الخميس 16 / شعبان / 1441 - 09 / أبريل 2020
(26- أ) حرف الصاد من قوله صد إلى صلصال
تاريخ النشر: ١٧ / جمادى الأولى / ١٤٣٦
التحميل: 1921
مرات الإستماع: 1865

تفسير التسهيل لابن جُزي

معاني اللغات (الغريب)

(26- أ) حرف الصاد من قوله: صَدَّ إلى: صَلصال

 

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله، وصحابته الطيبين الطاهرين، اللهم اغفر لنا، ولوالدينا، ولشيخنا، والحاضرين، والمستمعين، أما بعد:

فيقول الإمام ابن جُزي الكلبي -رحمه الله تعالى-: صَدَّ: له معنيان: فالمتعدي بمعنى: منَعَ غيرَه من شيء، ومصدره: صَدٌّ، ومضارعه: بالضم، وغيره بمعنى: أعرض، ومصدره: صدود.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فهذه المادة -الصَّد- ذكر ابن فارس -رحمه الله- أن معظم هذا الباب يئول إلى: إعراض، وعدول، ويجيء بعد ذلك كلمات أخرى تكون شاذة، يعني: تخرج عن هذا المعنى، فالصد: الإعراض، يقال: قد صد فلان، بمعنى: أعرض، فهو: ميل إلى أحد الجانبين، واعتبر ابن فارس معنى قوله -تبارك وتعالى-: إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ الزخرف: 57، يعني: يضجون، فهذا مما خرج عن القياس عنده، يعني: مما خرج عن هذا المعنى الأصلي الذي ذكره، وهو: الميل، والإعراض عن الشيء، فالصد: يكون منعاً، وصرفاً، أو امتناعاً، وانصرافاً، يقال: صَدَّ ويصِدُّ، يصِدون، وبعضهم فسر هذا الموضع إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ الزخرف: 57يعني: يضجون، يقولون: صد بهذا الموضع، بمعنى: استغرب ضاحكاً، والصديد: معروف، وهو: ما يخرج من الجروح من الماء الرقيق المختلط بالدم، وكثيراً ما يعبر عنه المفسرون: بما يسيل من جلود أهل النار، وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ إبراهيم: 16، والمقصود: أن هذه المادة -الصَّد- تأتي بمعنى: الامتناع، فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ النساء: 55، يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا النساء: 61، وتأتي بمعنى أيضاً: المنع، والصرف.

إذن: هي كما ذكر ابن جُزي -رحمه الله-: أن هذه المادة -الصَّد- تأتي لازمة، وتأتي متعدية، ما معنى لازمة ومتعدية؟ متعدية يعني: إلى المفعول، ولازمة بمعنى: أنه صدَّ في نفسه، فهو: صادٌّ، وأما المتعدية فذلك يعني: أنه صد غيره، صده عن كذا، صده عن الإيمان، وصده عن هذا العمل، صده عن اتباع النبي ﷺ، وأما صدَّ هو فذلك إعراض، وامتناع في نفسه، من غير أن يكون ذلك لغيره، فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ النساء: 55، صد يعني: في نفسه لم يؤمن، أمّا منْع غيره وصرفه فيقول تعالى: قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ البقرة: 217يعني: الصد عن سبيل الله، صد الناس عن الإيمان، صد الناس عن اتباع النبي ﷺ، فهذا أعظم مما ذُكر من القتال في الشهر الحرام، وهكذا في قوله: وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا النساء: 160يصدون الناس عن الإيمان، إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ محمد: 32، كثير من هذه المواضع تحتمل أن تكون لازمة، وأن تكون متعدية، يعني: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ محمد: 32، يحتمل أنهم صدوا في أنفسهم، ويحتمل أنهم صدوا غيرهم، ويمكن حمل الآية على المعنيين في كثير من هذه المواضع، باعتبار: أن القرآن يُعبَّر به بالألفاظ القليلة الدالة على المعاني الكثيرة، وكما عرفنا في مناسبات شتى أن اللفظ إذا احتمل معنيين فأكثر، ولم يمنع مانع من حمله عليها، فإنه يُحمل على هذه المعاني، وصد هذه -كما سبق-: تحتمل هذا، وتحتمل هذا في كثير من المواضع، أن تكون لازمة، أو متعدية، وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ غافر: 37، فصُد بمعنى: أنه في نفسه، وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ النحل: 94، صددتم في أنفسكم، وصددتم غيركم، وهكذا في قوله: أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى سبأ: 32، هذه قطعاً المتعدية، أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى سبأ: 32منعناكم من اتباعه، وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ المائدة: 2، هذه قطعاً بمعنى: المنع، أي: منعوكم، وهكذا في قوله: وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ النمل: 43يعني: منعها، وهكذا في قوله -تبارك وتعالى-: فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا طه: 16بمعنى: المنع، وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ الزخرف: 62بمعنى: المنع، ففي بعض المواضع يكون ذلك ظاهرًا، بل يُقطع أنها متعدية، وفي بعض الموضع يُقطع بأنها لازمة، وفي كثير من المواضع تحتمل، فتُحمل على المعنيين.

