الإثنين 22 / ذو القعدة / 1441 - 13 / يوليو 2020
[1] قوله تعالى: {هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا} الآية:1
تاريخ النشر: ١١ / جمادى الآخرة / ١٤٣٥
التحميل: 4062
مرات الإستماع: 9323

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المفسر -رحمه الله:

تفسير سورة الإنسان، وهي مكية.

هذا القول قال به بعض السلف كمقاتل وعكرمة، وإذا ذكر مقاتل فالمقصود به مقاتل بن حيان وليس مقاتل بن سليمان، فعلى قول بعض السلف -مقاتل وعكرمة: إنها مكية، والجمهور على أنها مدنية جميعاً.

وبعضهم يقول: فيها مدني، بعضهم يقول: آية واحدة وهي قوله: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا [سورة الإنسان:24]، وبعضهم يقول: لا، هذه الآية فما بعدها مكي، ونحكم على السورة بأنها مكية أو مدنية إذا وجد فيها المكي والمدني، وكثير من أهل العلم يقولون: باعتبار صدر السورة، فصدر هذه السورة نازل بالمدينة.

والأصل أن السورة التي يقال: إنها نازلة في المدينة أن جميع الآيات التي فيها نزلت في المدنية، والعكس بالعكس إلا لدليل يجب الرجوع إليه، أمّا لمجرد ما يلوح من المعاني فهذا غير معتبر، فهذه السورة أكثر أهل العلم على أنها مدنية.

فمعرفة المكي والمدني يكون باعتبار الزمان، ما نزل قبل الهجرة فهو مكي وما نزل بعد الهجرة فهو مدني، وبعضهم يعتبر في ذلك المكان، لكن هذا المشهور، وهو الأضبط، والله أعلم.

قد تقدم في صحيح مسلم عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما: أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة الم ۝ تَنْزِيلُ السجدة، وهَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ.

بسم الله الرحمن الرحيم

هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ۝ إِنَّا خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ۝ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا [سورة الإنسان:1-3].

هذه السورة يقال لها: سورة الإنسان، وتتسمى أيضا بأولها يقال: سورة هَلْ أَتَى، أو هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ، ويقال لها: سورة الدهر، هذه الأسماء الثلاثة المشهورة، وبعضهم يزيد على هذا ويقول: سورة الأمشاج، وبعضهم يقول: سورة الأبرار، ولكن مثل هذا لا ينبغي، أي أن يسمي السورةَ المفسرُ من عند نفسه، إنما يرجع في ذلك إلى النبي ﷺ وما كان معروفاً في وقت التنزيل، فأسماء هذه السورة هي سورة: هَلْ أَتَى، أو هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ، وسورة الدهر، وسورة الإنسان.

وهذه السورة تتحدث عن الإنسان، وإن شئت أن تقول: ورحلته من بداية الخلق، قبل خلقه حينما كان عدماً، ثم حينما كان نطفة، وصار في هذه الأطوار، ثم بعد ذلك بين الله له طريق الحق وطريق الباطل، فاختار واحداً منها، ثم ما يصير إليه بعد ذلك في آخرته من النعيم أو العذاب، هذا خلاصة ما تحتويه هذه السورة، وإن وجد في ثناياها بعض ما يتعلق بقضية أخرى، لكن الغالب أن السورة تدور حول هذا المعنى، لكن فيها توجيه للنبي ﷺ بالصبر وذكر الله -تبارك وتعالى- والصلاة وما أشبه ذلك.

 يقول تعالى مخبرًا عن الإنسان أنه أوجده بعد أن لم يكن شيئًا يذكر لحقارته وضعفه، فقال تعالى: هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا.

العبارة التي ذكرها ابن كثير -رحمه الله: يقول تعالى مخبراً عن الإنسان، لكن هذه الآية مبدوءة بالاستفهام، ومعلوم أن الاستفهام ليس خبراً، فالكلام على قسمين: إنشاء وخبر، الإنشاء مثل الاستفهام، تقول: هل أتى زيد؟ لا يحتمل الصدق والكذب، إلا من وجه آخر، بمعنى أنه يسأل سؤال المتجاهل، لكن من حيث هو لا يقال للسائل: أنت تكذب، أو أنت صادق، أين زيد؟ تقول: في الدار، فهذا لا يحتمل الصدق والكذب، كذلك الأمر والنهي، تقول: أعطني قلماً، ما يقال للقائل: إنه يكذب، فهذا يسمونه إنشاء، والقسم الآخر الخبر.

فهنا هذه الآية مبدوءة بالاستفهام، فهي إنشاء، فقال ابن كثير -رحمه الله: يقول تعالى مخبراً عن الإنسان، باعتبار أن"هل" هنا بمعنى "قد"، فـ"هل" تأتي بمعنى الاستفهام وتأتي بمعنى "قد"، و"قد" لها معانٍ منها التحقيق، فإذا دخلت على الفعل الماضي أفادت التحقيق في الأصل، هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ أي: قد أتى على الإنسان حين من الدهر، فهي تقرر هذا الأمر وتخبر به، فهي خبر وليس المراد بها الاستفهام، قد أتى على الإنسان حين من الدهر، وهذا الذي عليه عامة المفسرين، وأهل المعاني، وأهل اللغة، أنها هنا بمعنى قد، وهو اختيار كبير المفسرين ابن جرير الطبري، وهو الذي مشى عليه عامة السلف.

