الإثنين 13 / شعبان / 1441 - 06 / أبريل 2020
[2] التعليق على الآيات (السورة كاملة)
تاريخ النشر: ٢٠ / محرّم / ١٤٣٥
التحميل: 10083
مرات الإستماع: 5424

بسم الله الرحمن الرحيم

قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ۝ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ۝ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ۝ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ۝ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ [سورة الفلق].

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فتتميمًا لما ذكره ابن كثير -رحمه الله- من الرواية عن ابن مسعود أنه كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه، البعض قد يقول: لم يكتبها ليس ذلك يعني أنه لا يعتقد أنها من القرآن، لكن هناك روايات مصرِّحة، انظر هذه الألفاظ في هذه الروايات الصحيحة: عن عبد الرحمن بن يزيد قال: "كان عبد الله يحُكُّ المعوذتين من مصاحفه"، ويقول: "إنهما ليستا من كتاب الله"، وجاء أيضًا عنه أنه قال: لا تخلطوا بالقرآن ما ليس فيه، فإنما هما معوذتان تعوذ بهما النبي ﷺ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ كان عبد الله يمحوهما من مصحفه، وكذلك أيضًا زر قال: قلت لأبيٍّ: إن أخاك يحكُّهما من المصحف، والرواية التي عندنا هذه أوضح قيل لسفيان بن عيينة: ابن مسعود، فلم ينكر، قال أبيٌّ: سألت رسول الله ﷺ، فقال: قيل لي.. فقلت: فنحن نقول كما قال رسول الله ﷺ، يعني هي ليست مجرد تعويذة، قال سفيان: يحكُّهما أي المعوذتين وليستا في مصحف ابن مسعود، يقول: كان يرى رسول الله ﷺ يعوذ بهما الحسن والحسين، ولم يسمعه يقرؤهما في شيء من صلاته فظن أنهما عُوذتان وأصر على ظنه، وتحقق الباقون كونهما من القرآن فأودعوهما إياه.

وجاء أيضًا عن علقمة بن قيس عن ابن مسعود أنه كان يحكُّ المعوذتين من المصاحف، ويقول: إنما أمر رسول الله ﷺ أن يتعوذ بهما، ولم يكن عبد الله يقرأ بهما، وكذلك أيضًا في رواية عن أبي بكر بن عياش أن عبدالله يقول في المعوذتين: "لا تلحقوا بالقرآن ما ليس منه"، وأجيب عن هذا بأنه لم يتابعه على هذا أحد من الصحابة ، وأنه قد انعقد الإجماع بلا شك، وجاءت روايات صحيحة وصريحة كما في حديث عقبة أن النبي ﷺ قرأ بهما في صلاته، وكذلك أثبتهما الصحابة في المصاحف، وأجمعوا على هذا، وابن مسعود كان قد أدرك ذلك ثم أقر به، وأعطاهم مصحفه، كذلك الروايات عنه في القراءة المتواترة القراءة التي نقرأ بها مروية عن ابن مسعود ترجع أسانيدها إلى ابن مسعود- وفيها المعوذتان، فهذا لا إشكال فيه ألبته.

وممن رده وأنكره وقال: إن ذلك لا يثبت عن ابن مسعود -كما سبق- ابن حزم، والباقلاني في كتابه "الانتصار لنقل القرآن" له كلام طويل في الرد على هذا، وبيان أن ذلك لا يثبت عن ابن مسعود، وكتاب "الانتصار لنقل القرآن" هذا كتاب كبير، وقبل سنين طبع مختصر له، أو تهذيب له في نحو ثلاثمائة صفحة أو أكثر، ثم طبع الكتاب الأصل بطبعتين محققتين، والكتاب فيه أشياء كثيرة مفيدة، وهو يرد على الطاعنين في القرآن، أشياء يُطعن بها سواء الطعون من قبل المعتزلة، أو الرافضة أو غير هؤلاء، هو يرد بردود طويلة، والروايات التي تُنقل أحيانًا مُشكِلة عن بعض الصحابة في جمع القرآن، أو في كتابته كل هذا يجيب عنه بإجابات مفصلة، فالكتاب مفيد من هذه الناحية، وإن كان بعض القضايا ترجع إلى العقيدة الأشعرية.

النووي -رحمه الله- في شرحه للمهذب يقول: أجمع المسلمون على أن المعوذتين والفاتحة وسائر السور المكتوبة في المصحف قرآن، وأن من جحد شيئًا منه كفر، وما نقل عن ابن مسعود في الفاتحة والمعوذتين باطل ليس بصحيح عنه، وتجدون في كتاب "الانتصار" هذا بابًا خاصًا في هذا الموضوع باب المعوذتين، أو باب الكلام في المعوذتين والكشف عن ظهور نقلهما وقيام الحجة بهما، وإبطال ما يدعونه من إنكار عبد الله بن مسعود من كونه قرآناً منزلًا، وتأويل ما روي في إسقاطهما من مصحفه، وحكِّه إياهما، وتركه إثبات فاتحة الكتاب في إمامه يعني في مصحفه، وما يتصل بهذه الفصول، وأطال في الكلام على هذه القضية والرد على هذه الشبهة، وليس المقام مقام توسع في مثل هذه القضايا وإلا لن ننتهي، لكن الأمر واضح، والإجماع منعقد، والنبي ﷺ قرأ بهما في الصلاة، والمصاحف التي كتبها الصحابة وأجمعوا عليها كُتبت فيها، والقراءة المنقولة عن ابن مسعود بالتواتر فيها المعوذتان.

الإجماع منعقد، والنبي ﷺ قرأ بهما في الصلاة، والمصاحف التي كتبها الصحابة وأجمعوا عليها كُتبت فيها، والقراءة المنقولة عن ابن مسعود بالتواتر فيها المعوذتان.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن والاه، أما بعد:

فاللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين، يقول الحافظ ابن كثير: روى ابن أبي حاتم عن جابر -رضي الله عنهما- قال: الفلق الصبح، وقال العوفي عن ابن عباس -رضي الله عنهما: الفلق الصبح، وروي عن مجاهد وسعيد بن جبير وعبد الله بن محمد بن عقيل والحسن وقتادة ومحمد بن كعب القرظي وابن زيد ومالك عن زيد بن أسلم مثل هذا، قال القرظي وابن زيد وابن جرير: وهي كقوله تعالى: فَالِقُ الإِصْبَاحِ [سورة الأنعام:96].