الله -تبارك وتعالى- وصف المنافقين فقال: اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً يعني: وقاية كالتُّرس، يحلفون كذباً، ويدفعون عن أنفسهم ما وجه إليهم من التهمة، اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا المجادلة: 16، صدوا هذه تحتمل أنهم صدوا في أنفسهم، واستمروا على النفاق والكفر؛ لأنهم رأوا أن هذه الأيمان تحول دون إقامة الحدود عليهم، ودون إيقاع العقوبة بهم، فيحلف منكراً ما وجه إليه من تهمة، لاحظ: هذه لازمة، فَصَدُّوا يعني: في أنفسهم، بقوا على الكفر، وبقوا على النفاق، والمعنى الآخر: فَصَدُّوا يعني: غيرَهم، على اختلاف في عبارات المفسرين، فبعضهم يقول: فَصَدُّوا أي: النبي ﷺ عن إقامة حكم الله فيهم، وبعضهم يقول: صدوا المؤمنين عن الإنفاق في سبيل الله، والجهاد في سبيله، وبعضهم يقول: فَصَدُّوا يعني: غير المسلمين عن الدخول في الإسلام، كل هذه المعاني صحيحة، هذا باعتبار: أنها متعدية، فهذا كما قال ابن جُزي -رحمه الله-: المتعدي بمعنى: منَعَ غيرَه من شيء، ومصدره: صَدٌّ، ومضارعه: بالضم، صَدَّ يَصُد، والمعنى الآخر: بمعنى: أعرض، يعني: في نفسه، ومصدره: الصدود، يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا النساء: 61يعني: يعرضون في أنفسهم، وهكذا.

قال -رحمه الله تعالى-: صار: له معنيان: من الانتقال، ومنه: تَصِيرُ الأُمُورُ الشورى: 53، والمصير، وبمعنى: ضَمَّ، ومضارعه: يَصُور، ومنه: فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ البقرة: 260.

هذه المادة -الصاد والياء والراء- أرجعها ابن فارس -رحمه الله- إلى معنى: المآل، والمرجع، فصار هذه تأتي مراداً بها: الانتهاء إلى الحال، والتغير، مثل: صار زيد رجلاً، يعني: أنه آل إلى هذه الحال، وصار الطين خزفاً، وصار الماء ثلجاً، أي: تحول إلى ذلك، وكذلك تكون: انتهاءً إلى مكان، صار زيد إلى داره، وهذه هي التي وردت في القرآن، صار زيد إلى عمرو، والمصير: يأتي مصدراً، ويأتي اسم مكان، وبهما جاء القرآن، يعني في قوله -تبارك وتعالى-: أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ الشورى: 53، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ الممتحنة: 4المرجع والمآل، وفي بعض المواضع يحتمل المصدرية والمكان، ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ البقرة: 126المكان الذي يصير إليه، والموضع الذي يصير إليه، ويحتمل أن يكون المراد المصدر، وَبِئْسَ الْمَصِيرُ البقرة: 126أي: مصيره، وَسَاءَتْ مَصِيرًا النساء: 97، فهنا يحتمل أن يكون مصدراً، وأن يكون ذلك للمكان، فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ إبراهيم: 30.

ابن جُزي -رحمه الله- هنا يقول: له معنيان: من الانتقال، ومنه: تَصِيرُ الْأُمُورُ الشورى: 53، والمصير، يقول: وبمعنى: ضَمَّ، ومضارعه: يصُور، ومنه: فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ البقرة: 260، يقول تعالى: فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ البقرة: 260، وعلى الأصل الذي ذكره ابن فارس -رحمه الله-: أن ذلك يرجع إلى المآل والمرجع، فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ، فيربطه بهذا الأصل، والله تعالى أعلم.

قال -رحمه الله تعالى-: صاعقة: لها ثلاثة معانٍ: الموت، وكل بلاء يُصيب، وقطعة نار تنزل مع شدة الرعد والمطر، وجمعها: صواعق

 

صاعقة: لها ثلاثة معانٍ: الموت، وكل بلاء يُصيب، وقطعة نار تنزل مع شدة الرعد والمطر، وجمعها: صواعق

 

.

هذه المادة أيضاً أرجعها ابن فارس -رحمه الله- إلى أصل واحد، يدل على: شدة وصَلْقة، شدة صوت، فيقال: الصعق هو: الصوت الشديد، يقول: ومن ذلك الصاعقة، وهي: الوقع الشديد من الرعد، ومنه قولهم: صِعق أيضاً: إذا مات، كأنه أصابته صاعقة، وأُطلقت الصاعقة على ما يصحب الرعد الشديد من النار المحرقة، تحرق من وقعت عليه، ويقال ذلك: للصيحة التي يُغشى على من سمعها، واستعملت في الموت كثيراً، والمعاصرون يذكرون: أن ذلك يرجع إلى شحنة كهربائية هائلة محرقة، تُحرق من اتصلت به، ولكن استعمال الصاعقة في القرآن يأتي لمعانٍ لا يلزم أن تكون بهذا التحديد الذي ذكروه.

