الثلاثاء 21 / ذو الحجة / 1441 - 11 / أغسطس 2020
[6] من قوله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ} الآية:26 إلى آخر السورة.
تاريخ النشر: ١٠ / جمادى الآخرة / ١٤٣٥
مرات الإستماع: 3349

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المفسر -رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى:

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ۝ ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ [سورة الحديد:26، 27].

يخبر تعالى أنه منذ بعث نوحاً لم يرسل بعده رسولاً ولا نبياً إلا من ذريته، وكذلك إبراهيم خليل الرحمن لم يُنزل من السماء كتابًا ولا أرسل رسولاً ولا أوحى إلى بشر من بعده إلا وهو من سلالته، كما قال تعالى في الآية الأخرى: وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ حتى كان آخر أنبياء بني إسرائيل عيسى ابن مريم الذي بشر من بعده بمحمد -صلوات الله وسلامه عليهما؛ ولهذا قال تعالى: ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإنْجِيلَ وهو الكتاب الذي أوحاه الله إليه، وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وهم الحواريون، رَأْفَةً أي: رقة وهي الخشية، وَرَحْمَةً بالخلق.

وقوله: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا أي: ابتدعتها أمة النصارى، مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ أي: ما شرعناها لهم، وإنما هم التزموها من تلقاء أنفسهم.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -تبارك وتعالى: وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا، أي: عيسى -عليه الصلاة والسلام، رَأْفَةً من أهل العلم من قال: المقصود بذلك أتباع عيسى -عليه الصلاة والسلام- من الحواريين، وليس فيه ما يدل على ذلك.

ومن أهل العلم من قال: قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ [سورة آل عمران:118] لكن نحن نتحدث مقارنة باليهود مثلاً، فتجد عند النصارى من هذا نصيباً أكثر مما عند اليهود، والله تعالى أعلم.

وقوله هنا: وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ قال هنا: وهم الحواريون، يعني: خص هذه الصفة بالحواريين رَأْفَةً وَرَحْمَةً، ومعنى ذلك أن من جاء بعدهم إلى يومنا هذا ليسوا كذلك، ليس فيهم لا رأفة ولا رحمة، والمسألة نسبية، وقال: الرأفة هي رقة، هي رحمة، يعني الرأفة من أرق الرحمة، أخص من الرحمة، رحمة رقيقة، قال: ورحمة أي: بالخلق، الآن ما ذُكر بعده: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا هل هذا معطوف على ما قبله، أو أنه مستأنف وانتهى الكلام عند قوله: وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً انتهى، وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ما الفرق؟

الفرق أنه إذا جعلنا الرهبانية معطوفة على ما قبله، معنى ذلك: جعلنا في قلوب الذين اتبعوه ثلاثة أشياء: رأفة ورحمة ورهبانية، جعلها الله في قلوبهم، فالله أخبر عن هذا قال: ابْتَدَعُوهَا فكيف جعلها في قلوبهم وهم ابتدعوها؟ وقال: مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ.

لذلك فإن الأقرب -والله تعالى أعلم- أن الوقف تام عند قوله: وَرَحْمَةً، أي الذي جعله الله شيئين: رأفة ورحمة، ثم يبدأ الكلام من جديد: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فهم الذين ابتدعوها وأنشئوها واخترعوها من قبل أنفسهم، لم يأمرهم بها نبيهم -عليه الصلاة والسلام، ولم يشرع الله ذلك لهم، فهم فعلوا ذلك طلباً لمرضاة الله ، ومن رعاها حق رعايتها أثابه الله -تبارك وتعالى، في هذه الشريعة –عندنا: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد[1]، فإذا سُكت عن تلك الرهبانية أو أقرت فإن هذه الشريعة الإسلامية ليس فيها رهبانية، ومن فعل ذلك -أعني ترهب- فقد ابتدع وخالف هدي النبي ﷺ، والأحاديث الواردة في هذا معلومة.

فالشاهد إذا قلنا بأن قوله: وَرَهْبَانِيَّةً تعتبر بداية جملة جديدة أنها لا تتعلق بقوله: وَجَعَلْنَا يعني ليست معمولاً لها ، جاءت منصوبة هنا: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا يمكن أن تكون منصوبة بالفعل الذي بعدها: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا فقدم المفعول به، ويمكن أن تكون منصوبة بفعل مقدر يدل عليه المذكور بعده: ابتدعوا وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا، فالشاهد أنها جملة مستأنفة جديدة، لم يجعلها الله أعني الرهبانية- في قلوبهم، وإنما هو شيء من عند أنفسهم.

