الثلاثاء 07 / شعبان / 1441 - 31 / مارس 2020
[14] من قول الله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ} الآية 27 إلى قوله تعالى: {فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} الآية 31
تاريخ النشر: ٠٦ / صفر / ١٤٢٧
التحميل: 3492
مرات الإستماع: 2357

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المفسر -رحمه الله تعالى:

وقوله تعالى: فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [سورة المائدة:26]: تسلية لموسى عنهم أي: لا تأسف ولا تحزن عليهم فيما حكمت عليهم به فإنهم مستحقون ذلك، وهذه القصة تضمنت تقريع اليهود وبيان فضائحهم ومخالفتهم لله ولرسوله، ونكولهم عن طاعتهما فيما أمراهم به من الجهاد، فضعفت أنفسهم عن مصابرة الأعداء، ومجالدتهم ومقاتلتهم مع أن بين أظهرهم رسول الله ﷺ وكليمه وصفيه من خلقه في ذلك الزمان، وهو يعدهم بالنصر والظفر بأعدائهم، هذا مع ما شاهدوا من فعل الله بعدوهم فرعون من العذاب والنكال والغرق له ولجنوده في اليم وهم ينظرون لتقر به أعينهم وما بالعهد من قدم، ثم ينكلون عن مقاتلة أهل بلد هي بالنسبة إلى ديار مصر لا توازي عشر المعشار في عدة أهلها وعددهم، فظهرت قبائح صنيعهم للخاص والعام، وافتضحوا فضيحة لا يغطيها الليل ولا يسترها الذيل، هذا وهم في جهلهم يعمهون وفي غيهم يترددون، وهم البُغَضاء إلى الله وأعداؤه، ويقولون مع ذلك: نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [سورة المائدة:18] فقبح الله وجوههم التي مسخ منها الخنازير والقرود، وألزمهم لعنة تصحبهم إلى النار ذات الوقود، ويقضي لهم فيها بتأييد الخلود وقد فعل، وله الحمد في جميع الوجود.

وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ۝ لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ۝ إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ ۝ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ ۝ فَبَعَثَ اللّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ [سورة المائدة:27-31].

يقول تعالى مبيناً وخيم عاقبة البغي والحسد والظلم في خبر ابني آدم لصلبه وهما قابيل وهابيل، كيف عدا أحدهما على الآخر فقتله بغياً عليه وحسداً له، فيما وهبه الله من النعمة وتقبل القربان الذي أخلص فيه لله ففاز المقتول بوضع الآثام والدخول إلى الجنة، وخاب القاتل ورجع بالصفقة الخاسرة في الدارين.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فبعد أن ذكر الله طرفاً من خزي بني إسرائيل وأعمالهم الفاسدة، وكفرهم بالله ذكر بعده ما وقع من ابني آدم -عليه الصلاة والسلام- حيث قتل أحدهما أخاه، وجاء بهذا السياق: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا، فقوله: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ أي: على بني إسرائيل ليبيّن لهم -وهذه هي المناسبة والله تعالى أعلم- أن الظلم والشر والحسد قديم وليس بجديد، فهم مسبوقون بهذه الأخلاق السيئة التي اشتهروا بها وعرفوا بها بين العالمين.

وقول الحافظ ابن كثير -رحمه الله- هنا: "خبر ابني آدم لصلبه وهما قابيل وهابيل" هذا القيد الذي ذكره أنهما لصلبه احترازاً من قول من قال: إنهما من بني آدم ولم يكونا من صلبه، بل هما من بني إسرائيل، وأن الله ضرب لهم المثل بما وقع من بعضهم، وهذا في غاية البعد، وهو خلاف الظاهر، ومثل هذا يعتبر من الأقوال الشاذة، وكأن هذا القائل لم يتصور أن يقع ذلك من ابني آدم وأبوهما نبي -عليه الصلاة والسلام، مع قرب العهد بالجنة، ومع ذلك يقع مثل هذا الحسد الذي يؤدي إلى القتل!!