فهنا ابن جُزي ذكر: الموت، وكل بلاء يصيب، وقطعة نار تنزل من شدة الرعد والمطر، هم رأوا أثرها الذي هو: الاحتراق، فهؤلاء من المعاصرين قالوا: هي: شحنة كهربائية هائلة لا شك أن من اتصلت به أنه يتفحم، أو يحترق، فهذا أحد الاستعمالات، لكن قوله -تبارك وتعالى- مثلاً: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ الزمر: 68، إذا نُفخ في الصور هل يحترق هؤلاء؟ الجواب: لا، هنا قطعاً ليست شحنة كهربائية هائلة محرقة، أو أنها نار محرقة، كما عبر الأولون، وإنما المقصود بالصعق هنا: الموت؛ لأنه قال بعده: ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ الزمر: 68يعني: يموتون، ثم بعد ذلك يقومون، ويُبعثون، إذن: هي هنا بمعنى: الموت، والنفخ في الصور: صوت هائل، فهذا الصوت لا يحتمله الناس، فيؤثر موتاً، يموتون إذا سمعوا هذا الصوت، وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ فصلت: 17، أخذتهم صاعقة العذاب الهون ما المراد به؟، هل هي نار محرقة فاحترقوا، أو أنه صاح بهم الملك، وسمعوا صوتاً هائلاً لم يحتملوه فماتوا؟ يحتمل، وهكذا في قوله -تبارك وتعالى-: فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ الطور: 45يصعقون هنا فُسر: بالموت، وقد يُفسر: بالغشية، وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا الأعراف: 143هنا موسى لم يمت، ولكن أصابته غشية، وقع مغشيًّا عليه، بدليل: فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ الأعراف: 143أفاق من الغشية.

قال -رحمه الله تعالى-: أصرَّ على الذنب يُصِر إصراراً: دام عليه، ولم يتب منه.

هذه المادة -الإصرار- ذكر ابن فارس -رحمه الله-: أنها ترجع إلى أصول:

فذكر الأول منها: وذلك من قولهم: صَرَّ الدراهم يَصُرُّها صرًّا، فهذا يرجع إلى ماذا؟، صَرَّ الدراهم يعني: أنه ضمها، وجمعها، والخِرقة التي يُجعل ذلك فيها يقال لها: صُرّة، وكذلك أيضاً: الصِّرار، يعني: الخِرقة التي تُشد على أطباء الناقة، التي يسميها الناس اليوم: شِمالة، فهذه الخرقة التي توضع على أطباء الناقة يقال لها: صِرار، والناس يعبرون عنها اليوم، ويقولون: صِرار وشمالة، فهذا الذي يوضع من أجل أن لا يرضعها فصيلها يقال له: صِرار.

والمعنى الثاني الذي ذكره يختلف عن هذا تمامًا، فهو: من السمو والارتفاع، وذكر أن الأصل في هذا: الصِّرار، وهي: أماكن مرتفعة، لا يكاد الماء يعلوها، مواضع في الأرض تكون ناشزة مرتفعة، فالصِّرار: المواضع المرتفعة، هذا المعنى الثاني.

المعنى الثالث: البرد والحر، وهو: الصِّر، ويقال أيضاً: صِرّ الريح، فالصِّر يقال: للريح الباردة.

وأما المعنى الرابع الذي ذكره فهو: الصوت، ومن ذلك: الصَرَّة: شدة الصياح، فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍالذاريات: 29يعني: صيحة، لما سمعت هذه البشارة بالولد لم تتمالك، فصاحت هذه الصيحة، لاحظ: هذه المعاني الأربعة التي ذكرها ابن فارس.

أما ما يتعلق بالمعنى الأول الذي ذكره -الصَرّ- فقد جعل منه: الإصرار الذي هو العزم على الشيء، وكذلك الإصرار الذي هو الثبات على الشيء، وجعل من ذلك أيضاً: الصُّرصور، ما هو الصرصور؟ القطيع الهائل من الإبل، يقال له: صُرصور، فالقطيع الكثير من الإبل يقال له: صرصور، فهذا يرجع إلى معنى: الجمع، وهو: المعنى الأول، فهذا الذي يُصرّ بمعنى: أنه يكون قد أجمع على هذا الأمر، وعزم عليه؛ ولذلك يقال: إن أصل الصَّر: الجمع والشد، فكل شيء جمعته فقد صررته، وهذا مستعمل إلى اليوم، وهكذا، معنى: الشدة: لو نظرنا إلى هذه المعاني الأربعة التي ذكرها ابن فارس فيمكن أن يرجع بعضها إلى معنى: الشد، يعني مثلاً: الصَّرصر: الريح الشديدة، بعضهم يُرجع ذلك إلى معنى: الشد، فهذه الريح الشديدة فيها برودة، كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ آل عمران: 117شدة البرد فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ الحاقة: 6، وهكذا: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فصلت: 16، ويمكن أن يرتبط بهذا أيضاً معنى: الصوت، والصيحة، ونحو ذلك؛ لأن هذه الريح الصرصر تصوِّت، لها صوت، لها صرير، يُسمع لها صوت، فمعنى الشدة، ومعنى الصوت يمكن أن يلتئم منه معنى واحد، والله أعلم، وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا نوح: 7، هنا بمعنى: الثبات على الشيء، والعزم عليه، فهو يرجع إلى معنى: الجمع، ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا الجاثية: 8، كذلك أيضاً: وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الواقعة: 46، يعني: الثبات على الشيء، والعزم، وهكذا: وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا آل عمران: 135أي: في التوبة، فمن شروط التوبة: الإقلاع، والعزم على أن لا يعود، فبخلافه: أن يصر على الذنب، وهكذا.

قال -رحمه الله تعالى-: صُواع: مكيال، وهو السقاية، والصاع، وسُواع -بالسين-: اسم صنم.

