الأربعاء 15 / ذو الحجة / 1441 - 05 / أغسطس 2020
[1] من أول السورة إلى قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} الآية:7
تاريخ النشر: ١٢ / ربيع الأوّل / ١٤٣٥
التحميل: 3239
مرات الإستماع: 3170

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، وبعد.

قال المصنف -رحمه الله تعالى- في تفسير سورة الفتح:

روى الإمام أحمد: عن عبد الله بن مغفل قال: "قرأ رسول الله ﷺ عام الفتح في مسيره سورة الفتح على راحلته، فرجَّع فيها، قال معاوية: لولا أني أكره أن يجتمع الناس علينا لحكيت لكم قراءته"، أخرجاه من حديث شعبة به[1].

بسم الله الرحمن الرحيم.

إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ۝ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ۝ وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا [سورة الفتح:1-3].

نزلت هذه السورة الكريمة لما رجع رسول الله ﷺ من الحديبية، في ذي القعدة من سنة ست من الهجرة، حين صده المشركون عن الوصول إلى المسجد الحرام؛ ليقضي عمرته فيه، وحالوا بينه وبين ذلك، ثم مالوا إلى المصالحة والمهادنة، وأن يرجع عامه هذا، ثم يأتي من قابل، فأجابهم إلى ذلك على تكرّه من جماعة من الصحابة، منهم عمر بن الخطاب ، كما سيأتي تفصيله في موضعه من تفسير هذه السورة -إن شاء الله تعالى، فلما نحر هديه حيث أحصر، ورجع، أنزل الله هذه السورة فيما كان من أمره وأمرهم، وجعل ذلك الصلح فتحًا باعتبار ما فيه من المصلحة، وما آل الأمر إليه، كما روي عن ابن مسعود ، وغيره أنه قال: "إنكم تعدون الفتح فتح مكة، ونحن نعد الفتح صلح الحديبية".

وعن جابر قال: "ما كنا نعد الفتح إلا يوم الحديبية".

وروى البخاري: عن البراء قال: "تعدون أنتم الفتح: فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحًا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية، كنا مع رسول الله ﷺ أربع عشرة مائة، والحديبية بئر، فنزحناها فلم نترك فيها قطرة، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فأتاها فجلس على شفيرها، ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ، ثم تمضمض ودعا، ثم صبه فيها، فتركناها غير بعيد، ثم إنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركائبنا"[2].

وروى الإمام أحمد: عن عمر بن الخطاب قال: "كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، قال: فسألته عن شيء -ثلاث مرات- فلم يرد علي، قال: فقلت لنفسي: ثكلتك أمك يا ابن الخطاب، نزرت رسول الله ﷺ ثلاث مرات فلم يرد عليك؟ قال: فركبت راحلتي، فتقدمت مخافة أن يكون نزل فيّ شيء، قال: فإذا أنا بمنادٍ ينادي: يا عمر، أين عمر؟ قال: فرجعت، وأنا أظن أنه نزل فيّ شيء، قال: فقال النبي ﷺ: نزلت عليّ البارحة سورة هي أحب إلي من الدنيا وما فيها: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ۝ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ورواه البخاري، والترمذي، والنسائي من طرق: عن مالك -رحمه الله، وقال علي بن المديني: هذا إسناد مديني جيد لم نجده إلا عندهم[3].

وروى الإمام أحمد: عن أنس بن مالك قال: نزلت على النبي ﷺ: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ مرجعه من الحديبية، قال النبي ﷺ: لقد أنزلت عليّ الليلة آية أحب إليّ مما على الأرض، ثم قرأها عليهم النبي ﷺ فقالوا: "هنيئًا مريئًا يا نبي الله، لقد بين الله ما يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟" فنزلت عليه ﷺ: لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ حتى بلغ: فَوْزًا عَظِيمًا [سورة الفتح:5]، أخرجاه في الصحيحين[4].

وروى الإمام أحمد: عن المغيرة بن شعبة قال: كان النبي ﷺ يصلي حتى ترم قدماه، فقيل له: أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال ﷺ: أفلا أكون عبدًا شكورًا؟، أخرجاه وبقية الجماعة إلا أبا داود[5].

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فهذه السورة سورة الفتح هي: مدنية بالإجماع، باعتبار أن المدني كما هو معلوم: ما نزل بعد الهجرة، وإلا فإن هذه السورة لم تنزل في المدينة، وإنما نزلت في الحديبية.

والحديبية موضع معروف إلى الآن، فإذا أتيت على طريق جدة إلى مكة وصلت إلى الموضع المعروف بالشميسي، وهي إلى ناحية اليسار هناك.

وهذه السورة أيضا يمثل العلماء بها على ما نزل ليلا؛ لحديث عمر ، وقول النبي ﷺ: نزلت عليّ الليلة، فهذا مما نزل ليلا، كما يقول السيوطي في كتابه الإتقان: الليلي والنهاري، ومثل هذا -كما سبق في شرح رسالة السيوطي- ليس من صلب العلم، يعني: لا يترتب عليه كبير فائدة، ولكن مثل هذا يدل على عناية الأمة بالقرآن، وضبط الصحابة لأحوال هذا القرآن، وأوقات النزول، لكن الذي يُحتاج إليه هو: المكي والمدني، وتاريخ النزول، فهذا يتعلق به تاريخ التشريع، ويتعلق به موضوع النسخ، أما كونها نزلت ليلا أو نهارا فمثل هذا لا يترتب عليه حكم.

أما الموضوع الذي تدور حوله هذه السورة فيمكن أن يكون موضوعًا واحداً، وهو: الفتح الذي هو صلح الحديبية، على قول الجمهور، وما يحتفّ به، وما يتصل به، ويتبعه، فكل ذلك مما يتعلق بهذه الحادثة، وما اتصل بها من بيعة النبي ﷺ لأصحابه، بيعة الرضوان، وما وعدهم الله -تبارك وتعالى- به، وما يقال لهم بعد ذلك، كل هذا يرتبط بهذا الموضوع، فموضوعها واحد.

وقوله هنا: "روى الإمام أحمد: عن عبد الله بن مغفل قال: "قرأ رسول الله ﷺ عام الفتح في مسيره سورة الفتح على راحلته فرجَّع فيها..".

ما معنى: رجَّع؟ الترجيع في القراءة يعني: ليس مجرد الترتيل، إنما يكون الصوت فيه إما زيادة في المد، أو يكون فيه نوع تردد؛ ولهذا فإنه يحتمل أن يكون ذلك بسبب أنه على الراحلة، فراكب الراحلة يتحرك ويهتز، -ليست مثل السيارات- فيكون من غير قصد، ويحتمل أن يكون ذلك قصده النبي ﷺ.

وقوله هنا: "قال معاوية: لولا أني أكره أن يجتمع الناس علينا لحكيت لكم قراءته".

معاوية هذا هو: معاوية بن قرة، الذي يرويه عن عبد الله بن مغفل، فهو تابعي، وليس معاوية بن أبي سفيان .