وعلى كل حال الذي لا يصح العدول عنه بحال من الأحوال هو أنهما من صلبه، وفي هذا غاية العبرة، وذلك أن الحسد في قوم لم يطل بعدهم وعهدهم من الجنة وأبناء نبي، وقبل وجود الكفر والشرك والشر في الأرض، ومع ذلك يفعل هذا الحسد فعله، ثم بعد ذلك يقتل أخاه، فهذا أمر مستغرب، وهو كما وقع من أبناء يعقوب -عليه الصلاة والسلام- إلا أن ما وقع من ابني آدم أكثر وأعظم وأشد. 

وعلى كل حال القول بأنهما من بني إسرائيل لا يلتف إليه، وهو مثل قول من قال في قوله: فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا [سورة المائدة:24] قال: الرب يعني الأخ الأكبر الذي هو هارون، أي اذهب أنت وهارون، ولم يتصور أن يقول أصحاب موسى: اذهب أنت مع الله فقاتلا؛ بل هم يقولون هذا ويقولون أسوأ من هذا، فلا حاجة لمثل هذه الأقوال الشاذة من أجل تبرئة ساحة هؤلاء اليهود مثلاً أو أن ذلك لا يتصور من أبناء آدم لصلبه، والله تعالى أعلم.

فقال تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ [سورة المائدة:27] أي: اقصص على هؤلاء البغاة الحسدة إخوان الخنازير والقردة من اليهود وأمثالهم وأشباههم خبر ابني آدم وهما هابيل وقابيل فيما ذكره غير واحد من السلف والخلف.

وقوله: بِالْحَقِّ أي على الجلية والأمر الذي لا لبس فيه ولا كذب، ولا وهم ولا تبديل، ولا زيادة ولا نقصان.

يحتمل أن يكون المعنى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ [سورة المائدة:27] أي تلاوة متلبسة بالحق، ويحتمل أن يكون بالحق يتعلق بنبأ، وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ [سورة المائدة:27] أي: نبأً متلبساً بالحق، والقول الأول أقرب.

كقوله تعالى: إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ [سورة آل عمران:62]، وقوله تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ [سورة الكهف:13] وقال: ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ [سورة مريم:34] وكان في خبرهما فيما ذكره غير واحد من السلف والخلف أن الله تعالى شرع لآدم أن يزوج بناته من بينه لضرورة الحال.

مثل هذه المرويات في تسمية قابيل وهابيل منقولة عن جماعة من الصحابة لكن كأن ذلك مما أخذ من بني إسرائيل، والله تعالى أعلم.

أن الله تعالى شرع لآدم أن يزوج بناته من بينه لضرورة الحال، ولكن قالوا: كان يولد له في كل بطن ذكر وأنثى، فكان يزوج أنثى هذا البطن لذكر البطن الآخر، وكانت أخت هابيل دميمة وأخت قابيل وضيئة فأراد أن يستأثر بها على أخيه، فأبى آدم ذلك إلا أن يقربا قرباناً فمن تقبل منه فهي له، فتقبل من هابيل ولم يتقبل من قابيل، فكان من أمرهما ما قصه الله في كتابه.

على كل حال الله أعلم بهذا، لكن الله أخبرنا أن كل واحد منهما قرب قرباناً فتقبل من هذا ولم يتقبل من الآخر، فحسده على ذلك، ويكفي هذا القدر ولا فائدة في معرفة التفاصيل التي وراءه، ومثل هذا لا سبيل إلى الوقوف عليه إلا عن طريق الوحي، ومثل هذا كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- مما لا يتوصل إلى معرفته، وكما قال في المقدمة: ومنه موقوف لا يعلم أنه مزيف ولا منقود.

وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس -ا- قال: نهي أن تنكح المرأة أخاها توأمها، وأمر أن ينكحها غيره من أخوتها، وكان يولد له في كل بطن رجل وامرأة، فبينما هم كذلك إذ ولد له امرأة وضيئة، وولد له أخرى قبيحة دميمة، فقال أخو الدميمة: أنكحني أختك وأنكحك أختي، فقال: لا، أنا أحق بأختي، فقربا قرباناً فتقبل من صاحب الكبش، ولم يتقبل من صاحب الزرع فقتله" [إسناد جيد].

زعموا أنه كان صاحب غنم وأنه كان يرعاها، وأن الآخر كان صاحب زرع، وأن صاحب الزرع أخذ قليلاً من السنبلات وكان في بعضها حب وأنه فته بيده وأكله، والثاني: قرب كبشاً سميناً فلم يتقبل من صاحب الزرع وتقبل من الآخر، ويزعمون أنه طلبه يريد قتله، وأنه فر بغنمه إلى الجبال فجاءه وهو نائم فقتله غيلة، مع أن ظاهر القرآن أنه حصل بينهما مقاولة ومجاوبة كما قال تعالى: قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [سورة المائدة:27]، فلا يدل السياق على أنه قتله غيلة أو أنه قتله وهو نائم، كما يقولون: إنه جاء فوجده نائماً فعرّفه إبليس طريقة قتله حيث جاء بطائر فوضع رأسه على حجر ثم رضخه بحجر آخر وقال: افعل به هكذا، أو ما يزعمون من أنه لوى عنقه وأن إبليس علمه كيف يصنع، كل هذا الكلام لا دليل عليه، فالله أعلم.

ومعنى قوله: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [سورة المائدة:27]: أي ممن اتقى الله في فعله ذلك.

هذا الذي عليه عامة أهل العلم، إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [سورة المائدة:27] أي في فعله ذلك، بمعنى أنه مثلاً في باب الإنفاق أنفق لوجه الله وأنفق من المكاسب الطيبة، وأنفق الجزل ولم يتخير الرديء، فمن اختار الرديء واستأثر بالجيد لنفسه فإنه لم يتق، كما قال النبي ﷺ في الرجل الذي علق عذقاً من شيص في المسجد، فقال: إن رب هذه الصدقة يأكل الحشف يوم القيامة[1]، والله يقول: وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ [سورة البقرة:267] فقالوا: إنه لا يكون متقياً من الحرام أي من كسب غير طيب، أو ما طابت نفسه بهذا أو نحو ذلك.

ويمكن أن تحمل الآية على العموم، إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [سورة المائدة:27] يعني المتقين لله ، ولهذا جاء عن بعض السلف: لو أعلم أنه قبلت لي سجدة واحدة لم أبالِ؛ لأن الله يقول: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [سورة المائدة:27] يعني من المتصفين بالتقوى، ولكن الذين قالوا: إنه في هذا العمل المعين، قالوا: قد يكون الإنسان مذنباً مسرفاً على نفسه لكنه يعمل عملاً يريد به وجه الله فيقبل ذلك منه؛ لأن الله يقول: فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ۝ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [سورة الزلزلة:7-8] وليس من شرط قبول الأعمال أن يكون الإنسان على قدر من تقوى الله في أحواله كلها فقالوا: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [سورة المائدة:27] في عمله الذي عمله بحيث لم يكن رياء ولا سمعة، ونحو ذلك.

وروى ابن أبي حاتم عن أبي الدرداء قال: لأن أستيقن أن الله قد تقبل لي صلاة واحدة أحب إليَّ من الدنيا وما فيها، إن الله يقول: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [سورة المائدة:27].

وقوله: لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ [سورة المائدة:28] يقول له أخوه الرجل الصالح الذي تقبل الله قربانه لتقواه حين توعده أخوه بالقتل على غير ما ذنب منه إليه لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ [سورة المائدة:28] أي: لا أقابلك على صنيعك الفاسد بمثله، فأكون أنا وأنت سواء في الخطيئة؛ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ [سورة المائدة:28] أي من أن أصنع كما تريد أن تصنع بل أصبر وأحتسب.

