تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الأحد 01 / ربيع الآخر / 1440 - 09 / ديسمبر 2018
(001-أ) من بداية السورة إلى قوله تعالى "هدى للمتقين"
تاريخ النشر: ٢٨ / ذو القعدة / ١٤٣٦
التحميل: 3682
مرات الإستماع: 2771

هذه السورة الكريمة من السور المدنية بالإجماع، وهي من أوائل السور النازلة في المدينة، وإن كان بعض الآيات منها تأخر نزولها، ومعلوم أن آخر ما نزل على الأرجح هي الآيات الثلاث التي جاءت في أواخر هذه السورة: آية الربا، مع قوله تبارك وتعالى: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [البقرة:281]، وآية الدَين.

لكن في الجملة كانت هذه السورة بعامة من أول ما نزل في المدينة، ومن التكلف -فيما أظن والله أعلم- أن تُرجع هذه السورة التي هي أطول سورة في القرآن إلى موضوع واحد تتحدث عنه، فهي أكثر سور القرآن تناولًا للأحكام، وفيها من الحديث عن بني إسرائيل واليوم الآخر ودلالات قدرة الله  وعظمته، إضافة إلى الأحكام المتنوعة من أحكام النفقات والعدد.

وكذلك أيضًا ما يتصل بالربا والصيام والحج والدين.

وكذلك الحديث عن الطوائف الثلاث في صدرها: أهل الإيمان، والكفار، وأهل النفاق، إلى غير ذلك مما هو معلوم، ومحاولة إرجاع ذلك جميعًا إلى موضوع واحد لا يخلو من تكلف.

وفواصل هذه السورة -أي الحرف الأخير الذي ورد في آخر هذه السورة- لم يكن متحدًا، فبعض السور تكون ذات فاصلة واحدة، فسورة الإخلاص مثلًا من ذوات الفاصلة الواحدة، قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ۝ اللَّهُ الصَّمَدُ ۝ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ۝ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الصمد:1-4].

وسورة الفاتحة تدور على حرفين: الميم والنون، أما فواصل البقرة فمجموعة في قوله: "قم لندّبر". والاسم المعروف المشهور الثابت في هذه السورة هو البقرة، ويقال: سورة البقرة.

وسماها بعض أهل العلم بالزهراء؛ لأن النبي ﷺ سماها هي وسورة آل عمران بالزهراوين، وسماها خالد بن معدان بفسطاط القرآن، وذُكر لها أشياء أخرى، لكن لا يُعلم ثبوت شيء منها عن النبي ﷺ.

وقال بعض أهل العلم: هذه السورة مشتملة على ألف خبر، وألف أمر، وألف نهي.

قوله: الم: أشار المؤلف إلى الخلاف في هذه الحروف المقطعة، وقد أوصل بعض أهل العلم الأقوال فيها إلى أربعين قولًا، وذكر بعضهم واحدًا وعشرين قولًا، وأرجعها إلى ثلاثة أقوال رئيسة:

القول الأول: أنها رموز من كلمات أو جمل. وتحت هذا ثمانية أقوال.

القول الثاني: أنها أسماء أو أفعال أو أوصاف. وتحت هذا أربعة أقوال.

القول الثالث: أنها حروف تهجٍ جيء بها لمعنى. وتحت هذا تسعة أقوال.

وقد يقال: إن القسمة في الأنواع المذكورة الثلاثة قد لا تنتظم كل ما قيل فيها، فهناك من قال: هي حروف تهجٍ لا معنى لها في نفسها.

وهناك من قال: هي من المتشابه المطلق الذي لا يعلمه إلا الله -تبارك وتعالى- ويمثلون له بالوقف على لفظ الجلالة في آية آل عمران التي تذكر المتشابه الخاص، وهي قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ [آل عمران:7].

واعلم أن التشابه نوعان:

النوع الأول: تشابه عام. والقرآن متشابه بهذا الاعتبار، فيشبه بعضه بعضًا في الحسن والفصاحة والبلاغة، ويصدق بعضه بعضًا، كما قال تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ [الزمر:23].

النوع الثاني: تشابه خاص. وهو ما لم يستقلّ بنفسه في معرفة المراد منه، وإنما احتاج إلى غيره ليتبين معناه.

فقوله -تبارك وتعالى- في آية آل عمران:هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ... [آل عمران:7]: على الوقف هنا، فمن حمله على تأويل المعنى مثلوا له بالحروف المقطعة، وقالوا: هذا من قبيل المتشابه المطلق الذي لا يعلمه إلا الله.

أي: لا يعلمه الرسول ﷺ ولا غيره، لكن لها معنى لا يعلمه إلا الله، وهذا لا يخلو من إشكال.

والأقرب -والله أعلم- أن المعنى على الوقف أن ذلك يرجع إلى حقائق الأمور الغيبية من صفات الله تبارك وتعالى، فنحن نعلم معاني الصفات لكن لا نعلم الكيفية، كما قال الإمام مالك وغيره من السلف: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول"[1].