هذه السورة سورة الفلق تسمى بذلك، وبـ "قل أعوذ برب الفلق"، وسماها بعضهم بالمعوذة الأولى، والموضوع الذي تدور حوله هذه السورة هو الاستعاذة من الشرور كلها، وخص منها بعد العموم ثلاثة شرور خفية؛ وذلك لصعوبة التحرز منها، ولخفاء مأخذها، وحاجة العبد الماسة إلى الحفظ والتوقي قبل الوقوع، ورفع ذلك ودفعه بعد حصوله، فإن هذه الأمور ليست مما يجدي معه طب الأطباء، أعني الطب المادي، وإنما ذلك يحتاج معه إلى الاستعاذة والطب الرباني، فذكَرَ الاستعاذة من شر ما خلق، ومن شر غاسق إذا وقب، ومن شر النفاثات في العقد، ومن شر حاسد إذا حسد، فاستعاذ بشيء واحد هنا برب الفلق، وذكر بعده ثلاثة أشياء هي المستعاذ منه، بخلاف سورة الناس فقد ذكر الأسماء الثلاثة المستعاذ بها: رب الناس، ملك الناس، إله الناس، والمستعاذ منه شيء واحد وهو الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس، فهذا هو موضوع هاتين السورتين، وهذا يتضمن الفرق بينهما، فلاحظ: في الأولى استعاذ بشيء واحد برب الفلق، وذكر ثلاثة أشياء بعده، السورة الثانية سورة الناس استعاذ بثلاثة أسماء عظيمة لله من شيء واحد وهو الوسواس الخناس.

الفلق: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ الله -تبارك وتعالى- يأمر نبيه ﷺ بهذا، وذلك أيضًا يلحق أمته، ويدخلون فيه، والفلق ما المراد به؟

العلماء لهم كلام كثير من أهل اللغة ومن المفسرين، والذي عليه الجمهور أن الفلق هو الصبح، قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ الفلق الصبح، يقولون: هو أبين من فلق الصبح، إذا كان الصبح فلماذا قيل له: الفلق؟

قالوا: لأنه يُفلق عن الليل، ينفلق الصبح من ظلام الليل، وبهذا الاعتبار فهو فَعَلٌ بمعنى مفعول، فلق بمعنى مفلوق، يُفلق، قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ فالصبح ينفلق عن الليل، وهذا ذكره كثيرون، هذا قول الجمهور وقال به جماعة من أصحاب المعاني كالزجاج قال: فلَق الصبح، وفرَق الصبح، ابن عاشور يقول: لأن الليل شُبه بشيء مغلق ينفلق عنه الصبح، ويقول: إن الفلق أصله بمعنى الانشقاق عن باطن الشيء، واستعير لظهور الصبح بعد ظلمة الليل، هذا قول عامة أهل العلم.

وهناك أقوال أخرى في التحديد بتحديد معنى بعينه، معنى خاص لكن هذه الأقوال منها ما هو بعيد لا دليل عليه، ومنها ما يدخل في معنى أعم سيأتي ذكره.

ومن الأقوال البعيدة التي لا يدل عليها دليل أن الفلق سجن في جهنم، قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، أو شجرة في النار، أو أنه الجبال والصخور؛ لأنها تُفلق بالمياه تُشقق يعني، أو هو التفليق بين الجبال؛ لأنها تنشق من خشية الله وتتصدع، فكل هذه الأقوال لا دليل عليها.

وبعضهم يذكر معنى أعمّ يقول: الفلق هو الخلق قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، يعني الخلق، وبعضهم يقول: الرحم تنفلق بالحيوان، وبعضهم يقول: كل ما انفلق، كل ما يصدق عليه هذا من جميع ما خلق الله فيدخل في ذلك الصبح، ويدخل في ذلك النبات إِنَّ اللّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى [سورة الأنعام:95]، فَالِقُ الإِصْبَاحِ، يدخل في ذلك سائر ما يصدق عليه هذا مما خلقه الله -تبارك وتعالى- من الحيوان والنبات كل ذلك داخل فيه، هذا منقول عن الحسن والضحاك.

واستظهر القرطبي -رحمه الله- لهذا القول من جهة أن هذه المادة تفسر بمعنى الانشقاق، الفلق بمعنى الشق، الانشقاق، تقول: فلقته يعني شققته، وكل ما انفلق عن شيء بهذا الاعتبار من حيوان وصبح -ينفلق عن الظلام، عن الليل- وهكذا الحب والنوى فهو فلق، فيكون هذا القول يشمل القول المشهور قول الجمهور: إنه الصبح، وزيادة باعتبار أن الله -تبارك وتعالى- لم يحدد معنى بعينه، فهذا يقال له: فلق، وهذا يقال له: فلق، وإن كان الظاهر المتبادر أو الأشهر أن الفلق يقال للصبح، وهو الأكثر في الاستعمال، ومن هنا قال الجمهور: إن المراد به الصبح، ولكن هذا القول أشمل وأعمّ.

ووجه الارتباط بين هذه الأمور سواء كان مما جاء به القسم، أو ما يتعلق بالمستعاذ بالله منه، الفلق ما علاقته قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ۝ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ ما علاقة الفلق هنا حينما ذُكر في الاستعاذة بالمستعاذ منه مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ۝ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ۝ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ لماذا ذكر الفلق؟

أما على القول بتفسيره بالمعنى الأعم فإن كل هذه الأمور التي يستعاذ منها من إنسان وحيوان وإلى آخره، هذه الأمور التي يتخوفها الناس هي داخلة في هذا المعنى، واضح أنه يصدق عليها الفلق، أو أنه حاصل فيها بوجه من الوجوه، أما على تفسيره بمعنى خاص على المشهور من أنه الصبح فلماذا ذكر هذا في الاستعاذة مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ۝ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ۝ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ؟

هذه شرور يستعاذ منها فالعلماء ذكروا لذلك أوجهاً: بعضهم مثلًا يقول: خُص الفلق هنا بالذكر إيماء إلى أن الله -تبارك وتعالى- القادر على إزالة هذه الظلمات الشديدة عن كل هذا العالم يقدر أن يدفع الشرور عنه، يعني الذي يرفع هذه الظلمات قادر على رفع الشر ودفع الشر -أيضاً- قبل وقوعه، والشر عمومًا والظلام بينهما ملازمة؛ ولهذا فإن بعضهم علله بتعليل يتصل بهذه الجهة قضية الشر والظلام والصبح والأمور المحبوبة السارة المرغوب فيها، فيقولون: إن طلوع الصبح كالمثال لمجيء الأمر المحبوب، فكما أن الإنسان في الليل يكون منتظرًا لطلوع الصبح فكذلك الخائف يكون مترقبًا لطلوع صباح النجاة إلى غير ذلك مما قيل. 

وابن عاشور ذكر أيضًا شيئًا من هذا مما يتصل بالتعليل، فعلى سبيل المثال يقول: رب الفلق هو الله؛ لأنه هو الذي خلق أسباب ظهور الصبح، ويقول: وتخصيص وصف الله بأنه رب الفلق دون وصف آخر؛ لأن شرًّا كثيرًا يحدث في الليل من لصوص، وسباع، وذوات سموم، وتعذر السير، وعسر النجاة، وبُعد الاستغاثة، واشتداد آلام المرضى حتى ظن بعض أهل الضلالة أن الليل إله الشر، والمعنى أعوذ بفالق الصبح مَنْجاة من شرور الليل، يعني فلق الصبح ليكون منجاة من شرور الليل، فإنه قادر على أن ينجيني في الليل من الشرّ كما أنجى أهل الأرض كلهم بأن خلق لهم الصبح، يقول: فوصفَ اللهَ بالصفة التي فيها تمهيد للإجابة، هذا كلام ابن عاشور.

