الأربعاء 15 / ذو الحجة / 1441 - 05 / أغسطس 2020
[2] من قوله تعالى: {أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} الآية:21 إلى قوله تعالى: {إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ} الآية:28
تاريخ النشر: ٠٢ / محرّم / ١٤٣٥
التحميل: 6527
مرات الإستماع: 7140

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المفسر -رحمه الله تعالى:

ولهذا قال: أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [سورة الطور:21].

قال الثوري عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- قال: إن الله ليرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه في العمل لتقر بهم عينه، ثم قرأ: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ.

رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث سفيان الثوري، به.

وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- في قول الله : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ قال: هم ذرية المؤمن يموتون على الإيمان، فإن كانت منازل آبائهم أرفع من منازلهم ألحقوا بآبائهم، ولم ينقصوا من أعمالهم التي عملوا شيئاً.

وقد روى عبد الله بن الإمام أحمد عن علي -رضي الله تعالى عنه- قال: "سألتْ خديجة -رضي الله تعالى عنها- النبي ﷺ عن ولدين ماتا لها في الجاهلية، فقال رسول الله ﷺ: هما في النار، فلما رأى الكراهة في وجهها قال: لو رأيت مكانهما لأبغضتهما، قالت: يا رسول الله فولدي منك؟ قال: في الجنة قال: ثم قال رسول الله ﷺ: إن المؤمنين وأولادهم في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار، ثم قرأ رسول الله ﷺ: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الآية][1].

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فتقدم الكلام على أطفال المسلمين وأطفال المشركين، وأن أطفال المسلمين وأطفال المشركين في الجنة، على خلاف في أطفال المشركين، وهذا الحديث الذي أورده الحافظ ابن كثير -رحمه الله- هنا -لما سألته خديجة- في سنده رجل يقال له: محمد بن عثمان، مجهول، فالحديث ضعيف لا يصح، ولا تعارض به الأحاديث الصحيحة التي تدل على أنهم في الجنة، الحديث السابق كل مولود يولد على الفطرة[2]، فهذه المسألة مضت، وكذلك الكلام على الذرية هل يعنى بها الصغار -من كان دون البلوغ، أو يعنى بها الكبار؟

من كان يعنى بها الكبار نظر إلى قول الله تعالى: وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ، قالوا: قد يكون هذا الإنسان لا يدرك هذه الأمور، صغير فكيف قال: وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ، إذن هؤلاء ناس يدركون ويعرفون الإيمان، فهم ليسوا بالأطفال الصغار، وهذا لا يلزم؛ لأن هذا القيد في قوله: وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أي: أنهم ليسوا على إشراك وكفر، فهذا احتراز، فولد نوح -عليه الصلاة والسلام- كان كافراً إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ [سورة هود:46]، فلئلا يفهم أن المؤمنين يكون أولادهم معهم، وأن من وقع بالإشراك من هؤلاء الذرية فإن ذلك يتجاوز عنه لمكان أبيه، ليس بين الله وبين أحد نسب والأنساب تنقطع يوم القيامة، لكن إن كان هؤلاء على الإيمان بمعنى أنه لا يوجد عندهم مانع من دخول الجنة فإن الله يلحقهم بآبائهم.

ومن نظر إلى لفظ الذرية وفهم منه أنهم الصغار قال: ليس هؤلاء بالكبار، إضافة إلى المعنى والإشكال الذي أوردوه وهو أن هؤلاء إذا قلنا: الكبار فمعنى ذلك أن أولادهم أيضاً يلحقون بهم وأولاد الأولاد يلحقون بهم، وهكذا إلى قيام الساعة، فيكون الجميع مع الصحابة، وهذا ليس بلازم، فلا تتم راحة الإنسان ولذته ولا يطيب له عيشه إلا إذا اجتمع مع أهله وولده، فالله يرفعهم له، وفضل الله واسع، ولا يختص ذلك بمن كان دون البلوغ، ولا يقال: إن الذرية هنا هم الكبار؛ لأن الله قال: بِإِيمَانٍ، المقصود أنه لا يوجد فيه مانع يمنع من دخول الجنة، وإلا فإنه لن ينفعه إيمان الأب مهما علت درجته من الجنة.