أي: معلوم من جهة المعنى، ومجهول من جهة الكيفية، فلذلك تُحمل آية آل عمران على هذا، وأننا لا نعلم كُنه الجنة ولا النار، ولا كُنه الحور العين، ومن أي مادة خُلقت؟ فالبشر خُلقوا من تراب ثم من نطفة، أما هي فلا نعلم، وكذا الأنهار الموجودة في الجنة من عسل ولبن وخمر لا نعلم مكوناتها، هل مثل ما في الدنيا؟ أو لا؟ هذه أمور غيبية، وحقائقها إلى الله تبارك وتعالى.

وهذه الحروف جاءت في تسع وعشرين سورة، وجلّ هذه السور من السور المكية، وهذه الحروف من غير تكرار تبلغ نصف الحروف الهجائية، أي أربعة عشر حرفًا، وبالمكرر تبلغ ثمانية وسبعين حرفًا، وجمعها العلماء من غير تكرار بعبارات، مثل: "طرق سمعك النصيحة"، وكذلك: "نص حكيم قاطع له سر"، أو: "ألم يسطع نور حق كُره"؟، وهذه العبارات والجمل تُسهل الحفظ لمجموع هذه الحروف.

والحروف نوعان:

النوع الأول: حروف معنى. كحروف الجر، من، وإلى، ونحو ذلك.

النوع الثاني: حروف مبنى. أي: تُركّب وتُبنى منها الكلمات والألفاظ.

والراجح -والله أعلم-: أن هذه حروف تهج، حروف مبان، وحروف المباني لا معنى لها في نفسها، ولا يُشكل على هذا أن القرآن لا يمكن أن يقال: فيه ما ليس له معنى؛ لأن ذلك يكون من قبيل الحشو الذي لا معنى له، وقد قال صاحب المراقي:

تواتر السبع عليه أجمعوا ولم يكن في الوحي حشو يقع

فهو منزه عن الكلام الذي لا معنى له، والكلام هو اللفظ المفيد فائدة يحسن السكوت عليه بالوضع، كما قال ابن مالك:

كلامنا لفظ مفيد كاستقم واسم وفعل ثم حرف الكلم

ثم حرف الكلم: المقصود به حرف المعنى.

وهذا الذي يقوله النحاة أن الكلام يتكون من أسماء وأفعال وحروف معان، أما حروف المباني فليس لها معنى في نفسه، ومن ثم لا يقال بأن القرآن وقع فيه شيء لا معنى له؛ لأن حروف التهجي لا معنى لها أصلًا، بخلاف ما لو وجد فيه شيء من الألفاظ أو التراكيب التي ليس لها معنى، التي هي من قبيل الكلام، فيقولون: زيد. اسم، علم، وأما ديز فهو مهمل، وهو مقلوب حروف زيد، ولا معنى له، ولا يوجد في القرآن، وهذا في الألفاظ فضلًا عن التراكيب، لكن هذه حروف تهج، وليس لها معنى عند العرب لا في نفسها ولا في غيرها، فالألف ليس لها معنى عند العرب، وكذا الباء وغيرها.

والمشهور عند النحاة أن حروف المعاني للربط، ويعرفون الاسم بأنه ما له معنى في نفسه ولم يقترن بزمان، والفعل ما دل على معنى في نفسه واقترن بزمان، والحرف ما ليس له معنى في نفسه، وأيضًا لم يقترن بزمان، مع أن شيخ الإسلام يعترض على هذا باعتبار أن حروف المعاني لها معنى في نفسها، ففي تدل على الظرفية، وعلى تدل على الاستعلاء، وفي ما يظهر من كلام النحاة هم لا يقصدون هذا.

فإن قيل: إذا كانت لا معنى لها في نفسها، فما الحكمة من ورودها؟.

الجواب: الحكمة من ذلك هي الإشارة إلى الإعجاز، وقد قال بهذا شيخ الإسلام ابن تيمية وأبو الحجاج المزي[2]، فإنها لا تكاد تُذكر إلا ويُذكر القرآن بعدها، كما هنا: الم ۝ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:1-2]، وفي سورة آل عمران:الم ۝ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۝ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ [آل عمران:1-3]، واستثني من هذا ثلاث سور لم يُذكر القرآن بعدها، لكن ذُكر بعدها ما يشير إليه، كما في سورة مريم: ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا [مريم:2]، وهذه إحدى خصائص القرآن، فهو رحمة من الله تبارك وتعالى، وفي سورة العنكبوت ذكر الابتلاء: وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [العنكبوت:3]، وذكر قصص الأنبياء -عليهم السلام- وهذا من خصائص القرآن، وكذلك في سورة الروم ذكر واحد من خصائص القرآن وهي الإخبار بالأمور الغيبية فقال: غُلِبَتِ الرُّومُ ۝ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ [الروم:2-3]، ويمكن أن يقال بأنه يجمع ذلك كله الوحي، فذكر زكريا من الوحي، أوحى الله  به إلى نبيه ﷺ، وهكذا في سورة العنكبوت، فهذه القصص من جملة الوحي، وفي سورة الروم أيضًا فإن الإخبار بالغيوب من الوحي.

وقد قال بهذه الحكمة بعض من قال بأن لها معنى في نفسها، كالفراء وقطرب[3] وصاحب الكشاف[4] وغيرهم.