وإذا فسر الفلق بالصبح قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ فالفلق لا شك أنه الأمر الذي يُنتظر ويبشِّر سواء كان ذلك حقيقة وحسًّا، أو كان ذلك من باب الكناية عن كون الصبح يعبر به عن الفرج -أيضًا- والانتقال إلى حال مرضية قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، الذي فلق الصبح أعوذ به من أجل أن يكون الله -تبارك وتعالى- حافظًا للعبد، منجيًا له من الظلمات والشرور والآفات التي يتخوفها، أو رفع ما حل به من ذلك، فالصبح يشير إلى الخير وينفلق عن الظلام الذي يشير إلى الشر؛ لأن الآفات تكثر بالليل، الإجرام والمجرمون، والفساد والمفسدون، الهوام، الدواب، السباع تكثر في الليل، فإن الليل يستر عن الأعين فتنتشر شياطين الإنس والجن، ولذلك فإن النبي ﷺ أمر بكف الصبيان حتى تذهب فحمة العشاء.

والسبب أن الشياطين ينتشرون، فهو وقت انتشار فيتخطفون هؤلاء، وهذا الانتشار إلى أي أمد؟ يعني معناها أنهم يكمنون في النهار فإذا جاء هذا الوقت -بداية الليل- انتشروا فيكون لظهورهم وانتشارهم في هذه الساعة يكون لهم نوع نشاط وتخطف حتى تذهب فحمة العشاء، يعني بعد ذلك يكون انتشارهم كما يقال في حال من الانسياب، فهم يظهرون في الليل وينتشرون ويكثرون، ويكمنون في النهار.

وهنا قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ۝ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ هذا على تفسير الجمهور بأنه الصبح، ومن فسره بمعنى أعم وهو ظاهر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله، فإن ذلك يكون استعاذة بمن فلق الأشياء، يعني كأنه يستعيذ بمن خلقها إذ إن ذلك يشمل المخلوقات بأنواعها بما في ذلك الصبح، فهو الذي ينجي ويحفظ ويقي عبده من الشرور والآفات التي يحاذرها، ولا يقي من ذلك أحد سواه، ولهذا فإن هذه الأمور المذكورة بعد العموم مِن شَرِّ مَا خَلَقَ، وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ فذكْرُ الغاسق لو فسر بالليل أو فسر بالقمر فوجه المناسبة واضح، إذا فسر الفلق بالصبح فالغاسق الليل، وإذا قيل: القمر فهو آية الليل كما سيأتي وهما قولان متلازمان، ولماذا الليل؟

لأنه يكثر فيه الإجرام والشر والآفات وشياطين الإنس والجن، غالب ما يحصل من ذلك في الليل، ولذلك فإن المهموم والمخموم والخائف والوجِع والمريض كل هؤلاء ينتظر الصبح، فيكون في الليل بحال من الشدة، فإذا ظهر الصباح طلع الفجر الذي لربما يستطيله هذا المبتلى فإنه يحصل له بذلك سرور وانبلاج وفرح ونشاط.

قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ۝ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ ۝ وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ هذه الشرور التي تكون في الليل إذا فسر بالقمر-يعني الغاسق- فإنما سلطانه بالليل، فالقضية ترجع إلى الليل بهذا الاعتبار، فهذه الشرور فيه، والأشرار ينتشرون بصورة خفية يسترهم الظلام، فمن الذي يقي هذا الإنسان حينما يتسلل إليه ما يتخوفه في الليل من الدواب، من الآفات، من الهوام والسباع إلى آخره في برية في مكان هو لا يدري ما حوله لربما يتوسد أفعى أليس كذلك؟

وإذا أصبح رأى ما حوله لربما نزل في مكان لا يصلح للنزول، ولربما كان بجواره ما يخافه ويحاذره، أو ما فرّ منه -هذا الظلام يستر ذلك- من الذي يحفظ من هذا كله؟ هو الله -تبارك وتعالى- مِن شَرِّ مَا خَلَقَ ۝ وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ۝ وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ هؤلاء السواحر، هذا السحر يصل بطرق خفية، كيف يستطيع الإنسان التحرز منه؟ فإنه إذا خُلي بين العبد فإنه لا يدري بأي واد هلك، بينما هو في غمرة الفرح والسرور واللذات إذ به ينقلب رأسًا على عقب في لحظة.

وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ هذه الأمور الخفية لا يعرفها الأطباء، ولا يتعاملون معها، ولربما أجروا له العمليات، وأجروا له أنواع المعالجات ولا يصلون معه إلى شيء، فهنا ليس ثمّة ما يحفظ إلا الله، وليس ثمة ما يرفع ويدفع إلا الله.

وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ۝ وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ الحسد أعم لكن هنا تخصيص بهذه الحال "إذا حسد" يدخل فيه العين بلا شك، وهذه يصل إلى الإنسان منها الشر بإذن الله بتكيُّفات غيبية للنفس حال استشرافها النعمة أو صاحب النعمة، فيصل إلى الإنسان بسبب ذلك بإذن الله وتقديره الضرر الذي يحصل به التلف الموت، ويحصل به ما دونه من ذهاب المال، أو ذهاب الولد أو غير ذلك من الأوجاع والأمراض والأسقام التي لا يدري الأطباء دواءها، لا يعرفون لها علاجاً فيقولون: الفحوصات كلها سليمة ما فيها شيء، وتجد هذا الإنسان في حالة من الشدة والكرب، وهذا من أصعب الأشياء.

يعني كثير من الناس الذين يبتلون بهذا أو يبتلون بالمس يتمنون أن العلة التي فيهم من العلل التي تكون مدرَكة للأطباء، العلل المادية بأن القضية عنده تتعلق بجهاز من الأجهزة حصل له التعثر في عمله ووظائفه، أو أن ذلك يتعلق بأمر يمكن أن يعالج بدواء أو عملية أو شيء من هذا، كثير ممن يأتون الأطباء يتمنون هذا، وألا يكون ذلك في أمر غامض.