وقوله: وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ أيضاً هذا قيد لئلا يفهم منه أن شيئاً من أجر هؤلاء الآباء يضاف إلى الأبناء أو الأولاد فيرفعون به، ومعنى أَلَتْنَاهُم أي: نقصناهم.

هذا فضله تعالى على الأبناء ببركة عمل الآباء، وأما فضله على الآباء ببركة دعاء الأبناء فقد روى الإمام أحمد عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: إن الله ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة فيقول: يا رب، أنى لي هذه؟ فيقول: باستغفار ولدك لك[3].

إسناده صحيح، ولم يخرجوه من هذا الوجه، ولكن له شاهد في صحيح مسلم عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- عن رسول الله ﷺ: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له[4].

وقوله تعالى: كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ لما أخبر عن مقام الفضل -وهو رفع درجة الذرية إلى منزلة الآباء من غير عمل يقتضي ذلك- أخبر عن مقام العدل، وهو أنه لا يؤاخذ أحداً بذنب أحد.

هذا الكلام كالذي ذكره الحافظ ابن القيم، بمعنى أنه لما ذكر إلحاق الأولاد بالآباء، نقول: الأولاد من أجل أن يشمل الذكور والإناث، والأبناء يختص بالذكور، لما ذكر إلحاق هؤلاء بهؤلاء فقد يفهم منه أن أولاد المشركين يلحقون بآبائهم، فقال الله : كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ، فإلحاق الأولاد بالآباء بالنسبة لأهل الإيمان هو تفضل منه سبحانه، هم لا يستحقون هذا، لكن الله تفضل عليهم به، ومقام العدل أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [سورة النجم:38]، كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ يعني: مرتهنة، فلا يحمل أحدٌ جرم أحد، فأولاد المشركين لا يتحملون جرم الآباء بالإشراك والكفر بالله ، فلا ذنب لهم، كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ، فهذا لئلا يتوهم متوهم هذا المعنى، والقيود في القرآن والمحترزات تأتي في كل مقام بما يناسبه، لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ [سورة النساء:95].

أخبر عن مقام العدل -وهو أنه لا يؤاخذ أحدا بذنب أحد- فقال تعالى: كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ أي: مرتهن بعمله، لا يحمل عليه ذنب غيره من الناس، سواء كان أباً أو ابناً، كما قال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ۝ إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ ۝ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ ۝ عَنِ الْمُجْرِمِينَ [سورة المدثر:38-41].

وقوله: وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ [سورة الطور:22] أي: وألحقناهم بفواكه ولحوم من أنواع شتى، مما يستطاب ويشتهى.

يقول: وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ، كما قال الله : وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ [سورة الواقعة:32]، فهذه الفاكهة التي أمدهم بها كثيرة، وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وهي متشابهة أيضاً في الألوان مختلفة في الطعوم، كما هو أحد القولين المشهورين في قوله -تبارك وتعالى: كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ [سورة البقرة:25].

فمن أهل العلم من يقول: هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ يعني: في الدنيا، فهو يشبه ثمرات الدنيا في شكله، لكنه مختلف في طعمه، ومنهم من يقول: هذا كالذي قبله مما أعطوه، ولكنه في طعمه يختلف، هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ يعني: في الجنة، وهي متنوعة كثيرة التنوع وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ [سورة محمد:15]، وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ، كما قال الله تعالى في الآية الأخرى أيضاً: وَلَحْمِ طَيْرٍ [سورة الواقعة:21].

وقوله: يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا أي: يتعاطون فيها كأسا، أي: من الخمر، قاله الضحاك.