وهذه الحروف:

  • منها ما جاء على حرف واحد، وهذا في ثلاث سور: ن، وق، وص.
  • ومنها ما جاء على حرفين، وهذا في عشر سور: يس، ونحو ذلك.
  • ومنها ما جاء على ثلاثة أحرف، وهذا في ثنتي عشرة سورة.
  • ومنها ما جاء على أربعة أحرف، وهذا في سورتين.
  • ومنها ما جاء على خمسة أحرف، وهذا في سورتين أيضًا.
  • وهذا الافتتاح الم جاء في ست سور من القرآن.
اختلف فيه وفي سائر حروف الهجاء في أوائل حروف السور، وهي: المص، والر، والمر، وكهيعص، وطه، وطسم، وطس، ويس، وص، وق، وحم، وحم عسق، ون، فقال قوم: لا تفسر لأنها من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلّا الله.

قوله: "فقال قوم: لا تفسر لأنها من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلّا الله": يقصدون به المتشابه المطلق، ويرد عليه إشكال: وهو كيف خاطبنا الله  بشيء لا يعلم معناه النبي ﷺ ولا غيره؟ وقد قال تعالى عن هذا القرآن: بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء:195]، وقال: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر:17]، وهذا يشمل تيسير الألفاظ وتيسير المعاني.

قال أبو بكر الصديق : لله في كل كتاب سرّ، وسرّه في القرآن فواتح السور[5].

هذا لا يُعلم ثبوته عن أبي بكر .

وقال قوم: تفسر.

أي: أنها ليست من قبيل المتشابه المطلق، وأن لها معنى.

ثم اختلفوا فيها، فقيل: هي أسماء للسور.

وهذا مروي عن زيد بن أسلم وابنه وأبي فاختة[6].

وقيل: هي أسماء لله.

وهذا كله لا دليل عليه.

وقيل: أسماء أقسم الله بها.

والمنقول عن ابن عباس وعكرمة[7]، ومن قال بقولهما أنها حروف وأقسم الله بها لشرفها، باعتبار أنها مباني الكتب المنزلة، وبها يكون ذكره وتوحيده، فهذه قسم، ويكون جواب القسم على هذا كما يقوله ابن الأنباري مقدرًا محذوفًا، يعني كأنه هكذا: وحروفِ المعجم لقد بيّن الله لكم السبيل أو نحو ذلك، وفي هذا بعد، وقالوا: هذا فيه تعظيم لحروف المعجم باعتبار أنه يركب منها الكلام، ومعلوم أن القسم لا يكون إلا بمعظم، وهذه الأقوال لا دليل عليها، ولا يُعرف في لغة العرب القسم بحروف المعجم، والقرآن إنما نزلت بلغة العرب وعلى معهودهم في الخطاب.

وقيل: هي حروف مقطعة من كلمات، فالألف من الله، واللام من جبريل، والميم من محمد -صلّى الله عليه وآله وسلّم- ومثل ذلك في سائرها.

أي: أن كل حرف يرمز إلى كلمة، وهذا لا حد له، فلكل أحد أن يتخيل هذه الأشياء والألفاظ التي يُدعى أنها ترمز إليها، ولا يكون تناول القرآن والكلام في تفسيره بهذه الطريقة.

وورد في الحديث: أن بني إسرائيل فهموا أنها تدل بعدد أبي جاد على الحروف التي تُبقي هذه الأمة.

هذا على اعتبار ما يسمى: حساب الجُمّل، أي أن كل حرف من حروف التهجي له قيمة عددية، في الآحاد والعشرات والمئات وهكذا، ولذلك تجد بعض أصحاب المؤلفات وبعض المؤلفين في المنثور يذكر في آخر الكتاب أنه ألفه وهو ابن كذا، فيذكر حرفين، وهذان الحرفان يشيران إلى عمر المؤلف أو الناظم حينما نظم هذه القصيدة أو المنظومة، وتجد بعضهم لربما ذكر عدد أبيات القصيدة وعبر عنها بحروف، وهذا كثير.

وحساب الجُمّل ليس من علوم العرب، وإنما من علوم اليهود، وقد ذكر الشاطبي في الموافقات ما حاصله أن معاني القرآن وتفسيره لا يصح حمله على غير معهود العرب، أو ما هو خارج عن علومهم، كالعلوم الفلسفية؛ لأن القرآن إنما نزل يخاطب العرب، فلا يجوز تفسير القرآن بالفلسفة، وكذلك أيضًا أن تُفسر هذه الحروف بحساب الجُمّل، أي أن كل حرف يرمز إلى عدد، ومن ثم حاولوا أن يستخرجوا عمر هذه الأمة، ومتى قيام الساعة؟ وما إلى ذلك، وليس لهذا أصل.

وسمع النبي ﷺ منهم ذلك فلم ينكره[8].

وهذا لا يصح في حديث عن النبي ﷺ، وقد جاء من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- عن جابر بن رئاب قال: مر أبو ياسر بن أخطب برسول الله ﷺ وهو يتلو فاتحة سورة البقرة:الم، فأتى أخاه حيي بن أخطب فأخبره... وسياقه طويل، والمقصود أنهم ذكروا ما يتصل ببقاء هذه الأمة، وهذا لا يصح من جهة الإسناد، كما لا يصح التفسير به لما سبق.