يعني ظاهر هذا الكلام لا سيما آخره "بل أصبر وأحتسب" هو الذي يقوله عامة أهل العلم من المفسرين وغيرهم، وهو المتبادر من ظاهر القرآن أنه ترك دفعه، بمعنى أنه لم يقابله على إرادة القتل بمدافعته أو نحو ذلك، وفهم منه بعض أهل العلم أنه موافق لقول النبي ﷺ: كن كابن آدم[2] وفي بعض الروايات: فليكن كخير ابني آدم[3]، أو كما قال -عليه الصلاة والسلام- لما قال: أفرأيت إن دخل عليّ بيتي فبسط يده إلي ليقتلني، ففهم منها بعض أهل العلم أنها تفسر هذه الآية، أي أن الأكمل للإنسان ألا يدفع عن نفسه من أراد قتله. 

وهذا المعنى رده كبير المفسرين ابن جرير الطبري -رحمه الله- وقال: ليس هذا هو المراد، وأن ابن آدم -هابيل- على الروايات الإسرائيلية لم يترك دفعه، ويقول ابن جرير: إنهم يريدون من رواية أنه قتله وهو نائم ليكون المراد أنه يقول له لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ [سورة المائدة:28] يعني أنه لا يصدر مني ذلك ابتداء فأنا لا أقدم على عمل مثل هذه الأعمال، وليس المراد أنه لا يرده عن نفسه، وأن هذا غير مطلوب أصلاً.

وبعضهم يقول: لعله في شرع من قبلنا، وأن حديث: كن كابن آدم قد لا يكون المراد منه هذا أصلاً، وإنما المراد به القتال في الفتنة؛ وذلك أن النبي ﷺ ذكر الفتن فقال: ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي والماشي فيها خير من الساعي[4] فسئل هذا السؤال[5].

كما جاء أيضاً أنه إذا خاف بريق السيف فليغط وجهه، والحاصل أنه في قتال الفتنة لا يشارك فيها بحال من الأحوال وهي التي ورد فيها أنه يتخذ سيفاً من خشب، أو أنه يضرب بسيفه على حجر فلا يقاتل ولا يشترك في ذلك، أما في غير الفتنة إذا جاء أحد يريد قتله فإنه لا يذعن له وينقاد، بل يدفعه عن نفسه، فالنبي ﷺ قال: من قتل دون نفسه فهو شهيد[6] .

وبعض أهل العلم فهم من حديث: من قتل دون نفسه فهو شهيد أنه ليس معناه أن يدفع عن نفسه، وهذا الفهم غير صحيح، وعلى كل حال ينبغي للمرء أن يدفع بالأسهل بمعنى لا يكون دفعه ابتداء بالقتل، وإنما يدفع بالأسهل فالأسهل فإذا كان لا يمكن دفعه إلا بالقتل فإنه إن قتله وعنده ما يثبت أن هذا جاء لقتله بحيث سطا على داره يريد قتله أو نحو ذلك فقتله لهذا دفعاً عن نفسه وأنه لم يجد مندوحة من دفعه إلا بالقتل فإنه لا يؤخذ به ولا يقتص منه؛ لأن دفع الصائل إن كان لا يمكن إلا بالقتل فإنه يقتل، لكنه لا يدفع بالقتل ابتداء.

قال عبد الله بن عمرو -ا: "وأيم الله إن كان لأشد الرجلين ولكن منعه التحرج، يعني الورع".

هذا على أساس أنه لم يدفع عن نفسه، وعلى كل حال فقول ابن جرير -رحمه الله: إن مراده بذلك أني لن أستحل قتلك ولا يقع مني ذلك ابتداء.

ولهذا ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه[7].

مثل ابن جرير يحمل هذا الحديث على حظوظ النفس، وأن كل واحد يريد قتل الآخر لعداوة بينهما، أو لشر وقع بينهما، ولخصومة وقعت بينهما، فكل واحد يريد أن يعتدي على صاحبه، وليس معناه أن أحدهما كان في مقام الدفع عن نفسه.

