السبت 20 / ذو القعدة / 1441 - 11 / يوليو 2020
[15] من قول الله تعالى: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلآئِكَةَ} الآية 111 إلى قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ} الآية 119.
تاريخ النشر: ١٧ / ربيع الأوّل / ١٤٢٧
التحميل: 3489
مرات الإستماع: 2171

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المفسر -رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى:

وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلآئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ [سورة الأنعام:111].

يقول تعالى: ولو أننا أجبنا سؤال هؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمننَّ بها، فنزلنا إليهم الملائكة تخبرهم بالرسالة من الله بتصديق الرسل كما سألوا فقالوا: أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً [سورة الإسراء:92] وقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللّهِ [سورة الأنعام:124] وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُتُوًّا كَبِيرًا [سورة الفرقان:21].

وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى [سورة الأنعام:111] أي: فأخبروهم بصدق ما جاءتهم به الرسل وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً [سورة الأنعام:111] قرأ بعضهم (قِبَلاً) -بكسر القاف وفتح الباء- من المقابلة والمعاينة، وقرأ آخرون بضمهما قيل: معناه من المقابلة والمعاينة أيضاً كما رواه علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس -ا- وبه قال قتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم.

وقال مجاهد: قُبُلاً أي: أفواجاً قبيلاً قبيلاً، أي: تعرض عليهم كل أمة بعد أمة، فيخبرونهم بصدق الرسل فيما جاؤوهم به.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله: "قرأ بعضهم (قِبَلاً) بكسر القاف وفتح الباء" هذه قراءة نافع وابن عامر، وذلك من المقابلة، والقراءة الأخرى -قراءة الضم- هي قراءة بقية السبعة.

وقوله: "من المقابلة" بمعنى أن القراءتين بمعنى واحد، أو أن المراد بذلك أفواجاً أفواجاً، كما قال الحافظ –رحمه الله: "أفواجاً قبيلاً قبيـلاً".

وقال بعض أهل العلم: إن المراد بقراءة الضم أي: ضمناء وكفلاء، كما تقول: أنا قبيلي فلان، وفلان أنا قبيله، يعني أنا ضمينه وكفيله، وبهذا فُسِّرت أيضاً الآية التي استشهد بها الحافظ ابن كثير -رحمه الله- وهي قوله -تبارك تعالى: أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً [سورة الإسراء:92] أي: ضميناً وكفيلاً، ويحتمل أن يكون بمعنى المقابلة أيضاً، والله تعالى أعلم.

مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ [سورة الأنعام:111] أي أن الهداية إليه لا إليهم، بل يهدي من يشاء ويضل من يشاء وهو الفعَّال لما يريد لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [سورة الأنبياء:23] لعلمه وحكمته وسلطانه وقهره وغلبته.

وهذه الآية كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ ۝ وَلَوْ جَاءتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ [سورة يونس:96-97].

وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ۝ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ [سورة الأنعام:112-113].

يقول تعالى: وكما جعلنا لك يا محمد أعداء يخالفونك ويعادونك ويعاندونك جعلنا لكل نبي من قبلك أيضاً أعداء فلا يحزنك ذلك، كما قال تعالى: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ الآية [سورة الأنعام:34]، وقال تعالى: مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ [سورة فصلت:43] وقال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ الآية [سورة الفرقان:31]، وقال ورقة بن نوفل لرسول الله ﷺ: "إنه لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي".

وقوله: شَيَاطِينَ الإِنسِ [سورة الأنعام:112] بدل من عَدُوًّا أي: لهم أعداء من شياطين الإنس والجن.

والشيطان كل من خرج عن نظيره بالشر، ولا يعادي الرسل إلا الشياطين من هؤلاء وهؤلاء قبحهم الله ولعنهم.