أيْ نعم، يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا، التنازع بمعنى التعاطي والتناول، وهذا معروف، العرب يعرفون معنى هذه الجمل والتعبيرات، وتقع في نفوسهم موقعاً، حينما يشربون الخمر هناك أشياء يفعلونها عند شربهم تكتمل بها لذتهم، فمن أنسهم ولذتهم أن يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا يتبادلون الكئوس، كل واحد يعطي الآخر ويأخذ، فيحصل بينهم هذا التنازع للكأس، يتبادلونها، يتجاذبونها، يناول بعضهم بعضاً، ويأخذ بعضهم من بعض، يتعاطون فيها هذه الكئوس، والكأس إذا أطلقت غالباً فالمراد بها في مثل هذا المقام والمقصود بها كأس الخمر، إناء الخمر، يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا، يعني: من الخمر.

لا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ أي: لا يتكلمون فيها بكلام لاغٍ أي: هَذَيَان، ولا إثم أي: فُحْش، كما تتكلم به الشربة من أهل الدنيا.

 كما قال الله : لَا فِيهَا غَوْلٌ [سورة الصافات:47] بمعنى أنها لا تغتال العقول، فلا تذهب بها، وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ يعني وذكر صفات أخرى كقوله: لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا [سورة الواقعة:19]؛ لأن خمر الدنيا يصيب الناس بسببها الصداع، ويحصل لهم من مغبة شربها ما هو معلوم من أوجاع في البطن وعلل مستديمة، ومنها ما يكون بعده مباشرة، ومنها ما يكون مع تطاول الزمان وكثرة تعاطيها، فهنا الله -تبارك وتعالى- يقول: يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَّا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ [سورة الطور:23].

لا لَغْوٌ فِيهَا فهنا نفى عنها الصفة التي تنتج عن شرب خمر الدنيا، فيصدر عن صاحبها ألوان الفحش والسباب، وكل قول قبيح، لربما من الكفر فما دونه، ويحصل له من الهذيان ما يترفع عنه العقلاء، حمزة قبل أن تحرم الخمر حينما شربها وجاء إلى ناضح لعلي أو ناضحين فنحرهما وبقر بطونهما، وتركهما للناس، فلما جاء علي نظر، وكان يُعدّ ذلك ليجمع مهراً يتزوج من فاطمة -رضي الله عنها، فجاء للنبي ﷺ، فذهب معه النبي ﷺ فلما وقفا عليه قال: وهل أنتما إلا من عبيد أبي؟ أو كلمة نحوها، فتركه النبي ﷺ، ليس في عقله.

وذكر بعض أهل العلم خبر ذلك الرجل الذي كان يشرب الخمر فلما سكر جعل -أكرمكم الله ومن يسمع- يتبول، ويتمضمض ببوله ويغسل وجهه، ويقول: الحمد لله الذي جعل الماء طهوراً، والصلاة نوراً، ويحدثني أحد الإخوان قريباً عن رجل قد سكر وجاء معه بزوجته وأولاده، فلما أراد أن يعبر وقف وهو في حال من السكر فصعد فوق السيارة أمام الناس وهم ينظرون، وأخرج عورته وجعل يتبول على السيارة، ثم بدأ يتكلم بكلام في غاية القبح والفحش ويسب الناس من أكبرهم إلى أصغرهم، وأولاده يتوسلون به، يريدون أن ينزل، والناس بين ضاحك ولاه، هذه الخمر.

وأحد الذين تابوا تاب بسبب أنه كان يدخل على أهله بهيئة مزرية، حتى إنه -أكرمكم الله- لربما يتقيأ ويلعق قيئه من الأرض، فصوّرته امرأته، فلما أفاق أعطته هذا، فلما رآه اشمأز، فكان سبباً لتركه الخمر، فالله المستعان.