بعض المفسرين يقول: فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا وقعوا في الإشراك بالله ، وهذا صحيح، وقعوا في التثليث وغيره، وأيضاً ما رعوا الرهبانية يعني هي معنى أخص فهي المبالغة في التعبد والانقطاع عن الناس من غلبة الرهبة من الله -تبارك وتعالى، فذهبوا في الفلوات وفي الأديرة، واعتزلوا الناس وبالغوا في العبادة، وانقطعوا لها، وتركوا عمل الدنيا تماماً، ومنهم من كان يعذب نفسه كما يذكر في أخبارهم، منهم من وقف في بئر مثلاً يقولون: أربعين سنة، لا يضطجع ولا ينام أربعين سنة، وأكثر من هذا لربما الواحد جلس هذه المدة لا يغتسل، ولا يقص الأظفار، ولا يميط عنه شعراً، وإنما بقوا كالوحوش يشتغلون في العبادة فقط ولا يلتفتون للجسد، ويأكلون بُلغة من الطعام، وأخبارهم في هذا كثيرة وعجيبة، وقد يكون في بعضها مبالغة لكن يبقى أن قدراً منها صحيح.

فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا خالفوا ما تقتضي هذه الرهبانية، ومن أوضح صور هذا أن هذه الأديرة صارت أوكاراً للفجور والفواحش، فالرهبان يزنون بالراهبات، وصارت أقبية هذه الأديرة موضعاً لإلقاء الأجنة أو المواليد، يلقونها في هذا المكان، فلما كُشف عن بعضها وجد هياكل يعني في هذه الأقبية هياكل عظمية أجساد متحللة لأطفال حديثي الولادة، وصار هذا المكان الذي أعد للتعبد والانقطاع عن الدنيا والانقطاع عن الناس وغلبة الرهبة لله صار مواضع للفواحش، وأشياء أخرى في غاية القبح من أخبارهم التي تطفو في هذا العصر على الفضائيات.

وقوله تعالى: إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فيه قولان:

أحدهما: أنهم قصدوا بذلك رضوان الله، قاله سعيد بن جبير، وقتادة.

والآخر: ما كتبنا عليهم ذلك إنما كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله.

وهذا بعيد، القول الثاني بعيد، إنما القول الأول هو الأقرب -والله تعالى أعلم- وهو المتبادر، مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ يعني مِن قِبَلهم، أنهم فعلوا ذلك طلباً لمرضاة الله .

قوله تعالى: فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا أي: فما قاموا بما التزموه حق القيام، وهذا ذم لهم من وجهين:

أحدهما: الابتداع في دين الله ما لم يأمر به الله.

والثاني: في عدم قيامهم بما التزموه مما زعموا أنه قربة يقربهم إلى الله .

كالذي ينذر مثلاً ثم بعد ذلك إذا حصل مطلوبه بدأ يسأل ما هو المخرج؟ نذر أن يصوم الإثنين والخميس طيلة حياته، ثم بعد ذلك بدأ يسأل كيف يتخلص من هذا؟ نذر أن يتصدق، نذر أن يحج أو نحو هذا، ثم بعد ذلك بدأ يبحث عن الطريق التي يخرج فيها من هذا النذر، وهكذا في كل أمر؛ ولذلك لا يحسن بالإنسان أن يلتزم شيئاً لله ولا للناس حتى يعرف المخرج منه قبل أن يدخل فيه، هل يستطيع أن يقوم بهذا أو لا يستطيع؟ فلا يلزم نفسه بعبادة لم يلزمه الله بها.