والذين يبتلون -نسأل الله العافية للجميع- يدركون مثل هذا، ومن أصعب الأشياء أن ترى أمامك من لا تستطيع أن تصنع له شيئًا من طب الأطباء، تذهب به إلى المستشفى وغير ذلك، يرى الأشياء على غير ما هي به، يخيل إليه أن الناس لربما يكونون في هيئة وفي صورة أخرى تمامًا، فهو يرى أشياء لا تراها تُخيل إليه لربما، ويتكلم بكل ثقة عن هذه الأمور التي يشاهدها، والناس لا يشاهدونها، يرى الناس في غير ما خلقهم الله ، فأنت لا تدري تتحدث مع إنسان يعقل أو لا يعقل، فهذا من أشد الأشياء على النفس، ثم إذا رُقي طرأت عليه من الآثار والمظاهر التي لربما تكون أشد وطأة مما يعانيه من ابتلي بالأمراض الحسية، هذا بالإضافة إلى أن هذه الأمراض المادية الحسية أيضًا قد ترجع إلى هذا، قد يبتلى الإنسان بهذه الأمراض حتى الأمراض الخطيرة بسبب شيء من هذا، من وخز الجن أو من عين الإنسان، أو عين الجان، أو بملابسات غيبية خفية.

كل هذه الأمور وغير هذه الأمور من الذي ينجي منها؟ هو الله -تبارك وتعالى- وحده دون ما سواه، فالحاجة إلى الاستعاذة الحاجة إلى ملاحظة ذلك هي في غاية الأهمية، والكلام في هذا يطول، ولكن الحاصل أن عندنا من الكنوز ما لا يقادر قدره؛ ولهذا فإنه ما تعوذ المتعوذون بأفضل من هذا، ومع ذلك تجد التفريط، يعني هذا يكون من باب الوقاية قبل الوقوع، ويكون أيضًا من باب العلاج بعد الوقوع.

قال: وفي قوله تعالى: مِن شَرِّ مَا خَلَقَ أي: من شر جميع المخلوقات، وقال ثابت البناني والحسن البصري: جهنم وإبليس وذريته مما خلق.

قول ثابت والحسن: جهنم وإبليس، يعني من قال: إن المقصود بالفلق هو جهنم، أو إنه إبليس، أو إنه شجرة في النار أو غير ذلك فهذا داخل بجملة هذه الشرور، قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ۝ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ.

قال: وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ قال مجاهد: غاسق الليل إذا وقب غروبُ الشمس، حكاه البخاري عنه.

هنا يقول: قال القرظي وابن زيد وابن جرير: الفلق الصبح، وروي عن مجاهد وسعيد بن جبير وعبد الله بن محمد بن عقيل والحسن وقتادة ومحمد بن كعب وابن زيد وابن مالك عن زيد بن أسلم مثل هذا، يعني الصبح، وهي كقوله: فَالِقُ الإِصْبَاحِ يعني ابن جرير لم يقل هذا على سبيل الترجيح، وإنما ذكر هذا القول وذكر ما يؤيده أنه قول صحيح فَالِقُ الإِصْبَاحِ ذكر ما يشهد له، لكنه حمل الآية على المعنى الأعمّ، يعني يقول: إن الصبح داخل في هذا بلا شك، وكذلك أيضًا فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى، فهذا كله مما يدخل فيه.

فابن جرير يصحح هذا المعنى لكنه لا يرجحه باعتبار أنه هو المعنى حصرًا، وإنما يحمل ذلك على معنى أعمّ أن الآية يدخل فيها كل ما يصدق عليه ذلك، يعني الفلق كل ذلك مما خلقه الله -تبارك وتعالى- داخل فيه، هذا قول ابن جرير، وهو ظاهر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله، قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ فإذا أردنا أن نرجح واحدًا من هذه المعاني فإن الصبح هو الذي عليه الجمهور، والفلق وإن كان هذا هو الأشهر في استعماله لكنه يصدق على ما هو أوسع من ذلك باعتبار أن "ال" هذه للجنس وليست عهدية، تكون للجنس ليشمل كل ما يقال له: هذا فلق.

ابن كثير يقول: وهذا هو الصحيح.

وابن جرير ذكر الصبح واستشهد له بـفَالِقُ الإِصْبَاحِ، هذا معنى صحيح، لكن في النهاية ابن جرير حمله على المعنى العام: كل ما يصدق عليه أنه فلق.

قال -رحمه الله: وكذا رواه ابن أبي نجيح عنه، وكذا قال ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي والضحاك وخصيف والحسن وقتادة: إنه الليل إذا أقبل بظلامه، وقال الزهري: وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ الشمس إذا غربت.

وقال أبو المهزم عن أبي هريرة: وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ الكوكب، وقال ابن زيد: كانت العرب تقول: الغاسق سقوط الثريا، وكانت الأسقام والطواعين تكثر عند وقوعها وترتفع عند طلوعها.

قال ابن جرير: وقال آخرون: هو القمر، قلت: وعمدة أصحاب هذا القول ما رواه الإمام أحمد عن الحارث بن أبي سلمة قال: قالت عائشة -رضي الله عنها: أخذ رسول الله ﷺ بيدي، فأراني القمر حين طلع وقال: تعوذي بالله من شر هذا الغاسق إذا وقب[1]، ورواه الترمذي، والنسائي في كتابي التفسير من سننهما.

وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ فسر الغاسق بالليل، وهذا قال به طوائف من السلف فمن بعدهم، وهذا من أشهر ما قيل في تفسير الآية، ووجه ذلك أن الشرور وشياطين الإنس والجن تكثر وتنتشر في الليل؛ لظلامه لأنه يسترها، وهذا قال به أيضًا جماعة من أصحاب المعاني كالفراء وآخرين، وهو الذي رجحه ابن عاشور، وعلى هذا إِذَا وَقَبَ يعني اشتد ظلامه، وبعض شراح كتب السنة كالسندي يقول: الغاسق المظلم، لاحظ هذا أعم.

النبي ﷺ فسره بالقمر، وهذا الحديث حسنه بعض أهل العلم، وصححه آخرون استعيذي بالله من شر هذا الغاسق القمر، فهذا تفسير نبوي، والتفسير النبوي لا يصح العدول عنه، ولكن يبقى هل فسره النبي ﷺ بأحد أفراده، يعني ببعض ما يصدق عليه فالقمر كذلك، ولهذا القول الآخر المشهور: إن الغاسق هو القمر، والقولان متلازمان، أعني القول بأنه الليل والقول بأنه القمر، وذكر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وغيره باعتبار أن القمر هو آية الليل، فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ [سورة الإسراء:12] وهي القمر وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ وهي الشمس مبصرة، فالقمر إنما يظهر ليلًا، وسلطانه بالليل، ومن ثَمّ فإن من فسره بالقمر فإن ذلك لا ينافي تفسيره بالليل، فالنبي ﷺ ذكر القمر استعيذي بالله من شر هذا الغاسق، فهذا لا شك أنه داخل فيه وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ يعني القمر.