بعضهم يقول: قيل له شيطان لخروجه عن نظائره، ولهذا يفسره بعضهم بقوله: إنه مأخوذ من شطنة البئر إذا بعد غورها وقعرها، وبعضهم يقول: قيل للشيطان ذلك لبعده عن طاعة الله وعن الخير، وبعضهم يقول: إن الشيطان بمعنى العاتي المتمرد، فكل عاتٍ متمرد هو شيطان، ولهذا قال الشاعر:

أيام يدعونني الشيطان من غزل وكنَّ يهوينني إن كنت شيطانا

يحكي عن الغواني اللاتي أعرضن عنه حينما لاح الشيب في رأسه، فهو يذكِّر بما كان في زمن مضى أيام عتوه وشبابه وقوته حين كنَّ هؤلاء النسوة يسمينه بالشيطان، وقوله: من غزلٍ يعني كنَّ يتغزلن به ويطلقن عليه هذا.

فالشياطين ربما قيل لهم شياطين لعتوهم وتمردهم، ولهذا قال كثير من أهل العلم كابن جرير: الشياطين يعني المردة، وهذا لا إشكال فيه، وبعضهم يقول ما ذكره الحافظ ابن كثير: "كل من خرج عن نظيره بالشر" وهذا أيضاً لا إشكال فيه؛ فهؤلاء إنما كانوا مردة لخروجهم عن صفة نظائرهم.

وهذه الآية نص صريح في أن الإنس فيهم شياطين، والنبي ﷺ قال: الكلب الأسود شيطان[1] وعلى كل حال فالمردة من الإنس والجن يقال لهم شياطين، وأعداء الرسل الذين ذكرهم الله هم من النوعين -من شياطين الإنس وشياطين الجن- ولا يختص ذلك بزمان الرسل -عليهم الصلاة والسلام- وأيام حياتهم بل يبقون ما شاء الله في كل زمان ومكان.

قال عبد الرزاق: حدثنا معمر عن قتادة في قوله: شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ [سورة الأنعام:112] قال: من الجن شياطين ومن الإنس شياطين، يوحي بعضهم إلى بعض.

وقوله تعالى: يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا [سورة الأنعام:112] أي: يلقي بعضهم إلى بعض القول المزيَّن المزخرف، وهو المزوق الذي يغتر سامعه من الجهلة بأمره.

يقول الحافظ -رحمه الله- في قوله: يُوحِي بَعْضُهُمْ "أي: يلقي بعضهم لبعض" الإيحاء أو الوحي أصح معانيه التي يفسر بها من كلام العرب هو كل ما ألقيته إلى غيرك ليعلمه، ولا يختص ذلك بالإلقاء السريع الخفي -كما هو المشهور- بل يكون بهذا وبغيره، فجبريل ﷺ جاء إلى النبي ﷺ- في صورة رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر.. إلى آخر الحديث[2].

والمقصود أن لم يُلقِ الوحي بسرعة وخفاء، ولذلك يقال: لا يلزم في الوحي أن يكون بسرعة وخفاء بل يطلق على ما ألقي بسرعة ويطلق على غيره، كما يقال في الكتابة: إنها وحي، ولهذا يقولون: وحي في حجر، ويقال للرمز والإشارة أيضاً وحي، ويطلق على غير ذلك أيضاً، والله أعلم.

فقوله تعالى: يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ [سورة الأنعام:112] أي: يلقي بعضهم إلى بعض.

وقوله: زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا [سورة الأنعام:112] يعني ما تموه به الحقائق وتضلل به الأفهام سواء كان ذلك بتغيير الأسماء كما ذكر الحافظ ابن القيم -رحمه الله- كلاماً عن هذا في غاية الحسن والجودة حيث قال: يسمون الخمرة بغير اسمها، ويسمون الزنا بغير اسمه، ويسمون الربا بالفائدة، ويسمون الإفساد بالإصلاح، وقد قال تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ [سورة البقرة:11] إلى غير ذلك من الأسماء المبهرجة التي يروجون بها الباطل فيستهوي ذلك بعض النفوس ويغتر به بعض أهل البلادة، فيرددون خلفهم هذه الألفاظ، ويتابعونهم في هذا التزيين والتضليل، فيقع بسبب ذلك مطلوبهم ومبتغاهم.

وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ [سورة الأنعام:112] أي: وذلك كله بقدر الله وقضائه وإرادته ومشيئته أن يكون لكل نبي عدو من هؤلاء، فَذَرْهُمْ أي: فدعهم وَمَا يَفْتَرُونَ أي: يكْذِبون، أي دع أذاهم وتوكل على الله في عداوتهم فإن الله كافيك وناصرك عليهم.

وقوله تعالى: وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ [سورة الأنعام:113] أي: ولتميل إليه، قاله ابن عباس -ا.

اللام في قوله: وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ [سورة الأنعام:113] هذه لام التعليل، والمعنى أن هؤلاء يوحي بعضهم إلى بعض بإلقاء التلبيسات والوساوس والأباطيل من أجل أن يغروا غيرهم بذلك ومن أجل أن تميل قلوبهم إلى تلك الأباطيل وترتاض عليه نفوسهم ثم تفسد أعمالهم تبعاً لذلك.

ويحتمل أن يكون ذلك تعليلاً لفعل الله -تبارك وتعالى- ويكون المعنى أن الله -تبارك وتعالى- جعل لكل نبي عدواً من شياطين الإنس والجن يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا [سورة الأنعام:112] أي وذلك بحكمته ومشيئته، ومن هذه الحكم والغايات البعيدة أن تصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون، فهذه حكمة مقصودة لغيرها، وهي أن ينقسم الناس إلى فريقين ويحصل الابتلاء ويظهر مقتضى الأسماء الحسنى، وأن الله -تبارك وتعالى- يضل من يشاء ويهدي من يشاء، ويظهر معنى اسمه -تبارك وتعالى- المنتقم والعزيز والرحيم والحليم وما أشبه ذلك، ولذلك كان دفع الباطل بحاجة إلى مجاهدة وصبر على الحق، ولذلك كان للإيمان تبعة وكلفة،

ولهذا الاعتبار -والله تعالى أعلم- صار أكثر الخلق على غير الهدى كما سيأتي بيان ذلك عند قوله تعالى: وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ [سورة الأنعام:116]، وهذا الظن الذي يتبعونه هو من جملة ما زينه لهم شياطين الإنس والجن، ولو شاء الله -تبارك وتعالى- ما حصل شيء من ذلك، لكن أراد الله ذلك للابتلاء كما قال تعالى: وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ [سورة محمد:4] فكل ذلك مما يقع على أيدي هؤلاء الشياطين إلى يوم الدين هو بإرادة الله وحكمته ومشيئته، وعلى أهل الإيمان الصبر والمجاهدة والمدافعة، قال تعالى: وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ [سورة البقرة:251]. 

ولنعلم أن مثل هذه الأمور يحصل بها التوازن في هذه الحياة، ويحصل بها الصراع بين الخير والشر فيظهر فيها حزب الله على حزب الشيطان، وما يسمعه الإنسان وما يقرؤه وما يراه وما يشاهده من الكيد الكبّار لدين الله -تبارك وتعالى- وما ينفثُه بعض الأفاعي في كتاباتهم من السموم التي يطعنون فيها بدين الله بحيث إذا قرأها الإنسان يكاد يتميز من الغيظ، كل ذلك لو شاء ربك ما فعلوه، لكن علينا أن نتمسك بالحق وندعو إليه ونرد الباطل قدر الاستطاعة، وهذا هو الواجب على الإنسان وإلا فهذا دين الله -تبارك وتعالى- وهو منصور –بإذن الله- والملك ملك الله والخلق خلقه، ولو شاء لآمن من في الأرض كلهم جميعاً.

أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ [سورة الأنعام:113] أي: قلوبهم وعقولهم وأسماعهم، وقال السدي: قلوب الكافرين، وَلِيَرْضَوْهُ [سورة الأنعام:113] أي: يحبوه ويريدوه.

