الخميس 16 / شعبان / 1441 - 09 / أبريل 2020
[2] من قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ} الآية:16 إلى قوله تعالى: َ{وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ} الآية:28
تاريخ النشر: ٠٨ / جمادى الآخرة / ١٤٣٤
التحميل: 7092
مرات الإستماع: 3756

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فاللهم اغفر لنا ولشيخنا ولوالدينا وللمستمعين وللمسلمين أجمعين.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ۝ اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ ۝ يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ [سورة الشورى:16-18].

يقول تعالى متوعداً الذين يصدون عن سبيل الله من آمن به: وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ أي: يجادلون المؤمنين المستجيبين لله ولرسوله، ليصدوهم عما سلكوه من طريق الهدى: حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ أي: باطلة عند الله وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ أي: منه وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ أي: يوم القيامة.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -تبارك وتعالى: وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ ذكر بعضهم: أن المراد بهذا قوم توهموا أو كانوا يرجون أن تعود الجاهلية.

وذكر بعضهم: أن المراد بذلك هم اليهود والنصارى.

والأقرب حمل ذلك على العموم، يعني كل من كان بهذه المثابة، كل من كان بهذه الصفة: وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ بعدما ظهرت أعلام الحق، واتضح، قال: لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ فهؤلاء الذين يحاجون بعد أن استبان السبيل، وقامت الحجة، واتضحت المحجة، هؤلاء مكابرون مبطلون، عليهم غضب من الله.

يقول: حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ سماها حجة باعتبار أنهم يزعمون أنها حجة، وإلا فهي ليست بحجة، فخرج الخطاب في هذا مراعى فيه حال أو نظر المخاطب.

حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ قال: أي: باطلة عند ربهم.

الدحض أو الإدحاض هو الإزلاق، وتقول: هذا دحض مزلَّة، يعني موضعًا أو مكانًا لا تثبت فيه الأقدام.

فهذا بمعنى: أنه لا ثبات لها، حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ يعني لا ثبات لها، كالشيء الذي يزول عن موضعه، ولا يثبت، ولا بقاء له، فهو بمعنى الباطل.

حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ قال: أي: باطلة عند ربهم.

الدحض أو الإدحاض هو الإزلاق، وتقول: هذا دحض مزلَّة، يعني موضعًا أو مكانًا لا تثبت فيه الأقدام. فهذا بمعنى: أنه لا ثبات لها، حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ يعني لا ثبات لها، كالشيء الذي يزول عن موضعه، ولا يثبت، ولا بقاء له، فهو بمعنى الباطل.

قال ابن عباس ومجاهد: جادَلوا المؤمنين بعدما استجابوا لله ولرسوله، ليصدوهم عن الهدى، وطمعوا أن تعود الجاهلية.

وقال قتادة: هم اليهود والنصارى، قالوا لهم: ديننا خير من دينكم، ونبينا قبل نبيكم، ونحن خير منكم، وأولى بالله منكم. وقد كذبوا في ذلك.

طمعوا أن تعود الجاهلية، هذا القول الأول الذي ذكرته.

وهنا: وقال قتادة: هم اليهود والنصارى، قالوا: لهم ديننا .. إلى آخره.

هذه أشياء وردت على أنها من قبيل أسباب النزول، ولكن لا يصح شيء من ذلك.

ثم قال: اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ يعني: الكتب المنزلة من عنده على أنبيائه وَالْمِيزَانَ وهو: العدل والإنصاف، قاله مجاهد، وقتادة، وهذه كقوله تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [سورة الحديد:25].

وقوله: وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ۝ أَلا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ ۝ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ [سورة الرحمن:7- 9].

قوله هنا: اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ الكتاب هنا يحتمل: أن يكون القرآن، فتكون "أل" هذه عهدية.

ويحتمل: أن يكون المراد جنس الكتب، وهذا هو الأقرب.

اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وهذا الذي مشى عليه ابن كثير -رحمه الله، الكتب المنزلة من عنده، وأما الميزان فقال: وهو العدل والإنصاف، قاله مجاهد وقتادة.

يقول: وهذا كقوله: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [سورة الحديد:25].

وقوله: وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ۝ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ، فهذا قول الجمهور: أن المراد بالميزان: العدل.

وبعضهم فسره: بآلته، الآلة التي يوزن بها.

وبين القولين ملازمة، والشنقيطي -رحمه الله- فرق بين هذه الآية مع آية الحديد: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ [سورة الحديد:25]، وبين آية الرحمن وَوَضَعَ الْمِيزَانَ.

ففرّق بين إنزال الميزان كما في آية الشورى وآية الحديد، وبين وَوَضَعَ الْمِيزَانَ كما في آية الرحمن.

ففسر الآيتين: آية الشورى وآية الحديد بالعدل.

وفسر آية الرحمن ووضع الميزان: أنه الميزان المعروف الذي يوزن به.

وقول الجمهور: إن المقصود به العدل والإنصاف.

وبعضهم يقول: ما في الكتب المنزلة مما يجب العمل به، وهذا ميزان، وهو عدل وإنصاف.

وبعضهم يقول: المقصود بذلك الجزاء على الطاعة والثواب، وعلى المعصية بالعقاب، وأن ذلك يعني أنه بالعدل، يعني كونه يثاب المطيع، ويعاقب العاصي أن هذا من العدل والإنصاف.

المشهور الذي عليه الجمهور: أن المراد: العدل.

لكن يرد سؤال، وهو أن قوله -تبارك وتعالى: اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ فهذه الكتب مشتملة على العدل والميزان والعدل، فهل هذا من قبيل التكرار على هذا التفسير؟

يعني هذه الكتب متضمنة للحق والعدل في كل شيء، يعني التوحيد عدل، وسائر ما أنزله الله -تبارك وتعالى، وبه قامت السموات والأرض، فهل يقال: إن هذا التفسير -يعني أن الميزان هو العدل- تكرار مع ما قبله؟

فرق بعض أهل العلم بينهما، وقالوا: إن الكتب نازلة بالعدل بالحق، ومتضمنة للعدل، ولكن الميزان أعم مما جاء في الكتب من العدل، فهذا العدل قد يكون مما جاء في الكتاب، وقد يكون مما يلحق به بالقياس، وقد يكون بغير ذلك، فهو أعم مما نزل في الكتب من العدل.

وهناك كلام للشنقيطي في "الأضواء" نذكره ملخصاً:

قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ بين -جل وعلا- في هذه الآية الكريمة أنه هو الذي أنزل الكتاب في حال كونه متلبسًا بالحق الذي هو ضد الباطل.

وقوله: الْكِتَابَ اسم جنس مراد به جميع الكتب السماوية.

يعني "الباء" للملابسة بالحق، متلبسًا بالحق.

وقد أوضحنا في سورة الحج: أن المفرد الذي هو اسم جنس يطلق مرادًا به الجمع، يعني هنا يقول: الكتاب يعني الكتب.

وذكرنا الآيات الدالة على ذلك.