وقد جمع أبو القاسم السُهيلي عددها على ذلك بعد أن أسقط المتكرر، فبلغت تسعمائة وثلاثة.

 أي أربعة عشر حرفًا، فوجد مبلغها من الناحية العددية تسعمائة وثلاثة، ونحن الآن في ألف وأربعمائة وست وثلاثين من بعد هجرة النبي ﷺ، وهذه السورة من أوائل السور النازلة بعد الهجرة، فأين تسعمائة وثلاثة؟ لم تنته الأمة.

وإعراب هذه الحروف يختلف بالاختلاف في معناها.

فإن قيل بأنها أسماء حروف تهجٍ؛ لأنه منطوق بأسماء الحروف، بمعنى أن الميم اسم لـ [مه]، والعين اسم لـ [عه]، فإذا أردت أن تنطق حرف التهجي كحرف من غير أن تنطق باسمه فتقول في الزاي: زه. وفي الميم: مه. وفي العين: عه. ونحو ذلك، وأما المذكور هنا في هذه الحروف المقطعة فهو أسماؤها، وقد مضى الكلام في مقدمات هذا الكتاب في الكلام على الفضائل في قول النبي ﷺ: لا أقول الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف[9]، وكما يقول شيخ الإسلام من أن النطق بأسماء الحروف يدل على أن المراد بالحرف في الحديث الكلمة، وليس حرف التهجي[10]، باعتبار أن النبي ﷺ نطق بأسمائها، ولم ينطق بنفس الحرف كحرف تهجٍ، وبهذا الاعتبار تكون الألف مكونة من ثلاثة أحرف تهجٍ، ألف.

وعلى القول بأنها أسماء حروف تهج لا محل لها من الإعراب، وبعضهم يقول بأنها معربة لكن فات شرط التركيب، ومعلوم أن الكلام الذي يتصل به الإعراب عند النحاة هو الكلام المركب، وإلى هذا يميل صاحب الكشاف، وبعضهم يقول: هي موقوفة لا معربة ولا مبنية.

وعلى القول بأنها أسماء للسور أو أسماء لله وأنه حُذف بعضها وبقيت هذه الحروف تدل عليها يكون لها موضع من الإعراب كما ذكره المؤلف.

فيتصور أن تكون في موضع رفع أو نصب أو خفض، فالرفع على أنها مبتدأ  .

قوله: "فالرفع على أنها مبتدأ": فتكون الم مبتدأ، والخبر: ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ [البقرة:2].

أو خبر ابتداء مضمر.

أي أن المبتدأ مقدر، وهي الخبر مرفوعة، ولكن الأصل عدم التقدير.

والنصب على أنها مفعول بفعل مضمر.

مثلًا: اقرأوا الم، اقرأوا يس، فتكون في محل نصب مفعول به.

والخفض على قول من جعلها مقسمًا بها كقولك: اللهِ لأفعلن.

فهنا حُذف حرف القسم وبقي عمله، أي واللهِ لأفعلن، وحروف القسم ثلاثة: الواو، والباء، والتاء، كما في قولك: واللهِ، تاللهِ، باللهِ. ولو جعلنا هذه الحروف مقسمًا بها يكون حرف القسم محذوفًا.

وإنما سكنت لأنها لم يدخل عليها عامل يقتضي حركة، فسكونها للوقف لا للبناء، كقولك: واحد، اثنان.

 معروف أن الإعراب هو تغير أواخر الكلم، أي الحركات وما يقوم مقامها باختلاف العوامل الداخلة عليها، وهذه لم يسبقها عامل، فكان هذا السكون للوقف لا للبناء؛ لأن الحروف المبنية قد تلزم البناء بالسكون أو الفتح أو الضم، لكن يريد أن يقول بأن السكون هنا ليس حركة بناء، وإنما هي معربة لم يدخل عليها عامل.

وهذا الكلام -والله أعلم- كله لا دليل عليه، فإذا قلنا بأنها حروف تهجٍ لا معنى لها في نفسها فلا يجري عليها ذلك، أي لا محل لها من الإعراب.

ذلِكَ الْكِتابُ هو هنا القرآن.

أشار إليه بالبعيد لعلو مرتبته.

وقيل: التوراة والإنجيل.

هذا غير صحيح، ولا يدل عليه السياق.

وقيل: اللوح المحفوظ.

هذا أيضًا غير صحيح، وأيضًا لا يدل عليه السياق؛ لقوله تعالى: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، لكن كأن الذين قالوا هذين القولين استدلوا بالإشارة إلى البعيد، وربما يكون ذلك باعتبار أن القرآن حينما نزل لم يُجمع في كتاب، لكن من أهل العلم من قال: تسميته بالكتاب فيه إشارة إلى ما سيؤول إليه أمره وحاله من كونه مجموعًا في كتاب.

ولذلك قال بعض أهل العلم: إن التمثيل الذائع الشائع للمصالح المرسلة بجمع عثمان القرآن في مصاحف فيه نظر، وأن ذلك قد دل عليه القرآن في مواضع منها: ذَلِكَ الْكِتَابُ، فليس من قبيل المصلحة المرسلة من حيث هو بطريق الاستدلال، نعم لا شك أنه مصلحة لكن الكلام في هذا النوع من الأدلة الذي هو المصالح المرسلة، والمصالح المرسلة مثل بناء المدارس والدواوين التي كانت في زمن عمر .

