الخميس 18 / ذو القعدة / 1441 - 09 / يوليو 2020
[7] من قول الله تعالى: {وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيَاتِ} الآية 55 إلى قوله تعالى: {لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ} الآية 65.
تاريخ النشر: ٠٨ / ربيع الأوّل / ١٤٢٧
التحميل: 3557
مرات الإستماع: 2436

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المفسر -رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى:

وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ۝ قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ قُل لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ ۝ قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ ۝ قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ ۝ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ [سورة الأنعام:55-59].

يقول تعالى وكما بينا ما تقدم بيانه من الحجج والدلائل على طريق الهداية والرشاد وذم المجادلة والعناد، كَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيَاتِ [سورة الأنعام:55] أي: التي يحتاج المخاطبون إلى بيانها وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ [سورة الأنعام:55] أي: ولتظهر طريق المجرمين المخالفين للرسل، وقُرئ: (وليستبين سبيل المجرمين) أي: وليستبين يا محمد أو يا مخاطب سبيل المجرمين.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -تبارك وتعالى: وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ [سورة الأنعام:55] هذه قراءة الجمهور برفع سَبِيلُ باعتبار أنه فاعل، أي لتظهر سبيل المجرمين، والسبيل هي الطريق تُذكَّر وتؤنث.

وقرأ نافع بنصب سبيلَ هكذا: (ولتستبين سيبلَ المجرمين) أي: ولتستبين أنت يا محمد سبيل المجرمين، يعني لتعرفها وتتبينها، والفرق بين القراءتين واضح.

وهناك قراءة أخرى بالياء (وليستبين سبيلُ المجرمين) والمعنى واحد في القراءتين باعتبار أن سَبِيلُ فاعل أي: تظهر وتنكشف بما يبينه الله ويظهره فتكون لا خفاء فيها.

أما على قراءة (ولتستبين سبيلَ المجرمين) بمعنى ولتستبين يا محمد طريقَ المجرمين أي: لتعرفها، فـسبيلَ على هذه القراءة تكون مفعولاً به.

وقوله: قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي [سورة الأنعام:57] أي: على بصيرة من شريعة الله التي أوحاها الله إليَّ وَكَذَّبْتُم بِهِ [سورة الأنعام:57] أي: بالحق الذي جاءني من الله.

قوله: إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ [سورة الأنعام:57] قال ابن كثير: "أي: بالحق الذي جاءني من الله" والحق الذي جاء به هو القرآن، وبعضهم يقول: وَكَذَّبْتُم بِهِ أي: بربي الله، وبعضهم يقول: بالقرآن، وبعضهم يقول: بالبينة المذكورة في قوله: إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ [سورة الأنعام:57] أي: بالبينة، وإن كانت البينة مؤنثة فإن الضمير رجع إليها مذكراً باعتبار المعنى أي أن البينة بمعنى البرهان وهو مذكر، ومعلوم أنه قد يعود الضمير مذكراً باعتبار المعنى، وبعضهم يقول: قوله: وَكَذَّبْتُم بِهِ أي: بالعذاب.

مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ [سورة الأنعام:57] أي: من العذاب إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ [سورة الأنعام:57] أي: إنما يرجع أمر ذلك إلى الله إن شاء عجَّل لكم ما سألتموه من ذلك وإن شاء أنظركم وأجَّلكم لما في ذلك من الحكمة العظيمة، ولهذا قال: يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ [سورة الأنعام:57] أي: وهو خير من فصل القضايا، وخير الفاتحين في الحكم بين عباده.

يقول: يَقُصُّ الْحَقَّ على قراءة نافع وابن كثير وعاصم بالصاد، ويمكن أن يكون المعنى يَقُصُّ الْحَقَّ من القصص كما قال تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ [سورة يوسف:3]، ويمكن أن يكون من قص الأثر بمعنى تبعه، أي: يتبع الحق فيما يحكم به بينكم.

وفي القراءة الأخرى المتواترة (يقضِ) بالضاد من القضاء بمعنى يحكم ويفصل، وهذا معروف.

وقوله: قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ [سورة الأنعام:58] أي: لو كان مرجع ذلك إليّ لأوقعت لكم ما تستحقونه من ذلك.