وروى الإمام أحمد أن سعد بن أبي وقاص قال عند فتنة عثمان: أشهد أن رسول الله ﷺ قال: إنها ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي قال: أفرأيت إن دخل عليّ بيتي فبسط يده إلي ليقتلني، فقال: كن كابن آدم وكذا رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن[8].

الجمهور يحملون هذا على أن المراد به القتال في الفتنة وليس الدفع عن النفس، وسياقه يدل على هذا.

وفي الباب عن أبي هريرة وخباب بن الأرت وأبي بكر وابن ومسعود وأبي واقد وأبي موسى وخرشة - وأرضاهم أجمعين.

وقوله: إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ [سورة المائدة:29] قال ابن عباس -ا- ومجاهد والضحاك وقتادة والسدي في قوله: إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ [سورة المائدة:29] أي: بإثم قتلي وإثمك الذي عليك قبل ذلك، قاله ابن جرير.

قوله: أَن تَبُوءَ المباءة هي المنزل الذي يرجع إليه الناس بعد انتشارهم في أعمالهم وأشغالهم، وقوله: أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ [سورة المائدة:29] يعني أن تقع في عاقبة فعلك السيئة وجزاء هذا الجرم والذنب والمعصية.

يقول: "أي بإثم قتلي وإثمك الذي عليك قبل ذلك قاله ابن جرير" هذا القول هو الذي عليه أكثر العلماء، أي أنه قتله فباء بإثمه بهذا الاعتبار، وقوله: وَإِثْمِكَ يعني ذنوبك السابقة، فأنت جمعت بين هذا وهذا، هذا الذي عليه عامة أهل العلم، واختيار كبير المفسرين ابن جرير ووافقه عليه ابن كثير.

ومن أهل العلم من يحمله على معنىً آخر فيقول: بِإِثْمِي لو كنت حريصاً على قتلك وَإِثْمِكَ حيث كنت حريصاً على قتلي وفعلت ذلك، ولكن هذا المعنى: لو كنت حريصاً على قتلك فيه بعد والله تعالى أعلم.

بعضهم حمل معنى قوله: إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ على ما جاء في صحيح مسلم مما يكون في القصاص يوم القيامة بأنه يؤتى بالظالم والمظلوم، فالمظلوم يأخذ من حسنات الظالم حتى يستوفي، فإن لم يكن له حسنات أو انقضت حسناته فإنه يؤخذ من سيئات المظلوم وتوضع على الظالم، لكن هذا أيضاً لا يخلو من بعد في تفسير هذه الآية، وأحسن ما تفسر به هو بإثم قتلي وإثم أعمالك السيئة السابقة، والله تعالى أعلم، ثم إن هذا لا يخالف قوله -تبارك وتعالى: وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [سورة الأنعام:164] فهذا من أوزاره وأعماله وذنوبه وجرائمه.

مسألة:

في قوله: إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ [سورة المائدة:29] هل كان مريداً له أن يقع بالذنب والجرم والمعصية وأن يكون من أصحاب النار؟

كثير من أهل العلم من المفسرين حاول أن يخرج ذلك على معنىً ربما لا يوافق الظاهر، فعلى كل حال منهم من يقول: ليس معنى ذلك أنه كان يريد وقوع المعصية منه، فهذا لا يريده أحد من المؤمنين؛ وهذا منكر لا يصح أن يريد إيقاعه، ويقولون: إنما امتناعه كان بمنزلة هذه الإرادة، أو كأنه يقول: أنا لا أريد أن أقع في هذا، فإن اخترته لنفسك فأنا لا أقع فيه، وعلى كل حال يمكن أن يقال -والله تعالى أعلم: إنه قال له ذلك كأنه يخوفه ويحذره غب هذا الفعل وعاقبته السيئة ويعلل له ترك مقابلته بمثل فعله من أن يكون قاتلاً له ابتداء، فيقول: أنا لا أفعل هذا ولا أقصده، ومن قصده وتعمده فإنه يكون من أصحاب النار، يمكن أن يقال هذا، والعلم عند الله .