وترى في البلاد التي يُشرب فيها الخمر جهاراً ترى أشياء عجيبة، أحياناً لا تستطيع أن تنام طوال الليل من الأصوات في الشوارع، يمشون جماعات زَرافات ووُحداناً بأصوات مرتفعة وصراخ نساء ورجال، بأعلى أصواتهم، وتأتي وتجد الرجل يضرب رأسه بزجاج محل من المحلات وينطحه، وهو لربما يتصور أنه يلعب ملاكمة في حلبة.

فنفْيُ اللغو عنها نفي لكل هذا، والتأثيم فهم لا يلحقهم إثم، ما قال: لا إثم فيها، وإنما قال: تَأْثِيمٌ، نفى الإثم، فلا يلحقهم إثم كما هو الحال في خمر الدنيا، ولا يُؤثم بعضهم بعضاً، ولا يؤثمهم الله ، فارتفع عنهم الإثم، فهو لا يضاف إليهم، ولا يصدر منهم ما يوجب الإثم من الفعال والتصرفات.

قال ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما: اللغو: الباطل، والتأثيم: الكذب.

وقال مجاهد: لا يستبُّون ولا يؤثمون.

اللغو: الباطل، اللغو: كل ما يتعلق باللسان من المقالات التي هي خلاف الحق من سب وشتم، لكن السلف قد يعبرون بما يقرب المراد بمثال يوضحه، وأما التأثيم فلا يحلقهم بشربها إثم ولا يحصل لهم بسبب ذلك تبعة يأثمون عليها، بخلاف خمر الدنيا إذا شرب فهي أم الخبائث، أم الذنوب، فقد يقتل، يسرق، يعتدي على الناس، فهذا كله من التأثيم، خمر الآخرة لا يحصل بها شيء من هذا مما ينتج عن الخمر، مما يلحق الإنسانَ به الإثم في الدنيا، كالكذب، وقذف الأعراض.

وقال قتادة: كان ذلك في الدنيا مع الشيطان، فنزه الله خمر الآخرة عن قاذورات خمر الدنيا وأذاها، فنفى عنها -كما تقدم- صداع الرأس، ووجع البطن، وإزالة العقل بالكلية، وأخبر أنها لا تحملهم على الكلام السيئ الفارغ عن الفائدة المتضمن هَذَيَانا وفُحشا، وأخبر بحسن منظرها، وطيب طعمها ومخبرها فقال: بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ [سورة الصافات:46].

بَيْضَاءَ يعني: صافية، ما فيها كدر، نحن -ولله الحمد- ما نعرف هذه الأشياء وليس لها موقع لربما في نفوسنا، لكن الذين يعرفون الخمر يعرفون معنى هذا الكلام، خمر الدنيا فيها كدر، ومن الذي يحصل له خمر بيضاء صافية، هم يبحثون عن الماء الصافي ولا يجدونه.

ونشربُ إنْ وجدنا الماءَ صفواً ويشربُ غيرُنا كدِراً وطيناً

هذا الفخر الذي يفتخر به هذا الشاعر الجاهلي، يتمنون الماء الصافي، فكيف بخمرة صافية؟ هم يضعون من هذه الفواكه حتى يحصل لها التلف وتُلقي بالزبد، ثم يشربونها في غاية النتن في رائحتها، يعني رائحتها لوحدها تسبب الغثيان فكيف بشربها؟!

فقال: بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ، وقال: لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزفُونَ [سورة الواقعة:19]، وقال هاهنا: يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ.

هذا كله مما عرف به هذا التفسير وهو أنه يُعنى بتفسير القرآن بالقرآن، هذا كثير في هذا الكتاب، ويفسر القرآن بالسنة، وبالأقوال الواردة عن السلف، فهذا معنى التفسير بالمأثور، ومن الكتب من تكون عنايته واضحة وظاهرة بإيراد الآيات المشابهة في المعنى، كما هو الحاصل هنا.

يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ، الضمير يرجع إلى الكأس؛ لأنه أقرب مذكور وهذا هو الأصل، ومن أهل العلم من أعاده إلى الجنة، وهذا فيه بعد، يعني الجنة لا لغو فيها ولا تأثيم، ما فيها كلام باطل، ولا سباب، ولا فحش، ولا فيها إثم، انتهى ذلك جميعاً في الدنيا، يلهمون التسبيح وهم في غاية اللذة والانشراح والسرور، فهذا المعنى وإن كان ثابتاً لأهل الجنة لكن الآية تتعلق بالخمر وليست في الجنة.

وقوله: وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ إخبار عن خَدَمهم وحَشَمهم في الجنة كأنهم اللؤلؤ الرطب، المكنون في حسنهم وبهائهم ونظافتهم وحسن ملابسهم.

وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ أي: خدم، كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ، اللؤلؤ فيه صفات متعددة، فمن نظر إلى صفة من هذه الصفات عبر بها، والله لم يخص وصفاً دون وصف، شبههم باللؤلؤ ومن صفات اللؤلؤ قال: مَكْنُونٌ، فمن نظر إلى بياض اللؤلؤ قال: في بياضهم، هؤلاء الغلمان بيض، وهذا الذي عبر به الحافظ ابن القيم مثلاً: في بياضهم كأنهم لؤلؤ، ومن نظر إلى الصفاء في اللؤلؤ لاسيما مع قوله: مَكْنُونٌ قال: في صفائهم، وهذا لا يعارض قول من قال: في بياضهم، فإن البياض إذا كان معه صفاء فهذا هو الكمال، فهم في غاية البياض مع غاية الصفاء، فهم لؤلؤ مكنون أيضاً مصون مستور في أصدافه، لم تمسه الأيدي فيظهر أثر بصمتها عليه، فيكون ذلك ذهاباً لرونقه وبهائه وتلألئه.

تقول: الشيء الفلاني يتلألأ، لكن هذا اللؤلؤ إذا مسته الأيدي قد ينطفئ نوره، فهؤلاء كأنهم لؤلؤ مكنون مستور، لم تمسه الأيدي فهو في غاية الصفاء، ما مسته يد، نقي، فهؤلاء مع قيامهم بالخدمة، وتقلبهم بها لم يذهب صفاؤهم، وإنما يبقى ذلك الرونق والبهاء مع عملهم واشتغالهم بخدمة أهل الجنة، وأين تجد هذا؟

الذي يشتغل في الخدمة الأصل أنه ملوث، والناس لربما يتباعدون منه ولا يريد أحد أن يمد يده ليسلم عليه، ولا يأكل معه؛ لأنه لا يطمئن إلى نظافته، فالأصل فيه أنه يلابس، الجنة ليس فيها أصلاً ما يُستنكف منه ولا قذر ولا أذى، وهؤلاء خدمها، فإذا كان الخدم كاللؤلؤ المكنون فكيف بمن يُخدم في الجنة، كيف بأهل الجنة؟ إذا كان هؤلاء خدمهم كأنهم لؤلؤ مكنون، فكيف بالذين يدخلون الجنة؟

إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا [سورة الإنسان:19]، فهم منتشرون في الخدمة، وهذا النثر يدل على سعة المكان، منتثرون لا يتجمعون في مكان واحد لضيقه، ضيق المكان أو غير ذلك، وإنما منتشرون في خدمة أسيادهم، في خدمة أهل الجنة، والجنة واسعة، بعض السلف كان على طعام دُعي إليه، فرأى من يطوف عليهم بالكئوس والطعام وما يحتاجون إليه من الخدم فبكى، فسئل عن هذا، فقال: تذكرت نعيم أهل الجنة، وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ، كانوا يتذكرون الآخرة بما يرون في الدنيا.

ابن المبارك ينطفئ السراج ثم يسرج فيجدون لحيته قد ابتلت من الدموع، تذكر ظلمة القبر بالظلمة التي حصلت بانطفاء السراج.