وقوله تعالى: في هذه الآية: وَالْمِيزَانَ يعني أن الله -جل وعلا- هو الذي أنزل الميزان، والمراد به العدل والإنصاف.

وقال بعض أهل العلم: الميزان في الآية هو آلة الوزن المعروفة، ومما يؤيد ذلك: أن الميزان مِفْعال، والمفعال قياسي في اسم الآلة.

وعلى التفسير الأول، وهو أن الميزان العدل والإنصاف، فالميزان الذي هو آلة الوزن المعروفة داخل فيه؛ لأن إقامة الوزن بالقسط من العدل والإنصاف -يعني بينهما ملازمة.

وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الله تعالى هو الذي أنزل الكتاب والميزان أوضحه في غير هذه الموضع، كقوله تعالى في سورة الحديد: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [سورة الحديد:25].

فصرح تعالى بأنه أنزل مع رسله الكتاب والميزان لأجل أن يقوم الناس بالقسط، وهو العدل والإنصاف، وكقوله تعالى في سورة الرحمن: وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ۝ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ ۝ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ [سورة الرحمن:7-9].

قال مقيده -عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي -والله تعالى أعلم- أن الميزان في سورة الشورى وسورة الحديد هو العدل والإنصاف، كما قاله غير واحد من المفسرين.

وأن الميزان في سورة الرحمن هو الميزان المعروف، أعني آلة الوزن التي يوزن بها بعض المبيعات.

ومما يدل على ذلك: أنه في سورة الشورى وسورة الحديد عبر بإنزال الميزان لا بوضعه.

وقال في سورة الشورى: اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ، وقال في الحديد: وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ [سورة الحديد:25].

وأما في سورة الرحمن فقد عبر بالوضع لا الإنزال، قال: وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ [سورة الرحمن:7] ثم أتبع ذلك بما يدل على أن المراد به آلة الوزن المعروفة، وذلك في قوله: وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ [سورة الرحمن:9] لأن الميزان الذي نهوا عن إخساره هو أخو المكيال، كما قال تعالى: أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ ۝ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ۝ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ [سورة الشعراء:181-183].

وقال تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ۝ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ۝ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ [سورة المطففين:1-3]، وقال تعالى عن نبيه شعيب: وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ [سورة هود:84] الآية، وقال تعالى عنه أيضًا: قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ [سورة الأعراف:85] الآية، وقال في سورة الأنعام: وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا [سورة الأنعام:152].

وقال في سورة بني إسرائيل: وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً [سورة الإسراء:35].

فإن قيل: قد اخترتم أن المراد بالميزان في سورة الشورى وسورة الحديد هو العدل والإنصاف، وأن المراد بالميزان في سورة الرحمن هو آلة الوزن المعروفة، وذكرتم نظائر ذلك من الآيات القرآنية، وعلى هذا الذي اخترتم يُشكل الفرق بين الكتاب والميزان أن الكتب السماوية كلها عدل وإنصاف؟ السؤال الذي أوردتُه، فالجواب من وجهين:

الأول منهما: هو ما قدمنا مرارًا من أن الشيء الواحد إذا عبر عنه بصفتين مختلفتين جاز عطفه على نفسه تنزيلاً للتغاير بين الصفات منزلة التغاير في الذوات.

ومن أمثلة ذلك في القرآن: قوله تعالى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ۝ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ۝ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ۝ وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى [سورة الأعلى:1- 4]، يعني أن ذلك يرجع إلى شيء واحد.

فالموصوف واحد، والصفات مختلفة، وقد ساغ العطف لتغاير الصفات، ونظير ذلك من كلام العرب قول الشاعر:

إلَى المَلِكِ القَرْمِ وَابْنِ الهُمَامِ وَلَيْث الكَتِيبَةِ فِي المُزْدَحَمْ

وأما الوجه الثاني: فهو ما أشار إليه العلامة ابن القيم -رحمه الله- في إعلام الموقعين: من المغايرة في الجملة بين الكتاب والميزان، وإيضاح ذلك أن المراد بالكتاب هو العدل والإنصاف المصرح به في الكتب السماوية.

وأما الميزان فيصدق بالعدل والإنصاف الذي هو مصرح في الكتب السماوية، ولكنه معلوم مما صرح به فيها، فالتأفيف في قوله تعالى: فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ [سورة الإسراء:23] من الكتاب، لأنه مصرح به في الكتاب، ومنع ضرب الوالدين مثلاً المدلول عنه بالنهي عن التأفيف من الميزان، أي من العدل والإنصاف الذي أنزله الله مع رسله، وقبول شهادة العدلين في الرجعة والطلاق المنصوص في قوله تعالى: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ [سورة الطلاق:2] من الكتاب الذي أنزله الله؛ لأنه مصرح به فيه، وقبول شهادة أربعة عدول في ذلك من الميزان الذي أنزله مع رسله، وتحريم أكل مال اليتيم المذكور في قوله: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا [سورة النساء:10] الآية من الكتاب، يعني مثل مفهوم الموافقة، وتحريم إغراق مال اليتيم وإحراقه المعروف من ذلك من الميزان الذي أنزله الله مع رسله[1].

يقصد ما نطق به الكتاب هذا من العدل الذي جاءت به الكتب، وما يفهم من ذلك، أو يلحق به، أو يضاف إليه بالقياس، أو نحو هذا أن هذا من الميزان.

وقوله: وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ فيه ترغيب فيها، وترهيب منها، وتزهيد في الدنيا.

وقوله: يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا أي: يقولون: مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [سورة سبأ:29]، وإنما يقولون ذلك تكذيباً واستبعاداً، وكفراً وعناداً.

وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا أي: خائفون وجِلون من وقوعها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أي: كائنة لا محالة، فهم مستعدون لها عاملون من أجلها.

وقد رُوي من طرق تبلغ درجة التواتر في الصحاح والحسان، والسنن والمسانيد وفي بعض ألفاظه: أن رجلا سأل رسول الله ﷺ بصوت جهوريّ وهو في بعض أسفاره، فناداه، فقال: يا محمد، فقال له النبي ﷺ نحوًا من صوته: هاؤم فقال له: متى الساعة؟ فقال له رسول الله ﷺ: ويحك، إنها كائنة، فما أعددت لها؟ فقال: حُب الله ورسوله، فقال: أنت مع من أحببت[2].

فقوله في الحديث: المرء مع من أحب[3] هذا متواتر لا محالة، والغرض أنه لم يجبه عن وقت الساعة، بل أمره بالاستعداد لها.

وقوله: أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ أي: يجادلون في وجودها ويدفعون وقوعها: لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ أي: في جهل بيّن؛ لأن الذي خلق السموات والأرض قادر على إحياء الموتى بطريق الأولى والأحرى، كما قال: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [سورة الروم:27].

اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ۝ مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ۝ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝ تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ [سورة الشورى:19-22].

يقول تعالى مخبراً عن لطفه بخلقه في رزقه إياهم عن آخرهم، لا ينسى أحدًا منهم، سواء في رزقه البَرّ والفاجر.

