالتناقض، ويكذبونه، ونحو هذا، والواقع أنه يمكن أن يجاب عن هذا بأجوبة متنوعة ويتفنن في الجواب حتى لا يبقى لهؤلاء أدنى مقال بعد ذلك، أنا لا أتابع كلام هؤلاء ولا أقرؤه أبداً، لكن أحياناً تبتلى بمن يسأل ويصر ويقول: أنا قرأت هذا في كلام فلان، ذكره فلان، موقع فلان، حساب فلان، فتحتاج إلى الجواب على هذا الإشكال عنده، فأتعجب من إيراد هؤلاء لهذه الأشياء، فأقول: إما أن يكون هؤلاء في غاية الجهل، وإما أن يكونوا من قبيل الشياطين، يضللون الناس في أمور إذا كانوا يعرفون الجواب عنها، إذا كان عندهم علم، لكن يلبسون على الناس.

قوله تعالى: {سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} أي: تعالى وتنزه وتقدس عن أن يكون له ولد، فإنه الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي كل شيء عبد لديه، فقير إليه، وهو الغني عما سواه الذي قد قهر الأشياء فدانت له وذلت وخضعت، تبارك وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيراً.

{خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ * خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} [سورة الزمر:5-6].

يخبر تعالى أنه الخالق لما في السموات والأرض وما بين ذلك من الأشياء، وأنه مالك الملك المتصرف فيه يقلب ليله ونهاره، {يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ} أي: سخرهما يجريان متعاقبين لا يفتران، كل منهما يطلب الآخر طلبا حثيثاً، كقوله -تبارك وتعالى-: {يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا} [سورة الأعراف:54]، هذا معنى ما روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما-، ومجاهد، وقتادة، والسدي، وغيرهم.

يعني {يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ}، التكوير: تكوير الشيء بمعنى إدارته، وضم بعضه إلى بعض، كتكوير العمامة، كوَّر العمامة بمعنى: أدار بعضها على بعض، فالله -تبارك وتعالى- يكور الليل على النهار، بمعنى أنه يدير الليل والنهار بهذه الطريقة العجيبة التي يحصل بها هذا التعاقب والتتابع الذي يحصل به قيام مصالح الخلق ومعايشهم، وأظن أنه يمكن في مثل هذا العصر الآن التصوير بالأقمار الصناعية وما أشبه ذلك لو صور الليل وهو يتحرك وينتقل من مكان إلى آخر والنهار ينسحب فتجد أنه في بعض الأماكن في وقت الفجر ووقت المغرب تجد أن الوقت يكون بين بين، يعني في الظلام، بين الظلام والنور -الإضاءة-، فتجد أنه يغشاه فينسحب النهار بهذه الطريقة، يعني تصور من المشرق مثلاً يبتدئ من جهة الصين أو اليابان أو إندونيسيا وهكذا ينسحب حتى يصل، فلهذا دخلنا في الصباح نحن الآن وأسفرت الدنيا بهذه البقاع التي نشاهدها، ولكن ما وراءنا لا زال الليل يغشى النهار، فتجد مثل هذا يدور بهذه الطريقة فتحصل بذلك مصالح الخلق.