وحتى النحاة الكبار أمثال سيبويه -رحمه الله- يقولون: إنها هنا بمعنى "قد"، قد أتى على الإنسان، وهذا يفهم من السياق، فإذا قلت لإنسان مثلاً تريد أن تقرره: هل أكرمتك؟ هل أحسنت إليك؟ فالمعنى: قد أكرمتك، قد أحسنت إليك، أنت لا تريد منه الجواب.

وبعض أهل العلم يقول: هي تقرير ولكن يبقى من الاستفهام ما يبقى للدلالة على هذا التقرير، هكذا يقول بعضهم، أجراها بهذا الاعتبار -والله تعالى أعلم، أي أنه استفهام تقريري.

ويقول: أوجده بعد أن لم يكن شيئاً يذكر لحقارته وضعفه، لم يكن شيئاً يذكر، الذكر يأتي بمعنيين:

- إما أن يكون يذكر أي باللسان، بمعنى أنه لا يذكره أحد.

- وإما أن يكون الذكر المقصود به أنه لم يكن شيئاً يذكر أي: لا قيمة له، تقول: هذا لا ذكر له، هذه أمور لا تذكر، حصلت أحداث قليلة لا تذكر، يعني لا شأن لها ولا أهمية، بمعنى أنه لا قيمة له، ولا اكتراث، لا يُكترث به ولا يُعبأ به.

فكلام ابن كثير هنا: لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا يعني: لم يكن شيئاً يذكر لحقارته، يحتمل أن يكون مقصده أنه لم يذكر أي لا يذكره أحد بلسانه، ويحتمل وهو الظاهر أنه قصد المعنى الآخر، وهو لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا أي: لا قيمة له، وهنا الله يقول: قد أتى على الإنسان حين من الدهر وقت لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا، بعض أهل العلم يقول: حينما كان منجدلاً بطينته.

والإنسان هو آدم ﷺ، وهو أصل الإنسان، يقولون: حينما كان منجدلاً بطينته، ويعتمدون على بعض الروايات الإسرائيلية أنه كان أربعين سنة حينما كان طيناً، ثم كان حَمأً أربعين سنة، ثم كان صلصالاً إلى آخره، حتى نفخ فيه الروح بعد مائة وعشرين سنة، هذه روايات إسرائيلية.

فالمقصود بغض النظر عن هذه المدد أنهم يقولون: الحين من الدهر الذي مضى على الإنسان حينما كان تراباً ثم حمأً ثم صار إلى طين ثم صار إلى صلصال كالفخار، وهذه الطينة متغيرة من حمأ مسنون، يقولون: في تلك الأثناء، بغض النظر عن المدة، وبعضهم يقول: حينما كان في رحم أمه، على القول بأنه لم يذكر أي: لا يُخبَر عنه؛ لأنه لا يعرف باسم، فحينما كان آدم ﷺ قبل الخلق، حينما كان طيناً فإنه لا يعرف، وكذلك الإنسان في بطن أمه لا يذكر، يقال: زيد وكذا لم يكن، فبعدما خرج إلى الدنيا صار الناس ينادونه باسمه، ويذكرونه ويتحدثون عنه، ويخبرون عنه، وما إلى ذلك، هذا إذا قلنا: إن لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا من الذكر باللسان، بالإخبار عنه.

وإذا قلنا: إن الذكر هنا بمعنى القيمة والشأن فهو حينما كان طيناً لا قيمة له، وكذلك الإنسان حينما يكون نطفة وعلقة ومضغة لا قيمة له، النطفة مِّن مَّاء مَّهِينٍ [سورة المرسلات:20]، فالله يخبر عن الإنسان أنه مضى عليه حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً، أي: قبل خلقه، قبل خلق جنس الآدميين كانوا في عالم العدم، لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا، وقبل خلق الإنسان المعين، يقول: أنت أيها المخلوق، أيها الإنسان المتكبر، لماذا تتكبر وقد كنت لا شيء؟! لم تكن شيئاً يذكر ثم صار حولك هالة، وصرت تعظم نفسك، وتريد من الناس أن يعظموك، وأن يقوموا لك في المجالس، وأن تخضع لك نفوسهم، وتذل رقابهم، لماذا هذا كله وأنت لم تكن شيئاً يُعبأ به أو يُكترث به أو يذكر؟!

لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا، حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ غير محدد، قبل أن يخلق الإنسان، وحينما كان نطفة، كل ذلك لم يكن شيئاً مذكوراً، ثم ابتدأ الله خلقه، وأنشأه وسواه حتى تحول من العدم إلى هذا الخلق السوي العجيب.

مواد ذات صلة