وهو الصحيح، الذي يدل عليه سياق الكلام ويشهد له مواضع من القرآن.

قوله: وهو الصحيح: هاهنا سقط، والتقدير: والأول هذا هو الصحيح، وإلا كان الكلام متناقضًا؛ لقوله: والمقصود منها إثبات... يعني القرآن باتفاق. إذن المقصود بقوله: ذَلِكَ الْكِتَابُ هو القرآن، وهذا هو الصحيح الذي لا يسوغ العدول عنه.

والمقصود منها إثبات أن القرآن من عند الله كقوله: تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ [السجدة:2]، يعني: القرآن باتفاق، وخبر ذلك: لا ريب فيه، وقيل: خبره الكتاب.

اعتبار أن الخبر ذَلِكَ الْكِتَابُ باعتبار أن أل تدل على الوصف الكامل، يعني: ذلك الكتاب الكامل في صفته الذي قد حوى العلوم والهدايات، ويكون الكلام هنا قد تم من مبتدأ وخبر، وهذا مثل ما تقول: هذا الرجل. أي أنه قد استجمع الوصف الأكمل.

فعلى هذا ذَلِكَ الْكِتَابُ جملة مستقلة فيوقف عليها.

لكن الأقرب أنه متصل بما بعده وأن الكلام لم يتم، يعني ذلك الكتاب ما به؟ لا ريب فيه، فهذا هو الخبر.

لا رَيْبَ فِيهِ.

الريب هو شك مقلق، فهو أخص من مطلق الشك، مع أن الكثير من أهل العلم في كتب اللغة وكتب التفسير يفسرون الريب بالشك، وهو قريب من معناه، وهذا كثير في كلامهم، لكن إن أردت أن تذكر المعنى الدقيق فالشك أنواع ومراتب، فمنه ما يكون معه قلق، فهو شك مقلق يقال له: الريب.

وهذا النفي للريب يقتضي ثبوت كمال ضده، بمعنى أنه يدل على أنه يورث كمال اليقين، وأنه متضمن لليقين الكامل؛ لأن النفي الذي يكون في صفات الله ، أو في صفات الملائكة كما في قوله تعالى: لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ [التحريم:6]، وفي صفات الرسل، وفي صفات القرآن، كل هذا يقتضي ثبوت كمال ضده؛ لأن النفي المجرد لا مدح فيه. 

ومعنى هذا أن هذا الكتاب ليس فيه ما يورث الريب من التعارض والتناقض في المعاني، فمن أراد اليقين الكامل فعليه بتدبر القرآن واتباعه، وليس فيه أيضًا ما يورث الريب من جهة المباني كالضعف والركاكة واللحن ونحو هذا، وكذلك أيضًا لا ريب فيه أنه من عند الله وليس من البشر، وقد فسره بهذا جمع من المحققين، والقرآن يعبر به بالألفاظ القليلة الدالة على المعاني الكثيرة.

أي: لا شك أنه من عند الله في نفس الأمر وفي اعتقاد أهل الحق، ولم يعتبر أهل الباطل.

قوله: "ولم يعتبر أهل الباطل": لأنه لا عبرة بهم.

فيه: خبر لا، فيوقف عليه.

هذه الإعرابات التي يذكرها المؤلف يتوقف عليها المعنى، فهناك ملازمة بين المعنى والإعراب، فهنا يتم المعنى عند: لَا رَيْبَ فِيهِ، ويكون ابتداء الكلام: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، أي: هو هدى للمتقين، فوصفه بوصفين:

  • الوصف الأول: نفي الريب عنه.
  • الوصف الثاني: أنه هدى للمتقين.

وهذا إذا اعتبرنا فيه خبر لا.

وقيل: خبرها محذوف. فيوقف على ريب.

أي أن خبر لا محذوف، فيقف على رَيْبَ، فيقول: ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ، أي: لا شك أنه من عند الله، وفيه مقدر محذوف، ويكون ما بعده جملة مستأنفة: فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، أي: أنه متضمن للهدى للمتقين.

والأول أرجح.

أي: أن قوله: فيه يتعلق بما قبله، فهو خبر لـلا، يعني تقرأ: ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ، وتقف، ثم تقول: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، أي: هو هدى للمتقين، وهذا الأكمل معنى وأبلغ، ففرق بين أن يكون هذا الكتاب بأجمعه هدى، وبين أن يقال: فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ.

لتعيّنه في قوله: لَا رَيْبَ في مواضع أخر.

أي: يفسر القرآن بالقرآن، كقوله تعالى: وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [يونس:37]، فهنا لا يصلح أن يقال: الوقف على لَا رَيْبَ؛ لأنه لا يتأتى المعنى، ولا على وجه ضعيف، وهكذا في قوله تعالى: تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [السجدة:2] ، فلا يمكن أن يوقف على: تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ ، ثم يقال: فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ لأن هذا يفسد المعنى.