وكذلك أيضًا فالله يقول: أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ [سورة الإسراء:78]، وغسق الليل يعني ظلمته، فإذا اشتد ظلامه كثرت الشرور، والأشرار الذين ينتشرون فيه، إذا قيل: إنه الليل إذا وقب يعني اشتد ظلامه، لكن إذا فسر بالقمر وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ بعضهم يقول: إذا وقب يعني غاب، إذا غاب القمر، يقولون: إذا أخذ في الطلوع والغروب يظلم لونه، لماذا يظلم لونه هكذا؟ بعضهم يقول: للأبخرة المتصاعدة من الأرض، والبُعد فيكون ذلك مؤثرًا في نقائه وصفائه وظهوره ووضوح أنواره، فإذا غاب انتشر الفسقة للسرقة، والفجار؛ لفجورهم وما إلى ذلك، وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ هكذا قال بعض من فسره بالقمر.

وهذان القولان أقوى الأقوال التي فسرت ذلك بمعنى خاص، هي أقوى الأقوال، وهناك من قال فيه أشياء أخرى بعيدة، كقول الزجاج: إن الغسق يعني البرودة وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ يقول: ليل غاسق؛ لأنه أبرد من النهار، والغاسق هو البارد، وهذا بعيد أن يكون هو المراد لهذا الموضع من كتاب الله -تبارك وتعالى، من فسره بالقمر أيضًا منهم من قال: إنه إذا غسق يعني خسف، وإن خسوف القمر مؤذن بالخطر، والنبي ﷺ قال: إنهما آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده[2]، ولهذا شيخ الإسلام لم ينكر هذا المعنى، أنكر بعض التفسيرات المنقولة في الغاسق ولكنه في مثل هذا المعنى ربط بينه وبين المعنى الأعم الذي اختاره. 

وبعضهم يقول: إذا غسق يعني إذا غاب كما جاء عن قتادة، وبعضهم حاول أن يفسره بمعنى في غاية العموم، ولكن قد لا يكون مناسبًا بهذا الموضع كقول من قال: الغاسق كل هاجم يضر كائنًا ما كان، غسقت القرحة إذا جرى صديدها، وشيخ الإسلام -رحمه الله- له كلام في هذا -يأتي إن شاء الله- حاول فيه أن يربط ذلك بالظلام وأن القمر داخل في هذا التفسير، وذكر كلامًا طويلًا في مواضع من كتبه أو من فتاواه مفاده أن الليل الذي يظهر فيه القمر يرتبط بكثير من الشرور، وأيضًا حاول أن يربط القمر بكثير من أعمال الأشرار باعتبار أن السحرة الذين لهم أعمال في السحر يربطونها بالقمر، وما لهؤلاء من ضلالات في هذا الباب، وما لهم من مصنفات فيه، فحاول أن يربط بالليل والظلام، وأن يربط أيضًا بالقمر ويأتي كلامه إن شاء الله.

هنا ابن جرير -رحمه الله- يقول: وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ غسق الليل إذا أظلم، إذا وقب عند ابن جرير: إذا دخل في ظلامه، ثم ذكر أن الليل إذا دخل في ظلامه فهو غاسق، وكذا النجم إذا حصل له الأفول فهو غاسق، وكذا القمر، ثم حمله في النهاية على كل غاسق، يعني كل ما يوصف بأنه غاسق من ليل أو قمر أو كوكب أو نجم إلى آخره، فيقول ابن جرير: كل هذه داخلة فيه؛ لأن الله لم يحدد معنى من هذه المعاني، فكل ما يصدق عليه أنه غاسق فهو مستعاذ منه، ويدخل فيه القمر دخولًا أوليًا؛ لأن النبي ﷺ فسر بذلك.

سائل يقول: إذا فسر النبي ﷺ ببعض المعنى ألَا يكون من قبيل النص فيه بحيث لا يوسَّع المعنى مثلًا ويقال: إن معانيَ أخرى تدخل في الآية؟

الجواب: لا؛ لأن النبي ﷺ قد يفسرها ببعض معناها، كما سبق ذكر أمثلة لهذا، يعني هنا الغاسق والليل بينهما ملازمة، ولذلك من أجلى الأقوال وأوضحها أن الغاسق هنا يفسر بالليل وبالقمر، هذا من أقوى الأقوال ومن أوضحها، فإذا أردت أن توسعه تقول: كل غاسق كما يقول ابن جرير، فهذا له وجه من النظر صحيح، وباعتبار أن الله لم يحدد.

وكون النبي ﷺ ذكر معنى لا يعني هذا عدم وجود غيره، وذكرنا لكم أمثلة كقوله ﷺ: يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غُرْلًا[3]، ثم قرأ: كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ [سورة الأنبياء:104] معنى الآية وسياقها في الاحتجاج بالنشأة الأولى على النشأة الثانية كما هو طريق معروف في القرآن من طرق الاحتجاج للبعث بالإيجاد الأول، وكذلك في اختصام العوفي والخدري في أي المسجدين أسس على التقوى أولًا؟ فقال الخدري: هو مسجد النبي ﷺ، وقال العوفي: هو مسجد قباء، فقال النبي ﷺ: هو مسجدي هذا[4]، وشيخ الإسلام -رحمه الله- يقول: والسياق في مسجد قباء قطعًا، لكن النبي ﷺ فسره بما هو الأولى والأحق بهذه الصفة وهو مسجده ﷺ، فهذا لا ينفي ذلك عن مسجد قباء.

وهكذا، فقد يفسر النبي ﷺ ببعض المعنى، لكن أحياناً قد يكون التفسير النبوي يحدد المراد بعينه مثل: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [سورة لقمان:13] فسر النبي ﷺ بهذه الآية قوله -تبارك وتعالى: الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ [سورة الأنعام:82] فالظلم هنا نكرة في سياق النفي فهي تفيد العموم، ولهذا أشكل على الصحابة؛ لأنهم عرب خلص استشكلوا هذا المعنى وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أيّ ظلم يعني قلّ أو كثر، والنبي ﷺ بين أنه الشرك.

هنا ليس لأحد أن يقول: إن النجاة تتوقف على السلامة من الظلم مطلقًا أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ، وإن الأمن والاهتداء المطلق أو مطلق الأمن والاهتداء كل ذلك لا يحصل إلا لمن سلم من مطلق الظلم، يعني أدنى ظلم وليس الظلم المطلق الذي هو الكفر -الظلم الكامل الكبير أو الأكبر- مع أن في كلام أهل العلم -وتجدون هذا في تفسير بعض العلماء مثل الشيخ عبد الرحمن بن سعدي -رحمه الله- ما يُشعِر أن الإنسان يكون له من الأمن والاهتداء بقدر ما يكون عنده من السلامة من الظلم قليله وكثيره، لكنهم لا يقولون: إنه يتوقف عليه مطلق الأمن والاهتداء، يعني يحصل له الأمن والاهتداء لا ينعدم في حقه إلا بالشرك -إذا وقع بالشرك- لكن ينقص من أمنه واهتدائه بقدر ما حصل له من الظلم، ظلم النفس، ظلم الخلق، "لم يلبسوا إيمانهم بظلم" لم يخلطوه بظلم، فالمعاصي ظلم، وأخذ حقوق الناس ظلم، فينقص من أمنه واهتدائه، هل هذا يعارض التفسير النبوي بهذه الطريقة؟

الجواب: لا، لكن لو قال قائل: إن ذلك ينعدم معه الأمن والاهتداء، يعني ينتفي في حقه مطلق الأمن والاهتداء، نقول: لا، لكنه ينتفي معه الأمن والاهتداء المطلقان الكاملان، والحكم المعلق على وصف يزيد بزيادته وينقص بنقصانه، فيكون له من الأمن والاهتداء بقدر ما عنده من الإيمان والسلامة من الظلم، الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ [سورة الأنعام:82]، والله أعلم.