مضى الكلام في أسماء الله الحسنى على اللطيف، وأن من معاني اللطيف: أن ذلك من اللطف، وهو إيصال الإحسان إلى عباده.

وبعضهم يقول: بطرق خفية.

واللطف يأتي بمعنى: إيصال الإحسان، ويأتي بمعنى: العلم بدقائق الأشياء، دقائق الأمور.

فهنا: اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاء يعني يحسن إليهم، ويوصل إليهم أنواع البر والمعروف.

كقوله تعالى: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [سورة هود:6] ولها نظائر كثيرة.

وقوله: يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ أي: يوسع على من يشاء.

وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ أي: لا يعجزه شيء.

ثم قال: مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ أي: عمل الآخرة.

نزدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ أي: نقويه ونعينه على ما هو بصدده، ونكثر نماءه، ونجزيه بالحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى ما يشاء الله.

يُرِيدُ حرث الآخرة يعني عمل الآخرة.

أصل الحرث هو الكسب، أصله بمعنى الكسب، وأصل ذلك إلقاء البذر في الأرض، فهذا أطلق على ثمرات الأعمال، وفوائدها، وما ينتج عنها.

مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ باعتبار هذا يعني عمل الآخرة، يعني الثواب، فتجد المفسرين يفسرون الحرث بالعمل، وفي ثنايا كلامهم يذكرون الثواب.

فالمقصود به نتيجة العمل حَرْثَ الْآخِرَةِ.

إن قلت: عمل الآخرة يعني الذي يرجون به ثوابها، فهذا أصله، صار يطلق على ثمرة العمل، يعني من كان يريد بأعماله ثواب الآخرة لا يريد الدنيا: نزدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ هنا يقول: نقويه ونعينه على ما هو بصدده، ونكثر نماءه ونجزيه بالحسنة عشر أمثالها، يعني هنا: نزدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ نقويه ونعينه، هذا قول: نزدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ يعني نقويه، ونجزيه بالحسنة عشر أمثالها، فبعض أهل العلم يقولون: نزدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ يعني نزد له في توفيقه وإعانته، وتسهيل سبل الخير له، يعني يعان في هذا العمل: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ [سورة محمد:17].

وبعضهم يقول: نزدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ يعني ثواب الأعمال.

فهذان قولان، فتأمل عبارة ابن كثير -رحمه الله- كيف جاءت، وكيف جمع بين القولين قال: أي: نقويه، ونعينه على ما هو بصدده، ونكثر نماءه، ونجزيه بالحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف.

جمع بين القولين: نزدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ يعني يُعان، وتُفتح له آفاق وسبل الخير، ويضاعف له في الجزاء والثواب.

وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ أي: ومن كان إنما سعيه ليحصل له شيء من الدنيا، وليس له إلى الآخرة همَّة ألبته بالكلية، حَرَمه الله الآخرة، والدنيا إن شاء أعطاه منها، وإن لم يشأ لم يحصل له لا هذه، ولا هذه، وفاز هذا الساعي بهذه النية بالصفقة الخاسرة في الدنيا والآخرة.

والدليل على هذا أن هذه الآية هاهنا مقيدة بالآية التي في "سبحان" وهي قوله تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا ۝ وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ۝ كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ۝ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلا [سورة الإسراء:18-21].

يعني عندنا أربع آيات، ثلاث مطلقة، وواحدة مقيدة، فهنا في الشورى: وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا، وفي آية هود: مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ [سورة هود:15] الآية.

وفي آية آل عمران: وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا [سورة آل عمران:145]، وهنا هذه الآية الرابعة في سورة الإسراء: مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ [سورة الإسراء:18] فقيدها بقيدين، قيْد في المُعطَى، وقيْد في العطاء، يعني فيمن يُعطَون، وفي العطاء: عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء من العطاء: لِمَن نُّرِيدُ من الناس، فما كل من أراد الدنيا أعطي منها ما أراد، وحصل له مطلوبه.

وروى الثوري عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: بشِّرْ هذه الأمة بالسَّنَاء والرفعة، والنصر والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب[4].

وقوله: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ أي: هم لا يتبعون ما شرع الله لك من الدين القويم، بل يتبعون ما شرع لهم شياطينهم من الجن والإنس، من تحريم ما حرموا عليهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وتحليل أكل الميتة والدم والقمار، إلى نحو ذلك من الضلالات والجهالة الباطلة، التي كانوا قد اخترعوها في جاهليتهم، من التحليل والتحريم، والعبادات الباطلة، والأقوال الفاسدة.

يعني بمعنى أن قوله: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ شرعوا لهم الضمير يرجع إلى المشركين، يعني الشركاء شرعوا للمشركين، هذا الذي عليه عامة المفسرين، خلافًا لمن قال: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ أن المشركين هم الذين شرعوا، يعني اخترعوا عبادات لهؤلاء المعبودين، فحللوا أشياء من عند أنفسهم، وحرموا أشياء، وتقربوا إلى هؤلاء الطواغيت والأوثان، والمعبودات الباطلة، لكن الأول هو الأرجح، وهو الذي عليه عامة المفسرين، يعني يرجع الضمير إلى المشركين: شَرَعُوا يعني أن الآلهة هذه، أو الشركاء شرعت للمشركين أشياء فحللت وحرمت، وما إلى ذلك، هذا الذي عليه عامة المفسرين شَرَعُوا لَهُم يعني: للمشركين.

وقد ثبت في الصحيح: أن رسول الله ﷺ قال: رأيت عمرو بن لُحَيّ بن قَمَعَة يَجُر قُصْبَه في النار[5]؛ لأنه أول من سيب السوائب.

وكان هذا الرجل أحد ملوك خزاعة، وهو أول من فعل هذه الأشياء، وهو الذي حَمَل قريشًا على عبادة الأصنام -لعنه الله وقبحه، ولهذا قال تعالى: وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ أي: لعوجلوا بالعقوبة، لولا ما تقدم من الإنظار إلى يوم المعاد.

وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أي: شديد موجع في جهنم وبئس المصير.

لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ يعني يقول هنا: لعوجلوا بالعقوبة بينهم، بعضهم يقول: لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بين أهل الإيمان وأهل الكفر، فعاجل هؤلاء الكفار بالعقوبة.

وبعضهم يقول: لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ أي: بين العابدين والمعبودين، يعني هؤلاء الذين اتخذوا شركاء من دون الله -تبارك وتعالى: لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بين المشركين والشركاء الذين زعموهم، واتخذوهم من دون الله.

ثم قال تعالى: تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا أي: في عَرَصات القيامة.

وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ أي: الذي يخافون منه واقع بهم لا محالة، هذا حالهم يوم معادهم وهم في هذا الخوف والوجل.

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ فأين هذا من هذا؟ أين من هو في العَرَصَات في الذل والهوان والخوف المحقق عليه بظلمه، ممن هو في روضات الجنات، فيما يشاء من مآكل ومشارب وملابس...