قوله تعالى: وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ [سورة الأنعام:57] أي: خير الحاكمين، وهذه الخاتمة قرينة على تفسير القصِّ بالاتِّباع، وإن كان هذا ليس بلازم، لكن يمكن أن يقول هذا من قال: إن القص هنا من الإتباع أي: تبع أثره بمعنى يتبع الحق فيما يحكم بينكم فيه.

كما أنه يمكن أن تكون خاتمة هذه الآية قرينة على القراءة الأخرى (يقضِ) التي بمعنى يحكم فيقال: إن المعنى: إنه يحكم الحق وهو خير الحاكمين.

وعلى كل حال فالقاعدة أنه إذا كان للآية أكثر من قراءة وكان لكل قراءة معنى يخصها فإن تعدد القراءات بمنزلة تعدد الآيات.

وقوله: قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ [سورة الأنعام:58] أي: لو كان مرجع ذلك إلي لأوقعت لكم ما تستحقونه من ذلك وَاللّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ [سورة الأنعام:58].

فإن قيل: فما الجمع بين هذه الآية وبين ما ثبت في الصحيحين عن عائشة -ا- أنها قالت لرسول الله ﷺ: يا رسول الله، هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذا عرضت نفس على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد ظللتني، فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، قال: فناداني ملك الجبال وسلَّم عليَّ، ثم قال: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فيما شئت، إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين» فقال رسول الله ﷺ: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئاً وهذا لفظ مسلم[1].

فقد عرض عليه عذابهم واستئصالهم فاستأنا بهم وسأل لهم التأخير؛ لعل الله أن يخرج من أصلابهم من لا يشرك به شيئاً، فما الجمع بين هذا وبين قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ [سورة الأنعام:58]؟

فالجواب والله أعلم أن هذه الآية دلت على أنه لو كان إليه وقوع العذاب الذي يطلبونه حال طلبهم له لأوقعه بهم، وأما الحديث فليس فيه أنهم سألوه وقوع العذاب بهم بل عرض عليه ملك الجبال أنه إن شاء أطبق عليهم الأخشبين، وهما جبلا مكة اللذان يكتنفانها جنوباً وشمالاً، فلهذا استأنا بهم وسأل الرفق لهم.

الجواب واضح، وهو أن في هذه الآية طلبوا العذاب فقال: لو أنه عندي لأتيتكم به، وأما في الحديث فإنه لقي منهم هذا الإعراض والتكذيب فأصابه الهم بسبب ذلك فجاءه الملك فعرض عليه أن يعجل العقوبة لهم أو يفعل بهم ما شاء فاستأنا بهم، أي أن الحديث كان لما لم يؤمنوا وليس عند طلبهم العذاب، والله أعلم.

وقوله تعالى: وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ [سورة الأنعام:59].

يقول تعالى: وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ [سورة الأنعام:59] المِفتح –بكسر الميم- يمكن أن تجمع على مفاتيح ومفاتح، وأما المَفتح –بفتح الميم- فلا تجمع إلا على مفاتِح، ولذلك يحتمل أن تكون المفاتِح هنا جمع مَفْتَح وعلى هذا فهي الخزانة فيكون قوله: وَعِندَهُ مَفَاتِحُ أي: خزائن الغيب، ويحتمل أن تكون جمع مِفْتَح وعلى هذا تكون مفاتح جمع مفتاح، وهذا كله معروف في كلام العرب، وبين المعنيين ملازمة لا تخفى؛ فإن مخازن الشيء قد لا يتوصل إليها إلا بفتحها بمفاتيحها، فالله عنده مفاتح الغيب -بمعنى خزائن الغيب- وعنده مفاتيح الغيب، والله تعالى أعلم.

روى البخاري عن سالم بن عبد الله عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [سورة لقمان:34][2].

وقوله: وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [سورة الأنعام:59] أي محيط علمه الكريم بجميع الموجودات بريِّيها وبحريِّيها لا يخفى عليه من ذلك شيء، ولا مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء.

وقوله: وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا [سورة الأنعام:59] أي: ويعلم الحركات حتى من الجمادات فما ظنُّك بالحيوانات ولا سيما المكلفون منهم من جنهم وإنسهم كما قال تعالى: يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [سورة غافر:19].

وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۝ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ ۝ ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [سورة الأنعام:60-62]

يقول تعالى: إنه يتوفى عباده في منامهم بالليل وهذا هو التوفي الأصغر كما قال تعالى: إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [سورة آل عمران:55] وقال تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [سورة الزمر:42] فذكر في هذه الآية الوفاتين الكبرى والصغرى وهكذا ذكر في هذا المقام حكم على الوفاتين الصغرى ثم الكبرى.

سبق الكلام في غير موضع من التفسير أن الوفاة لها معنى لغوي وهو الاستيفاء، ولها معنى شرعي وهو الموت، ويكون الموت بالوفاة الكبرى أي بخروج الروح من الجسد، ويكون بالوفاة الصغرى أي بارتفاعها عن الجسد ارتفاعاً خاصاً غيبياً ينتفي معه الإدراك مع بقاء الحياة، وهذا هو المعنى الشرعي، وقد ذكرنا في قوله -تبارك وتعالى: يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ [سورة آل عمران:55] أن الأصل أن يحمل التوفي على المعنى الشرعي فإن لم يوجد فإنه يلجأ بعد ذلك إلى العرف أو اللغة، والذي مشى عليه ابن كثير -رحمه الله- هنا هو المعنى الشرعي؛ لأن الله تعالى يقول: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ [سورة الزمر:42].

وهكذا ذكر في هذا المقام حكم الوفاتين الصغرى ثم الكبرى فقال: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ [سورة الأنعام:60] أي: ويعلم ما كسبتم من الأعمال بالنهار.

فسر الاجتراح هنا بالكسب، وأصل الاجتراح هو اكتساب الإنسان بالجارحة، أي: باليد أو بالرجل أو بالفم، فاكتسابه بالجوارح هو الاجتراح، ثم بعد ذلك تُوسِّع في استعمال هذه اللفظة فصار ذلك يطلق على كل اكتساب ولو كان بغير هذه الجوارح، وعلى هذا فقوله: وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم [سورة الأنعام:60] أي: ما كسبتم بأي طريق كان.

وهكذا ذكر في هذا المقام حكم الوفاتين الصغرى ثم الكبرى فقال: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ [سورة الأنعام:60] أي: ويعلم ما كسبتم من الأعمال بالنهار.

وهذه جملة معترضة دلت على إحاطة علمه تعالى بخلقه في ليلهم ونهارهم في حال سكونهم وحال حركتهم كما قال: سَوَاء مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ [سورة الرعد:10] وكما قال تعالى: وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ [سورة القصص:73] أي: في الليل، وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ أي: في النهار، كما قال: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا ۝ وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا [سورة النبأ:10-11] ولهذا قال تعالى هاهنا: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ [سورة الأنعام:60] أي: ما كسبتم من الأعمال فيه.

يقول ابن كثير –رحمه الله: "وهذه جملة معترضة" وعلى هذا يكون المعنى وهو الذي يتوفاكم بالليل ثم يبعثكم ليُقضى أجل مسمى، وتكون الجملة المعترضة أعني قوله: وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ [سورة الأنعام:60] لتقرير هذا المعنى وتوضيحه وما إلى ذلك.

ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ [سورة الأنعام:60] أي: في النهار.

قوله: "أي: في النهار" هذا قال به أيضاً كبير المفسرين ابن جرير -رحمه الله- وقال ابن كثير: قاله مجاهد وقتادة والسدي.

وبعضهم يقول: في الآية تقديم وتأخير، والتقدير يكون هكذا: وهو الذي يتوفاكم بالليل ثم يبعثكم بالنهار ويعلم ما جرحتم فيه بعد انقضاء الليل فينتشرون في مصالحهم كما ذكر الله بأنه جعل النهار معاشاً، وأما الليل فهو يسبتون فيه وينقطعون فيه عن الأشغال والأعمال ويخلدون فيه إلى الراحة.

وبعضهم يقول: إن قوله: ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ [سورة الأنعام:60] أي: في المنام.

وقوله: لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى [سورة الأنعام:60] يعني به أجل كل واحد من الناس.