قال: وقوله تعالى: وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ قال مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والضحاك: يعني السواحر، قال مجاهد: إذا رقيْنَ ونفثنَ في العقد.

هنا النفاثات في العقد ما هي النفاثات؟ النفاثات فسرت باعتبار أنها مؤنث فسرت بالسواحر، وهذا هو المتبادر، والذي عليه الأكثر من أهل العلم، وهو قول جماعة من المحققين، وبه قال شيخ الإسلام -رحمه الله- وغيره، وابن كثير يقول: النفاثات نقل عن هؤلاء من السلف قال: السواحر مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والضحاك، كل هؤلاء يقولون: السواحر، يعني النساء السواحر، وبعضهم يقول: النفوس فيدخل فيها الرجال والنساء، "من شر النفاثات" أي النفوس النفاثات. 

والأول هو الذي اختاره كبير المفسرين ابن جرير الطبري، الآن بأي اعتبار القول: إن المقصود النساء النفاثات وقد رجح هذا شيخ الإسلام وابن جرير قبله، وقال به الجماعة هؤلاء من السلف بأي اعتبار؟ لماذا خص الله النساء مع أن السحر قد يقع في الرجال؟ يكثر في النساء، لماذا يكثر في النساء؟ هؤلاء النساء اللاتي يحصل منهن السحر سيئات طبعًا لكن اسمع عبارة ابن عاشور، ولعل النساء ما يضيقون ذرعًا به فيكرهون كتابه، فكتابه فيه أشياء جيدة، وفيه معانٍ جزلة، وإن كانت فيه أشياء من العقيدة الأشعرية.

فيقول في النفاثات: النساء الساحرات، وجاء بصفة المؤنث؛ لأن الغالب عند العرب أن يتعاطى السحرَ النساءُ، هذا هو الذي يقوله كثير ممن علل من المفسرين الذين فسروه بالنساء؛ لأنه الأكثر وقوعًا يعني أكثر ما يقع السحر من النساء، لكن لماذا يقع السحر من النساء؟

ابن عاشور يقول: لأن نساءهم يقصد ذاك الزمن يعني قبل عمل المرأة، وخروج المرأة، وانشغال المرأة، وصيرورتها ندًا للرجل يقول: لأن نساءهم لا شغل لهن بعد تهيئة لوازم الطعام والماء والنظافة، فلذلك يكثر انكبابهن على مثل هذه السفاسف من السحر والتكهن ونحو ذلك، فالأوهام الباطلة تتفشى بينهن.

هذا كلام ابن عاشور، قد يكون هذا وقد لا يكون، لكن الشيء المشاهد في هذا الخلق عمومًا أن هذا المخلوق الذي قد يكون فيه ضعف في المقابل قد يكون عنده من الأسباب التي يدفع بها أو يوصل بها الضرر والأذى بإذن الله الذي قد لا تطيقه النفوس القوية من الرجال، المخلوقات هذه التي فيها ضعف انظر إلى السحر الآن أكثر ما يقع مثلًا من هؤلاء الذين لربما يظلمهم كثير من الناس، ويصادرون حقوقهم من العاملات في البيوت، هذه المرأة الضعيفة أو من العاملين، أكثر ما يقع السحر من العاملين هؤلاء أو من العاملات؟ من العاملات والناس يدركون هذا جيدًا، ومن ثم فإنهم في الوقت الذي لا يتقون الله لا يتقي كثير منهم ربه في هؤلاء الضعفاء إلا أنه يقدر في نفسه من المخاوف ما يمكن أن يفتدي معه بكل ما يملك في سبيل الخلاص منه.

ولذلك كثيرًا ما نسمع من سؤلات الناس إذا أرادت أن تسافر يصادرون كل ما معها حتى الثياب التي تلبسها يخشون أنها وضعت فيها شيئًا أو أخذت من ملابسهم أو كذا، ويشترون لها الجديد ما شاءت ابتداء من الحقيبة إلى أنواع اللباس خوفًا، ولا يفعلون مع العاملين من السائقين ونحوهم، لاحظ، فهذه على ضعفها إلا أنهم يتوقعون حصول الضرر والأذى منها، فهم يظلمونها إلا من رحم الله، وهم يتوقعون أن يصل منها من الأذى والضرر ما لا يطيقون.

لاحظ بإمكاناتهم ومع ذلك يتخوفون من هذه التي لا يعبأ بها أكثرهم في الوقت نفسه، يتخوفون منها هذا الخوف الشديد الكبير، كثيرًا ما يسأل الناس عن هذه القضايا هل نحن نكون قد ظلمناها إذا أخذنا ما عندها من متاع ولباس؟ ثم يشترون لها ما شاءت في سبيل أن لا يقع لهم ضرر بسبب ذلك، ويفتحون كل رسالة ترسلها ينظرون ما فيها، ويأتون بالترجمان ليترجم، ما يفعلون هذا مع الرجال، فهذه المرأة لضعفها تلجأ إلى هذه الطرق؛ لتحصّل مطالبها، أو تنتصر ممن ظلمها. 

ولذلك تجد كثيرًا في النساء هذا النوع من السحر الذي هو العطف والصرف، تجلب قلب الزوج، أو تصرف قلب الزوج عنها، والذي يعانون من السحر أو نحو ذلك في كثير من الأحيان لربما أضافوه إلى بعض النساء من ذويهم وقراباتهم، يعني أنها هي التي صرفته عن زوجته مثلًا فنفر منها وكرهها، لا يريد أن يتزوجها مثلًا إلى آخر ما هو معروف في هذا.

ولو نظرت إلى المخلوقات الضعيفة الأخرى، يعني انظر إلى هذه الدواب أو الهوام أو الأشياء الضعيفة ماذا يصل منها من أنواع الأذى؟ العقرب صغيرة ولكنها قد تقتل الجمل، فجعل الله لها هذا، انظر إلى أصحاب القامات القصيرة والخَلق الضئيل الصغير، بعض أهل البلاد المشرقية هكذا خلقتهم صغيرة ونحو ذلك لكن عندهم ما عوضهم الله به مما يدفعون عن أنفسهم ما لا يقوم أمامه أطول الناس قامة وأعظمهم بنية، تعرفون هذا عندهم من وسائل الدفاع عن النفس مع أن قاماتهم قصيرة، وفيهم ضآلة ودقة في الأعضاء لكن عندهم من الوسائل التي يدفعون بها عن أنفسهم ما لا يوجد عند غيرهم، وإن تلقاه غيرهم فإنما يتلقونه تطفلًا عليهم منهم، فتجد هذا الضعف يعوض بأشياء قد لا يقف أمامها هؤلاء الأقوياء.

