الخميس 05 / شوّال / 1441 - 28 / مايو 2020
[11] من قول الله تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ} الآية 15 إلى قوله تعالى: {وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} الآية 18
تاريخ النشر: ٢٩ / محرّم / ١٤٢٧
التحميل: 3028
مرات الإستماع: 2135

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المفسر -رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى:

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ ۝ يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [سورة المائدة:15-16].

يقول تعالى مخبرًا عن نفسه الكريمة أنه قد أرسل رسوله محمدًا ﷺ بالهدى ودين الحق إلى جميع أهل الأرض، عربهم وعجمهم، أميهم وكتابيهم، وأنه بعثه بالبينات والفرق بين الحق والباطل، فقال تعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ [سورة المائدة:15] أي يبيّن من بدلوه وحرفوه وأولوه وافتروا على الله فيه، ويسكت عن كثير مما غيروه ولا فائدة في بيانه.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فالمعنى الذي ذكره الحافظ ابن كثير في قوله -تبارك وتعالى: يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ [سورة المائدة:15] معنى قريب في تفسير هذه الآية، أي يبيّن لكم كثيرًا مما أخفيتم ويترك كثيرًا لا يبيّنه ولا يذكره؛ لأنه لا فائدة من ذلك، أو لأن ذكر البعض يغني عن ذكر غيره مما يكشف عن حقيقة ما وقعوا فيه من الكتمان والتحريف، كما قال الله -تبارك وتعالى: تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا [سورة الأنعام:91] فهو يكشف لهم بعض ما أخفوه ويترك البعض الآخر، وكشْف البعض يجلي الحقيقة التي ناموا عليها دهورًا متطاولة.

ويحتمل أن يكون المعنى أنه يبيّن لهم كثيرًا مما أخفوه ويترك كثيرًا فلا يطالبهم بمقتضاه والعمل به حتى يأمره الله بذلك، أي لا يلزمهم العمل بما في كتابهم حتى يأمره الله -تبارك وتعالى- بذلك، فيكون القدر الذي يبيّنه لهم هو مما أمره الله ببيانه ويسكت عن غيره، وعلى هذا القول لا يلزم أن يكون هذا المسكوت عنه مما لا ينبني عليه عمل أو لا يكون في ذكره فائدة، وإنما سكت عنه لأن الله لم يأمره بذلك، وهذا المعنى الثاني هو الذي اختاره كبير المفسرين ابن جرير -رحمه الله- وكلا المعنيين قريب، وليس هناك دليل يجب الوقوف عنده والقول بمقتضاه في حال هذا الكثير المسكوت عنه، هل سكت عنه لأنه لا ينبني على ذكره فائدة؟ أو لأن ذكر البعض يغني عن ذكر غيره؟ أو لأن الله لم يأمره بأخذهم بذلك وإلزامهم بمقتضاه؟ فكل ذلك محتمل والله أعلم.

وقد روى الحاكم في مستدركه عن ابن عباس -ا- قال: من كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب، قوله: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ [سورة المائدة:15] فكان الرجم مما أخفوه، ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه[1].

ثم أخبر تعالى عن القرآن العظيم الذي أنزله على نبيه الكريم فقال: قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ ۝ يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ [سورة المائدة:15-16] أي طرق النجاة والسلامة ومناهج الاستقامة.

يقول: قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ [سورة المائدة:15] يحتمل أن يكون النور والكتاب المبين شيئًا واحدًا ويكون ذلك من أوصاف القرآن، كما قال الله : وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا [سورة الشورى:52] فالله سمى كتابه نورًا وسماه روحًا كما قال سبحانه: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ [سورة الشورى:52] لأنه –جل وعلا- يضيء به ظلمات الجهل والكفر، وسماه روحًا لأنه تحيا به القلوب كما تكون الأبدان عامرة بالأرواح. 

وعلى كل حال يحتمل أن يكون هذا كله من الأوصاف العائدة إلى موصوف واحد، وهذا أمر لا إشكال فيه من ناحية اللغة؛ فإن الأوصاف تذكر للموصوف الواحد متتابعة بالعطف تارة ومن غير العطف تارة أخرى، يجمع ذلك قوله -تبارك وتعالى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ۝الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى [سورة الأعلى:1-2] هذا من غير عطف وهو كله لموصوف واحد، ثم قال: وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ۝ وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى [سورة الأعلى:3-4] فهذه أربعة أوصاف لموصوف واحد، وكذلك هنا النور والكتاب المبين يمكن أن يرجع ذلك جميعًا إلى القرآن.