وقوله تعالى: فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ [سورة المائدة:30] أي: فحسنت وسولت له نفسه وشجعته على قتل أخيه فقتله، أي: بعد هذه الموعظة وهذا الزجر.

وقال ابن جرير: لما أراد أن يقتله جعل يلوي عنقه، فأخذ إبليس دابة ووضع رأسها على حجر ثم أخذ حجراً آخر فضرب به رأسها حتى قتلها، وابن آدم ينظر ففعل بأخيه مثل ذلك.

على كل حال هذا من المأخوذ من الإسرائيليات.

رواه ابن أبي حاتم وقال عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه قال: أخذ برأسه ليقتله فاضطجع له، وجعل يغمز رأسه وعظامه ولا يدري كيف يقتله، فجاءه إبليس فقال: أتريد أن تقتله، قال: نعم، قال: فخذ هذه الصخرة فاطرحها على رأسه، قال: فأخذها فألقاها عليه فشدخ رأسه، ثم جاء إبليس إلى حواء مسرعاً فقال: يا حواء إن قابيل قتل هابيل، فقالت له: ويحك وأي شيء يكون القتل؟، قال: لا يأكل ولا يشرب ولا يتحرك، قالت: ذلك الموت، قال: فهو الموت، فجعلت تصيح حتى دخل عليها آدم وهي تصيح، فقال: ما لك؟ فلم تكلمه، فرجع إليها مرتين فلم تكلمه فقال: عليك الصيحة وعلى بناتك، وأنا وبني منها براء. [رواه ابن أبي حاتم].

قوله: "عليك الصيحة وعلى بناتك" يعني أن البكاء من شأن النساء وليس من شأن الرجال، كما قال الشاعر:

بنفسي وأهلي من إذا عرضوا له ببعض الأذى لم يدرِ كيف يجيب
فلم يعتذر عذر البريء ولم تزل به سكتة حتى يقال غريب

يعني أن سلاحها دموعها، لكن هذا من المأخوذ من الإسرائيليات.

وقوله: فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ [سورة المائدة:30] أي في الدنيا والآخرة، وأي خسارة أعظم من هذه؟.

وقد روى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: لا تُقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنه كان أول من سن القتل وقد أخرجه الجماعة سوى أبي داود[9].

وروى ابن جرير عن عبد الله بن عمرو -ا- أنه كان يقول: إن أشقى الناس رجلاً ابن آدم الذي قتل أخاه، ما سُفك دم في الأرض منذ قتل أخاه إلى يوم القيامة إلا لحق به منه شر، وذلك أنه أول من سن القتل.

وقوله تعالى: فَبَعَثَ اللّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ [سورة المائدة:31] قال السدي بإسناده المتقدم إلى الصحابة -: لما مات الغلام تركه بالعراء، ولا يعلم كيف يدفن، فبعث الله غرابين أخوين فاقتتلا، فقتل أحدهما صاحبه، فحفر له ثم حثا عليه، فلما رآه قال: يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي [سورة المائدة:31].

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس -ا- قال: جاء غراب إلى غراب ميت فحثا عليه من التراب حتى واراه، فقال الذي قتل أخاه: يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي [سورة المائدة:31].

وقوله: فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ [سورة المائدة:31] قال الحسن البصري: علاه الله بندامة بعد خسران.

كثير من أهل العلم يقولون: إن هذا الندم لم يكن توبة، وإنما لما رأى أن هذا الغراب أحسن حالاً منه ومعرفة ندم، والله أعلم.

