الأربعاء 15 / شوّال / 1445 - 24 / أبريل 2024
[2] من قوله تعالى: {وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ} إلى قوله تعالى: {وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ} الآيات:(6-18)
تاريخ النشر: ١١ / رمضان / ١٤٣٤
التحميل: 6873
مرات الإستماع: 10268

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

يقول الله -تبارك وتعالى: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ [سورة التكوير:1] يعني: لُفت، فذهب ضوءها، وألقيت في النار، وجمع بعضها إلى بعض فانكسف ضوءها وصارت مظلمة.

وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ [سورة التكوير:2] حصل لها تغير فتساقطت وانتثرت، وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ [سورة التكوير:3] حركت من أماكنها، فسيرها الله -تبارك وتعالى- واندكت حتى صارت هباءً منثوراً، وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ [سورة التكوير:4] هي النوق الحوامل التي بلغ حملها عشرة أشهر، هذه الأموال النفيسة ينشغل أصحابها عنها وينصرفون عن ملاحظتها لِمَا نزل بهم من الأهوال العظام.

وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ [سورة التكوير:5] هذه الوحوش التي في البرية لا تَأنس تتحول إلى شيء آخر، تحشر إما في الدنيا بمعنى أنه يجتمع بعضها إلى بعض، فتختلط بالناس دون نفور، أو أن ذلك يكون في القيامة، ولا شك أنه واقع في القيامة، يحشرها الله كما يحشر سائر البهائم، فيقتص بعضها من بعض، والآية تحتمل هذا وهذا.

وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ [سورة التكوير:7] ألحق النظير بنظيره، فصار المؤمن مع المؤمن، والكافر مع الكافر، واليهودي مع اليهودي، والنصراني مع النصراني.

وقوله: وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ [سورة التكوير:6]، روى ابن جرير عن سعيد بن المسيب قال: قال علي لرجل من اليهود: أين جهنم؟ قال: البحر، فقال: ما أراه إلا صادقاً، وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ [سورة الطور:6]، وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ، وقد تقدم الكلام على ذلك عند قوله تعالى: وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ.

هذا الأثر مبناه على أن التسجير بمعنى الإيقاد، أنها تستعر وتضطرم بالنار، بصرف النظر عن موضع النار، فإن النار موجودة ومخلوقة الآن، وليست هي هذا البحر، فالنبي ﷺ رأى النار، ولما خلق الله النار أيضاً بعث إليها جبريل ونظر إليها، كما في الحديث المعروف، وكذلك أيضاً النبي ﷺ رأى أقواماً يعذبون في النار، وأخبر عن حال عمرو بن لحي، والمرأة التي حبست في هرة، فالنار ليست هي هذا البحر إذا سُعر، وإنما هي مخلوقة وموجودة الآن، وهي أعظم من الأرض ومن البحر، ولا يمكن أن تقاس النار بحجم الأرض، بدليل أن الشمس والقمر يكوران ويلقيان في النار.

وأهل الفلك يزعمون أن الشمس أكبر من الأرض بمئات الأضعاف، فكيف يقال: إن النار في البحر، وهو جزء من الأرض في أقصى حالاته قد لا يجاوز ثلاثة أرباع حجم مساحة الكرة الأرضية؟!

فنأخذ من هذا الأثر معنى: سُعرت، أوقدت، وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ، السجر يقال في اللغة لثلاثة معانٍ، والسلف ينبغي أن نقدر أقوالهم، وأن ندرك في الوقت نفسه أن هؤلاء أهل لغة، فلا نلغي أقوالهم، ونهدرها مسارعين في استبعادها مع أنهم أهل لغة، فننظر في عباراتهم.

فمادة السجر تقال لثلاثة معانٍ، الأول: الامتلاء والسيلان، والمعنى الثاني: الذي هو الإيقاد، سنلاحظ عبارات السلف والثالث: اليبس، أما المعنى الأول الذي هو الامتلاء والسيلان فهذا لا يزال موجوداً إلى اليوم يستعمله الناس، تقول: الماء يَسجر، يعني امتلأ وسال، صار يفيض ويسيل، ومن كلمات العامة التي يستعملونها في الدعاء إلى اليوم ولربما المرأة تدعو على صغيرها إذا لوث المكان ببوله -أعزكم الله- فتقول: "فَرَنْج يَسْجر"، دعوة معروفة عند العوام، يعنون: مرض الزهري، يسمونه السيلان، والعوام ما يعرفون هذا الكلام، لكون الأمراض الجنسية عرفت من الغرب، ولم تكن معروفة عند المسلمين، وانتقلت من الغرب إلى المسلمين.