ابن عمر يؤتى له بماء وشيء يفطر عليه، فيبكي، يبكي ولا يفطر، فيسأل عن هذا، يقول: تذكرت أهل النار حينما سألوا: أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ [سورة الأعراف:50]، فكانوا يعتبرون بما يرونه في الدنيا فيذكرهم بالآخرة.

كما قال تعالى: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ ۝ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ [سورة الواقعة:17، 18].

كما قال الله أيضاً في الآيات الأخرى، قال: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ، قيل: لا يهرمون، وهذا صحيح، وقيل: لا يموتون، من الخلود، البقاء الأبدي السرمدي، وهذا صحيح، وقيل: أسنانهم متقاربة، وهذه المعاني غير متنافية، غلمان مخلدون وولدان مخلدون، بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ [سورة الواقعة:18]، كما قال الله : يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ [سورة الزخرف:71] ما هي حديد ولا زجاج، بصحاف، الآنية، الصحن الذي نسميه بالصحن، صحون ذهب، يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ أي: من ذهب، وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا [سورة الإنسان:15] ليست من زجاج.

قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا [سورة الإنسان:16]، الشراب الذي فيها بقدر كفايتهم فلا ينقص عنه، الإنسان قد يشرب ولا يرتوي، يكون الشراب قليلاً لا يكفيه، هذه بقدر ريهم، قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا، هذا شيء يسير من نعيم الجنة مما يفهمه السامع، ولكن فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

وقوله تعالى: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ [سورة الطور:25].

الآن هم لما آمنوا ودخلوا الجنة واطمأنوا بدءوا يتحدثون ويعيدون الذكريات، ويذكرون حالهم قبل هذا، بعد اطمئنانهم، أما الناس في المحشر فكل إنسان مشغول بحاله وبنفسه، همه الخلاص والنجاة، فلما دخلوا الجنة وجلسوا على الأرائك، وشربوا من هذه الخمرة والتذُّوا بهذه الطيبات، ويطوف عليهم الخدم في نزلهم ودار كرامتهم طاب لهم المقام فجعلوا يتحدثون.

أي: أقبلوا يتحادثون ويتساءلون عن أعمالهم وأحوالهم في الدنيا، وهذا كما يتحادث أهل الشراب على شرابهم إذا أخذ فيهم الشراب بما كان من أمرهم.

قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ [سورة الطور:26] أي: قد كنا في الدار الدنيا ونحن بين أهلنا خائفين من ربنا، مشفقين من عذابه وعقابه.

كما ذكر الله في صفة أهل الإيمان، هناك يتحدثون عن شيء مضى، كنا في أهلنا مشفقين، فهذا سبب أورثهم الجنة، ووصف الله أهل الإيمان الذين يعملون بعمل أهل الجنة في مواضع من القرآن، وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ [سورة المعارج:27]، إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ [سورة المؤمنون:57].

ولهذا قال بعض السلف كالحسن البصري -رحمه الله: ينبغي لمن لم يشفق أن يخاف ألا يكون من أهل الجنة؛ لأن الله قال عن أهل الجنة: قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ، وينبغي لمن لم يحزن أن يخاف أن يكون من أهل النار؛ لأن أهل الجنة قالوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ [سورة فاطر:34]، والمقصود بالحزن الذي في الدنيا الخوف من الله ، الخوف والإشفاق والخشية التي كانت تعمر قلوبهم في الدنيا، خائفون من العاقبة، من النتيجة، من النار، فأمّنهم الله وأدخلهم الجنة، وكتب عليهم رضاه فلا يسخط عليهم أبداً، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ

وليس المقصود به الأحزان على الدنيا وما فات منها، فهذه ليست بصفة حميدة، ولا ينبغي ذلك لأهل الإيمان، وأما أهل الكفر فهم بعكس هذا، يعني هنا إذا قال أهل الإيمان: إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ، فأهل النار لم يكونوا مشفقين، إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا [سورة الإنشقاق:13] مبسوط، فارح، يضحك ويلعب ويعبث ويلهو بكل لون متاح له من ألوان اللهو، لا حساب ولا عقاب ولا تفكير ولا حزن ولا خشية ولا نظر في عاقبة، إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا ۝ إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ [سورة الإنشقاق:13، 14].