من الناس من ينذر أن يصوم يوماً ويفطر يوماً طالما هو حي، وبمجرد ما حصل له مطلوبه قال: هذا أمر كيف أستطيع أن أفعله؟ ومن الناس من ينذر أن يصوم أربعة أشهر، امرأة نذرت أن تصوم شهرين إذا تزوج زوجها، لكثرة ما كان يقلقها أنه سيتزوج، ولم يفعل، فقالت: تزوج، إن تزوجت فسأصوم شهرين، يعني شكراً لله، فتزوج فصامت، فلما كانت في أواخر الشهرين جاء من سفر ولم يصبر عنها فوقع عليها في النهار وهي صائمة، فأفسد صومها، ثم عاودت الصوم مرة ثانية، فلما قاربت الستين قدم مرة أخرى ثم بعد ذلك لم يصبر عنها فوقع عليها، فاتصلت تسأل تقول: الآن هل أصوم ثالثة أو ماذا أصنع أخشى أنه يجيء ويبطل صومي؟ قلت: ما شاء الله، عقوبة رادعة فعلاً، عاقبتِ بها نفسك، يتزوج عليك وتصومين شهرين ويبطلها، ثم شهرين آخرين ويبطلها، وقد تصومين العام كله، ما هذه العقول؟! ولذلك كره الشارع النذر.

كذلك فيما يلتزمه الإنسان للخلْق، كثير من الناس يضرب صدره ويقول: أنا أقوم بهذا الشيء، ثم بعد ذلك يدير ظهره ويتخلى عنه، هذا أمر ما يليق، لا تدخل في شيء إلا وتعرف هل تستطيع القيام به على الوجه الكامل المطلوب وإلا اعتذر من البداية؛ لأن هذا يزري بالإنسان غاية الإزراء، ويسقط من عين الناس، ربما أراد أن يتجمل بهذا أو استحى، ثم بعد ذلك يتخلى عنه، وأحب العمل إلى الله أدومه وإن قل [2].

روى ابن جرير وأبو عبد الرحمن النسائي -واللفظ له- عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- قال: كان ملوكٌ بعد عيسى بدلت التوراة والإنجيل، فكان منهم مؤمنون يقرءون التوراة والإنجيل، فقيل لملوكهم: ما نجد شيئًا أشد من شتمٍ يشتموناه هؤلاء، إنهم يقرءون: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [سورة المائدة:44]، هذه الآيات مع ما يعيبوننا به من أعمالنا في قراءتهم، فادعهم فليقرءوا كما نقرأ، وليؤمنوا كما آمنا، فدعاهم فجمعهم وعرض عليهم القتل أو يتركوا قراءة التوراة والإنجيل إلا ما بدلوا منها، فقالوا: ما تريدون إلى ذلك؟ دعونا، فقالت طائفة منهم: ابنوا لنا أسطوانة، ثم ارفعونا إليها، ثم أعطونا شيئًا نرفع به طعامنا وشرابنا فلا نرد عليكم.

وقالت طائفة: دعونا نسيح في الأرض ونهيم ونشرب كما يشرب الوحش، فإن قدرتم علينا في أرضكم فاقتلونا، وقالت طائفة: ابنوا لنا دورًا في الفيافي، ونحتفر الآبار ونحرث البقول فلا نرد عليكم ولا نمر بكم، وليس أحد من القبائل إلا له حميم فيهم، ففعلوا ذلك فأنزل الله تعالى: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا.

مثل هذا مما أخذ عن بني إسرائيل، والله أعلم.

وروى الإمام أحمد عن أنس بن مالك -رضي الله تعالى عنه- أن النبي ﷺ قال: لكل نبي رهبانية، ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله [3].

ورواه الحافظ أبو يعلى ولفظه: لكل أمة رهبانية، ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله[4].

هذا الحديث فيه ضعف، فيه رجل يقال له: زيد العَمِّي.

وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري -رضي الله تعالى عنه: "أن رجلاً جاءه فقال: أوصني، فقال: سألتَ عما سألتُ عنه رسول الله ﷺ من قبلك، أوصيك بتقوى الله، فإنه رأس كل شيء، وعليك بالجهاد فإنه رهبانية الإسلام، وعليك بذكر الله وتلاوة القرآن فإنه روحك في السماء وذكرك في الأرض"[5]، تفرد به أحمد، والله أعلم.

وهذا أيضاً فيه ضعف، فيه رجل يقال له: عقيل بن مدرك، لم يدرك أبا سعيد، وفيه رجل آخر أيضاً.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ۝ لِئَلا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [سورة الحديد:28، 29].