الأجل المسمى هنا يراد به الموت، وهو أحسن ما يفسر به، وهو اختيار بن جرير -رحمه الله- وما عداه من الأقوال ففيها بعد.

ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ [سورة الأنعام:60] أي يوم القيامة ثُمَّ يُنَبِّئُكُم [سورة الأنعام:60] أي: فيخبركم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [سورة الأنعام:60] أي: ويجزيكم على ذلك إن خيراً فخير وإن شراً فشر.

وقوله: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ [سورة الأنعام:61] أي: وهو الذي قهر كل شيء وخضع لجلاله وعظمته وكبريائه كل شيء.

وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً أي: من الملائكة يحفظون بدن الإنسان.

سبق في قوله تعالى: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ [سورة الأنعام:18] أن المراد بالفوقية فوقية الذات، وفوقيه القدر والمنزلة، وفوقية القهر.

كقوله: لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ [سورة الرعد:11] وحفظة يحفظون عمله ويحصونه عليه كقوله: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ الآية [سورة الانفطار:10] وكقوله: إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ ۝ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [سورة ق:17-18].

يعني أنه لم يحدد هنا من ماذا يحفظونهم الحفظة حيث قال: وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً وأحسن ما يفسر به القرآن القرآن، وقد جاء في القرآن أن هؤلاء الحفظة يحفظون جسده حيث قال تعالى: لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ [سورة الرعد:11]، وجاء أيضاً في مواضع أخرى أنهم يحفظون عمله، قال تعالى: مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [18سورة ق:] وقال تعالى: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ [سورة الانفطار:10].

وقوله: حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ [سورة الأنعام:61] أي: احتضر وحان أجله تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا [سورة الأنعام:61] أي: ملائكة موكلون بذلك.

قال ابن عباس -ا- وغير واحد: لملك الموت أعوان من الملائكة.

هذا جواب على سؤال مقدر وهو أن الله قال: قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ [سورة السجدة:11] فهو واحد وهنا قال الله : تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا [سورة الأنعام:61] بالجمع فكيف الجمع بين الآيتين؟

يكون الجواب أن ملك الموت له أعوان من الملائكة، فأضيف ذلك الجمع إليهم بهذا الاعتبار، ولما قال تعالى: قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ [سورة السجدة:11] فهذا باعتبار أنه الموكل بهذا وهو كبيرهم ورئيسهم.

قال ابن عباس -ا- وغير واحد: لملك الموت أعوان من الملائكة يخرجون الروح من الجسد فيقبضها ملك الموت إذا انتهت إلى الحلقوم.

وقوله: وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ [سورة الأنعام:61] أي: في حفظ روح المتوفى، بل يحفظونها وينزلونها حيث شاء الله إن كان من الأبرار ففي عليين، وإن كان من الفجار ففي سجين، عياذاً بالله من ذلك.

وقوله: ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ [سورة الأنعام:62].

روى الإمام أحمد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: إن الميت تحضره الملائكة فإذا كان الرجل الصالح قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة وابشري بروح وريحان ورب غير غضبان، فلا تزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان، فيقال: مرحباً بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة وابشري بروح وريحان ورب غير غضبان، فلا تزال يقال لها ذلك حتى يُنتهى بها إلى السماء التي فيها الله ، وإذا كان الرجل السوء قالوا: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة وابشري بحميم وغسَّاق، وآخر من شكله أزواج، فلا تزال يقال لها ذلك حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها فيقال: من هذا فيقال: فلان، فيقال: لا مرحباً بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة فإنه لا يفتح لك أبواب السماء، فترسل من السماء ثم تصير إلى القبر، فيجلس الرجل الصالح فيقال له مثل ما قيل في الحديث الأول، ويجلس الرجل السوء فيقال له مثل ما قيل في الحديث الأول[3].

ويحتمل أن يكون المراد بقوله: ثُمَّ رُدُّواْ [سورة الأنعام:62] يعني الخلائق كلهم إِلَى اللّهِ يوم القيامة فيحكم فيهم بعدله، كما قال: قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ ۝ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ [سورة الواقعة:49-50] وقال: وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا [سورة الكهف:47] إلى قوله: وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [سورة الكهف:49] ولهذا قال: مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [سورة الأنعام:62].