فهاتان الآيتان يتضح بهما الاحتمال في آية البقرة، فيكون الأرجح: ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ، هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، ولاحظوا علامات ومواضع الوقف والوصل والابتداء أنها تغير المعنى، وهي في جملتها لا تخضع لقواعد، وإنما يرجع ذلك للمعنى، فيترجح لدى المفسر الوقف هنا باعتبار معنى، فيرى أن الوقف هنا تام أو كاف أو جائز أو نحو ذلك، وقد يترجح لآخر غير ذلك، ومن لا يميز في هذه الأمور فإنه يلتزم العلامات الموجودة على المصحف.

وبعض أهل العلم يقولون: لَا رَيْبَ فِيهِ صيغة خبرية، والمعنى الأمر. أي لا ترتابوا فيه، فهو بمعنى الإنشاء، ولكن لا يدل عليه ظاهر اللفظ، وإنما يؤخذ من لازمه، فإذا كان لا ريب فيه فإنه يلزم من ذلك ألا يرتاب فيه أحد.

فإن قيل: فهلا قدّم قوله فِيهِ على الريب كقوله: لَا فِيهَا غَوْلٌ [الصافات:47] ؟

أي تكون: لا فيه ريب.

فالجواب: أنه إنما قصد نفي الريب عنه، ولو قدم فِيهِ لكان إشارة إلى أن ثمّ كتاب آخر فيه ريب، كما أن قوله: لَا فِيهَا غَوْلٌ إشارة إلى أن خمر الدنيا فيها غول، وهذا المعنى يبعد قصده فلا يقدم الخبر.

قوله: "فالجواب: أنه إنما قصد نفي الريب عنه. ولو قدم فِيهِ لكان إشارة إلى أن ثمّ كتاب آخر فيه ريب": المقصود في الآية هنا نفي الريب عن القرآن، دون قصد الإشارة إلى أن ثمة كتابًا آخر فيه ريب.

هُدىً: هنا بمعنى الإرشاد لتخصيصه بالمتقين، ولو كان بمعنى البيان لعمّ كقوله تعالى: هُدىً لِلنَّاسِ.

الذي يظهر -والله أعلم- أنه لا فرق بين كونه للإرشاد أو البيان؛ لأن الهدى نوعان:

النوع الأول: هدى الدلالة والبيان والإرشاد. كما قال الله : وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى:52]، يعني: النبي ﷺ يهدي.

النوع الثاني: هدى التوفيق. وهو المذكور في قوله تعالى: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص:56]، أي: لا توفق إلى الإيمان من أحببت، ولكن الله يهدي من يشاء.

واجتمعت الهدايتان في قوله -تبارك وتعالى- عن ثمود: فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى [فصلت:17]، أي: هديناهم هداية إرشاد.

وهداية البيان والإرشاد ترجع إلى شيء واحد، هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، يعني: أنه يبين لهم ما يحتاجون إليه مما يتصل بصفات المعبود جل جلاله، وما يتعلق بتوحيده ودلائله وبراهينه، وما يتعلق بتفاصيل الصراط المستقيم التي أمرهم بسلوكها، إلى غير ذلك من الهدايات المضمنة في القرآن، فهو هدى لهم يدلهم على ما يحتاجون إليه مما تقوم به مصالحهم وتتحقق به نجاتهم في الدنيا والآخرة، ولاحظ أنه خصص الهدى للمتقين، مع أنه هدى لجميع الناس، لكن لا حاجة لأن يُلتمس لذلك ما ذكره المؤلف من أن ذلك بمعنى الإرشاد لتخصيصه بالمتقين، فالبيان والإرشاد يرجعان إلى شيء واحد في التفسير هنا، لكن يمكن أن يقال: خصه بالمتقين لكونهم المنتفعين به.

فيصح تخصيص الشيء لمثل ذلك، كما في قوله تعالى: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ [فصلت:44].

وهكذا في قوله تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا [الإسراء:82].

وكذلك قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [يونس:57].

وهكذا في قوله تعالى: يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [المائدة:16] ، وقوله: تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ ۝ هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ [لقمان:2-3]، فخص المحسن والمتقين ومن اتبع رضوانه لأنهم المنتفعون به، بخلاف من لم يرفع بذلك رأسًا، فيكون عليهم عمى، وإلا فالقرآن هدى لجميع الناس.

وإعرابه: خبر ابتداء.

أي كما سبق هو هدى، والمبتدأ محذوف، وهذا بناء على الوقف على قوله: فِيهِ، فتكون الجملة الجديدة: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، أي: هو هدى للمتقين.

أو مبتدأ وخبره: فِيهِ عند ما يقف على: لا رَيْبَ.

فتكون: فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، والجار والمجرور خبر مقدم. والأول أرجح كما تقدم.

أو منصوب على الحال والعامل فيه الإشارة.

أي: ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى [البقرة:2]، أي: حال كونه هدى.

لِلْمُتَّقِينَ، مفتعلين من التقوى.

التقوى على وزن فعلة، أصله وقي فبدلت الواو تاء فأصبح تقيًا، ثم أُبدلت الياء واوًا، وعرفنا أن التقوى هي أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية بفعل ما أمر واجتناب ما نهى.