هذه الأحاديث والآثار التي رواها عن الصحابة -رضي الله عنهم وأرضاهم- من كون الفتح هو: صلح الحديبية، هذا الذي عليه عامة أهل العلم سلفًا وخلفًا، وإن قال بعضهم: إنه فتح مكة، كما سيأتي.

يقول هنا في جملة ما ذكر من هذه الروايات من حديث أنس عند الإمام أحمد: "قال: نزلت على النبي ﷺ: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ مرجعه من الحديبية، قال النبي ﷺ: لقد أنزلت عليّ آية أحب إليّ مما على الأرض، ثم قرأها عليهم النبي ﷺ فقالوا: هنيئًا مريئًا يا نبي الله".

الهنيء هو: المستلذ المستساغ بحيث إن تعاطيه يكون على وجه لا كدر فيه، والمريء هو: الذي لا يعقبه ولا يتبعه كدر وأذى، يعني: يكون محمود العاقبة.

يقول: "لقد بين الله ما يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟"، فنزلت عليه ﷺ: لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ حتى بلغ: فَوْزًا عَظِيمًا، أخرجاه في الصحيحين.

البخاري بعد هذا الحديث يقول: قال شعبة -يعني ابن الحجاج، أحد رواته: فقدمت الكوفة فحدثت بهذا كله عن قتادة، ثم رجعت فذكرت له، يعني: قتادة، فقال: أمّا: إِنَّا فَتَحْنَا فعن أنس، وأمّا "هنيئًا مريئًا.. إلخ" فعن عكرمة، يعني: أنه مرسل، بمعنى: أن حديث أنس من قوله: "نزلت على النبي ﷺ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ مرجعه من الحديبية، قال النبي ﷺ: لقد أنزلت عليّ آية أحب إليّ مما على الأرض، ثم قرأها عليهم النبي ﷺ"، إلى هنا، فهذا عن أنس، وأما قوله: "فقالوا هنيئًا مريئًا يا نبي الله، لقد بين الله ما يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فنزلت عليه.. إلخ"، فهذا عن عكرمة، يعني: أن هذا ليس عن أنس، وإنما عن عكرمة.

قال -رحمه الله: قوله: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا أي: بينًا ظاهرًا، والمراد به: صلح الحديبية، فإنه حصل بسببه خير جزيل، وآمن الناس، واجتمع بعضهم ببعض، وتكلم المؤمن مع الكافر، وانتشر العلم النافع والإيمان.

قوله: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا قال: "صلح الحديبية"، وعلل ذلك بما ترتب عليه من الآثار العظيمة، من كثرة الداخلين في الإسلام، وما حصل بعده من فتح خيبر، والذين كانوا مع النبي ﷺ عام الحديبية قد لا يتجاوزون ألفًا وأربعمائة في أعدل الأقوال، يعني: قد جاء أنهم ألف وثلاثمائة، وجاء أنهم ألف وخمسمائة، والمشهور: أنهم ألف وأربعمائة، وهذا العدد كان في الحديبية في السنة السادسة، فلما جاءوا بعد سنتين لفتح مكة جاء معه ﷺ عشرة آلاف، وهو عدد هال قريشًا، حتى إن أبا سفيان لما خرج مع العباس بقي في مكان ينظر، ولا يعرف من هؤلاء، ويرى نيرانهم، فلم يخطر بباله أن النبي ﷺ وأصحابه قد ساروا بهذا المسير، وبهذا الجيش الذي هو فعلا في الليل يسير كالسيل، حتى إنه قلل من شأن خزاعة، وأنهم أدنى وأقل من ذلك.

فانظر إلى هذا العدد، فقد أصبح عشرة آلاف بعد سنتين من الحديبية، من ألف وأربعمائة إلى عشرة آلاف، فهذا فتح مبين، ولا شك أن فتح مكة هو فتح، ولكن المقصود بهذه الآية: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا: أنه صلح الحديبية، ومما يدل على ذلك أنه عبر بالماضي: إِنَّا فَتَحْنَا، لكن الفتح الذي هو فتح مكة جاء في سورة النصر: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [سورة النصر:1]، بصيغة المستقبل، أما هنا فقال: إِنَّا فَتَحْنَا، فهذه نازلة في الحديبية.

إذاً هذا الصلح هو الفتح، مع أن أصحاب النبي ﷺ كرهوا ذلك، وحصل من بعضهم ما حصل مما هو معلوم، فما كان ذلك في ظاهر الأمر في صالح المسلمين في نظر الكثير من الصحابة ، وقد رجعوا في حال من الغم حيث لم يبلغوا مرادهم من دخول مكة، وأداء العمرة، وإنما تحللوا تحلل المحصر على أطراف الحرم، ونحروا هديهم هناك، فلم يبلغ الهدي محله، فانظر إلى هذا: هم ذهبوا وهم في غاية التطلع إلى دخول مكة، والطواف بالبيت، ثم بعد ذلك يتحللون على أطراف الحرم، وينحرون هديهم ويرجعون، فهذا قد وقع في نفوسهم منه الكثير، ولكن الله هو الذي يعلم العواقب، ومغيبات الأمور، والله عليم حكيم، فقد يكون في مضامين المكروه الخير الكثير مما لا يبلغه علم الإنسان، وإدراكه، ولا يحيط به فهمه، فيتقاصر دونه عقله ورأيه، ويكون هو الخير الذي لا يخطر له على بال.

هنا يقول: "وآمن الناس، واجتمع بعضهم ببعض، وتكلم المؤمن مع الكافر، وانتشر العلم النافع والإيمان"، يعني: أمِنَ الناس فصاروا يختلطون بعد الصلح، وصار يسمع بعضهم بعضاً، فانتشر الإسلام، أما في السابق فكان المشركون يحيطون مكة وأهلها بسياج لا يصل إليهم أحد من أهل الإيمان، ولا يسمعون القرآن، ولما كان النبي ﷺ بين ظهرانيهم في مكة كانوا يمنعونه من الدعوة، ومن قراءة القرآن على الناس، وقد مضى الكلام على شيء من هذا في بعض المناسبات.

ولابن جرير -رحمه الله- كلام مهم في تفسير قوله تعالى: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا الآيات، يقول: "يعني: بقوله -تعالى ذكره- لنبيه محمد ﷺ: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا يقول: إنا حكمنا لك يا محمد حكمًا لمن سمعه أو بلغه على من خالفك وناصبك من كفار قومك، وقضينا لك عليهم بالنصر والظفر؛ لتشكر ربك، وتحمده على نعمته بقضائه لك عليهم، وفتحه ما فتح لك، ولتسبحه وتستغفره، فيغفر لك بفعالك ذلك ربك ما تقدم من ذنبك قبل فتحه لك ما فتح، وما تأخر بعد فتحه لك ذلك ما شكرته واستغفرته.