والتكوير يأتي بمعنى طرح الشيء على الشيء، وهذا بمعنى ضم الشيء أيضاً ضم بعضه إلى بعض، طرح الشيء بمعنى يطرح الليل على النهار، يلقيه عليه، وهذا معنى التغشية أو قريب منه، يُغشيه، فالليل يغشى النهار، الليلة سابقة لليوم، فالليل يغشى النهار، {يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ}، وهذا الذي أشار إليه الحافظ ابن كثير  -رحمه الله-، فيغشيه حتى يذهب ضوءه، فيكون يكور الليل على النهار بمعنى يغشيه، وهذا الذي اختاره كبير المفسرين أبو جعفر بن جرير -رحمه الله-، يعني القضية هكذا، ليل ونهار، هذا الليل يدور والنهار بعده، يعني هذا الوقت الذي يكون بين بين، هذا الفراغ مثلاً، وإن كان هو جزءاً من النهار أو الليل، لكن للإيضاح، فهو يدور بهذا الشكل، فيغشيه، وبعضهم حمل ذلك على معنى سبق الكلام عليه في قوله: {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ} [سورة فاطر:13]، فذكر فيه هذا المعنى الذي ذكر آنفاً، وهناك يذكر معنى آخر ذكره بعض أهل العلم هنا أيضاً، وهو أن الليل يأخذ من النهار فيطول الليل في الشتاء ويقصر النهار، ثم يبدأ الليل في التناقص تدريجياً فيأخذ النهار من الليل، فيطول النهار كما في الصيف إلى أقصى مدى، ويقصر الليل، وهكذا في حركة مستمرة يحصل بها هذا التناقص، يأخذ هذا من هذا، وهذا من هذا، {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ}، ومن أهل العلم من حمل هذا الموضع من كتاب الله -عز وجل- على هذا المعنى، والمعنى الأول في التكوير، يعني تفسيره بالتغشية {يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ} كأنه في هذا الموضع ألصق -والله تعالى أعلم-، وهناك {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ}، يكون هذا يأخذ من هذا، وهذا يأخذ من هذا، إضافة إلى المعاني الأخرى التي ذكرت هناك، والعلم عند الله -عز وجل.

{وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى} أي: إلى مدة معلومة عند الله تعالى ثم تنقضي يوم القيامة.

قوله: {كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى}، قال الحافظ -رحمه الله-: إلى مدة معلومة عند الله تعالى ثم تنقضي يوم القيامة، فالأجل المسمى هو يوم القيامة، هذا قال به طوائف من أهل العلم من السلف فمن بعدهم، إلى يوم القيامة فينخسف القمر وتنكدر النجوم، وتكور الشمس، {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} [سورة التكوير:1]، وكما هو معلوم حينما تطلع الشمس من مغربها، فتتغير هذه الحركة المستمرة المنتظمة بهذه الطريقة الدقيقة، ويحتمل أن يكون {لأجَلٍ مُسَمًّى} يعني: أن لكل منهما منازل لا يتعداها ولا يتجاوزها في حركته وانتقاله وجريانه ودورانه، يدور، يتحرك، يسير في منازل، يعني فيكون هنا {كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى} يعني: ما حده الله -عز وجل- له من المنازل.

{أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ} أي: مع عزته وعظمته وكبريائه هو غفار لمن عصاه ثم تاب وأناب إليه.

من مجموع الاسمين أو الصفتين يحصل وصف ثالث، فهنا العزيز الغفار، فهو مع عزته يغفر، والغفر قد يكون عن عجز بالنسبة للمخلوق، يقول: أنا عفوت عنك أنا غفرت لك، أنا سامحتك؛ لأنه لا يستطيع أن يعاقبه أو أن يأخذ بحقه أو أن ينتقم، لكن الله -تبارك وتعالى- عزيز فهو مع عزته غفار يغفر، لا عن عجز بالمؤاخذة، وهذا هو الكمال، ولذلك أيضاً مضى الكلام على قول عيسى -صلى الله عليه وسلم-: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ} [سورة المائدة:118]، ما قال: الغفور الرحيم، قال: {الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}؛ لأنه حينما يغفر لهم فإن ذلك لا يكون عن عجز في المؤاخذة، وإنما هو قادر على مؤاخذتهم ومعاقبتهم ولكنه يغفر عن اقتدار وعزة.

وقوله -جلت عظمته-: {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} أي: خلقكم مع اختلاف أجناسكم وأصنافكم وألسنتكم وألوانكم من نفس واحدة، وهو آدم -عليه الصلاة والسلام-، {ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} وهي حواء -عليها السلام-، كقوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً} [سورة النساء:1].