هنا قوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ الروضة هي الموضع النَّزْه، الكثير الخضرة، الموضع الكثير النبت، لكن العلماء -رحمهم الله- مثلما ترون هنا عند ابن كثير قال: فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ: فيما يشاء من مآكل ومشارب وملابس، يعني فسروه بنعيم الجنة من أطايب المساكن والمآكل والمشارب والملابس، وما إلى ذلك فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ مع أن أصل الروضة -كما سبق- هي المكان النَّزْه كثير النبت.

ابن جرير-رحمه الله- أشار إلى سبب تفسير الروضة بالنعيم في الجنة، يعني من المآكل والمشارب، إلى آخره، يعني ما فُسر بأصله اللغوي، أصل المعنى اللغوي الذي هو المكان كثير النبت، باعتبار أن الروضة لا تقال للمكان كثير الشجر، والجنة قيل لها جنة لكثرة أشجارها، فهذا لا يقال له روضة، وإنما المكان الذي يكون كثير النبت هو الذي يقال له روضة، وليس كثير الشجر، كما نقول الآن، الآن الروضة ما معناها عندنا؟ الآن في المستعمل عند الناس؟

مكان كثير النبت، أيْ مكان كله أخضر، فيه أنواع النباتات، والعشب، وما إلى ذلك، بحيث يبهج الناظرين بكثرة نباته، وأزهاره وخضرته، وما إلى ذلك، هذه يقال لها روضة، فهنا الجنة كثيرة الأشجار، ففهم من ذلك أن المراد النعيم، والملاذ بأنواعه، يعني هذا وجه تفسير الروضة بالنعيم، لماذا لم تفسر بظاهر اللفظ -مكان كثير النبت، الجنة كثيرة الشجر، المكان كثير الشجر لا يقال له: روضة، يقال له جنة.

ومساكن ومناظر ومناكح وملاذ، فيما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

ولهذا قال تعالى: ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ أي: الفوز العظيم، والنعمة التامة السابغة الشاملة العامة.

ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ ۝ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [سورة الشورى:23، 24].

يقول تعالى لما ذكر روضات الجنة لعباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات: ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أي: هذا حاصل لهم، كائن لا محالة، ببشارة الله لهم به.

وقوله: قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين من كفار قريش: لا أسألكم على هذا البلاغ والنصح لكم مالا تعطونيه، وإنما أطلب منكم أن تكفوا شركم عني، وتذروني أبلغ رسالات ربي، إن لم تنصروني فلا تؤذوني بما بيني وبينكم من القرابة.

روى البخاري: عن ابن عباس أنه سئل عن قوله تعالى: إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى فقال سعيد بن جبير: قربى آل محمد، فقال ابن عباس: عَجِلْتَ إن النبي ﷺ لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة"[6]، انفرد به البخاري، ورواه الإمام أحمد من طريق آخر.

قوله -تبارك وتعالى: قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى هنا سؤالان:

السؤال الأول: من المراد بالقربى؟

والسؤال الثاني: هل الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى من جنس الأجر أو أنها ليست من جنسه، يعني لا أسألكم أجرًا مطلقًا، فيكون الاستثناء منقطعًا، أي لكن أن تودوني في قرابتي، أنا لا أريد منكم أجرًا.

أما ما يتعلق بالقربى هنا: إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى فكما في تفسير ابن عباس هنا: أن المراد بذلك ليس قرابة النبي ﷺ، من أهل بيته، وإنما المقصود به إلا أن تودوني في قرابتي منكم، يعني أنه ما من بطن من قريش إلا وله ﷺ قرابة فيهم، فيقول: راعوا هذه القرابة التي بيني وبينكم، فلا يصل إليّ منكم أذى، أنا لا أريد منكم أجرًا على هذه الدعوة والبلاغ، أريد منكم أن تراعوني في قرابتي منكم، فتخلوا بيني وبين دعوتي، خلوا بيني وبين الناس، لا يصل منكم إليّ شيء من الأذى.

فعلى هذا التفسير لا يكون للآية علاقة بقرابات النبي ﷺ، وأهله بيته، وهذه: الرافضة حينما يتحدثون عنها يتكلمون بكلام طويل، ويسطرون المجلدات، ويبنون عليها أمورًا كثيرة.

هذا المعنى الذي فسره به ابن عباس، وردّ على سعيد بن جبير، فتكون الآية لا علاقة لها بأهل بيت النبي ﷺ، هو يقول للمشركين: راعوني لقرابتي منكم، أنا لا أريد أجرًا، لا أريد منكم مالا.

فعليه يكون الأجر بمعنى: المال، وما يتقاضاه بسبب هذه الدعوة.

إذا فسر بهذا أن الأجر مثلاً هو المال، وما إلى ذلك فيكون الاستثناء منقطعًا، يعني المستثنى ليس من جنس المستثنى منه، يعني ما سألهم شيئًا من الأجر إطلاقًا.

هنا يقول لهم: قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى لكن راعوني في قرابتي منكم، فلا يصل إليّ منكم شيء من الأذى.

وهذا قال به كثير من المفسرين، واختاره ابن جرير -رحمه الله، يعني: أن الاستثناء منقطع.

وبعضهم يقول: إن الاستثناء متصل، سواء قيل: إلا أن تودوني في قرابتي منكم، فلا يصل إليّ منكم أذى، فيكون هذا من جنس الأجر، ومراعاة النبي ﷺ في قرابته منهم.

والمعنى الثاني: أن المقصود بقرابته ﷺ: إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى أي: أهل بيت النبي ﷺ، قرابة النبي ﷺ، أن يحفظوا أهل بيته إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى معرفة حق أهل بيت النبي ﷺ وما لهم من مكانة ومنزلة وحرمة، وما إلى ذلك.

وبعض أهل العلم يفسر الآية بغير هذا تمامًا: قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى قالوا: التقرب إلى الله، والتودد إليه بطاعته.

فُسرت بهذا التفسير، وهذا منقول عن الحسن -رحمه الله.

وبعضهم يقول: هذه الآية باعتبار أن الاستثناء متصل، أن هذا من جنس الأجر.

وبعضهم قال: إن هذا منسوخ، نسخ بالآيات الأخرى التي جاء فيها الإطلاق، أنه لا يسألهم عليه أجرًا، من غير استثناء، يقولون: لما أعز الله دينه، ونصر نبيه ﷺ، بعدما هاجر ألحقه بسائر الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- حيث كانوا يقولون لأقوامهم: لا نسألكم عليه مالاً -أجرًا، من غير استثناء، هكذا قال بعضهم.

هذا بناء على أن الاستثناء متصل، أن هذا من جنس الأجر والنسخ لا يثبت بالاحتمال.

وهذه المراعاة، مراعاة النبي ﷺ في قرابته ليس هذا من الأجر، هو يقول: أنا لا أسألكم مقابلا على هذه الدعوة، ولكن راعوني في قرابتي منكم، فلا تؤذوني، وخلوا بيني وبين الناس، فيكون الاستثناء منقطعًا.