هذه المادة يقول ابن فارس لها بابان:

الأول: يدل على: تفرق، وتصدع، -الصاد والواو والعين-، تقول: تصوعوا، وتصوع القوم، وتصوع الناس، بمعنى: تفرقوا، ويقال: انصاعوا سراعاً، يعني: مروا كذلك، فهذا المعنى الأول: التفرق، والتصدع، والناس يعبرون اليوم بعبارات مثل هذا للبعيد، يقولون: صاعَ فلان، فهو: صائع، يعني: كأنه قد ضاع وضَيّع، باعتبار: أنه لا يسير في جادة صحيحة، ولا يهدف إلى أمر سوي، وإنما كما قال اللهوَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا الكهف: 28، فهو في كل واد يذهب، حيث أملت عليه نفسه الأمارة بالسوء.

المعنى الآخر الذي ذكره ابن فارس -رحمه الله-: وهو: الإناء، الصاع والصُّواع هو: الإناء الذي يُشرب به، وقد يُستعمل كمكيال من المكاييل، يقال له: الصاع، يقال: إنه قيل له ذلك؛ لأنه يدور بالمكيل، ويقال: صاع بأقرانه أو الإبل: إذا أتاهم من نواحيهم؛ ولهذا لا زال الناس يستعملون مثل هذا، يقال: فلان يَصُوع فلاناً، وفلان يَصُوع القوم، بهذا المعنى.

ولو أمعنت النظر فإنه قد يرجع إلى المعنى الأول الذي هو التفرق والتصدع، أو يرتبط به، هذا من حيث أصل المعنى، وكما ذكرنا في مناسبات سابقة أن المعنى المباشر يختلف عن هذا بعض الشيء، لكنه يرجع إليه؛ ولذلك نحن في التفسير -إن شاء الله- إذا انتهينا من هذه المفردات لا نحتاج إلى مثل هذا التفصيل في المواضع التي نأتي عليها، وإنما نُدرجها، ونذكر المعاني المباشرة، إلا في بعض الجزئيات التي يُحتاج إليها، لكن هذا التفصيل يُحتاج إليه من أجل تنمية الملكة، والقدرة على الجمع بين المعاني التي يذكرها المفسرون، فإذا تكررت مثل هذه الألفاظ لطالب العلم، وتشربها صار عنده الملكة، والقدرة على التعامل مع أقوال المفسرين فيما يبدو أنه فيها اختلاف، فإنه يستطيع أن يربط الكثير منها، وأن يُرجع ذلك إلى معنى يلتئم تحت الآية، هذا هو المقصود، وإلا فكان يمكن أن يُمر على هذه الكلمات، ويُذكر الراجح فيها المباشر، وتُنهى هذه الكلمات جميعاً في أربعة مجالس.

على كل حال: هنا يتحدث عن الصُّواع، ويقال: الصِّواع بالكسر أيضاً، يقول: هو: مكيال، وهو: السقاية جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ يوسف: 70، وكما قلنا: إنه في الأصل: إناء للشرب، وقد يُستعمل للكيل، وكذلك أيضاً يقال: بالسين للصنم، سواع، قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ يوسف: 72، المقصود به: هذا الإناء الذي يستعمل للكيل، وأصله: يستعمل في الشرب.

أما المعنى الآخر: السُّواع فكما قال اللهوَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا نوح: 23، فقوله: وَلا سُوَاعًا يعني: صنمًا، وهذه أصلها -والله تعالى أعلم-: أعجمية، أعني: اسم صنم، ومن ثَمّ لا حاجة لربطها بالمعاني السابقة، لا التفرق والتصدع، ولا المكيال.

قال -رحمه الله تعالى-: صابِين: قوم يعبدون الملائكة، ويقولون: إنها بنات الله، وقيل: إنهم يرون تأثير الكواكب، وفيه لغتان: الهمز، وتركه، من صبأ إلى الشيء: إذا مال إليه.

هذه المادة -الصاد والباء والحرف المعتل- أرجعها ابن فارس -رحمه الله- إلى ثلاثة أصول:

الأول: يدل على: صغر السن، الصبية والصبيان، فهي في الأصل تدل على: صغر السن، وقد يعبر بذلك عما يكون ملحقاً بهؤلاء؛ لضعف عقله، وسوء تدبيره، فيقال للكبير: صبي، وفلان يتصابى، ونحو ذلك، إذا ظهر منه فعل الصبيان، وتدبير الصبيان، ومن الباب: صبا إلى الشيء يصبو: إذا مال قلبه إليه، وتلاحظ أنهم يقولون: فلان ليست له صبوة، يعني: ما يكون من أفعال الصبيان مما يخرجهم عن حد الاعتدال والاستقامة، فهذه يقال لها: صبوة؛ ولذلك قيل: فلان يصبو إلى كذا: يميل إليه، فهذا الميل قد يكون حامله الهوى.

المعنى الثاني الذي ذكره ابن فارس: نوع من الرياح، وهي: الصَّبا، يقولون: هي: التي تستقبل القبلة، يقول النبي ﷺ: (نُصرت بالصَّبا)[1]، فالصَّبا هي: الرياح التي تأتي من قِبل المشرق، (وأُهلكت عاد بالدَّبور)، والدبور هي: الرياح التي تأتي وتهب من قِبل المغرب، الرياح يقال لها: شمالية وجنوبية وشرقية وغربية، وكل نوع من هذه الرياح له اسم عند العرب.