مثل هذا الموضع: {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} وما أشبهه من المواضع في كتاب الله -تبارك وتعالى- صريح في أن البشر إنما خلقوا من آدم، وما كنت أظن أننا في يوم من الأيام نحتاج إلى أن ننبه على هذا، فالناس من ذرية آدم، كل البشر من ذرية آدم، لا يوجد أحد من البشر خارج عن ذلك، لكن الآن للأسف يوجد من يكتب ويتكلم ويروج غير هذا في جنس البشر، لا أقصد الذين يقولون بنظرية التطور، يوجد شيء آخر، يوجد من يتفلسف ويقول: إنه يوجد بشر قبل آدم، ويفسر بعض الآيات هذا التفسير، ما كنت أظن أن أحتاج أن أنبه لهذا، كما أني لم أكن أظن أبداً أننا نحتاج أن ننبه إلى أن اليهود والنصارى كفار، {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ} [سورة الحشر:2] إلى أن وجد من يقول: هؤلاء من المؤمنين، ولماذا تقولون: إنهم كفار؟ إلى هذا الحد!، فهنا {خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} آدم -عليه الصلاة السلام-، فلا يوجد أحد من البشر ليس من ذرية آدم، ولكنه الولع بالإغراب، وأصبحت القضية مثل ما يبتلى به بعض الصحفيين أو كثير من الصحفيين فيما يسمى بالسبق الصحفي، فيأتي بأشياء أحياناً لا حقيقة لها، أو مشوهة أو غير ذلك من أجل أن يكون للخبر شيء من الزخم والصدمة في نفوس الناس فيتفاعلون معه وما إلى ذلك، فيوجد الآن من يكتب من المسلمين ولربما بعض المتدينين أشياء عجيبة غريبة، لم يقل بها أحد، ووجد من ينازع في بعض الأنبياء هل هم رسل أو لا؟، ويأتي بعض الشباب ويقول: ما الجواب على هذا؟ فهذه من العجائب والغرائب، وصلنا إلى هذا المستوى!، ومثل هؤلاء أنا لا أجيبهم بالعادة، أقول لهم: كم بلغ سعر الحنطة؟ كما قال الشعبي -رحمه الله.

وقوله تعالى: {وَأَنزلَ لَكُمْ مِنَ الأنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} أي: خلق لكم من ظهور الأنعام ثمانية أزواج، وهي المذكورة في سورة الأنعام...

يعني هنا التعبير بلفظ الإنزال، {وَأَنزلَ لَكُمْ}، شيخ الإسلام يقرر أن هذه اللفظة هذه الكلمة، هذه المادة، {أَنزلَ} تدل على نزول من أعلى إلى أسفل، ويقرر نزول القرآن وأنه منزل من الله، ويقرر مسألة العلو لله -تبارك وتعالى-، فيأتي بجميع الموارد لهذه اللفظة، ووجوه الاستعمال في القرآن لها، فيأتي هنا مثلاً {وَأَنزلَ لَكُمْ مِنَ الأنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} الإنزال باعتبار أنه نزول من أعلى إلى أسفل، فهنا العلماء يذكرون وجوهاً في المعنى، فيحتمل أن يكون أصول هذه الأنعام أنزلت إلى الأرض من السماء، أن الله خلقها في السماء أو في الجنة أو غير ذلك -الله أعلم-، فأنزلها يعني أنزل أصولها، فتوالدت، ومن معاني الإنزال فيها أنه نزول، يعني يتحقق فيها معنى النزول من أعلى إلى أسفل، وما ذكره بعض أهل العلم أن ذكورها تنزو على إناثها، فيستقر ذلك في أرحامها، فهذا فيه معنى النزول، أصلها يعني نطفة، أو أن هذه الأنعام حينما تولد تنزل من الأمهات إلى أسفل، ففيها معنى النزول {وَأَنزلَ لَكُمْ مِنَ الأنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ}، أو أن المراد أنزل لكم، باعتبار أنها تعيش على النبات، والنبات يكون بالمطر بإذن الله -عز وجل-، فترعاه هذه، كما قال الشاعر:

إذا نزلَ السماءُ بأرضِ قومٍ *** رعيناه وإن كانوا غضاباً

يعني رعينا الزرع الذي نبت بالمطر، وليس المراد رعينا السماء.

