الخميس 16 / شعبان / 1441 - 09 / أبريل 2020
[1] من قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ} الآية 1 إلى قوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} الآية 2
تاريخ النشر: ٢٦ / ذو القعدة / ١٤٢٦
التحميل: 3056
مرات الإستماع: 2508

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المفسر -رحمه الله تعالى:

تفسير سورة المائدة:

قد روى الترمذي عن عبد الله بن عمرو -ا- قال: آخر سورة أنزلت سورة المائدة والفتح، ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب[1].

وقد روي عن ابن عباس -ا- أنه قال: آخر سورة أنزلت: إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [سورة النصر:1] وقد روى الحاكم في مستدركه نحو رواية الترمذي ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.

وروى الحاكم أيضاً عن جبير بن نفير قال: حججت فدخلت على عائشة -ا- فقالت لي: يا جبير، تقرأ المائدة؟ فقلت: نعم، فقالت: أما إنها آخر سورة نزلت فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرموه، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه[2].

ورواه الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية بن صالح، وزاد: وسألتها عن خلق رسول الله ﷺ فقالت: "القرآن" وراوه النسائي[3].

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فهذه السورة من أكثر سور القرآن اشتمالاً على الأحكام إلا أنها أقصر من سورة البقرة ولذا كانت البقرة أكثر منها من جهة الأحكام التي اشتملت عليها. 

وهذا الأثر الذي ذكره عن عبد الله بن عمرو أنه قال: "آخر سورة أنزلت سورة المائدة والفتح"، في إسناده ضعف، والمقصود بالفتح سورة النصر إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [سورة النصر:1] وليست سورة الفتح قطعاً أعني التي مطلعها إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا [سورة الفتح:1]؛ لأن هذه نزلت في السنة السادسة بعد صلح الحديبية، ويدل على هذا رواية ابن عباس التي بعدها "آخر سورة أنزلت: إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ".

ويمكن أن يُجمع بين هذا وهذا باعتبار أن سورة المائدة هي آخر ما نزل في الأحكام، بمعنى أنه لم ينسخ منها شيء، ولذا كانوا يكتفون أحياناً لبيان أن هذا من المحكم بأن يقولوا: هذا من سورة المائدة.

فيجمع بين القولين بأن يقال: سورة النصر آخر سورة نزلت كاملة، وآخر ما نزل في الأحكام سورة المائدة، وآخر ما نزل في المواريث آية الكلالة التي في سورة النساء.

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ۝ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ۝ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [سورة المائدة:1، 2].

روى ابن أبي حاتم أن رجلاً أتى عبد الله بن مسعود فقال: اعهد إليّ، فقال: إذا سمعت الله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ فارْعِها سمعك، فإنه خير يأمر به أو شر ينهى عنه.

وعن خيثمة قال: كل شيء في القرآن: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ فهو في التوراة: "يا أيها المساكين".

قوله تعالى: أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ قال ابن عباس -ا- ومجاهد وغير واحد: يعني بالعقود: العهود، وحكى ابن جرير الإجماع على ذلك، قال: والعهود ما كانوا يتعاهدون عليه من الحلف وغيره.

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس -ا- في قوله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ يعني بالعهود، يعني ما أحل الله وما حرم وما فرض وما حَد في القرآن كله فلا تغدروا ولا تنكثوا، ثم شدد في ذلك فقال تعالى: وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ [سورة الرعد:25] إلى قوله: سُوءُ الدَّارِ [سورة الرعد:25].

وقال الضحاك: أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ قال: ما أحل الله وما حرم وما أخذ الله من الميثاق على من أقر بالإيمان بالنبي والكتاب أن يوفوا بما أخذ الله عليهم من الفرائض من الحلال والحرام.

العقود جمع عقد، والعقد يطلق ويراد به الربط، وهذه اللفظة من حيث هي تدل على الشدِّ والتأكيد والاستيثاق من الشيء، وذلك يكون في الأمور المحسوسة وفي الأمور المعنوية، فالأول كالعقدة في الحبل وعقدت الحبل، وفي الأمور المعنوية كالعقود في هذه الآية.

وهذا الكلام الذي ذكره الحافظ ابن كثير عن السلف في معنى العقود يدل على أنهم حملوها على العموم.