المعنى الثالث الذي ذكره ابن فارس: وهو: الإمالة، يقال: صابيتُ الرمح، بمعنى: الإمالة، وهذا قد يرجع إلى المعنى الأول.

ولو أمعنت النظر فلربما تجتمع هذه المعاني الثلاثة، فهذه الريح حينما تميل إلى هذه الناحية يقال لها: صَبا، والصبي والتصابي والصبية فيها معنى: الميل، فهذا بالنسبة لغير المهموز: صبا.

أما المهموز: صبأ فهذا عند ابن فارس يدل على: خروج وبروز، فيقال: صبأ من دين إلى دين، يعني: خرج، أصله: الخروج، قال: صبأ ناب البعير، صبأ الزرع، بمعنى: طلع وظهر وخرج، فالخارج من دين إلى دين يقال له: صابئ، ويجمع على: صابئين، وصُبَّأ، يقولون: صبأ فلان، قيل: خرج عن دينه، وبعضهم يقول: نسبة إلى الصابئة، أي: حينما يقولون: فلان الصابئ، والمشركون في مكة كانوا يعيرون من دخل في الإسلام، فيقال: صبأ، ويقال: هو صابئ، ونحو ذلك، فبعضهم يقول: خرج عن دينه، وبعضهم يقول: المقصود: أنهم ينسبونه إلى الصابئة، وهم الذين أشار إليهم ابن جُزي -رحمه الله-، وذكر الأقوال فيهم، قال: قوم يعبدون الملائكة، ويقولون: إنها بنات الله، وقيل: إنهم يرون تأثير الكواكب، وفيه لغتان: الهمز: صابئ، ويقال أيضاً: صابي، ويقال: صبأ، ويقال: صبا، بغير همز، ولاحظ: أنه أرجعه إلى: الميل، يعني: كأنه مال إلى دين آخر مثلاً، فمعنى الخروج أو الميل موجود في هذه المعاني جميعاً -والله تعالى أعلم-، فيقال: صبأ النجم بمعنى: طلع، ولاحظ: في قولهم: فلان يصبو إلى كذا: إذا كان ينزع إليه، ويشتاق إليه، ففعل فعل الصبيان، هكذا يقولون؛ ولذلك يقولون: إن العشق والتعلق المذموم من فعل الصبيان، تصبو نفسه إليه، ففعل فعل الصبيان، فيتصرف تصرفات مراهقين كما يقال، ويحصل هذا للكبير حينما يتصابى، رجلاً كان أو امرأة، يتصرف تصرفات غير لائقة، إذا ابتلي بالعشق، فيتغشى ذلك عقلَه، فيصدر عنه ما يعيبه على غيره، والله المستعان.

فالمقصود: أن الصابئ هو: الخارج من دين لآخر، هكذا يقولون: إن أصله يرجع إلى ذلك، لكن من هم الصابئة الذين ذكروا في القرآن؟، من هؤلاء الصابئة؟، فالله -تبارك وتعالى- يقول في مقام الوعد: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ البقرة: 62، هذا في مقام الوعد، وأما في مقام الحكم والجزاء والفصل بين الطوائف المختلفة، فيقول: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الحج: 17، لاحظ: في هذه الآية من سورة الحج أنه ذكر المجوس، والذين أشركوا، فهؤلاء على دين باطل، فذكر ذلك معهم في مقام الفصل، والحكم بين الطوائف المختلفة، وأما الأول ففي مقام الجزاء، فمن هم الصابئون؟.

إن كلام أهل العلم في هؤلاء كثير، والذي يظهر -والله تعالى أعلم-: أن لفظ الصابئة يطلق على أكثر من طائفة، هذه الخلاصة، فالصابئة يطلق على أكثر من طائفة، سواء كان ذلك في كتب الملل والفرق والنحل والأديان، أم في كتب التفسير، أم في كتب اللغة، حاصل ذلك: أن هؤلاء أكثر من طائفة، فمن كلام أهل العلم في هؤلاء: بعضهم يقولون: هما فرقتان: يهودية نصرانية، وفرقة وثنية، هذه الوثنية هي: التي أشار إليها ابن جُزي -رحمه الله- قال: قوم يرون تأثير الكواكب، أو قال: قوم يعبدون الملائكة، ويقولون: هم بنات الله، فهؤلاء من الوثنيين، من المشركين، وبعضهم يقول: هم قوم عدلوا عن دين اليهودية والنصرانية إلى عبادة الملائكة، يعبدون الملائكة، وبعضهم يقولون: هم قوم لا دين لهم، وبعضهم يقول: لهم دين يشبه دين النصارى إلا أن قبلتهم نحو مهب الجنوب، يزعمون أنهم على دين نوح ، وبعضهم يقول: دين هؤلاء مركب من اليهودية والمجوسية، وقيل: هم قوم يعبدون الكواكب، وقيل: يعبدون الملائكة، ويصلون إلى القبلة، ويقرءون الزبور، وقيل: قوم من الموحدين، لكنهم يعتقدون تأثير النجوم، وهذا غريب، كيف يوحدون ويعتقدون تأثير النجوم؟!، فالآن الطائفة التي يقال لها: الصابئة، والموجودة إلى عصرنا هذا هي: الطائفة المعروفة التي توجد في العراق، ولهم وجود قليل في غيرها، وهم أيضاً في العراق قلة، فهم قلة، ويوجدون في أكثر من موضع، هؤلاء ما هي عقيدتهم؟، يزعمون أن يحيى هو: نبيهم، ويؤمنون ببعض الأنبياء، كآدم، ونوح، -عليهما الصلاة والسلام-، وهؤلاء يقال لهم: المَنْدائيون، هكذا يقال لهم، يقدسون الكواكب، والنجوم، ويتجهون في صلاتهم إلى القطب الشمالي، فهذا جزء من تفاصيل كثيرة تُذكر، وتجدونها في مظانها، وهذا موجود في المعاصرين الآن في العراق.