إذا نزل السماءُ بأرض قوم *** رعيناه وإن كانوا غضاباً

فالذي يُرعى هو النبات، فسماه بهذا سماء يعني مطراً، باعتبار أنه ناتج عنه بإذن الله، فعبر عن المسبب باسم السبب الذي هو المطر، السماء، هذا وأياً كان من هذه الأقوال في التفسير {وَأَنزلَ لَكُمْ مِنَ الأنْعَامِ}، ففيه معنى الإنزال، كما قال في: {وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ} [سورة الحديد:25] بأن أجود الحديد إما أنه أنزل من السماء أصلاً، أو أن أجود الحديد إنما يؤخذ من أعالي الجبال، {وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ}، هنا: {وَأَنزلَ لَكُمْ مِنَ الأنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ}، قال: أي خلق لكم من ظهور الأنعام ثمانية أزواج، لاحظْ من ظهور الأنعام، يعني من أصلابها، {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ}، يعني: أنزله من أصلابها، هذا أحد المعاني التي مضت، كأن ابن كثير -رحمه الله- يشير إليه، وبعضهم يقول: إنه قيل لها ذلك، أو قيل فيها: إنزال، أنزل لكم من الأنعام باعتبار أنها كانت بأمر الله -عز وجل-، وأمره -تبارك وتعالى- ينزل من السماء، كانت بأمره خلقت، وبعض هذه الأقوال فيه بعد، ولا يخلو من تكلف، وإنما المقصود تنزيل ذلك جميعاً على هذا المعنى الأساس، وهو أن النزول يكون من أعلى إلى أسفل فقط، لا أن هذه المعاني في قوة ومرتبة واحدة أو متقاربة.

{ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ} [سورة الأنعام:143]، {وَمِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ} [سورة الأنعام:144].

يعني هذا موضع في كتاب الله -عز وجل- كمثال لتفسير القرآن بالقرآن حيث يكون ذلك مقطوعاً به، وتفسير القرآن بالقرآن يدخله اجتهاد المفسر، فقد يصيب وقد يخطئ، يربط بين آيتين لا وجه للارتباط بينهما أحياناً، فيخطئ المفسر، وأحياناً يكون محتملاً، وأحياناً يكون قوياً مقطوعاً به، فمن أمثله المقطوع به هذا، {وَأَنزلَ لَكُمْ مِنَ الأنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ}، فهذه الثمانية هي التي في سورة الأنعام مفصلة: {وَمِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ}، وكذا أيضاً {مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ} [سورة الأنعام:143]، فهذه ثمانية، ومثل:   {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [سورة الفاتحة:2]، قال فرعون: {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إن كُنتُم مُّوقِنِينَ} [سورة الشعراء:23-24]، وهكذا في قوله -تبارك وتعالى- في سورة النحل: {وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل}، وهذا جاء مفصلاً في سورة الأنعام في قوله: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ} [سورة الأنعام:146]، فبهذا التفصيل هذا تفسير لقوله: {حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ} [سورة النحل:118]، هذا يكون قطعياً، يعني لا مرية فيه، لكن ليس كل تفسير القرآن بالقرآن بهذه المرتبة، فحينما يقول العلماء -رحمهم الله-: إن تفسير القرآن بالقرآن هو أجود وأفضل طرق التفسير، يقصدون من حيث الجنس، لا من حيث الأفراد والأمثلة والتطبيقات، فهذه تتفاوت، منه ما يقطع أنه خطأ، ومنه ما يكون محتملاً، ومنه ما يكون الاحتمال فيه قوياً، ومنه ما يكون قطعياً.