وبالنسبة للدخول في مثل هذه التفاصيل لا دليل عليها، ثم إن في الرواية التي قبل قليل والتي فيها أن إبليس جاء إلى حواء وقال لها: إن قابيل قتل هابيل، قالت: وما القتل؟ قال: لا يأكل ولا يشرب، هذا يناقض القرآن إذ كيف لا يعرفون القتل والقاتل نفسه حينما كان يخاطب أخاه قال له: لَأَقْتُلَنَّكَ [سورة المائدة:27] فرد عليه إجابة عنه: لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ [سورة المائدة:28] فهذا يدل على أنهم يعرفون القتل، ثم إن الله قد علم آدم الأسماء كلها، وإذا كان هابيل وقابيل لا يعرفون القتل فمن أين عرفوا أن هذا يقال له قتل، فهذا من كذب بني إسرائيل؛ لأنه كلام متناقض، والقرآن يكذبه.

وقد ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: ما ذنب أجدر أن يعجل الله عقوبته في الدنيا مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم [10]وقد اجتمع في فعل قابيل هذا وهذا، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
  1. أخرجه أبو داود في كتاب الزكاة - باب ما لا يجوز من الثمرة في الصدقة (1610) (ج 2 / ص 25) وابن ماجه في كتاب الزكاة - باب النهي أن يخرج في الصدقة شر ماله (1821) (ج 1 / ص 583) وحسنه الألباني في سنن أبي داود برقم (1608).
  2. أخرجه الترمذي في كتاب الفتن – باب ما جاء تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم (2194) (ج 4 / ص 486) وأحمد (1609) (ج 1 / ص 185) وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (2431).
  3. أخرجه أبو داود في كتاب الفتن - باب في النهي عن السعي في الفتنة (4261) (ج 4 / ص 162) وابن ماجه في كتاب الفتن - باب التثبت في الفتنة (3961) (ج 2 / ص 1310) وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (2049).
  4. أخرجه البخاري في كتاب الفتن - باب تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم (6670) (ج 6 / ص 2594) ومسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة - باب نزول الفتن كمواقع القطر (2886) (ج 4 / ص 2211).
  5. كما سبق في سنن أبي داود كتاب الفتن - باب في النهي عن السعي في الفتنة (4261) (ج 4 / ص 162) والترمذي في كتاب الفتن – باب ما جاء تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم (2194) (ج 4 / ص 486) وابن ماجه في كتاب الفتن - باب التثبت في الفتنة (3961) (ج 2 / ص 1310).
  6. أخرجه ابن عساكر عن علي وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (4172).
  7. أخرجه البخاري في كتاب الإيمان – باب وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا [سورة الحجرات:9] (31) (ج 1 / ص 20) ومسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة - باب إذا تواجه المسلمان بسيفيهما (2888) (ج 4 / ص 2213).
  8. قوله –عليه الصلاة والسلام: إنها ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي أخرجه البخاري في كتاب الفتن - باب تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم (6670) (ج 6 / ص 2594) ومسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة - باب نزول الفتن كمواقع القطر (2886) (ج 4 / ص 2211) وأخرجه بتمامه أبو داود في كتاب الفتن - باب في النهي عن السعي في الفتنة (4261) (ج 4 / ص 162) والترمذي في كتاب الفتن – باب ما جاء تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم (2194) (ج 4 / ص 486) وابن ماجه في كتاب الفتن - باب التثبت في الفتنة (3961) (ج 2 / ص 1310).
  9. أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء - وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة (3157) (ج 3 / ص 1213) ومسلم في كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات - باب بيان إثم من سن القتل (1677) (ج 3 / ص 1303).
  10. أخرجه أبو داود في كتاب الأدب - باب في النهى عن البغي (4904) (ج 4 / ص 427) والترمذي في كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله ﷺ – باب - 57 – (2511) (ج 4 / ص 664) وابن ماجه في كتاب الزهد - باب البغي (4211) (ج 2 / ص 1408) وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (5704).

مواد ذات صلة