ومن أهل العلم من يقول بالمغايرة بينهما، فالكتاب المبين بلا إشكال هو القرآن، والنور منهم من فسره بأنه النبي محمد ﷺ، ويحتمل أن يكون المراد به الإسلام، وهناك ملازمة لا تخفى بين الإسلام وبين الرسول -عليه الصلاة والسلام؛ لأنه هو الذي جاء بالإسلام وعليه نزل القرآن، فالمعاني متلازمة.

وابن جرير -رحمه الله- يرجح في هذه الآية: أن النور هنا هو النبي ﷺ، والكتاب هو القرآن، فقوله تعالى: قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ [سورة المائدة:15] أي نبي كريم وكتاب عظيم.

وقوله -تبارك وتعالى: يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ [سورة المائدة:16] يحتمل رجوع الضمير في قوله: يَهْدِي بِهِ إلى الكتاب؛ لأنه أقرب مذكور، وهذا اختيار ابن جرير -رحمه الله، ويحتمل أنه يرجع إليهما جميعًا، أي إلى النور والكتاب، وهذا باعتبار أن النور هو النبي ﷺ والكتاب هو القرآن.

يَهْدِي بِهِ اللّهُ يعني بما ذُكر، وأفرد الضمير هنا لوجود الملازمة بين الأمرين -بين النور وبين الكتاب- فإذا فسرنا النور بأنه الرسول -عليه الصلاة والسلام- فالكتاب قد نزل عليه، وإفراد الضمير له نظائر في القرآن، فالله قال: وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا [سورة الجمعة:11] فلم يقل: انفضوا إليهما، وقال عن طاعة الله وطاعة الرسول ﷺ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ [سورة الأنفال:20] فوحَّد الضمير؛ لأن طاعة الرسول ﷺ من طاعة الله، وهذا له نظائر وأنواع كثيرة في القرآن، يأتي لأغراض شتى كما يقال.

وإذا قلنا: إن النور والكتاب المبين من أوصاف القرآن -وهو قول له وجه قوي من النظر- فإن ذلك لا إشكال فيه حيث يكون المراد بقوله: يَهْدِي بِهِ اللّهُ [سورة المائدة:16] القرآن، فهو النور والكتاب المبين الذي أنزله على عبده ورسوله محمد ﷺ.

وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [سورة المائدة:16] أي: ينجيهم من المهالك، ويوضح لهم أبين المسالك، فيصرف عنهم المحذور، ويحصل لهم أحب الأمور، وينفي عنهم الضلالة، ويرشدهم إلى أقوم حالة.

لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ۝ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ [سورة المائدة:17-18].

يقول تعالى مخبرًا وحاكمًا بكفر النصارى في ادعائهم في المسيح ابن مريم وهو عبد من عباد الله وخلق من خلقه أنه هو الله -تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا.

ثم قال مخبرًا عن قدرته على الأشياء وكونها تحت قهره وسلطانه: قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا [سورة المائدة:17] أي: لو أراد ذلك فمن ذا الذي كان يمنعه منه أو من ذا الذي يقدر على صرفه عن ذلك.

كلام الحافظ ابن كثير هنا أن المعنى في قوله: فَمَن يَمْلِكُ أي فمن يقدر، وعبر غيره كابن جرير -رحمه الله- بقوله: فمن يطيق؛ لأن هذا اللفظة تدل على القُدرة، تقول: ملكت على فلان أمره، يعني أنك صرت قادرًا على قهره وتمكنت من ذلك، فالله هنا يقول: قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا [سورة المائدة:17] أي من يطيق ويقدر على منعه من ذلك لو أراده؟ وهذا الاستفهام مضمن معنى الإنكار، يعني لا أحد يقدر على الحيلولة بينه وبين ما أراد، وإذا كان الأمر كذلك فهو الإله الواحد المتصرف الرب المعبود الذي لا يشاركه في ملكه وتدبيره وتصرفه وإلهيته أحد من خلقه، فالمسيح -عليه الصلاة والسلام- لم يقدر أن يدفع عن أمه الموت، كما لا يطيق أن يدفع عن نفسه الأذى أيًّا كان، فالله هو الذي بيده تدبير الأمور لا يخرج شيء من ذلك عن قدرته وإرادته.