الشنقيطي-رحمه الله- له تفصيل جيد فيها، قال -رحمه الله: قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى قد بينا في سورة "هود" في الكلام على قوله تعالى: وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ [سورة هود:29] أن جميع الرسل -عليهم الصلوات والسلام- لا يأخذون أجرًا على التبليغ، وذكرنا الآيات الدالة على ذلك.

وقد ذكرنا في كتابنا: "دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب" وجه الجمع بين تلك الآيات وآية "الشورى" هذه، فقلنا فيه:

اعلم أولاً: أن في قوله تعالى: إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى أربعة أقوال:

الأول: ما رواه الشعبي وغيره عن ابن عباس، وبه قال مجاهد وقتادة وعكرمة وأبو مالك والسدي والضحاك وابن زيد وغيرهم، كما نقله عنهم ابن جرير وغيره: أن معنى الآية: قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى أي: إلا أن تودوني في قرابتي التي بيني وبينكم، فتكفوا عني أذاكم، وتمنعوني من أذى الناس، كما تمنعون كل من بينكم وبينه مثل قرابتي منكم".

يعني هذا الخطاب للمشركين، والاستثناء إلا أن تودوني في قرابتي يحتمل الاتصال والانفصال، يعني هؤلاء بعضهم يقول: متصل، وبعضهم يقول: منفصل، يعني من اعتبر المودة في القربى من جنس الأجر قالوا: متصل.

"وكان ﷺ له في كل بطن من قريش رحم، فهذا الذي سألهم ليس بأجر على التبليغ؛ لأنه مبذول لكل أحد-لاحظ الشنقيطي يقول: هذا ما هو أجر، ومعناه أنه يقول: إنه منقطع- لأن كل أحد يوده أهل قرابته، وينتصرون له من أذى الناس...

القول الثاني: أن معنى الآية: إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى أي: لا تؤذوا قرابتي وعترتي، واحفظوني فيهم، ويروى هذا القول عن سعيد بن جبير وعمرو بن شعيب وعلي بن الحسين، وعليه فلا إشكال أيضًا؛ لأن المودة بين المسلمين واجبة فيما بينهم، وأحرى قرابة النبي ﷺ، قال تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ [سورة التوبة:71].

وفي الحديث: مثل المؤمنين في تراحمهم وتوادهم كالجسد الواحد، إذا أصيب منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى[7].

وقال ﷺ: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه[8]، والأحاديث في مثل هذا كثيرة جدًّا".

-يعني بعض القائلين بهذا القول: تودوني في أهل بيتي وقرابتي، فتحسنون إليهم، وتحفظون حقهم، وتراعون حرمتهم، بعض هؤلاء يقول: الخطاب للمؤمنين، يعني من استجاب من هؤلاء الناس لدعوة النبي ﷺ، يقول لهم: أنا ما آخذ على هذا مقابلا، وإنما احفظوا قرابتي، وأهل بيتي، وراعوا حرمتهم.

"وإذا كان نفس الدين يوجب هذا بين المسلمين تبين أنه غير عوض عن التبليغ.

وقال بعض العلماء: الاستثناء منقطع على كلا القولين، وعليه فلا إشكال.

فمعناه على القول الأول: لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا لكن أذكركم قرابتي فيكم"، -بمعنى لكن.

"وعلى الثاني: لكن أذكركم الله في قرابتي، فاحفظوني فيهم".

أيضًا على القول الثاني: حفظ قرابة النبي ﷺ وأهل بيته يحتمل أن يكون منقطعًا، فيكون بمعنى "لكن"، فلا يكون من قبيل الأجر، يعني: القربى إذا حمل على قرابته من المشركين فيحتمل الاتصال والانقطاع.

وإذا حمل على المعنى الثاني المعنى الخاص الذي هو أهل بيت النبي ﷺ، فعندها أيضًا يحتمل الاتصال والانقطاع، يعني إذا قلت: منقطع معناه أنه ما سألهم شيئًا من الأجر، ومن ثم لا حاجة لقول من قال: إن ذلك منسوخ.

"القول الثالث: وبه قال الحسن: إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى أي: إلا أن تتوددوا إلى الله، وتتقربوا إليه بالطاعة، والعمل الصالح، وعليه فلا إشكال؛ لأن التقرب إلى الله ليس أجرًا على التبليغ".

وهذا خلاف الظاهر، يعني كيف يقال: إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى يعني التودد في التقرب إلى الله؟

"القول الرابع: إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى أي: إلا أن تتوددوا إلى قراباتكم، وتصلوا أرحامكم".

يعني هنا تأمل هذا القول: إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى يعني في قرابتكم، يأمر بالصلة، يقول: أنا ما أسألكم عليه من أجر، لكن صلوا أرحامكم، وهذا بعيد، خلاف السياق.

"ذكر ابن جرير هذا القول عن عبد الله بن قاسم، وعليه أيضاً فلا إشكال؛ لأن صلة الإنسان رحمه ليست أجرًا على التبليغ".

وهو أيضًا منقول عن غيره، منقول عن الحسن بن الفضل.

"فقد علمت الصحيح في تفسير الآية، وظهر لك رفع الإشكال على جميع الأقوال.

وأما القول بأن قوله تعالى: إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى منسوخ بقوله تعالى: قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ [سورة سبأ:47] فهو ضعيف، والعلم عند الله تعالى. انتهى منه.

وقد علمتَ مما ذكرنا فيه أن القول الأول هو الصحيح في معنى الآية.

مع أن كثيرًا من الناس يظنون أن القول الثاني هو معنى الآية، فيحسبون أن معنى: إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى إلا أن تودوني في أهل قرابتي، وممن ظن ذلك محمد السجاد"

محمد بن طلحة بن عبيد الله، كان عابدًا، فكان خرج برًّا بأبيه، ولقب بالسجاد لكثرة عبادته، فكان يحمل الراية يوم الجمل، وإذا حمل عليه أحد من جيش علي قال: أذكِّرك "حم"، اذكرْ "حم"، بعضهم قال: يقصد هذه الآية: إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى يعني له قرابة بالنبي ﷺ فيقول: لا يصل إليّ منك أذى.

وبعضهم يقول غير هذا.

يُذَكِّرُنِى حَامِيمَ وَالرُّمْحُ شَاجِرٌ فَهَلَّا تَلَا حَامِيمَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ

يعني هذا الذي قتله قال هذا الكلام، قُتل طبعًا.

"حيث قال لقاتله يوم الجمل: أذكرك "حم" يعني سورة " الشورى" هذه، ومراده أنه من أهل قرابة رسول الله ﷺ، فيلزم حفظه فيهم؛ لأن الله تعالى قال في "حم" هذه: إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى فهو يريد المعنى المذكور، يظنه هو المراد بالآية، ولذا قال قاتله في ذلك:

يُذَكِّرُنِى حَامِيمَ وَالرُّمْحُ شَاجِرٌ فَهَلَّا تَلَا حَامِيمَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ

والتحقيق -إن شاء الله- أن معنى الآية هو القول الأول: إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى أي: إلا أن تودوني في قرابتي فيكم وتحفظوني فيها، فتكفوا عني آذاكم وتمنعوني من أذى الناس، كما هو شأن أهل القرابات"[9].