وإنما اخترنا هذا القول في تأويل هذه الآية لدلالة قول الله : إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ۝ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا ۝ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا [سورة النصر:1-3] على صحته، إذ أمره -تعالى ذكره- أن يسبح بحمد ربه إذا جاءه نصر الله وفتح مكة، وأن يستغفره، وأعلمه أنه تواب على من فعل ذلك"[6].

قول ابن جرير -رحمه الله- هذا واضح منه: أنه يفسر الفتح بالحكم، يعني: أن الله حكم لنبيه ﷺ بالظهور والغلبة والنصر على أعدائه، هكذا فسره، وقلنا: إن الجمهور من السلف فمن بعدهم يقولون: إن الفتح هو: صلح الحديبية، وابن جرير -رحمه الله- لا يخالف في هذا، ويرجح أن هذا الفتح هو: صلح الحديبية، لكن الصلح يقال له: فتح، كما قال ذلك الفراء وغيره، وذلك -كما سبق- لما ترتب عليه من الآثار العظيمة، وإلا فالفتح قد يكون بالنصر في المعركة، وفتح البلاد، وقد يكون بالصلح، إذ إنه في أصله يقابل: الغلق، يعني: أن فتح المنغلق قد حصل في صلح الحديبية، واختلط الناس، وبلغتهم الدعوة، ودخلوا في دين الله -تبارك وتعالى، فهذا الذي عليه عامة أهل العلم.

ومن نظر في هذه الأمور المذكورة: من التعبير بالماضي، ومن الآثار المترتبة عليه مما أشار إليه الحافظ ابن كثير -رحمه الله- هنا، كل ذلك يدل على أن هذا الفتح هو: صلح الحديبية، وترتب عليه فتح خيبر أيضاً، فإنه أثر من آثاره، وثمرة من ثمراته، والذين غنموا خيبر هم من كانوا مع النبي ﷺ في صلح الحديبية، لم يشاركهم أحد غيرهم، كما سيأتي في قوله -تبارك وتعالى: وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا [سورة الفتح:20].

فالمغانم هذه في فتح خيبر، وكذا في قوله تعالى للأعراب: قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا [سورة الفتح:15]، يعني: إلى خيبر، كل هذا بعد الصلح، حتى إن من أهل العلم من يقول: إن ظهور الروم على الفرس كان في ذلك الحين، مع أن المشهور: أنه كان في يوم بدر، وهناك من قال: إن الفتح هو: فتح خيبر، ولكن هذا فيه نظر.

والواقع: أن فتح خيبر وفتح مكة كل ذلك من آثار صلح الحديبية؛ ولهذا كان فتحًا مبينًا، ففتح خيبر فتح، وفتح مكة لا شك أنه فتح، ولكن كل ذلك مما نتج عن هذا الصلح، فهما من آثاره، وهكذا قول من قال: إن ذلك يشمل سائر ما فتحه الله على نبيه ﷺ، ولكن المشهور هو: الأول، وهنا ظاهر أنه يراد به فتح معين، وذلك أنه قال: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا، فوصفه بهذا الوصف، وقيده بهذا القيد.

وأما من فسره بتفسيرات أخرى: من الدعوة والقبول الذي أعطيه الرسول ﷺ فهو أكثر الناس تبعًا يوم القيامة، فهذا بعيد في هذا الموضع، وإن كان هذا من آثار صلح الحديبية، فإنه كان هناك عقبة كئود فزالت هذه العقبة، وكان هذا الصلح ممهدًا لانتشار الإسلام، وذيوع الدعوة.

والفتح يأتي بمعنى: الحُكم، وقد مضى الكلام على هذا في مثل قوله -تبارك وتعالى- إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الْفَتْحُ، يعني: إن تطلبوا الحكم بين الطائفتين فقد جاءكم الحكم، وكقوله: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ [سورة الأعراف:89]، يعني: احكم، وقد تكلمنا على هذا أيضاً في الأسماء الحسنى في الكلام على الحكيم والحَكَم، وقلنا: إن الحُكم يأتي بمعنى: الفتح، وإن الحاكم يقال له: فَتّاح، والحُكم يقال له: فُتاحة، كقول الشاعر:

  فإني عن فُتَاحتِكم غنيٌّ

كل هذا قد مضى، وهذا الذي مشى عليه ابن جرير -رحمه الله- هنا، حيث فسر الفتح: بالحكم، كأنه يقول: إنا حكمنا لك، وقضينا لك قضاءً مبيناً، يعني: ظاهرًا بينًا واضحًا، لا خفاء فيه.

قال -رحمه الله: وقوله تعالى: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، هذا من خصائصه -صلوات الله وسلامه عليه- التي لا يشاركه فيها غيره، وليس في حديث صحيح في ثواب الأعمال لغيره غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.

وهذا فيه تشريف عظيم لرسول الله ﷺ، وهو -صلوات الله وسلامه عليه- في جميع أموره على الطاعة والبر والاستقامة التي لم ينلها بشر سواه، لا من الأولين ولا من الآخرين، وهو ﷺ أكمل البشر على الإطلاق وسيدهم في الدنيا والآخرة، ولما كان أطوع خلق الله تعالى لله وأشدهم تعظيمًا لأوامره ونواهيه قال حين بركت به الناقة: حبسها حابس الفيل، ثم قال ﷺ: والذي نفسي بيده لا يسألوني اليوم شيئًا يعظمون به حرمات الله إلا أجبتهم إليها[7]، فلما أطاع الله في ذلك، وأجاب إلى الصلح قال الله تعالى له: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ۝ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ أي: في الدنيا والآخرة، وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا أي: بما يشرعه لك من الشرع العظيم، والدين القويم.

وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا أي: بسبب خضوعك لأمر الله يرفعك الله، وينصرك على أعدائك، كما جاء في الحديث الصحيح: وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله تعالى[8]، وعن عمر بن الخطاب أنه قال: "ما عاقبتَ أحدًا عصى الله تعالى فيك بمثل أن تطيع الله -تبارك وتعالى- فيه".

قوله -تبارك وتعالى: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، اللام هذه ما موقعها؟ قال: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ۝ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، فتحنا لك؛ ليغفر، فذهب طوائف من أهل العلم إلى أن هذه اللام: لام التعليل، وبعضهم يقول: لام كي، والمعنى واحد، يعني: لكي يغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، أي: ليجتمع لك مع هذا الفتح المبين نعمة أخرى جزيلة، وهي: غفران الذنوب المتقدم منها والمتأخر، ليجتمع لك هذا الفتح مع هذا الفضل من مغفرة الله -تبارك وتعالى- لك، فيحصل بذلك كمال النعمة.

هكذا قال جماعة من أهل العلم، ولكنه يبقى في المعنى شيء، فتحنا لك؛ ليغفر لك الله، فإذا قلنا: إنها لام التعليل فإن هذا التفسير قد لا يتضح به الارتباط بين الفتح والمغفرة، أي: كون الفتح علة لما ذكر بعده من قوله: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ.