وذكر شيخ الإسلام -رحمه الله- أن الصابئة نوعان: نوع حُنفاء، والطائفة الأخرى من المشركين الذين يبعدون الملائكة، ويقرءون الزبور، ويصلون، فهؤلاء مشركون.

إذن: حاصل ما يُذكر: أن الصابئة منهم حنفاء، هؤلاء بعضهم يقول: هم طائفة من أهل الكتاب، وبعضهم يقول: ليسوا من أهل الكتاب، لكنهم حنفاء، فهؤلاء هم الذين ذُكروا في مقام الوعد مع اليهود والنصارى، يعني: من آمن بالله، يعني: من كان كذلك على إيمان وتوحيد قبل بعث النبي ﷺ فهم موعودون بالجنة، أو من آمن بالله، يعني: دخل في الإيمان بعد بعث النبي ﷺ، وأما في مقام الحكم والفصل بين الطوائف فقد ذكر المجوس والمشركين معهم، فالله يفصل بين هذه الطوائف المختلفة، فالصابئة إذن يقال: لقوم من الحنفاء، ويقال أيضاً: لقوم من المشركين، سواء قيل: يعبدون الملائكة، أو يعبدون الكواكب، وعند النظر في كلام أهل العلم في وصف حال هؤلاء وهؤلاء فإن الذين يعبدون الكواكب يزعمون أن الملائكة تنزل، أو الأرواح الطيبة تنزل في هذه الكواكب، فيتقربون إليها، ويعبدونها، لاحظ: يعبدون الملائكة، ويعبدون الكواكب، فبعضهم يقول: إنهم يزعمون ذلك، أن الملائكة تنزل في هذه الكواكب، ويقال: إن هؤلاء الصابئة الذين يعبدون الكواكب هم الذين أتى عليهم إبراهيم ﷺ في رحلته إلى الشام، وحصلت معهم المناظرة التي ذكرها القرآن: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ الأنعام: 76 - 79، لاحظ الآن: فهذا الراجح من أقوال المفسرين: أنها كانت على سبيل التنزل، على سبيل المناظرة من باب التنزل مع المخالف، لا من باب النظر، يعني: خلافاً لمن كان يقول: إن إبراهيم قال ذلك ناظراً لا مناظراً، يعني: كان يعتقد ربوبية الكوكب، حتى تبين له أنه لا يصلح للعبادة، وحاشى أن يكون إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- كذلك، وإنما كان ذلك على سبيل التنزل في باب المناظرة، والله أعلم.

وأما الصبابة فهي: مرتبة من مراتب المحبة عالية، يقولون: إنها لانصباب القلب نحو المحبوب، فهذه ترجع إلى: صبب، فالصبابة: انصباب القلب نحو المحبوب، وليست من صبا، أو صبأ المهموز، وإنما ترجع إلى: صبب، أي: الصبّ.

تنبيه: الصبيان يقال: للخدم، كأنهم قيل لهم ذلك؛ لدنو مرتبتهم، فنُزِّلوا منزلة الصغير؛ لدنو مرتبتهم، فيقال: صبيان، وفلان صبي، أي: خادم، فهذا كأنه لدنو مرتبتهم، والله أعلم، فالناس يستعملونهم في الخدمة استعمال الصبي، فلا يحترزون لهم، يعني: قد يُحترز للكبير، فلا يُطلب منه أن يقوم بالخدمة، بل يُقام على خدمته، أما هؤلاء فإنهم يؤمرون ويُنهون فيما يتصل بالخدمة، والله أعلم.

قال -رحمه الله تعالى-: تصطلون: تفتعلون، من صَلِي بالنار: إذا تسخن بها، والطاء بدل من التاء.

هذه في أصلها قد مضى الكلام عليها، وتكلمنا على هذا: تصطلون، وتحدثنا عن الصِّلاء، ويصلاها، وأنها تعني: الدخول، ومقاساة حر النار، وذكرنا أصل هذا في الكلام على: الصلاة، فلا حاجة لإعادته، وقرأنا ما يتعلق بكلام ابن جُزي في هذا الموضع.

قال -رحمه الله تعالى-: اصطفى: أي: اختار، وأصله: من الصَّفاء، أي: اتخذه صفيًّا.