وقوله -عز وجل-: {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ} أي: قدّركم في بطون أمهاتكم.

هنا فسر الخلق بالتقدير، وكما سبق في الكلام على اسم الخالق، وكذا في سورة الحشر، أظن تكلمنا عليها،    -أو لا-، في بعض الدورات قديماً في قوله: {الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ} [سورة الحشر:24]، وقلنا هنا: إن الخالق هو المقدر في آية الحشر؛ لأنه ذكر بعده البارئ وهو الموجد من العدم، حتى لا يكون تكراراًَ، فالتأسيس مقدم على التوكيد، {الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ}، التصوير بمعنى التشكيل، فيكون كل واحد من هذه الأسماء له معنىً يخصه، وإن كان الخلق يأتي لهذه المعاني الثلاثة، يعني بمعنى التقدير والإيجاد من العدم، ويأتي بمعنى التصوير والتشكيل، فهنا {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ} هل هو التقدير فقط أو الإيجاد والتصوير يعني المعاني الثلاثة؟، لو قيل هذا لكان أقرب -والله أعلم-، فالذي يحصل في بطون الأمهات التقدير، ويحصل أيضاً الإيجاد والإنشاء ويحصل التشكيل والتصوير، {خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ} هي الأطوار على الأرجح الذي عليه عامة المفسرين، الأطوار التي يمر بها الجنين، نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم يكون عظاماً ثم تكسى هذه العظام بلحم، ثم يتحول إلى خلق آخر، تنفخ فيه الروح، ويتحرك، ويجعل الله     -عز وجل- له هذه الحواس وما إلى ذلك، فيخرج إلى الدنيا وهو ذو سمع وبصر، ويمشي، أو مهيأ للمشي، والتقلب في الأرض، {خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ} في هذه الأطوار.

{خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ} أي: يكون أحدكم أولاً نطفة، ثم يكون علقة، ثم يكون مضغة، ثم يخلق فيكون لحماً وعظماً وعصباً وعروقاً، وينفخ فيه الروح فيصير خلقا آخر، {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}.

وقوله -جل وعلا-: {فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ} يعني: ظلمة الرحم، وظلمة المَشيمة -التي هي كالغشاوة والوقاية على الولد- وظلمة البطن، كذا قال ابن عباس -رضي الله عنهما-، ومجاهد، وعكرمة، وأبو مالك، والضحاك، وقتادة، والسدي، وابن زيد.

هذا الذي عليه عامة المفسرين، أن الظلمات الثلاث هي هذه، خلافاً لمن قال: إن الظلمات الثلاث ظلمة البطن وظلمة الليل، وظلمة الرحم، فالليل: الجنين في البطن لا يعرف ليلاً ولا نهاراً، ولا يغير ذلك من الحال عنده في شيء، وبعضهم يقول غير ذلك، لكن المشهور الذي عليه عامة أهل العلم أن هذه الظلمات الثلاث: البطن والرحم والمشيمة، والمشيمة: الغشاء الذي يغطي الجنين الذي يسمى السلا، فالبهيمة مثلاً إذا ولدت يخرج منها غشاء مع الجنين، يقال له: السلا، هذا يغلف الجنين، فهذه كلها ظلمات يُجري الله -عز وجل- فيها هذه العمليات الدقيقة المتنوعة من غير حاجة إلى إضاءة ولا شق بطن، وهي عمليات تجري بالثانية، النمو الذي لا يدركه الإنسان هو بالثواني، فيتنامى ويتكامل حتى يتحول إلى شيء آخر، من غير حاجة إلى ما يحتاج إليه الأطباء في عملياتهم وجراحاتهم، فما يحتاج أنه يُدخل المرأة في صحية كما يقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله-، ولا يحتاج إلى إضاءة ولا يحتاج إلى شق البطن من أجل نقل الجنين من طور إلى طور.

قوله -جل جلاله-: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ} أي: هذا الذي خلق السموات والأرض وما بينهما وخلقكم وخلق آباءكم هو الرب له الملك والتصرف في جميع ذلك.