يقول: وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [سورة الأنعام:62] باعتبار أنه -تبارك وتعالى- لا يحتاج إلى عد ولا يحتاج إلى مدة يحسب فيها الأعمال على كثرتها وكثرة المحاسبين من الخلائق مع كثرة جرائمهم وأعمالهم، فحساب هذه النفوس الكثيرة كحساب نفس واحدة، وهذا يدل على كمال قدرته -جل وعلا- وأنه لا يعجزه شيء ولا يتعاصاه شيء.

قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ۝ قُلِ اللّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ ۝ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ [سورة الأنعام:65].

يقول تعالى: قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ الظلمة معروفة وهي ضد النور، وفسرها بعض أهل العلم هنا بخفاء الطريق وانطماس معالمها، والمعنى إذا تاهوا في البر أو في البحر، وعلى كل حال فالعرب تعبر بالظلمات عن الشدائد فيقولون: يوم مظلم، وربما قالوا في اليوم الشديد: يوم ذو كواكب، بمعنى أن ذلك اليوم لشدة ظلمته يُحتاج فيه إلى الكواكب، يعني إذا لم يوجد القمر فإنهم يضطرون إلى الكواكب لشدة الظلمة، ويعبرون بذلك أو يكنون به عن اليوم الذي فيه كرب شديد.

وعلى كل حال فإن الله تعالى قال: مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [سورة الأنعام:63] ثم قال بعده: قُلِ اللّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ [سورة الأنعام:64] وهذا يكون كالتفسير لما قبله باعتبار أن ظلمات البر والبحر هي كروب البر والبحر، أي ما يحصل للإنسان فيه من الكرب سواء كان ذلك إذا ضل فيها فهذا يعني أنه قد وقع في شدة؛ لأن الهلاك ينتظره، ويمكن أن يكون المراد بذلك أيضاً هي الكروب كما فسره بعضهم، وليس بين هذه المعاني منافاة، بمعنى أنه إن غابت عنه العلامات التي يعرف بها الطريق فلم يهتدِ إليها وضل في طريقه، أو كان ذلك بشدةٍ تقع له بأي لون كان سواء أوشك على الغرق أو وقع في مسبعة في البر، أو غير ذلك من الأمور فكل هذا من كروب البر والبحر.

يقول تعالى ممتناً على عباده في إنجائه المضطرين منهم من ظلمات البر والبحر أي الحائرين الواقعين في المهامة البرية وفي اللجج البحرية إذا هاجت الرياح العاصفة، فحينئذ يفردون الدعاء له وحده لا شريك له كقوله: وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ الآية [سورة الإسراء:67] وقوله: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ الآية [سورة يونس:22] وقوله: أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [سورة النمل:63] وقال في هذه الآية الكريمة: قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً [سورة الأنعام:63] أي: جهراً وسراً لَّئِنْ أَنجَانَا [سورة الأنعام:63] أي: من هذه الضائقة لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ [سورة الأنعام:63]أي: بعدها.

قوله: لَّئِنْ أَنجَانَا [سورة الأنعام:63] هذه قراءة الكوفيين، وعلى قراءة أهل المدينة وأهل الشام (لَئِنْ أَنجَيْتَنَا) والمعنى يرجع إلى شيء واحد، فإن قالوا: لَّئِنْ أَنجَانَا أي: الله، وإن قالوا: (لَئِنْ أَنجَيْتَنَا) فباعتبار الخطاب.

وعلى قراءة (لَئِنْ أَنجَيْتَنَا) [سورة الأنعام:63] يكون هذا من قبيل الالتفات من الغائب إلى المخاطب كما في سورة الفاتحة: الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ۝ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الفاتحة:2-3] يعني هو الرحمن الرحيم، ثم قال: مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ [سورة الفاتحة:4] يعني هو مالك يوم الدين، ثم قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [سورة الفاتحة:5] فهنا توجه الخطاب إليه، وفي قوله: مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ [سورة الأنعام:63] جاء الكلام بضمير الغيبة، ثم قال: لَئِنْ أَنجَيْتَنَا [سورة يونس:22] توجه بالخطاب إليه أيضاً، وهذا أسلوب معروف في القرآن وهو كثير، وهذا الالتفات سواء كان من الغائب إلى المخاطب أو العكس، أو بغير هذا من أنواع الالتفات كله معروف عند العرب، والله أعلم.