الاصطفاء أرجع معنى ذلك ابن فارس -رحمه الله- إلى معنى واحد، وهو: الخلوص من كل شوب، فهو: صافٍ، وكذا: الصفاء والصفوة، فالصفاء يقابل: الكدَر، ومن الباب نفسه: الصفا: الحجر الأملس، وهو: الذي يقال له أيضاً: الصَّفْوان، يقال: إنه قيل له ذلك؛ لأنه قد صفا من الطين والرمل، ويقال أيضاً: يوم صَفْوان إذا كان صافي الشمس، شديد البرد، فهذا أصل هذه المادة، يدل على: خلوص ونقاء، ومن هنا يقال: أصفاه بكذا، أي: آثره به، وخصه، أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ الإسراء: 40يعني: خصكم بها، والمصطفى هو: المختار، واصطفيتك لنفسي، أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ الصافات: 153، وفي قوله أيضاً لمريم -رحمها الله-: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ آل عمران: 42بمعنى: الاختيار والاجتباء، إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ البقرة: 247، أي: طالوت -رحمه الله-، وكذلك أيضاً: إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي الأعراف: 144يعني: اخترتك، اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ الحج: 75، فالصفوة من كل شيء هي: خالصه، إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ آل عمران: 33، وهكذا: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ البقرة: 132يعني: اختاره لكم، فهذا كله يدل على خلوص من كل شوب، إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ البقرة: 158حجر فيه معنى: الصفاء، ليس فيه شوب من رمل ونحوه، كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ البقرة: 264، لاحظ: قيده هنا: عَلَيْهِ تُرَابٌ، إذن: الصفوان غير التراب، فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا البقرة: 264، رجع إلى أصله، وملاسته.

قال -رحمه الله تعالى-: صَغار -بفتح الصاد-: ذِلة، ومنه: صَاغِرُونَ التوبة: 29، والصغير: ضد الكبير.

هذه المادة -الصاد والغين والراء- أرجعها ابن فارس -رحمه الله- إلى معنى واحد، يدل على: قلة وحقارة، ومن ذلك: الصِّغر: يقابل الكبر، والصاغر هو: الراضي بالضيم، فيقال هو: صاغر صُغراً وصغاراً، فالصغار يأتي بمعنى: الحقارة والذل والمهانة، ونحو ذلك مما يرجع إلى هذا المعنى.

هذا الصِّغر قد يكون حسيًّا، وقد يكون معنويًّا، كما هو الشأن في كثير من هذه المواد اللغوية في استعمالها، يعني: تذكر في الأمور المحسوسة، وتطلق على أشياء معنوية، يعني: فيما يتعلق بالصِّغر في الجِرم والحجم، وكذلك أيضاً في القدر والمنزلة، فهذا يقابله: الكبر، والفعل فيهما واحد، صَغُر وصَغِر، وبعضهم يقول: إنه في الأشياء المحسوسة المادية يقال: صغِر يَصْغَر، صغِر بالكسر، والمصدر: الصِّغَر، وفي المعنويات يقال: صَغُرَ، والمصدر: الصَّغَارة، فالصِّغر المعنوي مثل ماذا؟ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌالأنعام: 124، ما معنى الصغار هنا؟ بمعنى: الذل والمهانة، وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ الأعراف: 119يعني: ذليلين، إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ الأعراف: 13يعني: الأذلاء، وفي المادي: وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ البقرة: 282، مع أنه يحتمل، لكن في كثير من المواضع يكون محتملاً: وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ القمر: 53أي: كل الأعمال والجنايات مكتوبة الصغار والكبار، فهذا يحتمل المعنوي ويحتمل المادي، فبعضهم يقول: أي: في القدر والمنزلة، مَالِ هَذَا الْكِتَابِ كتاب الأعمال، لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا الكهف: 49، فهذا أيضاً يحتمل المعنوي والمادي، وَلا يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً التوبة: 121، فهذا يقولون: يرجع إلى المادي، أي: النفقة الصغيرة أو الكبيرة، وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ يونس: 61، هذا في المادي، والله أعلم، وفي قوله -تبارك وتعالى-: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ التوبة: 29، هنا بمعنى: الذل، والمهانة، وهكذا في قوله: وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَالنمل: 37يعني: أذلاء، فالصِّغر يقال لهذا ولهذا، يقال: فلان صغير، فقد يقصد به في السن، وقد يقصد به في القدر.

قال -رحمه الله تعالى-: صَدَف عن الشيء يصدِف: أعرض عنه

 

صَدَف عن الشيء يصدِف: أعرض عنه

 

.

هذه المادة أرجعها ابن فارس إلى أصلين:

الأول: يدل على: الميل، صدف عن الشيء: إذا مال عنه، وولى ذاهباً.