الحسن يقول: سُجِّرَتْ يبست، وقتادة يقول: ذهب ماؤها، والفراء يقول: مُلئت وهذا القول قال به جماعة من السلف كالربيع والكلبي ومقاتل، وهو أيضاً مروي عن الحسن والضحاك، يعني: ملئت.

وبعضهم يقول: أرسل عذبها على مالحها، قال تعالى: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ۝ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ [سورة الرحمن:19، 20]، وقال: وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا [سورة النمل:61]، هذا الحاجز وهذا البرزخ بعض العلماء يقول: إنه حاجز من اليابسة بين الأنهار والبحار فلا تختلط، هنا على هذا القول الكل يتحد فتسجّر بمعنى تفجر، ينفجر بعضها على بعض وتصير بحراً واحداً.

فبعضهم يقول: أرسل عذبها على مالحها، ومالحها على عذبها حتى امتلأت وفاضت، وبعضهم كالضحاك يقول: سُجِّرَتْ يعني: فجرت بأن صارت بحراً واحداً، وهذا يشبه الذي قبله، لكنه يحتمل أن يكون المراد أن البحار المِلح أيضاً فجر بعضها على بعض فصارت بحراً واحداً.

ومن الأقوال في قوله تعالى: بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ [سورة الرحمن:20] بعضهم يقول: بين البحر والبحر حاجز، هذا له طبيعة وخصائص، وهذا له طبيعة وخصائص، وهذا شيء مشاهد وموجود، فالبحار تتفاوت في الكائنات التي تعيش فيها، كما أنها تتفاوت أيضاً في نسبة الملوحة، إلى غير ذلك، وبعض البحار تستطيع أن تسبح فيها وأنت لا تغمض عينيك، ولا تتأذى مما يصل إليها ولا ما يصل إلى الجوف تماماً، وهذا الشيء مشاهد، لكن هنا في المياه شديدة الملوحة كالخليج لا تكاد تطيق ذلك، الكائنات تختلف، والنباتات تختلف، فهنا يفتح بعضها على بعض، وتكون بحراً واحداً، هذا على قول بعض أهل العلم.

وبعضهم يقول: سعرت وأوقدت حتى صارت ناراً، كما جاء عن أبيّ بن كعب، وابن عباس، وسفيان الثوري، وابن زيد، وعطية، ووهب.

ابن جرير -رحمه الله- يقول: ملئت حتى فاضت فانفجرت، فذكر معنى الامتلاء، والانفجار، والسيلان.

وقوله تعالى: وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ [سورة التكوير:7] أي: جمع كل شكل إلى نظيره، كقوله تعالى: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ [سورة الصافات: 22].

وروى ابن أبي حاتم عن النعمان بن بشير أنه قال: قال رسول الله ﷺ: وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ قال: الضُّرَباء، كل رجل مع كل قوم كانوا يعملون عمله[1]، وذلك بأن الله يقول: وَكُنْتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاثَةً فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ [سورة الواقعة:7 -10]، قال: هم الضرباء.

معنى الضرباء أي: النظراء، كل إنسان مع أضرابه، مع نظرائه، ومع من يشاكله في دينه وحاله وعمله، وبعضهم يقول: قرن بينهم في الجنة، وقرن بين أهل السوء في النار، والله -تبارك وتعالى- أطلق ذلك، وقال: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ [سورة الصافات:22].

وقال عطاء: زوجت النفوس -نفوس أهل الإيمان- بالحور العين، وقرنت نفوس الكفار بالشياطين في النار، وقال عكرمة والشعبي: قرنت الأرواح بالأجسام.

ولكن الذي عليه الجمهور أن المراد أن يحشر المرء مع ضربائه ونظرائه، اليهود باليهود، والنصارى بالنصارى، والمجوس مع المجوس، وهكذا من يعبد شيئاً يلحق معه، وهكذا أهل الإيمان، وهذا مروي عن عمر ، وقال به كثير من السلف، الحسن ومجاهد وقتادة والربيع، واختاره ابن جرير، ويدل على هذا وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً [سورة الواقعة:7].

وبعضهم يقول: قرنت النفوس بأعمالها، لكن القول الذي عليه المعوَّل هو أنه يحشر مع ضربائه.