ثم قال: وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاء [سورة المائدة:17] أي جميع الموجدات ملكه وخلقه، وهو القادر على ما يشاء لا يُسأل عما يفعل بقدرته وسلطانه وعدله وعظمته، وهذا رد على النصارى -عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة.

ثم قال تعالى رادًا على اليهود والنصارى في كذبهم وافترائهم: وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [سورة المائدة:18] أي: نحن منتسبون إلى أنبيائه وهم بنوه، وله بهم عناية، وهو يحبنا، ونقلوا عن كتابهم: أن الله تعالى قال لعبده إسرائيل: أنت ابني بكري، فحملوا هذا على غير تأويله وحرفوه، وقد رد عليهم غير واحد ممن أسلم من عقلائهم، وقالوا: هذا يطلق عندهم على التشريف والإكرام، كما نقل النصارى عن كتابهم أن عيسى قال لهم: إني ذاهب إلى أبي وأبيكم، يعني ربي وربكم.

طبعًا هذا الكلام إنما يقال إذا ثبتت هذه العبارات فعلًا، وإلا فإن كتابهم محرف لا يوثق بشيء من هذا الكلام إطلاقًا، فقد يكون ذلك مما حرفوه وبدلوه، لكن لو فرض أنه صحيح فإنه يحمل على معهودهم في الخطاب، وعلماؤهم -ممن له عقل ودين وإنصاف وتوحيد- يقولون: إن ذلك معهود عندهم أنه يراد به التشريف، فحينما يقول لغيره: أنت ابني، فإنه يقصد به تقريبه وتشريفه وتكريمه وما أشبه ذلك، وهكذا حينما يقول: إني ذاهب إلى أبي، ولو لاحظنا العبارة نجد أنه قال: أبي وأبيكم، فهل هم أيضًا أبناء الله؟ فلماذا خصوا المسيح -عليه الصلاة والسلام؟ طبعًا هذا لو صحت العبارة فإنه يُرد عليهم من نفس الجملة، كما أنه لو صحت هذه العبارة أيضًا فإن النبي بمنزلة الأب في قومه، وهو وجه قوي بل هو أقوى ما فسر به قول لوط في قوله تعالى: هَؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ [سورة هود:78] فقوله: بَنَاتِي يعني بنات القبيلة، يقول: تزوجوا من البنات ودعوا هذه الفواحش.

والله يقول: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ [سورة الأحزاب:6] قراءة أبيّ، وقراءة ابن عباس (وهو أب لهم) (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم وأزواجه أمهاتهم) [سورة الأحزاب:6] وفي القراءة الأخرى: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم) وهذه قراءة غير متواترة لكن القراءة الآحادية إذا صح سندها يمكن الاحتجاج بها على الأقل في التفسير، فالنبي ﷺ بمنزلة الأب لقومه، وكل الأنبياء بالنسبة لقومهم كذلك.

والأبوة أبوتان كما هو معروف: أبوة ولادة أي أبوة نسب، وهذا لا يمكن أن يضاف إلى الله لأنه -جل وعلا- لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ [سورة الإخلاص:3]. 

والأبوة الثانية: هي أبوة التربية، وهو أحد المعاني الصحيحة في معنى لفظة الرب، فالرب هو المربي خلقه بالنعم الظاهرة والباطنة، وهذه التربية أشرف من النوع الأول، يعني أبوة التربية أعظم من أبوة الولادة؛ لأن أبوة الولادة أخرجتك إلى الدنيا، وأبوة التربية أخرجتك إلى السعادة الكبرى في الدنيا والآخرة، ومع ذلك فإننا حينما نعبر لا نطلق العبارات المجملة التي تحتمل ويفهم منها الناس معانيَ سيئة بحيث يأتي إنسان ويقول: أنا أقول: الله  أب لخلقه مثلًا، فإذا قال أحد هذا الكلام قلنا له: لا تتكلم بالكلام الموهم، خاصة أن هذه العبارات أصلًا لا نعلم ثبوتها، ولم ترد في الكتاب ولا في السنة، فلا يطلق ذلك على الله

لكن حينما نأتي ونرد على النصارى نقول مثل هذا الكلام الذي سبق في تقسيم الأبوة لكن لا نتبناه بحيث إننا نذكره ابتداء؛ لأننا لا نصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ، ولكل مقام مقال، فقد نحتاج إلى بعض الشيء في الرد مع أن ذلك لا يقال في حال الاختيار ابتداء، والله أعلم.