والثاني: على عرض من الأعراض، الصَّدَف المعروف، أي: المَحارة في البحر، الصَّدَفة، لكن الذي يعنينا هو المعنى الأول، الذي هو: الميل عن الشيء، فيقال: الصَّدَف: ميل في القدمين، أو ميل في اليدين، لاحظ: ارتباط المعاني، والصُّدَف والصُّدَفة أيضاً يقولون: الجانب والناحية، فجانبا الجبل إذا تحاذيا يقال لهما ذلك، لماذا؟ لتصادفهما وتلاقيهما، ومن هنا يقال: صادفت فلانًا، أي: وجدته ولاقيته، والمصادفة: الموافقة، بهذا الاعتبار: أنه في أصله يرجع إلى: ميل، فيقال لناحيتي الجبل: صُدفتان، هذا بالنسبة للأشياء المحسوسة، ويقال أيضاً في الأمور المعنوية، فالصُّدوف: الميل عن الشيء، والعدول والإعراض عنه، لكن مما جاء في القرآن مثلاً: في الحسي المادي: حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ الكهف: 96، ما المقصود بالصدفين هنا؟، يقال: بين الجبلين، لماذا قيل له: صُدْفة؟ لأن كل ناحية من الجبل تقابل الأخرى، فكأنها تصادفها، وتصادفها أي: تلاقيها، وتميل إليها، تقابلها وتواجهها، حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ الكهف: 96، فالمقصود: أنه بين الجبلين، هذا المعنى المباشر، لكن أصل المعنى: التلاقي والتقابل، كأنه يميل إلى الآخر، ومن هنا يقال: صادفته، يعني: لقيته، والمصادفة هذه العبارة يستخدمها الناس كثيراً، فيقال: رأيته ولقيته صُدفة، يقصدون: على غير ميعاد، ولا محظور فيها شرعاً، يعني: بعض الناس يظن أن ذلك ينافي القدر، هم لا يقصدون بذلك: من غير تقدير الله، وإنما يقصدون: من غير ترتيب، ومن غير ميعاد، لقيته صُدفة، ومصادفة، وصادفته، فهذا لا إشكال فيه ولا محظور، والله تعالى أعلم.

إذن في قوله -تبارك وتعالى-: انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ الأنعام: 46، ما معناه؟، الميل والإعراض، فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا الأنعام: 157بمعنى: أعرض ومال عنها، سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا الأنعام: 157يعني: يميلون ويعرضون.

قال -رحمه الله تعالى-: صريخ: مُغيث، ومنه: مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ إبراهيم: 22.

هذه المادة أرجعها ابن فارس -رحمه الله- إلى أُصَيل يدل على: صوت رفيع، فمن ذلك: الصراخ، وهو: الصوت المرتفع الشديد، والصارخ: المستغيث، ويقال: الصارخ أيضاً: للمغيث، وقيل: إن المغيث يقال له: مُصرِخ، ويقال الصريخ أيضاً: لصوت الصارخ، كما يقال: للمغيث، وللإغاثة أيضاً، يقال لها: صريخ، واستصرخ بمعنى: استغاث، وفلان يستصرخ يعني: يستغيث، واستصرخ القوم فأصرخوه، أصرخه يعني: أغاثه، ويقال أيضاً: استصرخ، بمعنى: تصارخ، استصرخ القوم، يعني: تصارخوا، فَلا صَرِيخَ لَهُمْ [يس: 43]يعني: لا مغيث، أو إغاثة، فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ القصص: 18يعني: يستغيث به، وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا فاطر: 37، يمكن أن يكون بمعنى: الصراخ، وهو: رفع الصوت، فبين هذه المعاني ملازمة، فهي: ترجع إلى هذا المعنى الذي ذكره ابن فارس، وهو: الصوت المرتفع؛ لأن الصارخ أصلاً هذا المستغيث يرفع صوته مستغيثاً، ويطلب الغوث، فهذا أصله، والشيطان يقول: مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إبراهيم: 22، هنا ما المعنى؟، ما أنا بمغيثكم ومخلصكم ولا أنتم كذلك.

قال -رحمه الله تعالى-: صَلصال: طين يابس، فإذا مسته النار فهو: فَخَّار.

هذه المادة -الصاد واللام- أرجعها ابن فارس إلى أصلين:

الأول: يدل على: ندى وماء قليل، ومنه: الصَّلَّة، وهي: الأرض، وتسمى: الثرى؛ لنداها، ويقال للعشب المتفرق أيضاً: صِلال، والمطر المتفرق يقال له: صِلال، فالعشب المتفرق يقال له ذلك؛ لأنه يسمى باسم المطر المتفرق، فهو: صِلال.

المعنى الثاني: يدل على: صوت، ومنه: الصَّلصلة، والخزف يقال له: صَلصال، بأي اعتبار؟ لأنه يصوِّت، ويُصلصل إذا قُرع، فيكون له صوت، فقيل له: صلصال، فهذان معنيان؛ ولذلك يقال: الصلصلة أيضاً: حكاية الصوت، ويقال: الصلصال بمعنى أوسع: لكل ما جف من طين قبل أن تصيبه النار ويصير فخّاراً وخزفاً، بهذا الاعتبار، لماذا؟ لأنه له صوت، يصوِّت، إذا ضربت هذا الصلصال، أو هذا الطين اليابس صار له صوت، فالطين اليابس يُصلصل من يبسه، والله تعالى لما ذكر أطوار خلق الإنسان ذكر التراب، وذكر الطين، وذكر الصلصال، وشبهه أيضاً بالفخار، فهذه مراحل، فأول ذلك: تراب، فخُلط بالماء فصار طيناً، فتُرك فصار حمأً مسنوناً، يعني: متغيراً، فلما جف صار صلصالاً، فهذه مراحل ليست متنافية، أو متعارضة، وإنما مر بأطوار في خلقه.

فهنا ابن جُزي -رحمه الله- يقول: صلصال: طين يابس، فإذا مسته النار فهو: فَخَّار، وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ الحجر: 26، والحمأ هو: المتغير، وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ الحجر: 28، فهذا معنى الصلصال، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وآله، وصحبه.



[1] أخرجه البخاري، أبواب الاستسقاء، باب قول النبي ﷺ نصرت بالصبا، رقم: (1035)، ومسلم، كتاب صلاة الاستسقاء، باب في ريح الصبا والدبور، رقم: (900).

مواد ذات صلة