الأفئدة هي القلوب، ويقال: إن الفؤاد قيل له فؤاد لكثرة تفؤده أي لكثرة توقده بالمعاني والخواطر والأفكار فالقلب تتحرك فيه الخواطر والإرادات فيمكن للإنسان أن يغمض عينه فلا يرى، وأن يسد أذنه فلا يسمع، أو يبقى في مكان لا يسمع فيه صوتاً، وما أشبه ذلك، لكن لا يستطيع أن يوقف قلبه فلا ترد عليه الخواطر والأفكار وما أشبه ذلك، وإذا كان الإنسان ينظر بعينه ففي الغالب أن القلب يتبع البصر، وإذا كان يسمع بأذنه فالغالب أن القلب يتبع السمع، لكن إذا كان لا يسمع ولا يبصر فالقلب يبقى في تحرك متواصل إما بأن يعيد شريط أشياء مضت أو يفكر بأشياء في المستقبل، أو غير ذلك.

وَلِيَرْضَوْهُ [سورة الأنعام:113] أي: يحبوه ويريدوه، وإنما يستجيب ذلك ما لا يؤمن بالآخرة كما قال تعالى: فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ ۝ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ ۝ إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ [سورة الصافات:161-163]، وقال تعالى: إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ ۝ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ [سورة الذاريات:8-9].

وقوله: وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ [سورة الأنعام:113] قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس -ا: وليكتسبوا ما هم مكتسبون، وقال السدي وابن زيد: وليعملوا ما هم عاملون.

على هذا تكون اللام للتعليل يعني ولتصغى وليرضوه وليقترفوا.

أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ۝ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [سورة الأنعام:114-115].

يقول تعالى لنبيه ﷺ: قل لهؤلاء المشركين بالله الذين يعبدون غيره أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا أي: بيني وبينكم وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً [سورة الأنعام:114] أي: مبيناً.

الهمزة للإنكار في قوله: أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا والحَكَم أبلغ من الحاكم -كما هو معلوم، وأصل الحكم معروف أنه يدور على معنى المنع في كل استعمالاته وذلك على قول كثير من أهل العلم، والله تعالى أعلم، فالحَكَم هو الذي يمنع أحد الخصمين من التعدي على الآخر أو من أخذ حقه، وقل ذلك كذلك في مثل موارد هذه اللفظة، فالحَكَمَة هي الحديدة التي توضع في فم الدابة لتمنعها من الانفلات، والحِكْمَة تمنع صاحبها من الشطط في القول والرأي والفعل، والله أعلم.

وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ [سورة الأنعام:114] أي: من اليهود والنصارى يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ أي: بما عندهم من البشارات بك من الأنبياء المتقدمين.

فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ كقوله: فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [سورة يونس:94] وهذا شرط، والشرط لا يقتضي وقوعه.

من أهل العلم من يربط بين قوله: فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [سورة الأنعام:114] وبين ما قبله مباشرة، أعني قوله: وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ [سورة الأنعام:114] يعني أنهم يعلمون ذلك فلا تشك في هذا، والاحتمال الآخر أن قوله: فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ يعني لا تكن من الشاكين في حقيقة الأخبار التي أوحى الله إليك بها في هذا الكتاب، فالله أخبره في هذا القرآن عن أمور، ومنها: أن أهل الكتاب يعلمون أنه منزل من ربه بالحق، فإذا كان هؤلاء الجهلة من المشركين يكذبونه ويقولون: إنه أساطير الأولين، فإن الذين أوتوا الكتاب من قبله يعلمون أنه منزل من ربه بالحق لما يعرفون من دلائل صدقه التي يجدونها في كتابهم، ولما يجدون من الموافقة والمطابقة بين هذه الحقائق التي يُبين عنها القرآن وبين ما في كتبهم من الأخبار الغيبية، سواء كان ذلك عن أمور مضت أو عن أمور مستقبله، أو كان ذلك مما يتعلق بصفات الله فهناك مطابقة كبيرة بين ما في القرآن وبين ما في التوراة، ولذلك فإن الصفات الإلهية في التوراة -إلا ما حرفوه بسبب كذبهم على الله وافترائهم عليه- نجد أن الله وصف نفسه فيها كما جاء في القرآن وفي سنة النبي ﷺ.