قوله تعالى: وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ ۝ بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ [سورة التكوير:8، 9] هكذا قراءة الجمهور: سُئلَت والموءودة هي التي كان أهل الجاهلية يدسونها في التراب كراهية البنات، فيوم القيامة تُسأل الموءودة على أي ذنب قتلت، ليكون ذلك تهديداً لقاتلها، فإنه إذا سئل المظلوم فما ظن الظالم إذن؟!

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ أي: سَألت، وكذا قال أبو الضحى: سألت أي: طالبت بدمها، وعن السدي، وقتادة مثله.

وقد وردت أحاديث تتعلق بالموءودة، فروى الإمام أحمد عن عائشة عن جُدَامة بنت وهب -أخت عكاشة- قالت: حضرتُ رسولَ الله ﷺ في ناس وهو يقول: لقد هممت أن أنهى عن الغِيلَة، فنظرت في الروم وفارس فإذا هم يُغيلُون أولادهم، ولا يضر أولادهم ذلك شيئاً، ثم سألوه عن العزل، فقال رسول الله ﷺ: ذلك الوأد الخفي، وهو الموءودة سئلت[2]. ورواه مسلم وابن ماجه وأبو داود والترمذي والنسائي.

الغيلة المقصود بها وطء المرأة وهي ترضع، وكانت العرب تسميه الغيلة، وكان العرب يظنون أن ذلك يوهن عظم الولد، ويكون ضعيفاً، وقال شاعرهم:

فوارس لم يغالوا في رضاعٍ فتنبوا في أكفِّهم السيوفُ

لم يغالوا في رضاع يعني: ما وطُئت أمه وهو يرضع، فتنبوا في أكفهم السيوف ينبوا عن الضريبة يزايلها لا يصيبها لضعفه، فأخبر النبي ﷺ أن فارس والروم يفعلونه فلا يضر الأولاد، فلم ينهَ عنه.

الوأد بعضهم يقول: أصله من الثقل، وأن هذه البنت حينما توضع في حفرة ويهال عليها التراب فيثقلها فتموت، أن هذا أصل هذا الإطلاق.

والسؤال يكون تبكيتاً لمن وأدها، لماذا فعلوا بكِ ذلك؟ ما الجرم الذي قارفتيه؟ فهذه عادة كانت عند بعض العرب، وإن شئتم ارجعوا إلى تاريخ العرب مثل كتاب المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، وهو من أوسع الكتب التي تذكر تفاصيل -أدق التفاصيل- في حياة العرب، فلو رجعتم إلى الوأد مثلاً يُسمي لكم القبائل التي تئد، ولم يكن كل العرب يفعلون ذلك، وقد مضى الكلام على هذا عند قوله تعالى: وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ [سورة الأنعام:151].

وإذا كانت تُسأل تبكيتاً لمن وأدها فكيف بمن قام بوأدها؟! وهنا نقل عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: يعني طالبت بدمها.

وقال عبد الرزاق: أخبرنا إسرائيل، عن سمَاك بن حرب، عن النعمان بن بشير، عن عمر بن الخطاب في قوله تعالى: وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ، قال: جاء قيس بن عاصم إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني وأدت بنات لي في الجاهلية، فقال: أعتق عن كل واحدة منهن رقبة، قال: يا رسول الله، إني صاحب إبل، قال: فانحر عن كل واحدة منهن بدنة[3].

وقوله تعالى: وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ [سورة التكوير:10] قال الضحاك: أعطي كل إنسان صحيفته بيمينه أو بشماله، وقال قتادة: يا ابن آدم، تُملِي فيها، ثم تطوى، ثم تنشر عليك يوم القيامة، فلينظر رجل ماذا يملي في صحيفته.

وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ هذه الصحف التي طويت، هي لا تطوى في نهاية العام كما يقول بعض الناس: طويت صحائف عام، فتحت صحائف عام جديد، بل هي تطوى بموت الإنسان، هذه الصحيفة تنشر يوم القيامة، كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا [سورة الإسراء:13]، مفتوحاً، اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا [سورة الإسراء:14]، فهذه الصحف هي عبارة عن إملاءات الإنسان التي كان يمليها في حياته من أقواله وأفعاله، فمثل هذا ينبغي أن يكون زاجراً وواعظاً للإنسان إذا أراد أن يطلق لسانه أن يتكلم بما لا يعنيه أو ما لا ينفعه.

وقوله تعالى: وَإِذَا السَّمَاء كُشِطَتْ [سورة التكوير:11] قال مجاهد: اجتذبت، وقال السدي: كشفت.