هذا التخليق والتدبير والتصرف، هذا كله يرجع إلى معنى هذا الاسم الكريم الرب، يربي خلقه، المتصرف التصرف المطلق، يربيهم التربيتين التربية الجسمانية والتربية أيضاً الأخرى التي تكون بإرسال الرسل وإنزال الكتب.

{لا إِلَهَ إِلا هُوَ} أي: الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له، {فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} أي: فكيف تعبدون معه غيره؟ أين يُذْهَبُ بعقولكم؟!.

{إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * وَإِذَا مَسَّ الإنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ} [سورة الزمر:7-8].

يقول تبارك وتعالى مخبراً عن نفسه -تبارك وتعالى-: أنه الغني عما سواه من المخلوقات، كما قال موسى -عليه الصلاة والسلام-: {إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} [سورة إبراهيم:8].

وفي صحيح مسلم: ((يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً))([4]).

وقوله تعالى: {وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} أي: لا يحبه ولا يأمر به، {وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} أي: يحبه منكم ويزدكم من فضله.

{وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} أي: لا تحمل نفس عن نفس شيئاً، بل كل مطالب بأمر نفسه.

هنا: {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ}، كما قال الله -عز وجل-: {فَكَفَرُوا} [سورة التغابن:6] قال: {وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ}، {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ}، من كفر فإن الله غني، فهنا {وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ}، هنا تجدون في كتب التفسير كلاماً كثيراً مرده -والله تعالى أعلم- على عدم التفريق بين الرضا، أو بين الإرادتين، الإرادة الكونية والإرادة الشرعية، {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ}، بعض أهل العلم من السلف ومن وافقهم يقولون: {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ} المؤمنين {الْكُفْرَ}، وبعضهم أطلقه، وهذا الذي مشى عليه الحافظ ابن كثير وسبقه ابن جرير -رحمه الله- أن يكون المعنى {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ} كما في الآيات التي سبقت والحديث القدسي: ((لو أن أولكم وآخركم..))، فإن ذلك لا يؤثر في ملك الله -عز وجل- ولا يُنقصه كفر الكافرين، فالله هو الغني الحميد، {وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ}، الرضا غير الإرادة، فالإرادة الكونية تقتضي حصول المراد، ولكنها لا تكون ملازمة للرضا والمحبة، {وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ}، ولذلك يستدل أهل السنة بهذه الآية في الرد على هؤلاء القدرية، ومن لم يكن على الاعتقاد الصحيح في باب القدر لم يفرق بين الإرادتين، الإرادة الكونية أنه لا يقع في ملك الله -عز وجل- إلا ما يريد، فهذه لا تقتضي الرضا والمحبة، فكفر الكافرين هذا كله إنما وقع بإرادة الله، لكن {وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ}، فالله لا يحبه ولا يرضاه، فمن الخطأ أن تجعل الإرادة ملازمة للرضا والمحبة فيقع الإشكال، فيقال: هناك إرادة أخرى، يعني هذا المراد كوناً قد يحبه الله وقد لا يحبه، فالإيمان الذي وقع من المؤمنين يحبه الله، ولكن هو لم يقع إلا بإرادة الله الكونية، أما الإرادة الأخرى وهي الإرادة الشرعية الدينية فهذه لا تقتضي وقوع المراد وهي ملازمة للرضا والمحبة، {وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ}، فصار عندنا إرادتان كونية تقتضي وقوع المراد، لا تلازم، لا تقتضي المحبة بالضرورة، قد يوجد ذلك، قد تكون مع المحبة وقد لا تكون، فما أراده الله -عز وجل- كوناً من محابّه لابد أن يقع، وهو يرضاه كالإيمان والطاعات، وما أراده كوناً مما يسخطه فهذا لابد أن يقع لكنه لا يقتضي المحبة والرضا، {وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} مع أن الكفر وقع لكن بإرادة الله الكونية، فالتفريق بين الإرادتين ينحل به إشكالات كثيرة جداً، وهذه الآية هي من الآيات التي يستدل بها أهل السنة في هذا الباب على تقرير هذه المسألة، ويقولون: تنفرد الإرادة الكونية في الكافر والعاصي، وتجتمع الإرادة الكونية والشرعية الدينية في المطيع؛ لأن طاعته لم تكن إلا بإرادة الله الكونية، وفعله هذا أراده الله ديناً وشرعاً، لكن الإرادة الدينية الشرعية لا تقتضي وقوع المراد وإن كانت ملازمة للمحبة.

{ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} أي: فلا تخفى عليه خافية.

{ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ} النبأ في الأصل كما سبق في مناسبات سابقة إنما يكون في الأمور المهمة    -كما سبق- لا يقال: جاءنا نبأ حمار الحجام، وإنما ما له خطب وشأن، يقال: نبأ الجيش، نبأ الحرب، {فَيُنَبِّئُكُمْ}، فهذه أمور تتعلق بها سعادتهم ومستقبلهم ومصيرهم، {فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ} و"ما" هذه تدل على العموم، كل أعمالكم الصغار والكبار {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا} [سورة الكهف:49]، {أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ} [سورة المجادلة:6]، {فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}، فذكر هذا التعقيب {عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} يعني: ما تكنه النفوس وما في دواخلها وما يجول في الصدور من الخواطر والإرادات والأعمال القلبية وما إلى ذلك، إذا كان يعلم هذا -{عَلِيمٌ} صفة مبالغة- فالأمور الظاهرة من باب أولى.

وقوله -عز وجل-: {وَإِذَا مَسَّ الإنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ} أي: عند الحاجة يتضرع ويستغيث بالله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإنْسَانُ كَفُورًا} [سورة الإسراء:67]، ولهذا قال: {ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ} أي: في حال الرفاهية ينسى ذلك الدعاء والتضرع.

يعني: {خَوَّلَهُ} بمعنى أعطاه نعمة منه -تبارك وتعالى-، قال: {نَسِيَ} نسي ماذا؟ {نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ} فابن كثير -رحمه الله- يقول: نسي ذلك الدعاء والتضرع، وهذا الذي اختاره ابن جرير -رحمه الله-، يدعو ويرفع يديه ويلح يا رب ويا رب ويا رب، فإذا حصل له المطلوب بعد ذلك ينسى ويترك هذه الضراعة والدعاء الذي كان يلازمه، فهذا وصف مذموم، فالعبد يتعبد لله ويتقرب إليه بالدعاء دائماً، فيتعرف إليه بالرخاء وليس في الشدة فقط، وبعضهم يقول: {نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ} يعني: نسي الضر الذي أصابه وكان يدعو بسببه ربه -تبارك وتعالى-، وبعضهم يقول: {نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ} يعني: نسي ربه، يعني ترك عبادته وطاعته والتقرب إليه.

{وَإِذَا مَسَّ الإنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ}.

وقوله تعالى: {وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ} أي: في حال العافية يشرك بالله، ويجعل له أنداداً.

{وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ}، قراءة أخرى متواترة لابن كثير وأبي عمرو {ليَضِل عَنْ سَبِيلِهِ}، الأولى {ليُضِل} قراءة الجمهور يعني ليُضل الناس، جعل لله أنداداً ليُضل الناس بها عن سبيل الله -عز وجل-، تمرد على الله وعتا ونسي الدعاء حال الضر، وفي القراءة الآخرة {ليَضل عن سبيله}، فكأن اللام هنا تدل على العاقبة، {نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا ليَضِل} لتكون عاقبته الضلال، {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} [سورة القصص:8]، يعني هم ما التقطوه من أجل أن يكون عدواً لهم، لكن العاقبة هكذا.

{قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ} أي: قل لمن هذه حاله وطريقته ومسلكه: تمتع بكفرك قليلاً. وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، كقوله تعالى: {قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ} [سورة إبراهيم:30]، وقوله تعالى: {نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ} [سورة لقمان:24].