وخبر الحبر الذي جاء إلى النبي ﷺ- وذكر ما يكون في اليوم الآخر معروف، ومنه قوله: إذا وضع الله السماوات على ذه، والأرضين على ذه.. إلى آخره، فضحك النبي ﷺ [3]؛ إقراراً لما قاله الحبر.

وقوله: فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ [سورة يونس:94] يقول الحافظ: "هذا شرط والشرط لا يقتضي وقوعه" هذه قاعدة معروفة، ومن أمثلتها قوله تعالى: قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ [سورة الزخرف:81] على أحد المعاني التي فسرت بها هذه الآية.

وقوله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً [سورة الأنعام:115] قال قتادة: صدقاً فيما قال وعدلاً فيما حكم.

يقول تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ [سورة الأنعام:115] هذا على قراءة الكوفيين، وقرأ الباقون بالجمع: (وتمت كلمات ربك) والقراءة بالإفراد لـكَلِمَتُ يمكن أن تحمل على معنى الجمع باعتبار أن المفرد إذا أضيف فإنه يكون للعموم مثل قوله تعالى: يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللّهِ [سورة النحل:83] يعني نعم الله، فـنِعْمَتَ أضيفت إلى الاسم الظاهر –وهو الله- وكذلك إذا أضيف إلى الضمير كما في قوله تعالى: لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي [سورة الممتحنة:1] يعني لا تتخذوا أعدائي، فـ"عدو" هنا أضيف إلى ياء المتكلم، ومنه أن يضاف إلى كاف الخطاب كقوله تعالى: أَوْ صَدِيقِكُمْ [سورة النــور:61] يعني أو أصدقائكم.

قوله: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ [سورة الأنعام:115] أو (وتمت كلمات ربك) كبير المفسرين ابن جرير -رحمه الله- فسر الكلمة أو الكلمات بأنها القرآن، وهذا مشى عليه كثير من المفسرين وإن اختلفت عباراتهم، وبهذا يكون المراد بالكلمة هنا الكلمات الشرعية.

قوله: صِدْقًا وَعَدْلاً [سورة الأنعام:115] أي: صدقاً في الأخبار وعدلاً في الأحكام، فأخبار هذا القرآن صدق وأحكامه في غاية العدل.

يقول: صدقاً في الأخبار وعدلاً في الطلب، فكل ما أخبر به فحق لا مرية فيه ولا شك.

قوله: "عدلاً في الطلب" المراد بالطلب يعني الأحكام -الأمر والنهي-؛ لأن الكلام إما أن يكون خبراً أو إنشاءً، والطلب من الإنشاء وهي الأحكام.

فكل ما أخبر به فحق لا مرية فيه ولا شك، وكل ما أمر به فهو العدل الذي لا عدل سواه، وكل ما نهى عنه فباطل، فإنه لا ينهى إلا عن مفسدة، كما قال تعالى: يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ [سورة الأعراف:157] إلى آخر الآية.

لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ [سورة الأنعام:115] أي: ليس أحد يعقب حكمه تعالى لا في الدنيا ولا في الآخرة.

وَهُوَ السَّمِيعُ لأقوال عباده الْعَلِيمُ [سورة الأنعام:115] بحركاتهم وسكناتهم الذي يجازي كل عامل بعمله.

قوله: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ [سورة الأنعام:115] فسر بالكلمات الشرعية، وقوله -تبارك وتعالى: لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ [سورة الأنعام:115] يمكن أن تفسر أيضاً بالكلمات الشرعية أيضاً، فيكون لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ [سورة الأنعام:115] بمعنى أنه إذا أخبر عن شيء فلا بد أن يقع، وقد أخبر عما يكون في يوم القيامة فلا بد أن يقع، وأخبر عما يكون للكافرين فوقع ما أخبر به، وأخبر عن ظهور دين الرسول ﷺ فكان ذلك، وكذلك سائر الأخبار كما قال الله مثلاً عن المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك: قُل لَّن تَتَّبِعُونَا [سورة الفتح:15] حيث أرادوا أن يبدلوا كلام الله فقالوا: ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ [سورة الفتح:15] فتكون هذه مفسرة للآية التي بين أيدينا وهي قوله تعالى: لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ [سورة الأنعام:115]، والله أعلم.