ومعلوم أنهم لم يدَّعوا لأنفسهم من البنوة ما ادعوها في عيسى وإنما أرادوا من ذلك معزتهم لديه، وحظوتهم عنده، ولهذا قالوا: نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [سورة المائدة:18] قال الله تعالى رادًا عليهم: قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم [سورة المائدة:18].

طبعًا هذه المقالة -أعني قولهم: نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ- صدرت من اليهود، ومن أهل العلم من تكلف في تفسيرها، فقال: إنهم قصدوا: نحن أتباع أبناء الله، فيكون ذلك منقسمًا على اليهود مثلًا والنصارى، فاليهود قالوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ [سورة التوبة:30] والنصارى قالوا:الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ [سورة التوبة:30]، فقولهم: نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ يعني نحن أتباع أبناء الله، ولكن القاعدة أن الكلام إذا دار بين التقدير وعدمه فالأصل عدم التقدير، ولذلك فإننا نقول: هذا القول قول مرجوح، وفيه تكلف ولا حاجة إليه، فهم أرادوا أن يشرِّفوا أنفسهم وأن يعظموها فافتروا على الله بأن لهم منزلة عنده ليست لأحد فقالوا: نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [سورة المائدة:18] وقالوا: نحن شعب الله المختار وما عدانا من الأمم فهم جونيم يعني الحمير التي خلقت من أجل أن يركبها اليهود، هذه هي عقيدة اليهود في نظرهم إلى الناس ممن سواهم، وقالوا: لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ [سورة آل عمران:75] أي خذ أموالهم وافعل بهم ما شئت.

قال الله تعالى رادًا عليهم: قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم [سورة المائدة:18] أي: إذا كنتم -كما تدعون- أبناءه وأحباءه فلم أعد لكم نار جهنم على كفركم وكذبكم وافترائكم؟

قد يقول القائل منهم مكابرة: ومن قال لكم هذا؟ فنحن لا نسلم لكم بهذه المقدمة أصلًا، فالله لن يعذبنا، أي إذا كان المقصود أنه سيعذبنا في المستقبل فنحن ننكر ذلك؛ لأننا شعب الله المختار وأبناء الله وأحباؤه.

وفي قول الله تعالى: فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم يحتمل أن يكون هذا مما يقع عليهم من العقوبات في الدنيا، كما مسخ بعضهم قردة كما قال تعالى: قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ [سورة الأعراف:166] وما ينزل بهم من ألوان العقوبات كما قال تعالى: فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ [سورة البقرة:55]، وحكم عليهم بالتيه كما قال تعالى: قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ [سورة المائدة:26] فهذا كله من تعذيبهم بذنوبهم، فلو كانوا كما قالوا لما عذبهم.

ويمكن أن يكون قوله: فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم من باب الإلزام بالنوع، المعروف عند الأصوليين أو عند علماء الجدل بالخلف، ينقض عليهم حجتهم باعتبار أنهم قالوا: نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [سورة المائدة:18] وقالوا أيضًا: لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً [سورة البقرة:80] وهذه الأيام المعدودة كما قالوا: هي بقدر عبادتهم للعجل، قالوا: عبدنا العجل أربعين يومًا –أي حينما ذهب موسى إلى ميقات ربه- فسيعذبنا بقدر ذلك ثم نخرج من النار، فنحن لن ندخل النار إلا هذه المدة، فالإلزام هنا هو إذا كنتم أبناء الله وأحباؤه فلماذا يعذبكم هذا القدر الذي أقررتم به، أي أربعين يومًا؟ وهذا الذي مشى عليه ابن جرير -رحمه الله.