وقوله: وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نزدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا أي: ومن يعمل حسنة.

نزدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا أي: أجراً وثواباً.

أصل الاقتراف هو الكسب: يَقْتَرِفْ حَسَنَةً يعمل، يكسب.

كقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [سورة النساء:40].

وقوله: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ أي: يغفر الكثير من السيئات، ويكثّر القليل من الحسنات، فيستر ويغفر، ويضاعف فيشكر.

وقوله: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ أي: لو افتريت عليه كذبًا كما يزعم هؤلاء الجاهلون.

يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ أي: لَطَبَعَ على قلبك وسلبك ما كان آتاك من القرآن؛ كقوله تعالى: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ ۝ لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ۝ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ۝ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ [سورة الحاقة:44-47] أي: لانتقمنا منه أشد الانتقام، وما قدر أحد من الناس أن يحجز عنه.

يعني: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا "أم" هذه منقطعة، بمعنى "بل" و"الهمزة" بل أيقولون: افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا؟ وهذا الإنكار للتوبيخ، يعني اختلق كذبًا.

قال: فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ قال: أي: يطبع على قلبك ويسلبك ما كان آتاك من القرآن، هذا الذي قال به كثير من المفسرين، وهو اختيار ابن جرير -رحمه الله، يعني: فَإِن يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ يسلبك الوحي، وهذا القرآن.

وهذا أحد المعاني المذكورة في الآية.

بعضهم يقول: لو افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لشاء الله عدم صدور هذا الكذب، والافتراء عليه، وختم على قلبه بحيث لا يخطر على باله شيء من ذلك، كما تزعمون.

أو يسلبك ما أنزل عليك، كما يقوله ابن كثير هنا، ويقوله قبله ابن جرير -رحمه الله.

وذهب بعض السلف إلى أن المقصود بذلك غير هذا تمامًا: فَإِن يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ أي: يربط على قلبك فيصبرك على آذاهم، ويقويك على ذلك، حتى لا يدخل في قلبك مشقة من هذه الاتهامات التي يوجهونها إليك، وما إلى ذلك.

وبعضهم ذكر أقوالاً بعيدة، لا تخلو من إشكال، يعني بعضهم يقول: هذا الخطاب موجه للنبي ﷺ في صورته الظاهرة، ولكن المراد به الكفار، أن الله يختم على قلوبهم، ويعاجلهم بالعقوبة، وهذا بعيد.

وبعضهم يقول: المراد أنه لو حدثتك نفسك بهذا -يعني بالافتراء على الله  لطبع على قلبك، فإنه لا يجترئ على الله بالافتراء عليه إلا من ختم وطبع على قلبه، هذا لا يصدر من قلب سليم.

والمشهور الذي عليه عامة أهل العلم هو الذي ذكره ابن كثير: فَإِن يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ يعني يسلبك ما أنزل عليك، يسلبك هذا القرآن، وهو اختيار ابن جرير -رحمه الله.

وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ فهذا استئناف مقرر لما قبله من نفي الافتراء؛ لأن الله يمحو الباطل، ويزيله، فلا يبقى له أثر، وليس لهذه الدعوى من أن هذا القرآن مفترى، ليس لها سبيل إليه، وسنته -تبارك وتعالى- التي لا تتبدل ولا تتغير هي محو الباطل وإزالته، فلا يبقى منه شيء، والله يحق الحق بكلماته.

ابن القيم -رحمه الله- تكلم على قوله: فَإِن يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ فيقول -رحمه الله: "وفي معنى الآية للناس قولان:

أحدهما: قول مجاهد ومقاتل: إن يشأ الله يربط على قلبك بالصبر على آذاهم، حتى لا يشق عليك.

والثاني: قول قتادة: إن يشأ الله يُنسك القرآن، ويقطع عنك الوحي.

وهذا القول دون الأول لوجوه..".

دون الأول هنا ما يقصد أضعف من الأول، هو يقصد أقرب، "دونه" يعني أقرب من القول الأول، هو يرجح الذي ذكره ابن كثير وابن جرير، دون الأول يعني أقرب إلى الصواب، وذكر عشرة أوجه في ترجيح هذا القول، فهذه وجوه الترجيح لا تجدها في كتاب من كتب التفسير بهذه الطريقة وهي:

"أحدها: أن هذا خرج جوابًا لهم، وتكذيبًا لقولهم".

يعني ليس المقصود به هنا: فَإِن يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ بمعنى أنه يثبتك، ويربط على قلبك بالصبر، لا، هو يقول: يرد عليهم.

"الوجه الثاني: أن مجرد الربط على قلبه بالصبر على أذاهم يصدر من المحق والمبطل، فلا يدل ذلك على التمييز بينهما، ولا يكون فيه رد لقولهم".

يعني قد يصبر المبطل.

"فإن الصبر على أذى المكذب لا يدل بمجرده على صدق المخبر.

الثالث: أن الرابط على قلب العبد لا يقال له: ختم على قلبه، ولا يعرف هذا في عرف المخاطب، ولا لغة العرب، ولا هو المعهود في القرآن".

يعني أن التصبير لا يقال له: طبع على القلب وختم.

الرابع: أنه سبحانه حيث يحكى أقوالهم: إنه افتراه، لا يجيبهم عليه هذا الجواب، بل يجيبهم بأنه لو افتراه لم يملكوا له من الله شيئاً، بل كان يأخذه ولا يقدرون على تخليصه".

وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ ۝ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ [سورة الحاقة:44، 45].

"الخامس: أن هذه الآية نظير ما نحن فيه، وأنه لو شاء لما أقره ولا مكنه، وتفسير القرآن بالقرآن من أبلغ التفاسير.

السادس: أنه لا دلالة في سياق الآية على الصبر بوجه ما، لا بالمطابقة ولا التضمن ولا اللزوم، فمن أين يُعلم أنه أراد ذلك ولم يستمر هذا المعنى في غير هذا المعنى، فيُحمل عليه، بخلاف كونه يحول بينه وبينه، ولا يمكنه من الافتراء عليه فقد ذكره في مواضع.

السابع: أنه سبحانه أخبر أنه لو شاء لما تلاه عليهم ولا أدراهم به، وأن ذلك إنما هو بمشيئته وإذنه وعلمه، كما قال تعالى: قُل لَّوْ شَاء اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ [سورة يونس:16] وهذا من أبلغ الحجج وأظهرها.

الثامن: أن مثل هذا التركيب إنما جاء في القرآن للنفي لا للإثبات، كقوله تعالى: وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ [سورة الإسراء:86]، وقوله: إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ [سورة النساء:133]".

يعني ليس لإثبات الصبر، وإنما لرفع ما أنزله عليه وإزالته.

"التاسع: أن الختم على القلب لا يستلزم الصبر، بل قد يختم على قلب العبد، ويسلبه صبره.