قد تقدم في رواية النسائي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه حمل هذه الآية على مؤمني أهل الكتاب، وأنهم يؤتون أجرهم مرتين كما في الآية التي في القصص، وكما في حديث الشعبي عن أبي بُرْدَة عن أبيه عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ: ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي فله أجران، وعبد مملوك أدى حق الله وحق مَوَاليه فله أجران، ورجل أدب أمته فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران[6]، أخرجاه في الصحيحين.

ووافق ابنَ عباس -رضي الله تعالى عنهما- على هذا التفسير الضحاكُ وعتبة بن أبي حكيم وغيرهما، وهو اختيار ابن جرير.

هذا هو القول الأول في الآية، وهو باعتبار أن هذا الخطاب متوجه لأهل الكتاب: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ باعتبار أنه كان يتحدث عن أهل الكتاب، فيقولون: ما زال الخطاب يتعلق بهم، فخاطبهم وقال لهم: إن آمنتم، يعني بالنبي ﷺ آتاكم أجركم مرتين، وجعلوا ذلك مفسراً بالآية التي في سورة القصص وبهذا الحديث.

والمقصود بالآية التي في سورة القصص هي قوله -تبارك وتعالى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ [سورة القصص:52] إلى أن قال الله : أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ [سورة القصص:54].

ومن أهل العلم من قال: إن هذه الآية في هذه الأمة؛ لأن الله قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فهو خطاب لأهل الإيمان، وهذا القرآن إنما خوطبت به هذه الأمة في الأصل، فيكون الخطاب متوجهاً إليهم، وهذا الذي رجحه الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله، ولعله الأقرب -والله تعالى أعلم.

فالذين يؤتون أجرهم مرتين إذا جمعت النصوص الواردة في هذا المعنى في هذا الحديث ذكر ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين، والحديث ليس فيه ما يدل على الحصر، إنما أخبر عن ثلاثة أصناف: الكتابي الذي آمن بنبيه وآمن بالنبي ﷺ، والعبد المملوك الذي أدى حق سيده وحق الله، ورجل أدب أمته فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها، فهؤلاء ثلاثة، ويمكن أن يزاد عليهم أيضاً نساء النبي ﷺ، قال الله : وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ [سورة الأحزاب:31]، وأيضاً هذه الأمة كما في الآية: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ [سورة القصص:52]، وهذه الآية محتملة في أهل الكتاب، والآية في سورة الحديد أيضا محتملة، فعلى أحد القولين يكون ذلك في عموم هذه الأمة، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء، وهذا من وجوه تفضيل هذه الأمة على الأمم التي قبلها.

وهذه الآية كقوله تعالى: يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [سورة الأنفال:29].

وقال سعيد بن عبد العزيز: سأل عمرُ بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- حَبْرًا من أحبار اليهود: كم أفضل ما ضُعف لكم حسنة؟

الآن لما أورد قول ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: وهذه الآية كقوله: يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً.

لكن: إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ليس فيها مضاعفة الأجر، لكن هذا يشعر بأن ابن كثير -رحمه الله- يميل إلى القول الثاني أنها في هذه الأمة.

وقال سعيد بن عبد العزيز: سأل عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- حَبْرًا من أحبار اليهود: كم أفضل ما ضعف لكم حسنة؟ قال: كفل ثلاثمائة وخمسين حسنة، قال: فحمد الله عمر على أنه أعطانا كفلين، ثم ذكر سعيد قول الله : يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ، قال سعيد: والكفلان في الجمعة مثل ذلك، رواه ابن جرير.

الكفل في قوله: يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ الحظ والنصيب، والله يقول: مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا [سورة النساء:85]، بعض الناس يقول: الكفل في السيئة والنصيب في الحسنة، وهذا غير صحيح، وهذه الآية تدل على أن الكفل يكون في الحسنة أيضاً، فالكفل هو مطلق الحظ والنصيب، بغض النظر عن أصله، فالعرب تقول لما يوضع على البعير مما يثبت معه الراكب ولا يسقط، تقول: إنه مأخوذ من هذا، فبغض النظر عن المادة التي أخذ منها، لكن هو الحظ والنصيب، يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ، والله أعلم.