على كل حال، هكذا فسره بعض أهل العلم، وبعضهم ذهب به إلى أن ذلك من قبيل الأمارة على المغفرة، إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ۝ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ يعني: هذا الفتح جعل بمنزلة العلامة والأمارة التي يتحقق معها الأمر الآخر، وهو: مغفرة الذنوب السابقة واللاحقة، الماضية والمستقبلة، يعني: فتحنا لك هذا الفتح المبين؛ لتعلم أن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر.

ولهذا يقول ابن عطية: فتحنا لك هذا الفتح؛ لكي نجعل الفتح علامة للمغفرة الموصوفة بهذه الصفة: ما تقدم وما تأخر، لكن بهذا الاعتبار تكون اللام لام العاقبة إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ۝ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ أي: لتكون عاقبة أمرك مغفرة الذنوب جميعاً.

ويمكن أن يكون على الأول للتعليل، بمعنى: أن الله يعدد نعمه على نبيه ﷺ بهذا الفتح، وما يرقّيه به من درجات الكمال ومن غفران الذنوب، فبذلك تتحقق له الرفعة في الدنيا والآخرة، أي: فعلنا بك ذلك، وفتحنا لك هذا الفتح؛ رفعةً لك، ولدينك، ولأتباعك؛ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك، وليكمل لك هذه الفتوح، والنِّعم، والإفضال بغفران الذنوب، فالفتح ومغفرة الذنوب كل ذلك يحصل به كمالات الدنيا والآخرة؛ ولهذا قال: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ۝ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا ۝ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا، فأمره بالتسبيح والاستغفار، وأشار إلى كونه توابًا، يقبل توبة التائبين، ويغفر الذنوب، ويتوب على من يشاء من عباده، ويوفقهم للتوبة.

فهذه الأمور بينها تلازم وارتباط، ومن ثَمَّ فإن الأمة بصفة عامة، والمجاهدين بصفة خاصة أحوج ما يكونون إلى كثرة الاستغفار والتوبة، فإن ذلك أمر يرتبط كل الارتباط بالنصر والفتح، وهذا لا يتأتى إلا مع تجاهل حظوظ النفس، ونكران الذات، والاتصال بالله -تبارك وتعالى، وإرادة ما عنده دون شيء سواه، فمتى صار الناس إلى هذه المرتبة انحلت أسباب الشر، وتلاشت أبواب الفتن، وصار الناس إلى حال من الاستقامة والإيمان والطاعة، والنصر والظفر بالأعداء.

ولابن جرير -رحمه الله- كلام على هذا التعليل، فيقول: "ففي ذلك بيان واضح أن قوله -تعالى ذكره: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ إنما هو خبر من الله -جل ثناؤه- لنبيه -عليه الصلاة والسلام- عن جزائه له على شكره له على النعمة التي أنعم بها عليه من إظهاره له ما فتح، لأن جزاء الله تعالى عباده على أعمالهم دون غيرها.

وبعدُ ففي صحة الخبر عنه ﷺ: أنه كان يقوم حتى ترم قدماه، فقيل له: يا رسول الله، تفعل هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: أفلا أكون عبدًا شكورًا؟، الدلالة الواضحة على أن الذي قلنا من ذلك هو الصحيح من القول، وأن الله -تبارك وتعالى- إنما وعد نبيه محمداً ﷺ غفران ذنوبه المتقدمة، فتح ما فتح عليه، ويعده على شكره له على نعمه التي أنعمها عليه.

وكذلك كان يقول ﷺ: إني لأستغفر الله وأتوب إليه في كل يوم مائة مرة[9]، ولو كان القول في ذلك أنه من خبر الله تعالى نبيه أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر على غير الوجه الذي ذكرنا لم يكن لأمره إياه بالاستغفار بعد هذه الآية، ولا لاستغفار نبي الله ﷺ ربه من ذنوبه بعدها معنى يعقل؛ إذ الاستغفار معناه: طلب العبد من ربه غفران ذنوبه، فإذا لم يكن ذنوب تغفر لم يكن لمسألته إياه غفرانها معنى؛ لأنه من المحال أن يقال: اللهم اغفر لي ذنبًا لم أعمله.

وقد تأول ذلك بعضهم بمعنى: ليغفر لك ما تقدم من ذنبك قبل الرسالة، وما تأخر إلى الوقت الذي قال: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ۝ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ.

وأما الفتح الذي وعد الله -جل ثناؤه- نبيه ﷺ هذه العِدة على شكره إياه عليه فإنه فيما ذُكر الهدنة التي جرت بين رسول الله ﷺ وبين مشركي قريش بالحديبية"[10].

انظر فابن جرير يفسرها بهذا.

قول ابن كثير هنا: "فلما أطاع الله في ذلك، وأجاب إلى الصلح قال الله تعالى له: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ۝ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ أي: في الدنيا والآخرة".

قوله هنا: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ابن جرير -رحمه الله- يشير إلى أن هذه العِدَة من الله -تبارك وتعالى- بغفران الذنوب أنها لا تكون ولا تقال لمن ليس له ذنب أصلا، يعني: أن بعضهم يقول: إن النبي ﷺ لا تتطرق إليه الذنوب، وبعضهم حمل ذلك على ما قبل الرسالة، أي: قبل رسالته، وأنه بعد الرسالة معصوم -عليه الصلاة والسلام، وهذه المسألة سبق الكلام عليها في بعض المناسبات أيضا: هل الرسل -عليهم الصلاة والسلام- تقع منهم المعصية، أو لا؟ وذكرنا هناك قول الله -تبارك وتعالى: وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى [سورة طه:121]، وأن المعتزلة أولوا ذلك تأويلاً بعيداً وأن المراد به: أنه أصابه البشم يعني: انتفاخ البطن من كثرة الأكل، كما يقال: بشمت الدابة، أو بشم الفصيل إذا رضع وانتفخ بطنه، يعني: أكثر من الرضاع، وذكرنا أن هذا بعيد، وتأويل فاسد، والراجح: أن الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- تقع منهم المعصية من الصغائر، ولكن ذلك مقيد بأمرين:

الأول: أنه لا تقع منهم الصغائر التي يقال لها: صغائر الخسة، يعني: التي تسقط المروءة.

الثاني: أنهم أيضاً لا يصرون عليها، بل يتوبون، ويكون حالهم بعد المعصية أكمل وأرفع من حالهم قبلها، هذا الذي دلت عليه نصوص القرآن، فهنا بعض أهل العلم حمل ذلك على أنه من باب -كما يقولون: خلاف الأولى، وأن هذا في حقهم كما يقال: حسنات الأبرار سيئات المقربين، هكذا يقولون، باعتبار أن ترك ما هو أولى بالنسبة لأصحاب المراتب العالية يعتبر سيئة وإن لم يكن من قبيل المعصية التي يعاقب عليها أو يؤاخذ عليها الإنسان، وإن كان في حق غيرهم لربما من قبيل الحسنات، يعني: أن من اكتفى بالفرائض مثلاً فهذا بالنسبة إلى أصحاب المراتب من المقتصدين بالنسبة إليهم حسنة، لكن بالنسبة لأصحاب المراتب العالية من كون هذا الإنسان لا يصلي السنن الراتبة ولا يوتر ولا يتطوع بالصيام ونحو ذلك يعتبر سيئة ونقصًا في حقه، هكذا يقولون.