العاشر: أن الختم هو شدُّ القلب، حتى لا يشعر ولا يفهم، فهو مانع يمنع العلم والتقصد، والنبي ﷺ كان يعلم قول أعدائه: أنه افترى القرآن، ويشعر به"[10].

يعني من ختم على قلبه فإنه لا يفقه.

وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ۝ وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ۝ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ۝ وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ [سورة الشورى:25-28].

يقول تعالى ممتنًّا على عباده بقبول توبتهم إليه إذا تابوا ورجعوا إليه: إنه من كرمه وحلمه أنه يعفو ويصفح، ويستر ويغفر، كقوله: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا  [سورة النساء:110].

وقد ثبت في صحيح مسلم -رحمة الله عليه- عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: للهُ أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كانت راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك -أخطأ من شدة الفرح[11]،وقد ثبت أيضا في الصحيح من رواية عبد الله بن مسعود نحوه[12].

وعن الزهري في قوله: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ أن أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: للهُ أشد فرحًا بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته في المكان الذي يخاف أن يقتله العطش فيه[13].

وقال همام بن الحارث: سئل ابن مسعود عن الرجل يفجر بالمرأة ثم يتزوجها؟ قال: لا بأس به، وقرأ: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ الآية.

وقوله: وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ أي: يقبل التوبة في المستقبل، ويعفو عن السيئات في الماضي.

وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ أي: هو عالم بجميع ما فعلتم وصنعتم وقلتم، ومع هذا يتوب على من تاب إليه.

قوله -تبارك وتعالى: وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ في قراءة حمزة والكسائي وحفص: "تفعلون".

وفي قراءة الباقين بـ"الياء": وَيَعْلَمُ مَا يَفْعَلُونَ.

والمعنى متقارب، إما على الخطاب، وإما على الخبر، "ويعلم ما تفعلون"، "ويعلم ما يفعلون".

وقوله: وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قال السدي: يعني يستجيب لهم.

وكذا قال ابن جرير: معناه يستجيب الدعاء لهم لأنفسهم، ولأصحابهم، وإخوانهم.

وَيَسْتَجِيبُ من المستجيب؟

الله، فيكون الَّذِينَ الاسم الموصول في محل نصب على أنه مفعول به، الله يستجيب الذين آمنوا.

هنا تأمل ما ذكر، قال: "أي يستجيب دعاءهم، يعني ليس المستجيب هم الذين آمنوا، فيكون فاعلاً، يستجيب المؤمنون لربهم -تبارك وتعالى، لا، هنا ما مشى عليه، واختاره ابن جرير، ونسبه إلى هؤلاء من السلف أنه يكون منصوبًا، يعني "الذين آمنوا" مفعول به، يعني الله يستجيب دعاءهم، يعطيهم ما طلبوا، ما سألوا، وما إلى ذلك.

وهكذا من فسره بأنه يقبل عبادتهم، يستجيب الذين آمنوا، الله يستجيب الذين آمنوا، يعني يستجيب دعاءهم أو يقبل طاعتهم، أو يستجيب لهم، إذا فسر بالدعاء.

ويقولون مثل: وَإِذَا كَالُوهُمْ [سورة المطففين:3] يعني: كالوا لهم: أَو وَّزَنُوهُمْ أو وزنوا لهم، قالوا: هكذا التقدير، فحذفت "اللام"، مع أن بعض أهل العلم يقول: إن الاسم الموصول "الذين" في محل رفع فاعل، يعني أن المستجيبين من هم؟

الَّذِينَ آمَنُوا يستجيبون لله -تبارك وتعالى، وللرسول ﷺ، كما قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ [سورة الأنفال:24].

فهنا يقول: وَيَسْتَجِيبُ يخبر عنهم أنهم أهل استجابة لِمَا دعاهم إليه وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ خبر عنهم باستجابتهم لدعاء الله لهم إلى الإيمان، وقبولهم عن الله، وما لهم من الإذعان.

ولكن الذي عليه عامة المفسرين الأول: أن الله هو المستجيب وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بقرينة أنه قال بعده: وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ يعني يستجيب، يقبل أعمالهم، يقبل طاعتهم، أو يقبل دعاءهم وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ.

وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ أي: يستجيب دعاءهم ويزيدهم فوق ذلك، وقال قتادة عن إبراهيم النخعي اللخمي في قوله تعالى: وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قال: يشفعون في إخوانهم وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ قال: يشفعون في إخوان إخوانهم.

يعني هنا في قوله عن النخعي: وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قال: يشفعون في إخوانهم، يعني أن الله يقبل شفاعتهم، هذا على المعنى الأول أيضًا.

وقوله: وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ لما ذكر المؤمنين وما لهم من الثواب الجزيل ذكر الكافرين، وما لهم عنده يوم القيامة من العذاب الشديد الموجع المؤلم، يوم معادهم وحسابهم.

وقوله: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأرْضِ أي: لو أعطاهم فوق حاجتهم من الرزق لحملهم ذلك على البغي والطغيان من بعضهم على بعض، أشرًا وبطرًا.

كما قال الله : كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى ۝ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى  [سورة العلق:6، 7].

وقوله تعالى: وَلَكِنْ يُنزلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ أي: ولكن يرزقهم من الرزق ما يختاره مما فيه صلاحهم، وهو أعلم بذلك، فيُغني من يستحق الغنى، ويفقر من يستحق الفقر.

وقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يُنزلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا أي: من بعد إياس الناس من نزول المطر، ينزله عليهم في وقت حاجتهم وفقرهم إليه، كقوله: وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ  [سورة الروم:49].

وقوله : وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ أي: يعم بها الوجود على أهل ذلك القُطْر، وتلك الناحية.

قال قتادة: ذكر لنا أن رجلا قال لعمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين، قُحط المطر وقنط الناس، فقال عمر : مطرتم، ثم قرأ: وَهُوَ الَّذِي يُنزلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ  أي: هو المتصرف لخلقه بما ينفعهم في دنياهم وأخراهم، وهو المحمود العاقبة في جميع ما يقدره ويفعله.

قوله: يُنزلُ الْغَيْثَ قال: من بعد إياس الناس من نزول المطر، قال: وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ يعم بها الوجود.

الْغَيْث ليس هو مجرد المطر، وإنما المطر الذي ينتفع به، فيخرج به النبات.