وعلى كل حال فالكلمات تطلق على الكلمات الشرعية وتطلق على الكلمات الكونية القدرية، فإذا قال الإنسان: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، فهذا مقام استعاذة، فلو قصد بها الكلمات الشرعية فهذا يصح؛ لأن القرآن كلام الله، وكلامه صفة من صفاته، والاستعاذة بالصفة أمر جائز لا إشكال فيه، فتقول: أعوذ بعزة الله وقدرة من شر ما أجد وأحاذر، وقال النبي ﷺ: أعوذ بوجهك [4]فهو استعاذ بالصفة، وهذا بخلاف الدعاء فإن الصفة لا تدعى، فلا تقول: يا عزة الله، لا، وإنما تقول: يا الله.. يا صاحب العزة.. يا عزيز..، ففرق بين الاستعاذة وبين الدعاء.

كذلك يحتمل أن يكون معنى أعوذ بكلمات الله التامات، يعني الكلمات الكونية القدرية التي لا يجاوزها برٌّ ولا فاجر، لكن أليق المعنيين وأنسب بالمقام مقام الاستعاذة الكلمات القدرية؛ لأنك تستعيذ من شر كل ذي شر، فكون ذلك يحمل على الكلمات القدرية أليق وأنسب وأكثر ارتباطاً بمقام الاستعاذة، والمقصود بالكلمات الكونية القدرية: كن فيكون من قوله تعالى: إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ [سورة النحل:40] فهذه لا يجاوزها برٌّ ولا فاجر؛ لأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.

وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ۝ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [سورة الأنعام:116-117].

يخبر تعالى عن حال أكثر أهل الأرض من بني آدم أنه الضلال، كما قال تعالى: وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ [سورة الصافات:71] وقال تعالى: وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [سورة يوسف:103] وهم في ضلالهم ليسوا على يقين من أمرهم وإنما هم في ظنون كاذبة وحسبان باطل إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ [سورة الأنعام:116] فإن الخرص هو الحزر، ومنه خرص النخل وهو حزر ما عليها من التمر، وذلك كله عن قدر الله ومشيئته.

هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ [سورة الأنعام:117] فييسره لذلك وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [سورة الأنعام:117] فييسرهم لذلك، وكل ميسر لما خلق له.

قوله تعالى: وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ [سورة الأنعام:116] لا حاجة لحمله على زمان معين كأن يقال: أي في ذلك الوقت الذي نزلت فيه الآية، كما أنه لا حاجة إلى حمله على مكان معيّن كأن يقال: هذا في مكة باعتبار أن "أل" عهدية" في قوله: مَن فِي الأَرْضِ [سورة الأنعام:116] فهذا لا دليل عليه، بل هذا عام في كل زمان ومكان؛ لأن الله قال: وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [سورة يوسف:103] وقال الشيطان متوعداً بإضلال الناس: وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [سورة الأعراف:17] والله يقول: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ [سورة سبأ:20].

الحاصل أن أكثر الناس ضالون مضلون -بلا شك- ويبقى من هداهم الله واصطفاهم واجتباهم، ممن يطيع ربه -تبارك وتعالى- ويتبع هذا الوحي المنزل فيكون بذلك مهتدياً، وكل من كان قائده غير الوحي من رأي وعقل وذوق ووجد، أو شياطين الإنس والجن فلا شك أنه في عماية وضلال يتخبط فيها ويتقلب ظهراً لبطن، وهذا هو حقيقة الأمر وإن ادعى المدعون أنهم مستنيرون، والله المستعان.

فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ ۝ وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ [سورة الأنعام:118-119].