أصل الكشط قلعٌ عن شدة والتزاق، كشَطَ الجلد، كشطتُ جلد البعير قلعته عن شدة والتزاق، شيء ليس بالسهولة يرفع ويقلع، فالسماء تكشط كما يكشط الجلد عن الشاة أو البعير؛ ولهذا قال الزجّاج: قُلعت كما يقلع السقف، والفراء يقول: نزعت فطويت، الواحدي يقول: الكشط رفعك شيئاً عن شيءٍ قد غطاه، مثلما قال الزجّاج: قُلعت كما يقلع السقف، وكما قالوا في قلع أو سلخ أو كشط الجلد، فكل ذلك بمعنىً متقارب.

عن مجاهد قال: اجتذبت، كأنه من لازمه، يعني: إذا قلعت قلعاً شديداً فيلزم من ذلك أنها جذبت، فهذا يشبه التفسير باللازم، ابن جرير يقول كما قال الفرّاء: نزعت فطويت، السدي يقول: كشفت.

وقوله تعالى: وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ [سورة التكوير:12] قال السدي: أحميت، وقوله تعالى: وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ [سورة التكوير:13] قال الضحاك، وأبو مالك، وقتادة، والربيع بن خُثَيم: أي: قربت إلى أهلها.

وقوله تعالى: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ [سورة التكوير:14] هذا هو الجواب، أي: إذا وقعت هذه الأمور حينئذٍ تعلم كل نفس ما عملت وأحضر ذلك لها، كما قال تعالى: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا [سورة آل عمران:30]، وقال تعالى: يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ [سورة القيامة: 13].

يعني أن الإنسان عند ذلك يتجلى له وهو يعرف حاله ومصيره معرفة إجمالية إذا مات وشاهد وعاين من الأمور الغائبة عنه، ثم بعد ذلك إذا صار البعث عرف من ذلك أعظم مما عرف قبله، فإذا قرأ صحيفته عرف ذلك بالتفصيل، عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ، فـ "ما" تدل على العموم يعني: يعلم كل ما أحضر، كل ما عمل، كل ما قدم؛ ولهذا يقولون: يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا [سورة الكهف:49].

وسيأتي عن بعض السلف في الكلام على التدبر -إن شاء الله- أنهم ضجوا من الصغائر قبل الكبائر، فقدم ذكر الصغائر، كما قال الله تعالى: أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ [سورة المجادلة:6]، هم نسوه إما لكثرة المعاصي، أو لقلة المبالاة، أو لتقادم الزمان، نسوا ذلك كله، ولكن الله أحصاه عليهم.

فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ۝ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ ۝ وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ ۝ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ ۝ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ۝ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ۝ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ۝ وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ ۝ وَلَقَدْ رَآهُ بِالأفُقِ الْمُبِينِ ۝ وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ ۝ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ ۝ فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ۝ إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ۝ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ۝ وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [سورة التكوير:15- 29].

روى مسلم في صحيحه، والنسائي في تفسيره عند هذه الآية عن عمرو بن حُرَيث قال: صليت خلف النبي ﷺ الصبح، فسمعته يقرأ: فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ۝ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ ۝ وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ ۝ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ.

وروى ابن جرير عن خالد بن عرعرة سمعت عليًّا وسئل عن: فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ۝ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ فقال: هي النجوم تخنِس بالنهار وتكنِس بالليل.

فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ جاء الربط بالفاء بين هذين المقطعين، كأنه -والله أعلم- يقول: لو أنهم آمنوا بالقرآن الذي جاء القسم عليه لصدَّقوا بما هو من أعظم أخباره، وهو البعث، فهذه السورة تتحدث عن البعث والنشور واليوم الآخر، وأن ما ذكر في آخرها مما يتصل بالقرآن والقسم بأنه حق من عند الله ووحي، أن ذلك يمكن أن يرجع إلى ما سبق، باعتبار أن هذا القرآن مخبر عن قضية البعث والنشور.

عن علي في قوله: فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ أي: النجوم تخنِس بالنهار، وتكنِس بالليل، وهذا القول مروي عن كثير من السلف، كالحسن، ومجاهد، وقتادة، وابن زيد، فيكون القسم بالخنس.