والعقود مع الله -تبارك وتعالى- يكون بفعل فرائضه واجتناب محارمه، وأعظم ذلك هو التوحيد، وعبادة الله  وحده لا شريك له من غير نكث لذلك، ومنه النذر، ومنه أيضاً ما يعاهد الإنسان به ربه، كما قال تعالى: وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ [سورة التوبة:75].

فالحاصل أن الإنسان يجب عليه أن يفي بالعهود مع الله، وأن يفي بالعهود والعقود مع الناس فلا يخل بشيء من ذلك، ومن أمثلته الداخلة تحته ما يحصل بين الناس من أحلاف ومعاقدات في أنواع المعاملات التي يتعاملون بها، فالآية تشمل ذلك جميعاً، أي: ما ألزم الله به من الفرائض والأحكام، وما يكون بين الناس من العهود والعقود والمواثيق وما يتفقون عليه، سواء كان في باب النكاح كالشروط التي تشترطها المرأة وليست محرّمة، أو ما يكون بين الناس في الشركات أو البيوع أو غيرها من أنواع المعاملات، فهذا كله يجب الوفاء به، لعموم قوله سبحانه: أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ [سورة المائدة:1].

وقوله تعالى: أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ [سورة المائدة:1] هي الإبل والبقر والغنم، قاله الحسن وقتادة وغير واحد.

في قوله: أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ بعض أهل العلم يقول: إن أصل البهيمة تطلق على ذوات الأربع، وقيل لها ذلك لإبهامها، فهي لا تنطق ولا تبين عن نفسها، فقيل لها: بهيمة لا تعقل ولا تنطق.

وبالنسبة للأنعام فالأقرب -والله تعالى أعلم والذي عليه عامة أهل العلم- أن ذلك يطلق على الأربع التي ذكرها الله في سورة الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم بنوعيها -الضأن والماعز، فهذه هي بهيمة الأنعام، ولهذا يقال مثلاً: إن الهدي أو الأضاحي تكون من بهيمة الأنعام يعني من هذه الأصناف الأربعة، مع أن التحليل لا يتوقف عليها، فالذي أحله الله أوسع من هذا، فالخيل مثلاً يجوز أكله، وكذلك أيضاً الصيود بأنواعها الكبار والصغار إلا ما استثني نحو كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، وما عدا ذلك فيجوز أكله، ومن ذلك أيضاً ما يوجد في البحر إلا ما ثبت ضرره، والله قال: وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ [سورة الأعراف:157] فكل ما لم يثبت فيه الضرر فإنه مباح.

وقضية المستخبثات يختلف العلماء في ضابطها، فمنهم من قال: ما استخبثه العرب الأولون فهو خبيث، ويدخل في هذا أنواع الحشرات إلا أن هذا لا ينضبط؛ لأن العرب كانوا يأكلون أشياء كثيرة جداً، ويتفاوتون في هذا، فربما لا يكون لهم عرف مطرد في مثل هذه القضايا، ويدل على ذلك قول الأعرابي الذي سئل ماذا تأكلون في الصحراء؟ قال: نأكل كل شيء إلا أم حبين، وهي دويبة معروفة تشبه الوزغ، ثم قال: لتهنأ أم حبين العافية فقد سلمت منكم.

فالعرب يأكلون كل شيء، ومعروف في أخبارهم في السيرة أنهم يأكلون الجعلان ونحو ذلك؛ لشدة فقرهم وتصحر بلادهم، كما أنهم كانوا يأكلون الحمار ولم يحرم عليهم إلا في يوم خيبر، وعلى كل حال مثل هذه القضايا يختلف فيها أهل العلم من جهة ما هو المستخبث، أي أنهم يختلفون هل يوقف ذلك عند ما حرمه الشرع وما عداه فهو جائز إلا ما ثبت ضرره أم لا؟، فالله أعلم.

قوله: أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ [سورة المائدة:1] ربما يكون أطلق على الغنم والبقر والإبل اسم الأنعام للينها في مشيها فهي ليست مثل الوحوش في عدوها وتوثبها وما أشبه ذلك وإنما هي لينة المشي إذا مشت تمشي الهوينى، وربما يكون أطلق عليها ذلك لسبب آخر من جهة الإفضال، والله أعلم.

قال ابن جرير: وكذلك هو عند العرب.