ولا حاجة لمثل هذا هنا -والله تعالى أعلم، وإن قال بهذا جماعة من أهل العلم، وكذلك القول الآخر: إن المقصود: ما قبل الرسالة، وبه قال مجاهد وسفيان الثوري، وهو: اختيار بن جرير، واختاره أيضا الواحدي: أن المقصود ما قبل الرسالة، والذي حملهم على هذا هو ما ذكرت: هل تصدر منهم المعصية أو لا؟ وهناك أقوال بعيدة لا وجه لها أصلا، ولا حاجة للإشارة إليها.

يقول ابن كثير: "لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ أي: في الدنيا والآخرة"، في الدنيا: بنصرك على الأعداء، وإعزاز دينك، وإظهار الدين على الدين كله، هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، فكل هذا داخل في إتمام النعمة، وبعضهم فسره بمعانٍ يمكن أن تكون داخله في جملة إتمام النعمة، كقول من قال: فتح مكة، أن هذا من إتمام النعمة بعد هذا الصلح الذي هو فتح.

وكذلك أيضا بعضهم يقول: بالنبوة، ويتم نعمته عليك بالنبوة، أي: يكمل لك ذلك، فيكون على وجه التمام والكمال بما يوحيه الله إليك من شرائع الإيمان، حتى يكتمل الدين، حتى قال ربنا -تبارك وتعالى- كما نزل عليه ﷺ في حجة الوداع: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي، فهذا من إتمام النعمة، وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ، ولا شك أن هذا من إتمام نعمته على النبي ﷺ، وهكذا ما حصل له من الفتوح بعد هذا من فتح خيبر والطائف، ومجيء الوفود إلى النبي ﷺ إلى المدينة في السنة التاسعة من الهجرة، ثم العاشرة، كل هذا من تمام النعمة.

يقول ابن كثير -رحمه الله- في قوله: وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا يقول: "أي: بما شرعه لك من الشرع العظيم والدين القويم".

قوله: وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا بعضهم حمل ذلك على التدبير والرأي فيما يتصل بتعامله ﷺ، وتعاطيه مع الأعداء في الحرب والسلم، وما أشبه ذلك، لكن هذا فيه بعد، وكأن الذي حملهم على ذلك: أنهم نظروا إلى كون الله قد هدى نبيه ﷺ بما أوحى إليه من الإيمان والعلم، فليست هذه هي الهداية الموعود بها، والواقع: أن من عرف أن ما ينزله الله من شرائع الإسلام والإيمان على نبيه ﷺ أنها هدايات متتابعة، فالله -تبارك وتعالى- قد أوحى إلى نبيه ﷺ بشرائع الإيمان متتابعة شيئًا بعد شيء، فكل ذلك يقال له: هداية، وقد مضى الكلام على هذا في مناسبات مختلفة، وعند قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [سورة الفاتحة:6]، وذكرنا في مناسبة قريبة أن الهداية أنواع في قوله -تبارك وتعالى: وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ۝ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ [سورة محمد:4، 5]، إلى ماذا يهديهم بعد القتل؟ فذكرت طرفًا من الهدايات التي تكون قبل وبعد موت الإنسان.

فهذه الهدايات من تشريع الصلاة والزكاة والصيام والحج وما إلى ذلك من الجهاد وغيره، كل هذا مما هدى الله إليه نبيه ﷺ، قال الله تعالى: مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ [سورة الشورى:52]، فلم تزل شرائع الإسلام تنزل على رسول الله ﷺ حتى أكمل الله له الدين، وتمت هذه النعمة والهداية على رسوله ﷺ، فإذا تصورنا هذا في قوله: وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا اتضح المعنى، ولا حاجة لتقييده بأمر معين، فكأن هؤلاء نظروا إلى ما ذكر، وما يأتي بعده من قوله: وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا، أن هذا في التدبير في أمر السلم والحرب، والحافظ ابن القيم -رحمه الله- رد على هؤلاء، وذكر -رحمه الله- نحوًا مما قاله ابن كثير -رحمه الله.

وأما قوله هنا: حبسها حابس الفيل فقد مضى الكلام عليه في مناسبات قريبة، وأن قولهم: "خلأت القصواء" يعني: انقطعت في سيرها، بسبب طول المسير، والكلال في السفر.

قال الله -تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ۝ لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا ۝ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ۝ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [سورة الفتح:4-7].

يقول تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ أي: جعل الطمأنينة، وقال قتادة: الوقار، فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ وهم الصحابة يوم الحديبية الذين استجابوا لله ولرسوله، وانقادوا لحكم الله ورسوله، فلما اطمأنت قلوبهم بذلك، واستقرت زادهم إيمانًا مع إيمانهم، وقد استدل بها البخاري وغيره من الأئمة على تفاضل الإيمان في القلوب.

ثم ذكر تعالى أنه لو شاء لانتصر من الكافرين فقال : وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أي: ولو أرسل عليهم ملكًا واحدًا لأباد خضراءهم، ولكنه تعالى شرع لعباده المؤمنين الجهاد والقتال؛ لما له في ذلك من الحكمة البالغة والحجة القاطعة والبراهين الدامغة، ولهذا قال -جلَّت عظمتُه: وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا.

قبل تفسير هذه الآيات: في قوله تعالى: وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا، النصر العزيز: يعني ينصرك نصرًا غالبًا منيعًا لا يعقبه ذل، هذا النصر العزيز.

قوله: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ، أنزل السكينة قال: "جعل الطمأنينة، وقال قتادة: الوقار، فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ وهم الصحابة يوم الحديبية".

السكينة بهذا المعنى الأول الذي ذكره وهو: الطمأنينة قاله جماعة من المفسرين من السلف فمن بعدهم، وما ذكر من المعاني فهو مقارب له، فهي عبارات إما أن تكون من قبيل أثر السكينة، يعني: يعبرون بأثرها، أو ببعض أثرها، وإما يعبرون بما يقرب من معناها، اللهم إلا قول من قال: إن هذه السكينة هي التي كانت في التابوت، وما إلى ذلك، فهذا في غاية البعد، بل هو غلط من قائله، فلا علاقة لهذه السكينة هنا في هذا الموضع.