واعلم أن الحكم المعلق على وصف يزيد بزيادته وينقص بنقصانه، فبقدر التقوى يحصل الاهتداء بالقرآن، وقد ذكرنا لطائف ومعان وهدايات من هذه الآيات، ولا حاجة لذكر هذه الأشياء هنا، وإنما هنا يدور الكلام على ما يذكره ابن جُزي دون توسع، كعادة المؤلف أنه يقف عند بعض المواضع فيتحدث عن أمور خارجة عن التفسير، فيتحدث مثلًا عن أنواع الهدى والهدايات والتقوى والتوبة والصبر، فهذا خارج عن التفسير، وبعض هذا الحديث الذي يذكره جيد ومفيد، وبعض هذا الحديث لا يخلو من بعض العبارات التي يستعملها أهل التصوف.

وقد تقدّم معناه في اللغات. 

على كل حال كثير من الألفاظ التي سترد قد مضى الكلام عليها في الغريب، وهي المقدمة الثانية من هذا الكتاب، وقد تضمنت ستمائة واثنين من الألفاظ الغريبة، ونحتاج إليها، وقد تكلمنا عليها بشيء من التفصيل، فلا حاجة لإعادة ذلك في كل موضع.

فنتكلم عن التقوى في ثلاثة فصول: 
الأوّل: في فضائلها المستنبطة من القرآن، وهي خمس عشرة: 

مثل هذا يجمع فيه هذه المعاني والفوائد، والذي يشتغل بهذا أصحاب التفسير الموضوعي، فيجمعون الآيات في موضوع معين، ويتحدثون عنها بهذا الاعتبار وهو كونها تمثل وحدة موضوعية، سواء كانت من سورة واحدة أم القرآن كاملًا، ويرتبونها تحت عناوين.

الهدى لقوله: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:2].

والنصرة لقوله: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا [النحل:128].

والولاية لقوله: اللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ [الجاثية:18].

والمحبة لقوله: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [براءة:4].

والمعرفة لقوله: إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً [الأنفال:29].

قوله: والمعرفة لقوله: إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً، ليس مجرد المعرفة، بل أيضًا البصيرة التي يميزون فيها بين الحق والباطل ومعدن الحق ومعدن الشبهات.

والمخرج من الغم والرزق من حيث لا يحتسب لقوله: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً [الطلاق:2] الآية،

وتيسير الأمور لقوله: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً [الطلاق:4].

وغفران الذنوب وإعظام الأجور لقوله: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً [الطلاق:5].

وتقبل الأعمال لقوله: إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة:27].

والفلاح لقوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [البقرة:189].

والبشرى لقوله: لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ [يونس:64].

ودخول الجنة لقوله: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ [القلم:34].

والنجاة من النار لقوله: ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا [مريم:72].

الفصل الثاني: البواعث على التقوى.

الذي يجعل الإنسان يتحقق بالتقوى ويكون متقيًا لله، هو أن يخاف نزول عقوبة عامة في الدنيا أو خاصة به، فلا يعصي الله ، ويفعل ما أمره به يخشى أن يُنزل به قارعة، ويخاف العذاب الأخروي، ويختلف الناس باختلاف هذه البواعث، فمن الناس من تكون تقواه بسبب خوف من عذاب في الدنيا، ومنهم من يخاف عذاب الآخرة، ومنهم من يرجو الثواب الدنيوي، وهذا لا يكون بالقصد الأول، وإنما يكون على سبيل التبع، يعني كونه يتقي لأجل أن يوسع له في الرزق وتسهل حياته ونحو ذلك، لا يجعله بالقصد الأول، وإنما من الأمور التابعة، وإلا فإن الله تعالى يقول: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ ۝ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:15-16]، فمن كانت أعماله من أجل الدنيا فقد خاب سعيه، لكن إن كان بالتبع فلا إشكال، وقد قال تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ [البقرة:198]، أي: التجارة في مواسم الحج، وقد ذكرنا قبل عما يروج كثيرًا من فعل العبادات وقيام الليل ونحو ذلك لأجل المطالب الدنيوية، فيقال: قوموا الليل لصلاح أولادكم. وفرق بين أن يقوم الليل ويدعو الله  بالأسحار بصلاح الأولاد، وبين أن يكون قيامه الليل من أجل صلاح الأولاد، فهذا مطلب دنيوي، وتُنشر بين الناس رسائل ركيكة تحمل مثل هذه المعاني، وتجد قبولًا ذائعًا، وهذا من أعجب الأشياء أن تُحوّل مثل هذه الأعمال المقربة إلى الله  إلى وسائل تُحصل بها الدنيا واللذات المتقضية، حتى الصلاة حينما يُذكر ما لها من فوائد جسدية ورياضة للبدن ونحو هذا، وهذا كله لو ثبت فإن الصلاة لم تُشرع لأجله إطلاقًا، ولم يكن ذلك مقصودًا لهذه العبادات، وإنما شرعت لتعبيد النفوس لله  وإقامة الصلة، فهي أعظم صلة بين العبد وربه، وتحويل واختزال هذه المعاني الكبار لمثل هذه المقاصد الحقيرة لا شك أنه بخس للعبادة وتضييع لمقصودها، فقد تجد كتابات ومؤلفات خاصة إذا قرأها من لا بصر له فإنه يجد فيها أشياء لربما اقتنع بها، وتعظم في عينه الصلاة من جهة المنافع الدنيوية، ويظن أن هذا من حكمة الله في تشريع الصلاة، وهذا غير صحيح، فالناس موغلون في طلب الدنيا، ومن غير الصحيح أن نوجه عبوديتهم جريًا معهم على مثل هذه المطالب التي يتهافتون عليها.