قوله: قال ابن جرير: وكذلك هو عند العرب"، يعني أن الأنعام تطلق على هذه الأشياء الأربع -الإبل والبقر والغنم بنوعيها- وكذلك هو عند العرب، مع أن من أهل العلم من قال: إن المراد بقوله تعالى هنا: أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ [سورة المائدة:1] يعني البهائم الوحشية مثل الضباء وما شابه ذلك، وربما يكون الذي حدا بهؤلاء إلى القول: إنها بقر الوحش أو الحمر الوحشية أو الضباء والوعول وما أشبه هذا من الصيود؛ أنه قال هنا في الآية: أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ [سورة المائدة:1]، فإذا قيل: إن المراد بها البهائم الوحشية يكون الاستثناء هنا لا إشكال فيه، حيث يصير المعنى: أحلت لكم هذه الصيود إلا في حال الإحرام.

ومن أهل العلم من يقول: هي ذوات الأربع من البهائم التي ترعى وليست المفترسة فيدخل فيها الأصناف الأربعة، ويدخل فيها أيضاً الوحشي من هذه الصيود التي ذكرت، فيكون ذلك شاملاً للجميع ويكون الاستثناء بعده غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ لا إشكال فيه؛ لأن المعنى يصير: أحل الله لهم هذه البهائم التي تأكل الأعشاب والحشائش ويستثنى من ذلك حال الإحرام، فلا يصاد فيه شيء من هذا -يعني من الوحشي، والوحشية تشمل الوحشي الذي يبقى على وحشيته، وتشمل ما يستأنس به مما كان أصله وحشياً كالأرنب والحمامة، فهذه أصلها وحشي فإذا بقي عند الناس وصار إنسياً فإنه لا يجوز صيده في حال الإحرام؛ لأن العبرة بالأصل.

وقد استدل ابن عمر، وابن عباس وغير واحد بهذه الآية على إباحة الجنين إذا وجد ميتاً في بطن أمه إذا ذبحت.

كيف استدلوا بهذه الآية على إباحة الجنين؟

استدلوا بهذه الآية على إباحة الجنين من قوله: بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ على أن الأنعام هي الأصناف الأربع وإن شئت أن تقول الثلاث التي هي الإبل والبقر والغنم، وبهيمة الأنعام أولاد الأنعام أو صغار الأنعام، وبهذا استدلوا على أن الجنين إذا مات في بطن أمه عند ذبحها جاز أكله، والعلم عند الله .

وقد ورد في ذلك حديث في السنن رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه عن أبي سعيد قال: قلنا: يا رسول الله، ننحر الناقة ونذبح البقرة أو الشاة في بطنها الجنين، أنلقيه أم نأكله؟ فقال: كلوه إن شئتم؛ فإن ذكاته ذكاة أمه[4] وقال الترمذي: حديث حسن.

روى أبو داود عن جابر بن عبد الله -ا- عن رسول الله ﷺ قال: ذكاة الجنين ذكاة أمه تفرد به أبو داود[5].

الحديث معروف وثابت عن النبي ﷺ وبه يُستدل على جواز أكل الجنين الذي أخرجناه من بطن أمه ميتاً بعد أن ذكيت، فليس الاستدلال على ذلك بالآية وإنما بهذا الحديث، والله أعلم.

وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.

  1. أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عمرو، وابن عباس في كتاب تفسير القرآن عن رسول الله ﷺ - تفسير سورة المائدة (3063) (ج 5 / ص 261) وقال الألباني: ضعيف الإسناد.
  2. أخرجه الحاكم (3210) (ج 2 / ص 340) وقال الذهبي في التلخيص: على شرط البخاري ومسلم، وصحح إسناده الألباني في الإرواء (ج 1 / ص 139).
  3. أخرجه أحمد (25588) (ج 6 / ص 188) والنسائي في السنن الكبرى (11138) (ج 6 / ص 333).
  4. أخرجه أبو داود في كتاب الضحايا- باب ما جاء في ذكاة الجنين (2829) (ج 3 / ص 62) وابن ماجه في كتاب الذبائح - باب ذكاة الجنين ذكاة أمه (3199) (ج 2 / ص 1067) وصححه الألباني في صحيح أبي داود برقم (2827).
  5. أخرجه أبو داود في كتاب الضحايا- باب ما جاء في ذكاة الجنين (2830) (ج 3 / ص 63) والترمذي عن أبي سعيد في كتاب الأطعمة – باب ما جاء في ذكاة الجنين (1476) (ج 4 / ص 72) وصححه الألباني في المشكاة برقم (4091).

مواد ذات صلة