وأما السكينة التي تنزل على الذاكرين لله -تبارك وتعالى، المجتمعين على ذلك، فما المراد بها؟ السكينة بمعنى: الطمأنينة، فهي: من السكون، وهو: خلاف الحركة والاضطراب، فما يحصل من طمأنينة النفس، وما يحصل من هدأة الضمير أو القلب كل ذلك من السكينة، بحيث لا يتطرق إلى القلب شيء مما يزعجه ويقلقه ويحركه من المخاوف والقلق والتردد، وما إلى ذلك من العوارض التي تعرض لقلب الإنسان، فيحصل له بسبب ذلك الانزعاج، فهذه الطمأنينة يجدها الناس في بيوت الله -تبارك وتعالى، ويجدونها في مجالس الذكر، ويجدونها في العبادة، وكذلك ينزلها الله -تبارك وتعالى- على قلوب أوليائه، فأنت تجد في نفسك في المسجد وفي حضور مجالس الذكر ما لا تجده في الملعب حيث الصخب، فإذا رأيت الناس وهم في ذلك الصخب، ورأيتهم وهم ينطلقون ويخرجون، فشتان بين حال هؤلاء وبين الخارجين من مجالس الذكر أو من المساجد، فهذا كله من السكينة.

إذًا فتفسير السكينة: هي الوقار في قلوب المؤمنين، فإن الوقار من القرار، فقرار الماء بمعنى: السكون، قر الماء في الحوض أي: سكن واستقر، والله يقول: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [سورة الأحزاب:33]، كل ذلك يرجع إلى هذا المعنى.

والطمأنينة والوقار والسكون كل ذلك يفسر به السكينة، وأصلها من السكون، فإذا حصلت هذه الطمأنينة لأحكام الله ، وما يقدره ويقضيه من الأحكام الشرعية والأحكام الكونية، صار العبد متنقلا من الصبر إلى الرضى، ثم إلى أعلى المراتب التي هي الشكر، فيكون شاكرًا لربه في حال السراء والضراء، لا يفارقه ذلك، فهو بين صبر ورضا وشكر، كل ذلك إذا حصلت له السكينة، وكذلك الشخص الذي نزل به المكروه، والذي نزلت به مصيبة، إذا نزلت عليه السكينة لم يصدر منه شيء مما لا يليق من الضجر والتسخط، أو النياحة، أو نحو ذلك، وإنما يتقبل ذلك عن الله -تبارك وتعالى- بنفس رضيَّة ساكنة.

وأما اللام هذه في قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ فهي: لام التعليل، فإن نزول هذه السكينة يكون علة لزيادة الإيمان؛ لأن من نزلت في قلبه السكينة فإنه يقبل عن الله -تبارك وتعالى، ويرضى بأحكامه الشرعية والكونية، وهذا نص صريح في زيادة الإيمان.

وقوله هنا: وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ كقوله : وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [سورة المدثر:31]، فهذه الجنود من الملائكة والجن والإنس، وغير ذلك مما خلقه الله -تبارك وتعالى- كالرياح والمياه، فكل هذا من جنده، فيسلط ما شاء من ذلك على من شاء من عباده، فتارة يهلكهم بالريح، بهذا الهواء اللطيف الرقيق، وتارة يهلكهم بهذا الماء اللطيف، فيكون مدمرًا، وتارة يهلكهم بصيحة ملك، إلى غير ذلك مما يقيّضه الله لهلاكهم، أو لنصر جنده وأوليائه، ومن ثَمَّ فأهل الإيمان مطالبون بأن يلتزموا شرائعه، وأن يرتبطوا بربهم -تبارك وتعالى- كل الارتباط، ولا يلتفتوا إلى شيء سواه، وأما نصرهم وتمكينهم فإن ذلك بيد الله -تبارك وتعالى، إما بإدالتهم على عدوهم في ميدان المعركة، أو بغير ذلك مما يقيضه الله مما يكسر به عدوهم، أو يهلكه فيُستأصل، فهذا ليس من شأن الناس، ولا من اختيارهم، وإنما ذلك يرجع إلى الله -تبارك وتعالى.

فالواجب هو: العمل بطاعته، واجتناب مساخطه، وأما كيف يأتي النصر، وكيف يهلك هؤلاء الأعداء فهذا إلى الله، ولقد أرى الله الناس من آياته في هذا الزمن عبراً وعظات كبيرة، فقد رأى الناس أممًا ممكنة، ودولاً ظاهرة قوية انتهت، لقد كان الناس في أواخر القرن الماضي إذا تحدثوا عن القوة، فإنما يتحدثون عن القطبين، يتحدثون عن القوتين العظميين الكونيتين كما يسمونها أحيانا، قوة أمريكا، وقوة الاتحاد السوفييتي، بعض الناس في هذا العصر ما أدرك هذا، لكن ذلك يذكر على الألسن دائماً، كانوا يسمونه: الاتحاد السوفييتي، قوة عظمى كونية، ويلقبونه بالتنين، والآن لربما بعض الناس لم يسمع بشيء من ذلك، ما الذي قهرهم، وفكك ممالكهم؟ إنه الله -تبارك وتعالى، قيض عليهم أضعف الأمم، أضعف الناس من المقهورين المظلومين كما هو معلوم.

وهكذا بقية الظالمين هم سينتهون ويتلاشون، لكن ما الذي يكون عليه أهل الإيمان من الاستقامة على أمره وطاعته؟ وإلا فهؤلاء مصيرهم الزوال بلا شك، وهكذا يَخلُفُ الظالمين ظالمون، فيبتلي الله أولياءه بهم، ثم بعد ذلك يكون مصيرهم إلى الزوال، ويخلفهم من بعدهم، وهكذا جيلا بعد جيل، وهذه سنته في هذا الخلق.

لكن على أي شيء تكون من العمل؟

فهذا هو الذي عليه المعول، والذي ينبغي أن نفكر فيه دائمًا، وإلا فالله قادر على نصر دينه بـ"كن"، لا ملائكة، ولا أحد، حتى نزول الملائكة: وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [سورة الأنفال:10]، فنزول الملائكة مجرد بشارة، وإلا فكما قال ابن كثير: لو أرسل عليهم ملكاً واحداً لأباد خضراءهم، فكيف بنزول ألف من الملائكة في بدر يقابلون ألفاً من المشركين؟ لو نفخ عليهم الملك لأطار جمالهم ورحالهم وخيامهم، ولم يُبقِ لهم أثراً، ولكن عَلِم الله حال قلوب الخلق، وما يحصل لها من الطمأنينة بهذا، فأنزل ملائكته وبشرهم بذلك.

ولابن جرير -رحمه الله تعالى- كلام في تفسير الطمأنينة وتفسير السكينة فيقول: "القول في تأويل قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا.

يعني -جل ذكره- بقوله: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ: الله أنزل السكون والطمأنينة في قلوب المؤمنين.."[11].

انظر قال هنا: "السكون والطمأنينة" فهذا كله بمعنى مقارب، يعني: لا تجد لفظة تقوم مقام لفظة في اللغة، وتأتي بكل معانيها الأصلية والتكميلية، فتحتاج أحيانا إلى أكثر من عبارة.

يقول -رحمه الله: "الله أنزل السكون والطمأنينة في قلوب المؤمنين بالله ورسوله إلى الإيمان، والحق الذي بعثك الله به يا محمد.

لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ يقول: ليزدادوا بتصديقهم بما جدد الله من الفرائض التي ألزمهموها، التي لم تكن لهم لازمة.

إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ يقول: ليزدادوا إلى إيمانهم بالفرائض التي كانت لهم لازمة قبل ذلك"[12].

يعني: كلما شرع الله شيئًا فذلك زيادة في الإيمان، وهذا سبق الكلام عليه، وأثر ابن عباس يدل على هذا، فابن عباس له أثر في زيادة الإيمان، وهو بهذا المعنى، أي: أن تشريع شيء بعد شيء يكون زيادة في الإيمان، فلما أذعنوا زادهم الصلاة، فلما أذعنت نفوسهم زادهم الفرائض، هكذا شيئًا بعد شيء.

قال ابن كثير -رحمه الله تعالى: ثم قال : لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا، قد تقدم حديث أنس حين قالوا: هنيئًا لك يا رسول الله، هذا لك، فما لنا؟ فأنزل الله تعالى: لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أي: ماكثين فيها أبدًا.

يعني: هنا قوله: لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ هذه اللام تتعلق بماذا؟ انظر إلى السياق: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ۝ لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ.

بعضهم يقول: تتعلق بمحذوف يدل عليه ما قبله، يعني: أن الله -تبارك وتعالى- يبتلي بتلك الجنود في قوله: وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، يبتلي بتلك الجنود من شاء من خلقه، فيؤمن من يؤمن، ويكفر من يكفر، فيقبل من أهل الإيمان، ويعاقب أهل الكفر والإشراك، يعني: أن الله له جنود السموات والأرض، قال: لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ فيحصل الابتلاء بذلك؛ ليُدخل هؤلاء الجنة ممن نجحوا في هذا الابتلاء، ويُدخل الآخرين النار.

وبعضهم يقول: إن هذه اللام متعلقة بقوله: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا يعني: فتحنا لك؛ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ...، وأيضا: لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ؛ ويعذب الكفار والمنافقين.

وبعضهم يقول: إنها متعلقة بقوله: وَيَنْصُرَكَ في قوله: وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ، وكذلك ما بعده من قوله: وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ.

وبعضهم يقول: متعلق بقوله: لِيَزْدَادُوا، يعني: أن الله -تبارك وتعالى- قال: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ، يعني: أنزل السكينة ليدخلهم، فهنا يحتمل أن تكون اللام هذه هي: لام الصيرورة والعاقبة على هذا، ويمكن أن تكون أيضاً لام التعليل، هكذا يحتمل هذا الموضع، لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ يعني: هذا التفسير على سبيل الإجمال، فعل ذلك ليدخل المؤمنين، ما الذي فعله؟ أنزل السكينة في قلوبهم؛ ليزدادوا إيمانًا مع إيمانهم، فعل بهم ذلك؛ ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات، ليدخلهم الجنة، لكن قوله بعده: وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ يحتمل على هذا: أن الله -تبارك وتعالى- أنزل السكينة في قلوب المؤمنين، ومفهوم المخالفة: أنه حرمها الكافرين والمنافقين؛ لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ، ويعذب المنافقين والمشركين، باعتبار مفهوم المخالفة، تفضل على هؤلاء، وحرم هؤلاء؛ ليدخل هؤلاء الجنة، وهؤلاء النار.

ولابن جرير -رحمه الله- كلام على هذا، يمكن أن ننظر إلى عبارته فيقول: "القول في تأويل قوله تعالى: لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا.

يقول -تعالى ذكره: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا؛ لتشكر ربك، وتحمده على ذلك، فيغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، وليحمد ربَّهم المؤمنون بالله، ويشكروه على إنعامه عليهم بما أنعم به عليهم من الفتح الذي فتحه، وقضاه بينهم وبين أعدائهم من المشركين بإظهاره إياهم عليهم، فيدخلهم بذلك جنات تجري من تحتها الأنهار، ماكثين فيها إلى غير نهاية؛ وليكفر عنهم سيئ أعمالهم بالحسنات التي يعملونها؛ شكرًا منهم لربهم على ما قضى لهم، وأنعم عليهم به.

وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا يقول -تعالى ذكره: وكان ما وعدهم الله به من هذه العِدة، وذلك إدخالهم جنات تجري من تحتها الأنهار، وتكفيره سيئاتهم بحسنات أعمالهم التي يعملونها عند الله لهم فَوْزًا عَظِيمًا يقول: ظفرًا منهم بما كانوا تأمّلوه ويسعون له، ونجاة مما كانوا يحذرونه من عذاب الله عظيمًا.

والشنقيطي هنا يقول: "أظهر الأقوال وأصحها في الآية: أن اللام في قوله: لِيُدْخِلَ متعلقة بقوله: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ.

وإيضاح المعنى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ، أي: السكون والطمأنينة إلى الحق في قلوب المؤمنين؛ ليزدادوا بذلك إيمانا؛ لأجل أن يدخلهم بالطمأنينة إلى الحق وازدياد الإيمان جنات تجري من تحتها الأنهار.."[13].

فهو هنا عبر عن السكينة بمثل تعبير ابن جرير: السكون والطمأنينة.

ومعنى كلامه: فعل بهم ذلك؛ ليدخلهم جنات، ثم انظر ماذا قال في غير المؤمنين، يقول: "ومفهوم المخالفة في قوله: فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ: أن قلوب غير المؤمنين ليست كذلك، وهو كذلك، ولذا كان جزاؤهم مخالفًا لجزاء المؤمنين، كما صرح تعالى بذلك في قوله: وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ.."[14].

هذا من أوضح ما يمكن أن يقال -والله أعلم- في تفسيرها.

يقول: "وإيضاح المعنى: أنه تعالى وفق المؤمنين بإنزال السكينة، وازدياد الإيمان، وأشقى غيرهم من المشركين والمنافقين، فلم يوفقهم بذلك؛ ليجازي كُلا بمقتضى عمله"[15].

قال ابن كثير -رحمه الله تعالى: ثم قال : لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا، قد تقدم حديث أنس حين قالوا: هنيئًا لك يا رسول الله، هذا لك، فما لنا؟ فأنزل الله تعالى: لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أي: ماكثين فيها أبدًا.

وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ أي: خطاياهم وذنوبهم، فلا يعاقبهم عليها، بل يعفو ويصفح ويغفر ويستر ويرحم ويشكر.

وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا كقوله -جل وعلا: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [سورة آل عمران:185] الآية.

وقوله تعالى: وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ أي: يتهمون الله تعالى في حكمه، ويظنون بالرسول ﷺ وأصحابه : أن يُقْتَلوا ويذهبوا بالكلية؛ ولهذا قال تعالى: عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ أي: أبعدهم من رحمته، وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا.

ثم قال مؤكدًا لقدرته على الانتقام من الأعداء -أعداء الإسلام من الكفرة والمنافقين: وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا.