سميت بالخنس من خَنس إذا تأخر؛ لأنها تخنس بالنهار، فتختفي ولا ترى، وبعضهم يحددها بخمسة، وهي زحل والمشتري والمريخ والزهرة وعطارد، وبعضهم يقول: كل الكواكب؛ لأن هذه صفتها، تخنس في النهار إذا غابت، تخنس في مغيبها، والفراء يقول: هي الخمسة؛ لأنها تخنس في مجراها، وتكنس يعني: تستتر، كما تكنس الظباء في المغار، والأماكن التي تأوي إليها.

الْجَوَارِ الْكُنَّسِ [سورة التكوير:16] لأنها تجري مع الشمس والقمر في الفلك، وبعضهم يقول: اختفاؤها تحت ضوئها، وبعضهم يقول: الخنوس: خفاؤها بالنهار، والكنوس هو غروبها، وجاء عن ابن مسعود ومجاهد والنخعي: أن المراد بها بقر الوحش، قالوا: لأنها تتصف بالخنس، وبالجوار، وبالكنس، فإذا رأت الإنسان انقبضت واختفت، فتدخل في كِناسها، الأماكن التي تأوي وتختفي فيها، فالكنس يقولون: مأخوذ من الكِناس الذي يختفي فيه الوحش، وبعضهم يقول: الظباء، كما جاء عن سعيد بن جبير، ومجاهد والضحاك، وهذا يشبه الذي قبله، لا ينافيه.

والراجح: أنها الكواكب، فهذا أليق بالسياق، فقد جاء في الآيات أشياء تناسب هذا، قال تعالى: وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ ۝ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ [سورة التكوير:17، 18] فأقسم بهذه الكواكب التي تجري في الفلك وتغيب، وتختفي، كما أقسم بالليل إذا أقبل أو إذا أدبر كما سيأتي، وبالصبح في حال إقباله.

ويمكن أن يقال: إن الله -تبارك وتعالى- أقسم بالخنس، وهذا يصدق على كل ما يقال فيه ذلك، فيدخل فيه الكواكب، ويدخل فيه بقر الوحش، فيكون اللفظ حُمل على أعم معانيه، ولم يخص به معنىً دون معنى، هذه الطريقة هي التي يمشي عليها ابن جرير غالباً؛ ولهذا يقول: وأرجح الأقوال عنده أن يقال: إن الله أقسم بأشياء تخنس أحيانا –أي تغيب– وتجري أحياناً، وتكنس أخرى، وكنوسها أن تأوي في مكانسها، والمكانس عند العرب هي المواضع التي تأوي إليها بقر الوحش والظباء، يقول: وغير منكر أن يستعار ذلك في المواضع التي تكون بها النجوم من السماء، يعني عبر كما يعبر عن الأماكن التي تأوي إليها بقر الوحش والظباء.

يقول: فإذا كان ذلك كذلك ولم يكن في الآية دلالة على أن المراد بذلك النجوم دون البقر، ولا البقر دون الظباء فالصواب أن يُعم بذلك كل ما كانت صفته الخنوس أحياناً، والجري أخرى، والكنوس بآنات – يعني أوقات– على ما وصف -جل ثناؤه- من صفتها.

وابن جرير –رحمه الله- عبارته واضحة، فيرى حمل ذلك على هذه المعاني جميعاً، وأحياناً ابن جرير يذكر المعنى في البداية، فعادة إذا ذكر آية يذكر بعدها سطراً أو سطرين أو ثلاثة، يسمى المعنى الإجمالي المعنى العام، وهذا الذي جمعه بشار عواد في المختصر لابن جرير، فجمع عبارات ابن جرير، وهذا يصلح أن يقرأ في المساجد، ويقرأ للعامة، وهذه طريقة مهمة، بحيث لا يضيع المعنى المقصود ويتفرق بالكلام على الجزئيات والتفصيلات، ولهذا الشاطبي -رحمه الله- وبعض العلماء ينكر الاشتغال باللطائف والدقائق، يقول: هذا يفوت المعنى الذي نزلت من أجله الآية.

والأولى التوسط في هذا الباب، فيذكر المعنى العام كما يفعل ابن جرير، ثم بعد ذلك تذكر المعاني، والتفاصيل والدقائق، واللطائف بما لا يفضي إلى القول على الله بلا علم، من التكلفات والمحامل البعيدة، والله أعلم.

وقوله تعالى: وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ [سورة التكوير:17] فيه قولان:

أحدهما: إقباله بظلامه، قال مجاهد: أظلم، وقال سعيد بن جبير: إذا نشأ، وقال الحسن البصري: إذا غَشي الناس، وكذا قال عطية العوفي.