قال الله: قُلِ اللّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ [سورة الأنعام:64] أي: تدعون معه في حال الرفاهية آلهة أخرى.

الكرب بمعنى الغم، فقول الله : قُلِ اللّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ [سورة الأنعام:64] أي: من كل غم وشدة وضيق كما قال عنترة:

ومكروب كشفت الكرب عنه بطعنة فيصل لما دعاني

يعني ومغتم كشفت الكرب عنه.

قوله تعالى: قُلِ اللّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ [سورة الأنعام:64] المحترزات في القرآن تقع في كل موضع بحسبه، فقد يفهم من قوله: قُلِ اللّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا [سورة الأنعام:64] أي أنه ينجيكم من ظلمات البر والبحر خاصة، لكنه بيّن أنه ينجيكم من جميع الكروب وليس من هذه التي ذكرت فقط.

وقوله: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ [سورة الأنعام:65] لما قال: ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ [سورة الأنعام:64] عقبه بقوله: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا [سورة الأنعام:65] أي: بعد إنجائه إياكم كقوله في سورة سبحان: رَّبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ۝ وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا ۝ أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً ۝ أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفا مِّنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا [سورة الإسراء:66-69].

قوله: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ [سورة الأنعام:65] الخطاب عَلَيْكُمْ هل يرجع إلى المسلمين أو يرجع إلى غيرهم؟ ابن جرير -رحمه الله- يقول: إن هذا الخطاب متوجه إلى المشركين المكذبين، واحتج لذلك بما سبق من قوله -تبارك وتعالى: ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ [سورة الأنعام:64] فيقول: هؤلاء الذين إذا ركبوا في البحر أو وقع لهم شدة في البر دعوا الله وأفردوه بالعبادة فإذا حصلت لهم النجاة والخلاص رجعوا إلى تكذيبهم وشركهم، وعلى هذا فقوله: أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ [سورة الأنعام:65] يعني يا أهل الإشراك ومن سلك سبيلهم في التكذيب ومعارضة الرسل -عليهم الصلاة والسلام.

روى البخاري -رحمه الله تعالى- في قوله تعالى: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ [سورة الأنعام:65] يَلْبِسَكُمْ يخلطكم من الالتباس، يلبسوا يخلطوا شيعاً فرقاً[4].

بمعنى أن الله يجعلهم على أهواء مختلفة مختلطة حيث تختلف آراؤهم الاختلاف المذموم الذي يحصل به التدابر والتقاطع ثم القتال، فيكون العذاب واقع عليهم بهذا الاعتبار، أي أن قوله: وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ يعني يتسلط بعضهم على بعض وتقع بينهم العداوة والبغضاء فيكون الاقتتال والشر الذي يذوقون فيه هذا العذاب -نسأل الله العافية- كما هو الحاصل في حال هذه الأمة حيث صارت فرقاً وأهواء مختلفة، وحصل بينهم من العداوة والقتال ما لا يخفى، حيث كان ذلك قد وقع منذ أزمان متطاولة -منذ عهد الخلفاء الراشدين بظهور رؤوس الفرق، ثم لا زال هذا الأمر يتسع في الأمة وربما لقوا من هؤلاء المنتسبين إلى الإسلام أشد مما يلقون من اليهود والنصارى وسائر طوائف الكفر والإشراك كما هو مشاهد في هذه الأيام، والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

والله أعلم، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

  1. أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق - باب إذا قال أحدكم آمين والملائكة في السماء فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه (3059) (ج 3 / ص 1180) ومسلم في كتاب الجهاد والسير - باب ما لقي النبي ﷺ من أذى المشركين والمنافقين (1795) (ج 3 / ص 1420).
  2. أخرجه البخاري في كتاب التفسير – باب تفسير سورة الأنعام (4351) (ج 4 / ص 1693).
  3. أخرجه أحمد (8754) (ج 2 / ص 364) وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين.
  4. صحيح البخاري (ج 4 / ص 1693).

مواد ذات صلة