قوله -تبارك تعالى: وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ أي: ساءت ظنونهم بالله -تبارك وتعالى: أنه لا ينصر أولياءه، وأنهم لا يرجعون إلى أهليهم أبدًا، بل يُستأصلون، فهذا من ظنهم السيئ بربهم -تبارك وتعالى، وهكذا ظنونهم بأهل الإيمان، وما يتربصونه بهم من الدوائر من أنه ينزل بهم من المصاب ما يستأصل شأفتهم، وأن المسألة مسألة وقت، وأن عاقبة هؤلاء لا تكون إلى نصر وتمكين؛ ولذلك لما خرجوا إلى تبوك كانوا يسخرون منهم، ويقولون: تظنون أن جلاد بني الأصفر كقتال العرب، كأنا نراكم موثقين بالحبال غدًا، يقولون: أنتم تلعبون بالنار، وتظنون أن المسألة سهلة ويسيرة كقتالكم لقوم لا خبرة لهم بالحرب، ولا عهد لهم بها، ستذهبون إلى جيوش نظامية، وقوية، ودول عظمى يريدون أن تقاتلوهم، كأننا نراكم غدًا موثقين بالحبال، فهذا نظر هؤلاء المنافقين الذين كانوا يرون أنهم أصحاب العلم والحكمة والتؤدة، والنظر الصحيح في الأمور، والتوفيق بين حزب الله وحزب الشيطان، إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا [سورة النساء:62]، هذا حال الظانين بالله ظن السوء.

ولقد تكلم الحافظ ابن القيم -رحمه الله- بكلام طويل على ظن السوء، وأن كل من ظن: أن الله لا ينصر دينه، ولا يعلي كلمته، ولا ينصر أولياءه، فهو من الظانين بالله ظن السوء، ومن ظن: أن الله يديل الكافرين على المؤمنين إدالة دائمة مستمرة مستقرة، فهو من الظانين بالله ظن السوء، ومن ظن: أن الله -تبارك وتعالى- لا يدخل أهل الإيمان الجنة، فهو من الظانين بالله ظن السوء، إلى غير ذلك من المعاني الكثيرة الداخلة تحته، وكذلك من ظن أن الله يبتلي المؤمنين لغير حكمة، وكحال أولئك الذين يتسخطون على أقدار الله -تبارك وتعالى.

وقد ذكرت أشياء من كلامهم، وما ذكره ابن الجوزي -رحمه الله- في مناسبات: في شرح فتح المجيد، وفي التعليق على طريق الوصول إلى العلم المأمول، وفي الكلام على الصبر في الأعمال القلبية، كمثل قول القائل لما ابتلي بالجرب وهو فقير، وقد ذكرتها وهي: عبارات لا يحسن ذكرها ولا التفوه بها ولو على سبيل النقل، نسأل الله العافية، وآخر لما رأى دابة مريضة فتكلم بكلمات في غاية القبح، انظروا ذلك وراجعوا كلام ابن الجوزي، وقد نقله صاحب تيسير العزيز الحميد، وكذلك ابن القيم -رحمه الله- ذكر كلامًا طويلا مفصلا في هذا.

فهنا قال: عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ، فقوله: عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ يعني: ما يتربصونه بأهل الإيمان دائر عليهم، أن ذلك ينزل بهم، وقد فسر السَّوْءِ هنا جماعة كالخليل بن أحمد وسيبويه: بالفساد، دَائِرَةُ السَّوْءِ يعني: الفساد، وقرأه ابن كثير وأبو عمرو بضم السين: السُّوْء، وقراءة الجمهور بالفتح كما نقرأ، وهما بمعنى واحد، يعني: هما لغتان.

وأما ابن جرير -رحمه الله- ففسره بقوله: إن دائرة العذاب تدور عليهم، أي: أن المكروه ينزل بهم، يعني: هم يتربصون بأهل الإيمان الدوائر، ولكن الله يوقع عليهم المكروه، وينزل بهم البلايا والمحن والمصائب والهلاك والهزيمة والقتل والأسر، كل هذا داخل فيه؛ لأنه مما يتربصونه بهم من المكروه، والله يقول: عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ، أي: أن ذلك يرجع إليهم، ويقع بهم، فإن هذه المحاذرة للمكروه لا تنجيهم من قدر الله -تبارك وتعالى، بل عاقبتهم لا تكون إلى خير بحال من الأحوال، كما قال سبحانه: الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللّهِ قَالُواْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ، يعني: انتصر الكفار، قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ يعني: يقولون ذلك للكفار، وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ [سورة النساء:141]، فهؤلاء يترقبون المواقف، وإذا كان السفر قاصدًا قريبًا سهلا والمغانم كثيرة خرجوا مع المؤمنين، وإذا كان السفر طويلاً والعدو قويًّا تخلفوا، تارة بأعذار واهية، وتارة بالتواري والاستخفاء، والله أعلم.

  1. أخرجه أحمد في المسند، رقم: (20542)، وأخرجه البخاري، كتاب التوحيد، باب ذكر النبي ﷺ وروايته عن ربه، رقم: (7540)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب ذكر قراءة النبي ﷺ سورة الفتح يوم فتح مكة، رقم: (794).
  2. أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية، رقم: (4150).
  3. أخرجه أحمد في المسند، رقم: (209)، وأخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية، رقم: (4177)، والترمذي، أبواب تفسير القرآن عن رسول الله ﷺ، باب ومن سورة الفتح، رقم: (3262)، والنسائي في الكبرى، كتاب التفسير، باب قوله تعالى: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا [سورة الفتح:1]، رقم: (11435).
  4. أخرجه أحمد في المسند، رقم: (13035)، والبخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية، رقم: (4172)، ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب صلح الحديبية في الحديبية، رقم: (1786).
  5. أخرجه أحمد في المسند، رقم: (18243)، والبخاري، كتاب التهجد، باب قيام النبي ﷺ الليل حتى ترم قدماه، رقم: (1130)، ومسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة، رقم: (2819)، والترمذي، أبواب الصلاة عن رسول الله ﷺ، باب ما جاء في الاجتهاد في الصلاة، رقم: (412)، والنسائي، كتاب قيام الليل وتطوع النهار، الاختلاف على عائشة في إحياء الليل، رقم: (1644)، وابن ماجه، أبواب إقامة الصلوات والسنة فيها، باب ما جاء في طول القيام في الصلاة، رقم: (1419).
  6. تفسير الطبري (22/ 197).
  7. أخرجه البخاري، كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط، رقم: (2731).
  8. أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب استحباب العفو والتواضع، رقم: (2588).
  9. أخرجه مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه، رقم: (2702).
  10. تفسير الطبري (22/ 197-198).
  11. المصدر السابق (22/ 203).
  12. المصدر السابق.
  13. أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (7/ 394).
  14. المصدر السابق.
  15. المصدر السابق (7/ 395).

مواد ذات صلة