وقال علي بن أبي طلحة، والعوفي عن ابن عباس: إِذَا عَسْعَسَ إذا أدبر، وكذا قال مجاهد، وقتادة، والضحاك، وكذا قال زيد بن أسلم، وابنه عبد الرحمن: إِذَا عَسْعَسَ أي: إذا ذهب فتولى.

وعندي أن المراد بقوله: عَسْعَسَ إذا أقبل، وإن كان يصح استعماله في الإدبار، لكن الإقبال هاهنا أنسب؛ كأنه أقسم تعالى بالليل وظلامه إذا أقبل، وبالفجر وضيائه إذا أشرق، كما قال تعالى: وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ۝ وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى [سورة الليل:1، 2]، وقال: وَالضُّحَى ۝ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى [سورة الضحى:1، 2]، وقال: فَالِقُ الإصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً [سورة الأنعام:96]، وغير ذلك من الآيات.

وقال كثير من علماء الأصول: إن لفظة "عسعس" تستعمل في الإقبال والإدبار على وجه الاشتراك، فعلى هذا يصح أن يراد كل منهما، والله أعلم.

وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ، لفظ "عسعس" مشترك يحمل معنيين متضادين، الأول: أقبل، والثاني: أدبر، وهذا سبب الاختلاف بين المفسرين من السلف فمن بعدهم، وهذا المعنى -أقبل وأدبر- كل واحد منها يشهد له القرآن، أقبل: يشهد له وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى [سورة الليل:1]، بظلامه، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى [سورة الضحى:2] يعني: أرخى سدوله، وأدبر: وَاللَّيْلِ إِذْ أدْبَرَ.

فأقسم الله بالليل في حال إقباله، وفي حال إدباره؛ لأنهما مظهران تتجلى بهما عظمة الله وقدرته، وهذا الذي جوزه ابن كثير، قال: "وقال كثير من علماء الأصول: إن لفظة "عسعس" تستعمل في الإقبال والإدبار، فعلى هذا يصح أن يراد كل منهما".

الذين قالوا: إن معنى عَسْعَسَ: أقبل، قالوا: أقسم الله بالصبح في حال ابتدائه في قوله: وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ [سورة التكوير:18]، فناسب أن يكون الإقسام بالليل في حال ابتدائه، فيكون الإقسام بالليل وبالنهار كليهما، وهذا هو الذي يشير إليه ابن كثير -رحمه الله.

وابن جرير –رحمه الله- يرجح أن المقصود به: أدبر، والقرينة عنده الترتيب الطبيعي، وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ بمعنى: أدبر، ويعقبه مباشرة تنفس الصباح.

ولو قيل: أقسم الله بالليل في حال إقباله، وبالليل في حال إدباره لم يكن ذلك بعيداً، ويكون اللفظ مشتركاً، وكل واحد من المعنيين جاء في القرآن القسم به صراحة؛ لأن ذلك كله مما تتجلى به عظمة الله .

المبرِّد يقول: كل ذلك يرجع إلى شيء واحد، وهو: ابتداء الظلام في أوله، وإدباره في آخره، يعني: حمله على المعنيين.

بينما الفرَّاء ينقل إجماع المفسرين على أن معنى عسعس: أدبر، وهذا الإجماع غير صحيح كما ترون.

وقوله تعالى: وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ [سورة التكوير:18] قال الضحاك: إذا طلع، وقال قتادة: إذا أضاء وأقبل.

التنفس هو خروج النسيم من الجوف، تنفسَ الصباحُ؛ لأنه يقبل بروح ونسيم، فجعل بمثابة التنفس.

بعضهم كالواحدي يقول: امتد ضوءه حتى يصير نهاراً، وبعضهم يقول: انشق وانفلق، كل ذلك يرجع إلى معنىً واحد.

وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَيعني: ظهرت بوادره، وطلائعه، وأوائله، ومبادئه، والله أعلم.

  1. تفسير ابن أبي حاتم (10/ 3407)، رقم: (19167).
  2. أخرجه مسلم، كتاب النكاح، باب جواز الغيلة -وهي وطء المرضع- وكراهة العزل (2/ 1066)، رقم (1442).
  3. أخرجه البيهقي في السنن الكبرى،  كتاب الديات، باب ما جاء في الكفارة في الجنين وغير ذلك قال الله تعالى: فتحرير رقبة مؤمنة (8/ 116)، رقم (16202)، والطبراني في المعجم الكبير (18/ 337)، رقم (863)، والبزار (1/ 355)، رقم (238).

مواد ذات صلة