فالاحتمالات ثلاثة: الأول: فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم أي لماذا يعذبكم كما يعذب سائر الخلق بالنار التي تنتظركم؟ وهذا القول قد يقول القائل منهم فيه: ومن قال لكم هذا أصلًا فنحن لا نسلم به؟

الثاني: أن هذه العقوبات التي تنزل بكم في الدنيا هي من جملة عذاب الله ، فلماذا يقع بكم هذا وأنتم أبناؤه وأحباؤه؟

الثالث: أن يقال: أنتم سلمتم أنكم تعذبون مدة من الزمان، كما في الآية أَيَّامًا مَّعْدُودَةً [سورة البقرة:80] فإذًا لماذا يقع لكم مثل هذا وأنتم أبناء الله وأحباؤه، والمحب لا يعذب حبيبه؟

قوله: بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ [سورة المائدة:18] هنا قاعدة معروفة، وهذا مثال عليها، وهي أن ما ذكره الله  حكاية عن قول القائلين في القرآن، إن كان باطلًا فإنه يذكر قبله أو بعده أو معه ما يشعر ببطلانه ورده، فنعرف أنه باطل، فهناك قالوا: لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً [سورة البقرة:80] فردَّ عليهم: قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ [سورة البقرة:80] وهنا قالوا: نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ فرد عليهم بقوله: قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم [سورة المائدة:18]

وهكذا في كثير من أقوالهم وأقوال غيرهم، ولا يكاد يخرج من هذه القاعدة إلا القليل أو النادر، كما في آية الكهف: قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا [سورة الكهف:21] فهذا لا يمكن أن يكون من قول أهل الإيمان؛ لأن الأنبياء جميعًا جاءوا بالحرب على الشرك وصوره ومن ذلك بناء القباب والمشاهد على القبور، والنبي ﷺ يقول: لعن الله اليهود النصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد[2]، فما يمكن أن يكون أهل التوحيد والإيمان هم الذين غلبوا على أمرهم، وإنما هذه مقولة مشركين وثنيين عباد قبور.

فالمقصود أن في قوله: قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا [سورة الكهف:21] لم يذكر شيئًا يردها أو ينقضها أو يشعر بردها، فيحتج بها عباد القبور، يقولون: عبادة القبور ما فيها شيء، فهؤلاء قالوا: لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا وما رد عليهم القرآن، والجواب عن هذه الشبهة أن يقال: إن كل قاعدة لها استثناءات، لكن يكفي في القاعدة أن تلم بأكثر الجزئيات، وإلا فالقاعدة ليست نصًا منزلًا، فهي من كلام أهل العلم حيث استقرءوا أكثر الجزئيات وجعلوا عليها قاعدة.

بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ [سورة المائدة:18] أي لكم أسوة أمثالكم من بني آدم وهو سبحانه الحاكم في جميع عباده، يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء [سورة المائدة:18] أي: هو فعال لما يريد لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [سورة الرعد:41].

وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا [سورة المائدة:18] أي: الجميع ملكه وتحت قهره وسلطانه، وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ [سورة المائدة:18] أي: المرجع والمآب إليه، فيحكم في عباده بما يشاء وهو العادل الذي لا يجور.

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [سورة المائدة:19].

يقول تعالى مخاطبًا أهل الكتاب من اليهود والنصارى بأنه قد أرسل إليهم رسوله محمدًا ﷺ خاتم النبيين الذي لا نبي بعده ولا رسول، بل هو المعقب لجميعهم، ولهذا قال: عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أي: بعد مدة متطاولة ما بين إرساله وعيسى ابن مريم عليهما السلام.

قوله: عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ الفترة: تأتي بمعنى السكون، وتأتي بمعنى الانقطاع، وتفسير الآية هنا بالانقطاع أقرب، ويعني: على انقطاع من الرسل -عليهم الصلاة والسلام- فهذه المدة الطويلة ما بُعث فيها نبي قبل الرسول -عليه الصلاة والسلام- إطلاقًا، وكل ما جاء في ذلك من الأخبار في بعض كتب التورايخ، أو من بعض ما يوجد مما ينقل عن بني إسرائيل من كلام علمائهم وما أشبه ذلك، كله لا أصل ولا يثبت منه شيء، ولا يبنى عليه حكم، كما يقولون: إنه بعث حنظلة بن صفوان، وهو نبي أهل الرس، وبعضهم يقول: خالد بن سنان، ويذكرون له أخبارًا وما أشبه هذا، ويقولون: إنه بين عيسى وبين محمد ﷺ، أو ما جاء عن بعض السلف من أن المدة التي كانت بين عيسى ومحمد ﷺ بعث في صدرها نبي، ثم بعد ذلك انقطع بعث الأنبياء نحو أربعمائة سنة فهذا لا يثبت؛ لأن عيسى ﷺ قال: وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [سورة الصف:6] إلى غير ذلك من الأدلة التي تدل على أنه لم يكن بين عيسى -عليه الصلاة والسلام- وبين محمد ﷺ نبي، ومن ذلك هذه الآية: عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ [سورة المائدة:19].