ومما يؤيد هذا القول ما رواه الإمام أحمد عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ: مثلكم ومثل اليهود والنصارى كمثل رجل استعمل عمالاً فقال: من يعمل لي من صلاة الصبح إلى نصف النهار على قيراط قيراط؟ ألا فعملت اليهود، ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط؟ ألا فعملت النصارى، ثم قال: من يعمل لي من صلاة العصر إلى غروب الشمس على قيراطين قيراطين؟ ألا فأنتم الذي عملتم، فغضبت النصارى واليهود، وقالوا: نحن أكثر عملاً وأقل عطاء، قال: هل ظلمتكم من أجركم شيئاً؟ قالوا: لا، قال: فإنما هو فضلي أوتيه من أشاء[7]، وأخرجه البخاري.

وروى البخاري عن أبي موسى -رضي الله تعالى عنه- عن النبي ﷺ قال: مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استعمل قومًا يعملون له عملاً يومًا إلى الليل على أجر معلوم، فعملوا إلى نصف النهار فقالوا: لا حاجة لنا في أجرك الذي شرطت لنا، وما عملنا باطل، فقال لهم: لا تفعلوا، أكملوا بقية عملكم وخذوا أجركم كاملاً، فأبوا وتركُوا، واستأجر آخرين بعدهم فقال: أكملوا بقية يومكم ولكم الذي شرطت لهم من الأجر، فعملوا حتى إذا كان حين صلوا العصر قالوا: ما عملنا باطل، ولك الأجر الذي جعلت لنا فيه، فقال: أكملوا بقية عملكم فإن ما بقي من النهار شيء يسير، فأبوا، فاستأجر قومًا أن يعملوا له بقية يومهم، فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس، فاستكملوا أجرة الفريقين كليهما، فذلك مثلهم ومثل ما قبلوا من هذا النور[8]، انفرد به البخاري.

ولهذا قال تعالى: لِئَلا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ أي: ليتحققوا أنهم لا يقدرون على رَدّ ما أعطاه الله، ولا إعطاء ما منع الله، وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.

آخر تفسير سورة الحديد، ولله الحمد والمنة.

قوله: لِئَلا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ قال: أي: ليتحققوا أنهم لا يقدرون على رد ما أعطاه الله، ولا إعطاء ما منع الله، بهذا الاعتبار الذي مشى عليه الحافظ ابن كثير -رحمه الله- تكون "لا" هذه صلة، يعني: أنها زائدة إعراباً، جيء بها للتأكيد، فالمعنى: إذا حذفت "لا" لِئَلا يَعْلَمَ وأبقاها وأثبتها، لكن المعنى -والله أعلم- فيه تكلف.

  1. رواه البخاري، كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود، برقم (2697)، ومسلم، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور، برقم (1718).
  2. رواه البخاري، كتاب الرقاق، باب القصد والمداومة على العمل، برقم (6464)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضيلة العمل الدائم من قيام الليل وغيره، برقم (782)، وبرقم (2818)، في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب لن يدخل أحد الجنة بعمله بل برحمة الله تعالى.
  3. رواه أحمد في المسند، برقم (13807)، وقال محققوه: "إسناده ضعيف لضعف زيد العمي- وهو ابن الحَوَاري- وقد أُعِلّ بالإرسال، سفيان: هو الثوري، وأبو إياس: هو معاوية بن قُرة المُزَني".
  4. رواه البيهقي في شعب الإيمان، برقم (4227)، وأبو يعلى في مسنده، برقم (4204)، وقال محققه حسين سليم أسد: "إسناده ضعيف".
  5. رواه أحمد في المسند، برقم (11774)، وقال محققوه: "إسناده ضعيف، عقيل بن مدرك السلَمي لم يدرك أبا سعيد، والحجاج بن مروان الكلاعي لم نقع له على ترجمة في كتب الرجال إلا ما ذكره الحافظ ابن حجر في "التعجيل" ص87 نقلاً عن الحسيني في "الإكمال" ص88 من أنه ليس بمشهور، وبقية رجاله ثقات، حسين: هو ابن محمد بن بهرام المروذي، وإسماعيل بن عياش ثقة في روايته عن الشاميين".
  6. رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب فضل من أسلم من أهل الكتابين، برقم (3011)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ﷺ إلى جميع الناس ونسخ الملل بملة، برقم (154).
  7. رواه الإمام أحمد في المسند، برقم (4508)، وقال محققوه: "إسناده صحيح على شرط الشيخين".
  8. رواه البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب فضل القرآن على سائر الكلام، برقم (5021).

مواد ذات صلة