وهي عشرة: خوف العقاب الدنياوي أو الدنيوي، وخوف العقاب الأخروي، ورجاء الثواب الدنيوي، ورجاء الثواب الأخروي، وخوف الحساب، والحياء من نظر الله، وهو مقام المراقبة.

قوله: والحياء من نظر الله، وهو مقام المراقبة: مقام المراقبة لا يتوقف على الحياء، وقد مضى الكلام عليه في الأعمال القلبية، لكن قد يكون الباعث على المراقبة الحياء، وقد يكون الخوف من الله تبارك وتعالى، وهذا هو الغالب.

والشكر على نعمه بطاعته، والعلم لقوله: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [فاطر:28]، وتعظيم جلال الله، وهو مقام الهيبة.

وقال قبل ذلك عن الحياء: وهو مقام المراقبة. وهذه العبارات يستعملونها كثيرًا، وأكثر ما ترد عند الصوفية، وقد استعملها غيرهم، فتجد هذا في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وفي كلام الحافظ ابن القيم كثير، ولا إشكال في استعمالها، وهم يقصدون بالمقامات الأوصاف التي صارت راسخة في النفس، فعندهم أمران:

  • الأمر الأول: الحال. وهي عارضة، فعندما يجد لذة للإيمان قد لا تستمر هذه اللذة في أيام العمر بأكمله، ولكنها تعرض، وهذه الأشياء التي تعرض يسمونها أحوال، فربما كان الإنسان في حال يطرب معها بسبب ما هو فيه من الطمأنينة والراحة وما أشبه ذلك من آثار الإيمان التي يجدها.
  • الأمر الثاني: المقام. وهو الوصف الثابت الراسخ.

ولذلك يختلفون في بعض الأعمال القلبية هل هي من المقامات؟ أو من الأحوال؟.

  وصدق المحبة فيه؛ لقول القائل:

تعصي الإله وأنت تظهر حبه هذا لعمري في القياس بديع
لو كان حبك صادقا لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع

ولله درّ القائل:

قالت وقد سألت عن حال عاشقها بالله صفه ولا تنقص ولا تزد
فقلت لو كان يظن الموت من ظمأ وقلت قف عن ورود الماء لم يرد

قوله: قالت وقد سألت... قف عن ورود الماء لم يرد.

أي: أنه من شدة المحبة صار بهذه الصفة، فلو أنه كان ينازع الموت من العطش، وقالت له: قف عن ورود الماء. لم يرد، وهذا وصف بليغ يدل على شدة محبته التي صارت سببًا لعبوديته لها، فهو مستجيب غاية الاستجابة ولو كان في حال الموت من شدة العطش، فلا يخرج عن أمرها، ويكون طوع إشارتها وأمرها، والله المستعان.

الفصل الثالث: درجات التقوى خمس:

وجعل درجات التقوى كلها من المقامات.

أن يتقي العبد الكفر، وذلك مقام الإسلام.

لأن من سلم من الكفر فقد تحقق الإسلام.

وأن يتقي المعاصي والمحرمات، وهو مقام التوبة

فمن سلم من المعاصي والمحرمات فهذا مقام التوبة، وهو الرجوع عن المعصية.

وأن يتقي الشبهات، وهو مقام الورع، وأن يتقي المباحات، وهو مقام الزهد.

قوله: "وأن يتقي المباحات، وهو مقام الزهد": وبعضهم يفسر الزهد بأنه ترك ما لا ينفع في الآخرة، وبعضهم يقول: أن تكون الدنيا في يده ولا تدخل قلبه.

ويكون الفرق بين الورع والزهد على ما ذكره المؤلف: أن الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما يُخشى ضرره في الآخرة، ويخشى أن يلحقه جراء ذلك تبعة.

وأن يتقي حضور غير الله على قلبه، وهو مقام المشاهدة.

يكون الله  حاضرًا في قلبه دائمًا، فهو ذاكر بقلبه، وهذا مقام الذكر والمراقبة لله  والإحسان، بأن تعبد الله  كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، ولعل هذا أحسن من التعبير بالمشاهدة.

والله أعلم.

  1. انظر: حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (6/326).
  2. انظر: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (2/167).
  3. تفسير القرطبي (1/155).
  4. تفسير الزمخشري (1/20).
  5. عزاه المناوي في الفتح السماوي (1/130)، للثعلبي في تفسيره، وعلقه  البغوي في تفسيره (1/59) عن أبي بكر. ولم  أجده مسندا.
  6. انظر: زاد المسير في علم التفسير (1/26).
  7. زاد المسير في علم التفسير (1/25).
  8. أخرجه الطبري في تفسيره (1/217)، والبخاري في التاريخ الكبير (2/208).
  9. أخرجه الترمذي، أبواب فضائل القرآن، باب ما جاء فيمن قرأ حرفا من القرآن ماله من الأجر، رقم: (2910).
  10. مجموع الفتاوى (12/107).

مواد ذات صلة