هذا إباحة من الله لعباده المؤمنين أن يأكلوا من الذبائح ما ذكر عليها اسمه، ومفهومه أنه لا يباح ما لم يذكر اسم الله عليه كما كان يستبيحه كفار قريش من أكل الميتات وأكل ما ذبح على النصب وغيرها.

ثم ندب إلى الأكل مما ذكر اسم الله عليه فقال: وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ [سورة الأنعام:119] أي: قد بيّن لكم ما حرم عليكم ووضحه، قرأ بعضهم فَصَّلَ بالتشديد، وقرأ آخرون بالتخفيف، والكل بمعنى البيان والوضوح.

بعض السلف كعطاء حمل قوله تعالى: فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ [سورة الأنعام:118] على العموم، يعني في سائر المطعومات، والذي عليه عامة أهل العلم، وهو الذي يدل عليه السياق ومقتضى الحال أن المقصود بذلك الذبائح، وهكذا في قوله -تبارك وتعالى: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ [سورة المائدة:5] المقصود به الذبائح على قول عامة أهل العلم، وأما غير الذبائح فلا يختص ذلك بأهل الكتاب مما يصنعونه من خبز ونحوه، فهنا في قوله: فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ [سورة الأنعام:118] أي في الذبائح، وهذا أمر مستلزم لمعنى النهي، ودلالة الالتزام هذه مصرح بها فيما سيأتي بعده من قوله: وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ [سورة الأنعام:121]، فقوله: فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ [سورة الأنعام:118] يعني ولا تأكلوا ما لم يذكر اسم الله عليه.

وإذا كانت هذه الآية في الذبائح فإن ابن جرير –رحمه الله- حمل ذلك على اعتبار حال الذابح يعني من يقوم بالتذكية ممن تحل ذبيحته، وهو المسلم الذي لا يذبح لغير الله أو الكتابي الذي لا يذبح لغير الله أيضاً، بخلاف طوائف المشركين الذين يذبحون لأوثانهم وأصنامهم وما أشبه ذلك، ولهذا لا يرى –رحمه الله- وجوب التسمية عند الذبح، وغير ابن جرير حمل ذلك على أن المراد وجوب التسمية عند الذبح، وسيأتي الكلام على هذا عند قوله -تبارك وتعالى: وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ [سورة الأنعام:121].

يقول تعالى: وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ [سورة الأنعام:119] فأين فصل هذا؟ فصله عند قوله تعالى: قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [سورة الأنعام:145] وبعض العلماء قال: فصله في سورة المائدة، لكن هذا في غاية البعد؛ لأن سورة المائدة هي آخر ما نزل في الأحكام وهذه السورة مكية.

إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ [سورة الأنعام:119] أي: إلا في حال الاضطرار فإنه يباح لكم ما وجدتم.

ثم بيّن تعالى جهالة المشركين في آرائهم الفاسدة من استحلال الميتات، وما ذكر عليه غير اسم الله تعالى فقال: وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ [سورة الأنعام:119] أي: هو أعلم باعتدائهم وكذبهم وافترائهم.

سيأتي أن من إضلالهم في هذا الباب ما ذكر الله -تبارك وتعالى- في قوله: وَقَالُواْ هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نّشَاء بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاء عَلَيْهِ [سورة الأنعام:138] إلى غير ذلك من الفِرى التي يفتيرها هؤلاء الجهلة الذين يقولون على الله  بغير علم، والله المستعان.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.

  1. أخرجه مسلم في كتاب الصلاة - باب قدر ما يستر المصلي (510) (ج 1 / ص 365).
  2. جزء من حديث جبريل الطويل أخرجه مسلم في كتاب الإيمان - باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ووجوب الإيمان بإثبات قدر الله (8) (ج 1 / ص 36).
  3. أخرجه الترمذي في كتاب تفسير القرآن عن رسول الله ﷺ، باب تفسير سورة الزمر (3240) (ج 5 / ص 371) وصححه الألباني.
  4. أخرجه البخاري في كتاب التفسير – باب تفسير سورة الأنعام (4352) (ج 4 / ص 1694).

مواد ذات صلة