فالشاهد أن ذكر النفاثات باعتبار أنها السواحر قول هؤلاء العلماء كابن جرير وشيخ الإسلام وغير هؤلاء من السلف قبلهم باعتبار أن السحر أكثر في النساء مثلًا، فصار كأنه صنعة عرفت بها النساء أكثر من الرجال، فهو وإن وجد في الرجال إلا أنه في النساء أكثر، "النفاثات في العقد" والنفث أصله نفخ مع الريق، يعني النفخ إخراج الهواء من غير ريق فإذا وجد معه ريق فهو النفث؛ ولهذا يقال: إن الرقية على مراتب أعلاها أن تكون الرقية مباشرة على المريض بنفث يعني بريق، وحديث اللديغ رُقي بالفاتحة فجعل يقرؤها ويتفل، فإخراج الريق معه هذا أبلغ، يليه في المرتبة أن يقرأ وينفخ فقط، وهذا أقل، يليه المرتبة الثالثة أن يقرأ بلا نفخ، فهذه أضعف هذه المراتب الثلاث، أن يقرأ بلا نفخ، يقرأ بنية الرقية، أما القراءة بغير نية الرقية فهذه لها آثار، ولكنها ليست كأثر القراءة بنية الرقية، النية لها أثر في هذا كما أن العزيمة واليقين لهما أثر بالغ في ذلك.

قال: وفي الحديث الآخر: أن جبريل جاء إلى النبي ﷺ فقال: اشتكيتَ يا محمد؟ فقال: نعم، فقال: بسم الله أرقيك من كل داء يؤذيك ومن شر كل حاسد وعين الله يشفيك[5].

وروى البخاري في كتاب الطب من صحيحه عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كان رسول الله ﷺ سُحر حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن"، قال سفيان: وهذا أشد ما يكون من السحر إذا كان كذا، فقال: يا عائشة أعلمتِ أن الله قد أفتاني فيما استفتيتُه فيه؟ أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، فقال الذي عند رأسي للآخر: ما بال الرجل؟ قال: مطبوب، قال: ومن طبَّه؟ قال: لبيد بن أعصم رجل من بني زريق حليف ليهود كان منافقًا، قال: وفيم؟ قال: في مُشط ومُشاطة، قال: وأين؟ قال في جُفِّ طلعةٍ ذكر تحت راعوفة في بئر ذَرْوان، قالت: فأتى البئر حتى استخرجه فقال: هذه البئر التي أُريتُها وكأنّ ماءها نُقاعة الحناء، وكأن نخلها رءوس الشياطين، قال: فاستُخرج، قالت فقلت: أفلا تنشَّرتَ؟ فقال: أمّا الله فقد شفاني، وأكره أن أثير على أحد من الناس شرًّا[6].

وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ العقد المراد بها ما يعقده السحرة، فهؤلاء النفاثات تعقد العقد إما بخيوط، أو بالشعر أو غير ذلك وتنفث فيها مع كلمات تقولها وتتمتم بها، ورقى واستعانة بأسماء الشياطين وما إلى ذلك، فيحصل بذلك السحر، ويقع الضرر إذا أراد الله -تبارك وتعالى، وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ [سورة البقرة:102]، وهنا النبي ﷺ سُحر وهذا أمر مقطوع به ثابت لا مطعن فيه، ولكن هذا السحر لم يؤثر في النبي ﷺ فيما يتعلق بالبلاغ، وإنما كان في أمر مما يتعاطاه مما يتصل بالنساء فحسب، فهو في أمر مادي دنيوي، وليس فيما يتعلق بالرسالة والبلاغ عن الله  قطعًا، ولم يؤثر ذلك فيه، والله يعصمه من ذلك، وهذا يدل أيضًا على أن الإنسان مهما كانت صلته مع ربه -تبارك وتعالى- وكذلك أيضًا في المحافظة على الأوراد والأذكار لكنه إذا جاء القدر فإن ذلك لابدّ أن يقع، ولا يقال: ما الفائدة من الأذكار؟

هذه الأذكار هي سبب، ولكن إذا قدر الله أمرًا لابدّ أن يقع، والله قد يدفع ذلك أو بعضه بأمور يقدرها من ذلك أن هذا الإنسان يحافظ على هذه الأذكار، وأثر المحافظة على هذه الأذكار لا ينكر أبدًا بحال من الأحوال، وهو شيء مشاهد، فهي حصن حصين منيع كما يقول بعض أهل العلم، يقول: أعظم من سد يأجوج ومأجوج.

وسمعت بعض من صرع ويتكلم على لسانه أحد هؤلاء من الجن فكان مما قال: إن هذا لا يحافظ على الأذكار وكان له أصحاب قد اجتمعوا يرقونه ونحو ذلك، فكان يقول عن هؤلاء: إن دونهم حصناً منيعاً لا يستطيع هؤلاء من الجن الوصول إليهم، وكان سبب هذا أن الرجل جلس على عتبة العمارة التي كانوا قد استأجروا شقة فيها في مكة في رمضان، فجاء هذا وقال: إنه قد جلس على المكان الذي يجلس فيه كبيرهم أو شيخهم أو مرجعهم أو نحو ذلك، جلس عليه ولم يسمّ، فلما جاء هؤلاء وجدوا صاحبهم في هيئة أخرى، يعني لحيته واقف شعرها، أصابع أقدامه في وضع غريب، الإبهام منفرجة بقوة، يعجز الرجال عن تثبيته، يعني يحتاج لرجل يجلس على يد، ورجل آخر على عضد، ورجل آخر على صدره، ورجل آخر يمسك رجله، ولا يستطيعون، يرفعهم.

الشاهد أن هذه أمور ما تنكر، وقد يقع هذا بسبب أمور لا يحسب الإنسان لها حسابًا، والآخر لما ذهب مع أصحابه لنزهة إلى البر فذهب -أعزكم الله- قريبًا إلى الخلاء، فكان هذا الموضع مجلساً لهم، فكان سببًا للتلبس به، فرجع إلى أصحابه بهيئة غير التي ذهب بها، إنسان آخر، فلما رُقي صار هذا يتكلم على لسانه، ويقول: إن هذا أساء إليهم وإنه لم يسمّ، والرجل ذهب لقضاء الحاجة، فمن الذي يقي من هذا كله؟ هو الله -تبارك وتعالى.