وأما المطر فقد ينزل ولا يخرج منه النبات، وقد يهدم البيوت، ويحصل للناس فيه الضرر، إنما الذي ينفع هو الغيث، ونحن كما نشاهد العام الذي ينزل فيه المطر، والعام الذي لا ينزل فيه المطر سواء؛ بسبب ذنوبنا، والأرض مجدبة قاحلة، بل أعجب الأشياء أن المطر ينزل والغبار يثور في نفس الوقت، يعني المعروف أن الغبار يذهب ويتلاشى إذا نزل المطر، وأما أن ينزل المطر والغبار في وقت واحد فهذا من أعجب الأشياء، وهذا كله بسبب ذنوبنا، والمنكرات التي ظهرت، ومنع الزكاة، وما إلى ذلك، فليست العبرة بنزول المطر، وإنما بنزول الغيث، فقد ينزل المطر الكثير، ولا يحصل منه أدنى نفع، أو نبات، وكأنه لم ينزل، السنة المجدبة التي لم ينزل فيها المطر سواء مع التي نزل فيها المطر، فهذه عبرة وعظة وآية، والعامة عندهم تاريخ من تواريخ العوام المعروفة المشهورة عندنا جدًّا، يؤرخون بها، عندهم سنة يقال لها سنة: الدِّمْنة، هذه كانت لربما قبل نحو أكثر من خمسين سنة، ولربما ستين إلى سبعين سنة، تلك السنة نزل فيها مطر خفيف جدًّا جدًّا، بحيث إن الدِّمْنة وهي واحدة الدِّمْن، معروف، وهو -أعزكم الله- الواحدة من فضلات الغنم، معروف صغير، يعني يكون بقدر رأس الخنصر.

فهذه الدِّمْنة واحدة الدِّمْن، فهذه بحيث إنك إذا رفعتها تجد ما تحتها جافًّا، يعني ما وصل إليه المطر.

يعني المطر ينزل أحيانًا ويصل إلى ذراع في الأرض، وأكثر، وأكثر، وإنما هذا لا يبل ما تحت الدمنة، فظهر في تلك السنة من النبات والربيع والكمأ ما لا يقادر قدره، وكان الناس يعرفون الكمأ من رائحته بالليل، ظاهر على الأرض، كثير، حتى حدثني بعضهم يقول: إن الناقة أحيانًا بالليل تطأ عليه فتنزلق قدمها، ظاهر، الكمأ الكبير المعروف الذي عند الناس، الأبيض الزبيدي، ظاهر على الأرض كأنه حجارة، من مطر خفيف جدًّا.

وانظر هذا العام نزلت أمطار في وقتها، في وقت الوسم، ومع ذلك كأن الأرض ما أصابها أدنى مطر، فهذا لا يقال له: غيث، هذا يقال له: مطر، فالغيث ما يحصل به النفع، ويخرج به النبات، ولهذا نقول: اللهم أغثنا، اللهم غيثًا، ولا يقال: اللهم أمطرنا، اللهم مطرًا، والله المستعان.

هذه أعمالنا وذنوبنا -نسأل الله أن لا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا- هؤلاء الذين يظهرون المنكرات، هؤلاء لا يجنون على أنفسهم، هم يجنون على المجتمع، على البلد، على الجميع، الناس يركبون في سفينة واحدة.

يقول: لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى يقول: في قرابتي التي ليس بطن من قريش إلا ولي فيهم قرابة، يقول: هنا قال: فِي الْقُرْبَى جاء بـ "في" فلو كان يريد معنى آخر لاستُعمل في ذلك حرفٌ آخر، عُدي بغير "في".

فإذا كان المقصود إيصال النفع لقرابته ﷺ فماذا سيقول؟

يقول: إلا المودة للقربى، يعديه باللام، يعني الصلة الواصلة لهم، للقربى، ما يقول: في القربى.

أو يقول: إلا المودة إلى القربى، ولكنه قال "في"، وهو رد على الرافضة الذين خصوا القربى بأهل بيت النبي ﷺ، يقول: بمعنى الإحسان إليهم، فيقول: لو كان المقصود بهذا إيصال النفع لقرابته، الإحسان إلى قرابته، بأي نوع من الإحسان لقال: المودة إلى القربى، أو للقربى، إيصال النفع لهم، وإنما يقول: احفظوني في قرابتي، في الوشيجة التي بيني وبينكم، فلا تؤذوني فقط.

يعني مثل هذه الأشياء يذكر فيها بعضهم بعض المعاني، لكن قد لا تخلو من تكلف.

يعني: وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا [سورة آل عمران:145] مثلاً لماذا ابتدأ بالدنيا هنا؟

مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا [سورة هود:15]، مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ [سورة الإسراء:18] هل هو باعتبار أن أكثر الناس يريدون العاجلة، أو باعتبار أنها قبل الآخرة؟

أكثر الناس تطلعهم للدنيا باعتبار أنه يريد شيئًا حاضرًا نقدًا يؤثره على نسيئة، لكن لا نجزم بهذا، المودة يقول: لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا  [سورة الشورى:23] لكن المودة في القربى، راعوا المودة، احفظوا المودة، ولهذا قالوا: احفظوني في قرابتي، على وجه التفسير، يعني منكم.

طبعًا هنا في السياق الباطل الذي لو أنه افتراه مثلاً، مع أن هنا هذه جملة مستأنفة على قول أكثر المفسرين، يعني انتهى الكلام، تم هناك: فَإِن يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ  [سورة الشورى:24] نقطة، يعني ليس بمتصل بما قبله: فَإِن يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ لا: فَإِن يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ ثم جاءت جملة جديدة: وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ فهنا من خلال السياق يمحو الله الباطل كما سنته الجارية في أن لا يبقي الباطل، والافتراء عليه ، فلا يكون له بقاء، هذا من حيث السياق، ومن حيث عموم اللفظ: وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وأنها جملة مستأنفة: يمحو الله الباطل عمومًا، كما قال الله : فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء [سورة الرعد:17].

قال: وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ  [سورة الإسراء:81] فظاهر اللفظ إبطال الباطل مطلقًا، لكن من خلال السياق: الباطل الذي لو قيل عليه، أو افتُري عليه، أو تقوله أحد على الله .

  1. انظر: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (7/ 64-67).
  2. رواه الترمذي، كتاب أبواب الدعوات عن رسول الله ﷺ، باب في فضل التوبة والاستغفار وما ذكر من رحمة الله بعباده، رقم (3536)، وحسنه الألباني في الروض النضير، رقم (360).
  3. رواه البخاري، كتاب الأدب، باب علامة حب الله -عز وجل، (6168)، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب المرء مع من أحب، رقم (2640).
  4. رواه أحمد، رقم (21222)، والحاكم، رقم (7862)، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وقال الذهبي في تلخيص الحبير: "صحيح"، وقال محققو المسند: "إسناده حسن".
  5. رواه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب مَا جَعَلَ اللّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ [سورة المائدة:103]، رقم (4623) ومسلم، كتاب في الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون، رقم (2856).
  6. رواه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى، رقم (4818)، وأحمد (2599).
  7. رواه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب ، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، رقم (2586).
  8. رواه البخاري، كتاب الإيمان، باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، رقم (13)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، رقم (45).
  9. انظر: أضواء البيان (7/ 69-72).
  10. انظر: التبيان في أقسام القرآن، ص (185-190).
  11. رواه مسلم، كتاب التوبة، باب في الحض على التوبة والفرح بها، رقم (2747).
  12. رواه مسلم، كتاب التوبة، باب في الحض على التوبة والفرح بها، رقم (2744).
  13. رواه ابن أبي حاتم في تفسيره، رقم (18478).

مواد ذات صلة