هذا التمتع هو الذي نراه من بهجة الحياة الدنيا التي تحصل لكثير من الكفار، والتقلب في الأرض، والتمتع بأنواع اللذات، ويحصل لهم من الأمور التي تطمح إليها كثير من النفوس، يحصل لهم شيء من ذلك يتمتعون به من جمال في بلادهم أو في نسائهم، أو رغد في العيش وتذليل سبل الحياة وما إلى ذلك، هذا كله داخل في {قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلا}، هو متاع قليل، ثم مأواهم جهنم، فماذا يغني هذا المتاع القليل؟ مثل النفس والانتعاش الذي يكون عند الإنسان قبيل موته، صحوة الموت، ماذا تنفعه هذه الصحوة حينما يشرق وجهه وتزدان حالته؟، إنما هي ساعات ثم بعد ذلك تحصل له الوفاة، فهو متاع قليل يسير لا قيمة له ولا شأن له، فمن نظر إلى ما عند الكفار من الأمطار المدرارة، وما عندهم من جمال في الطبيعة، وما عندهم من صور حسنة، وتذليل سبل العيش الرغيد، وما إلى ذلك فيتذكر أن هذا متاع قليل، هو هذا الذي ذكره الله -عز وجل-: {نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ} فلا يستغرب مثل هذا، ولا ينبغي للإنسان أن يغتر به أو أن يشك فيما هو عليه من الحق، أو يتساءل كيف نحن في حالٍ مِن لربما قلة المطر وقلة الزرع وقلة ذات اليد، والكفار في هذه الحال من الأجواء الجميلة والبلاد الجميلة، وأماكن السياحة عندهم في الغالب، وكل شيء هناك؟، فهذا {نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا}، هذا المتاع القليل، فيحصل لهم بسبب هذا من الاغترار والإصرار والاستمرار على الكفر ومحادة الله -تبارك وتعالى- ما لا يكون حال الشظف.

 


 

[1] - رواه أحمد في المسند، برقم (24388)، وقال محققوه: "حديث صحيح دون قوله: وكان يقرأ في كل ليلة ببني إسرائيل والزمر، وهذا إسناد فيه أبو لبابة العقيلي، وهو مروان مولى عائشة -رضي الله عنها-، ويقال: مولى هند بنت المهلب بن أبي صفرة، ويقال: مولى عبد الرحمن بن زياد العقيلي، ...، وذكره ابن حبان في "الثقات" لكن الذهبي نص في "الميزان" (4/565) على أن خبره منكر، وتوقف فيه ابن خزيمة في "صحيحه" (1163) ، فقال: باب استحباب قراءة بني إسرائيل والزمر كل ليلة استناداً بالنبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، إن كان أبو لبابة هذا يجوز الاحتجاج بخبره، فإني لا أعرفه بعدالة ولا جرح، قلنا: حسن حديثه الترمذى، وبقية رجاله ثقات رجال الشيخين، حسن: هو ابن موسى الأشيب"، والحاكم في المستدرك، برقم (3625)، وابن خزيمة في صحيحه، برقم (1163)، ورواه النسائي بدون زيادة: "وكان يقرأ كل ليلة ببني إسرائيل، والزمر"، كتاب الصيام، باب صوم النبي -صلى الله عليه وسلم- بأبي هو وأمي وذكر اختلاف الناقلين للخبر في ذلك، برقم (2347)، وقال الشيخ الألباني: "وهذا سند صحيح" في أصل صفة صلاة النبي -صلى الله عليه وسلم- (2/526).

[2] - رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب الحث على المبادرة بالأعمال قبل تظاهر الفتن، برقم (118).

[3] - رواه الترمذي، كتاب فضائل القرآن عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، برقم (2920)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، برقم (641).

[4] - رواه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، برقم (2577).

مواد ذات صلة