النبي ﷺ سُحر قال: وفيم؟ قال: في مُشط ومُشاطة أمّا الله فقد شفاني وأكره أن أثير على أحد من الناس شرًّا، إذاً العلماء -رحمهم الله- لما نظروا إلى هذه الألفاظ وجدوا أن ذلك لا يخلو من نوع إشكال، هل دُفن من غير استخراج، أو أنه استُخرج؟ كيف قال النبي ﷺ إنه كره أن يثير على الناس شرًّا، وهنا قال: فاستُخرج، بعض الشراح يقول: إنه استُخرج ولكن النبي ﷺ ما فتحه باعتبار أنه انحلت عقده بقراءة الملَك، كان كلما قرأ انحلت عقدة فتحللت هذه العقد، فالنبي ﷺ ما فتحه؛ لئلا يثير شرًّا وإلا فالأصل أن السحر إذا وجد وعرف مكانه فإنه تُحل العقد بطريقة معينة، ولا يُترك، يعني من الخطأ أن الإنسان يأخذ هذا السحر، ويرميه في مكان أو يضعه كما يفعل بعض الناس -أعزكم الله- في دورة المياه بزعمه أن يتخلص منه، لا، يحتاج أن يفك هذه العقد.

وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ۝ وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ الحسد: هو تمني زوال النعمة عن الغير سواء حصلت للحاسد -انتقلت إليه- أو لم تحصل، يعني بعضهم يتمنى زوال هذه النعمة وانتقالها إليها، وبعضهم يتمنى زوال هذه النعمة بأي طريق كان وإن لم تصل إليه، فهذا حسد وهو داء لا يخلو منه أحد، كما قال شيخ الإسلام: ما خلا جسد من حسد، ولكن الكريم يخفيه واللئيم يبديه.

يعني ما يقع من دواعي الحسد في نفس الإنسان إذا دافعه ولم يبدُ منه شيء، يعني دعا لهذا الإنسان بالبركة، وأحب له الخير، ولم يصدر من هذا الإنسان بلسانه، أو جوارحه شيء من مقتضيات هذا الحسد من انتقاصه أو ظلمه أو مصادرة حقه، أو نحو هذا فإنه لا يؤاخذ على ذلك، لكن عليه أن يدافعه، وأن يتذكر أن هذا إنعام من الله، أو ابتلاء، وأن الله يعطي عن علم وحكمة، وأن ذلك اعتراض على قدر الله ، فيكون ذلك من أسباب دفع هذه المواجيد التي يجدها الإنسان في نفسه.

لكن هنا قال: وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ بعض أهل العلم قال: قيده بهذه الحال "إذا حسد" فهذا أشدّ حالات الحسد ويدخل فيه العين، فإنها من الحسد، وذلك أن النفس تتكيف بكيفية غيبية الله أعلم بها حينما تستشرف لنعمة أُعطيت لبعض الناس فيصدر منها أمر غيبي يحصل بسببه الضرر بإذن الله ، فقد يَقتل وقد يُمرض، وقد يذهب المال أو غير ذلك بإذن الله وإرادته، كل هذا قد يحصل، والنصوص واضحة في هذا وصريحة، وهذا أمر لا ينكر، ولهذا في العلاج فإنه أولًا للوقاية مأمور أن يبرِّك عليه، كما أمر النبي ﷺ يعني يدعو له بالبركة، يقول: اللهم بارك له وبارك عليه ونحو ذلك، لا أن يقول: ما شاء الله، وقد مضى الكلام على هذا في قوله تعالى في سورة الكهف: وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ [سورة الكهف:39] فهل هذا يعني أن الإنسان إذا رأى ما يعجبه من مال غيره يقول ذلك لدفع العين؟

الذي يظهر أنه قد لا يكون ذلك كما سبق، وإنما يقوله دفعًا للإعجاب بنفسه وما أُعطي وخروجًا من حوله وطوله وقوته؛ لأن هذا افتخر على صاحبه بأنه خير منه مالاً وأكثر وأعز نفرًا وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ [سورة الكهف:35]، وقال أكثر من ذلك قال: مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا ۝ وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً [سورة الكهف:35، 36] إلى آخر ما قال.

فهنا يقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله ليخرج من حوله وطوله، هل هذا يقتضي أن الناس يكتبونها ويضعونها على مداخل البيوت؟ لا، ليس كذلك، وإنما يكون ذلك قولًا بألسنتهم، ومعنى في نفوسهم وقلوبهم أن يخرج الإنسان من النظر إلى طاقته وقوته وإمكاناته وعلومه وفهمه وقدراته، ما شاء الله لا قوة إلا بالله إذا أعجبه شيء من إنجازاته ونحو هذا، أو من إنجازات غيره.

لكن الذي يُدفع به العين أن يدعو له بالبركة كما أرشد النبي ﷺ؛ لأن الأول وهو ما شاء الله لا قوة إلا بالله خلاف ما تدعو إليه النفس من الترفع ورؤية النفس، أما الدعاء بالبركة فهو خلاف مقتضى العين والحسد، الحسد زوال النعمة فإذا دعا له بالبركة فهذا يكون على الضد، فبعض الناس إذا رأى أحداً تخوَّف منه العينَ قال: قل: ما شاء الله، لا، قل له: ادع لي بالبركة، ادع له بالبركة، قل: الله يبارك له، يبارك عليه، وما أشبه ذلك، هذا هو اللائق في مثل هذا المقام.

  1. رواه الترمذي، كتاب تفسير القرآن عن رسول الله ﷺ، باب ومن سورة المعوذتين، برقم (3366)، وقال أبو عيسى: "هذا حديث حسن صحيح"، وأحمد في المسند، برقم (24323)، وحسنه محققو المسند، والنسائي في الكبرى، برقم (10137)، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (7916).
  2. رواه مسلم، كتاب الكسوف، باب ذكر النداء بصلاة الكسوف الصلاة جامعة، برقم (911).
  3. رواه البخاري، كتاب الرقاق، باب كيف الحشر، برقم (6527)، ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة، برقم (2859).
  4. رواه النسائي، كتاب المساجد، باب ذكر المسجد الذي أسس على التقوى، برقم (697)، والترمذي، كتاب تفسير القرآن عن رسول الله ﷺ، باب ومن سورة التوبة، برقم (3099)، وأحمد في المسند، برقم (11846)، وقال محققوه: "حديث صحيح".
  5. رواه الإمام أحمد في المسند، برقم (11710)، وقال محققوه: "حديث صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين غير داود -وهو ابن أبي هند، وأبي نَضْرة -وهو منذر بن مالك العبدي- فمن رجال مسلم، إلا أنه وهم فيه وُهيب -وهو ابن خالد، فقال: أو عن جابر بن عبد الله، قال الدارقطني في "العلل" 4/ ورقة4: والصحيح عن أبي سعيد، عفان: هو ابن مسلم".
  6. رواه البخاري، كتاب الطب، باب هل يستخرج السحر؟ برقم (5765)، ومسلم، كتاب السلام، باب السحر، برقم (2189)، واللفظ للبخاري.

مواد ذات صلة