وأصحاب الرسل لم يكونوا بعد عيسى -عليه الصلاة والسلام- بل السياق الذي ذكرهم الله فيه كان مع ثمود، وهذه الأمم أهلكها الله ودمرها كما قال تعالى: وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا [سورة الفرقان:38] والرس: يفسر بأنه بئر، وأصحاب الرس يعني أصحاب البئر، قيل: إنهم ألقوا نبيهم في البئر، فقيل لهم: أصحاب الرس، وقيل غير هذا، وعلى كل حال الله أعلم بهم، لكن لم يكن بين النبي -عليه الصلاة والسلام- وبين عيسى –عليه الصلاة والسلام- رسول، وما يوجد في كتب التواريخ القديمة والحديثة لا يثبت منه شيء، فهذا أصل نبقى عليه.

وقد اختلفوا في مقدار هذه الفترة كم هي، فقال أبو عثمان النهدي وقتادة في رواية عنه: كانت ستمائة سنة، ورواه البخاري عن سلمان الفارسي وعن قتادة خمسمائة وستون سنة، وقال معمر عن بعض أصحابه: خمسمائة وأربعون سنة، ومنهم من يقول: ستمائة وعشرون سنة، ولا منافاة بينهما، فإن القائل الأول أراد ستمائة سنة شمسية، والآخر أراد قمرية.

على كل حال الله تعالى أعلم لكنها فعلًا تبلغ مئات السنين، والمشهور أنها تقرب من الستمائة سنة قد تزيد وقد تنقص بعض الشيء، لكن القول بأنها أربعمائة وثلاثون سنة بعيد، فالمدة التي كانت بين النبي ﷺ وبين عيسى -عليه الصلاة والسلام- بنحو من ستمائة سنة، بينما المدة التي بين عيسى -عليه الصلاة والسلام- وبين موسى أطول بكثير، فبعض المؤرخين يوصلها إلى ألف وتسعمائة سنة تقريبًا، وقد لا تبلغ هذا. 

ومرة حاولت أن أجمع كلام المؤرخين على أطول تقدير ذكر، فجمعت المدة من آدم إلى يومنا هذا فوجدت أن قول المؤرخين حينما يجدون جثة إنسان أو نحوه: هذه من ملايين السنين، أو من يوم كان الإنسان في العصر الحجري أو البورنزي، ويأتي آخرون فيقولون: هذا الأمر من عشرة ملايين وخمسمائة وإحدي وثلاثين سنة، وجدت أن هذا كله كذب ودجل، فالمسألة كلها بالآلاف ولا تصل إلى المليون ولا تقارب المليون أصلًا، فكل ما يقولونه كذب، ولا يوجد شيء اسمه عصر بورنزي ولا شيء اسمه عصر حجري، ولا يوجد إنسان بدائي كما يصورونه على شكل قرد أو غيره، وإنما هو آدم أنزله الله من الجنة في قمة التحضر وعلى أكمل هيئة وعلمه أسماء كل شيء وأسجد له الملائكة وجعله نبيًا، فلا يوجد شيء اسمه إنسان بدائي ولا غير ذلك، لكن المشكلة أن هذه الأشياء تنقل عن قوم جهلة لا يعرفون الله ، ويتخرصون ويتقولون ما لا صحة له، والأعجب من ذلك أن يأتي من المسلمين من يصدق هذه المعلومات وهي خزعبلات وكذب وكفر ودجل، والله المستعان

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

  1. أخرجه الحاكم في مستدركه (8069) (ج 4 / ص 400) وقال صحيح الإسناد.
  2. أخرجه البخاري في كتاب الجنائز - باب ما جاء في قبر النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ا (1324) (ج 1 / ص 1324) ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب النهى عن بناء المساجد على القبور واتخاذ الصور فيها والنهى عن اتخاذ القبور مساجد (529) (ج 1 / ص 376).

مواد ذات صلة