فهذه الأشياء الله يذكرها من صفات أهل الإيمان، ويذكرها أيضاً من قول أهل الجنة حينا يدخلون الجنة، فكل شيء قد بينه هذا القرآن، إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [سورة الإسراء:9]، لكن الإنسان في كثير من الأمور لا يتحقق ذلك إلا إذا وقع له، فكأنما سمعه للمرة الأولى.

فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ أي: فتصدق علينا وأجارنا مما نخاف.

السموم قيل: هو اسم من أسماء النار -أعاذنا الله وإياكم منها، والسموم هو ما يوجد من حرها ولفحها، وأصله الريح الحارة التي تدخل في المسام، مسام الجلد.

إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ [سورة الطور:28] أي: نتضرع إليه فاستجاب لنا وأعطانا سؤلنا، إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ.

ليسوا يدعونه فقط، يعني لا يفسر إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ أنه ليس فقط نسأله وإنما نعبده، وعرفنا من قبل في مناسبات شتى أن الدعاء يأتي بمعنى العبادة، فهنا نَدْعُوهُ أي نعبده، وهو مضمن لدعاء المسألة، فإن الذي يعمل الأعمال الصالحة هو داعٍ بفعله، يطلب الجنة، ويستجير من النار بهذا الفعل، والذي يسأل بقوله: رب أعطني، رب أدخلني الجنة فهو سائل بقوله، وهو عابد أيضاً لله ضمناً بهذا، فهذا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ، ما مدحهم بمجرد الدعاء في الدنيا، فإن هذا قد يقع من الكافر، وإنما بالعبادة، كنا نعبده، ونوحده ونخلص له، وفي ضمن ذلك السؤال، أنهم يسألون الله -تبارك وتعالى.

هذا المعنى الذي ذكرته آنفاً: نَدْعُوهُ أي: نعبده، والحافظ ابن كثير فسره بالسؤال نتضرع إليه فاستجاب لنا وأعطانا سؤلنا، والمعنى الثاني الذي ذكرته هو الأكمل ويتضمن هذا المعنى، وهو الذي قال به جماعة من المحققين، ككبير المفسرين ابن جرير -رحمه الله، والحافظ ابن القيم، والقاعدة أن الآية إذا احتملت معنيين لاسيما إن كان بينهما ملازمة ولا مانع من حملها عليهما فإنها تحمل على الجميع، ندعوه: نعبده وفي ضمن ذلك نسأله.

قبل هذا إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ في قراءة متواترة لنافع والكسائي بفتح الهمزة أِنَّهُ هُوَ الْبَرَّ الرَّحِيمُ، فيكون المعنى، إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ؛ لأنه هو البر الرحيم، أِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ؛ لأنه هو البر، والبَرُّ هو كثير الإحسان.

  1. رواه الإمام أحمد في المسند، برقم (1131)، وقال محققوه: "إسناده ضعيف لجهالة محمد بن عثمان"، وقال الألباني في السلسلة الضعيفة: "منكر بهذا التمام"، برقم (5791).
  2. رواه البخاري، كتاب الجنائز، باب ما قيل في أولاد المشركين، برقم (1385)، ومسلم، كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين، برقم (2658).
  3. رواه ابن ماجه، كتاب الأدب، باب بر الوالدين، برقم (3660)، وأحمد في المسند، برقم (10611)، وقال محققوه: "إسناده حسن من أجل عاصم بن أبي النجود -وهو ابن بهدلة، وباقي رجاله ثقات رجال الصحيح"، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة، برقم (1598).
  4. رواه مسلم، كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، برقم (1631).

مواد ذات صلة