تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الجمعة 12 / جمادى الأولى / 1440 - 18 / يناير 2019
(003) من قوله تعالى (إنما يستجيب الذين يسمعون..) الآية 37 – إلى قوله تعالى (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ..) الآية 50
تاريخ النشر: ٢٠ / ربيع الأوّل / ١٤٣٩
التحميل: 810
مرات الإستماع: 715

قال الحافظ ابن جزي -رحمه الله- في تفسير قوله تعالى:

إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ [الأنعام:36]؛ المعنى: إنما يستجيب لك الذين يسمعون فيفهمون ويعقلون، وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ [الأنعام:36]، فيها ثلاث تأويلات:

أحدهما: أن الموتى عبارة عن الكفار بموت قلوبهم، والبعث يراد به الحشر يوم القيامة، فالمعنى أن الكفار في الدنيا كالموتى في قلة سمعهم وعدم فهمهم، فيبعثهم الله في الآخرة، وحينئذ يسمعون.

والآخر: أن الموتى عبارة عن الكفار، والبعث عبارة عن هدايتهم للفهم والسماع.

والثالث: أن الموتى على حقيقته، والبعث على حقيقته فهو إخبار عن بعث الموتى يوم القيامة.

قوله -تبارك وتعالى-: إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ، يعني: سماع إجابة، وقوله: وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ؛ ذكر هذه الأقوال الثلاثة، والاحتمالات الثلاثة في الموتى والبعث:

الأول: "أن الموت عبارة عن الكفار بموت قلوبهم"، وهذا نقل عليه الشنقيطي -رحمه الله- إجماع ما يعتد به[1]، وهذا يرد في القرآن كثيرًا، التعبير بمثل هذا أن الكافر بمثابة الميت، والمؤمن بمثابة الحي إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ.

هنا قال: "والبعث يراد به: الحشر يوم القيامة" يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ؛ هذا المعنى الذي ذكره اختاره ابن كثير -رحمه الله-[2] فيسمعون حينئذ حينما يعاينون الحقائق.

والقول الثاني: "أن الموت عبارة عن الكفار، والبعث عبارة عن هدايتهم الفهم والسماع" فهذا مثل الأول، إلا أن البعث هنا محمول على الهداية، وهذا أيضًا تحتمله الآية، وإن كان المعهود في القرآن في التعبير بالبعث عن البعث في الآخرة، البعث في القيامة، لكن لما قوبل ذلك بالموتى، وأن المراد بهم الكفار، كان ذلك قرينة عند هذا القائل، أو على هذا الاحتمال بأن البعث يقصد به ما يقابل ذلك الموت الذي هو الكفر، فيكون البعث بالهداية بهذا الاعتبار.

الثالث: "أن الموت على حقيقته والبعث على حقيقته، فهو إخبار عن بعث الموتى يوم القيامة"، وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ، يعني في الآخرة يعيد إليهم الأرواح يدعها إلى الأجسام، بعث الحقيقي، وهذا مثال على تردد الكلام بين الحقيقة والمجاز عند القائلين بالمجاز، والقاعدة في ذلك أن اللفظ إذا دار بين الحقيقة والمجاز، فالأصل الحقيقة إلا لدليل، هذا عند القائلين بالمجاز، ولسنا بصدد الكلام على المجاز، لكن عند القائلين به فهذه قاعدة من القواعد الترجيحية، إذا دار الكلام بين الحقيقة والمجاز، يعني في الاحتمال؛ فالأصل الحقيقة هذا على قول جماهير المفسرين، والأصوليين، وأهل اللغة.

الأصل الحقيقة لأسباب معلومة منها أنها هي المتبادر، ومنها أنها لا تحتاج إلى نقل، ومنها أنها لا تحتاج إلى قرينة، ومنها أنها هي الأغلب والأكثر، هذه كلها مرجحات للحقيقة، ومن قال بخلاف ذلك فقوله شاذ، ومن قيد ذلك بالمجاز المشهور أنه يقدم على الحقيقة، فهذا على كل حال ليس كما قال، والله تعالى أعلم، لكن على القول بأن المجاز لا وقوع له في القرآن أو في اللغة أصلاً فيكون هذا المعنى المتبادر بقرينة من السياق أو السباق أو اللحاق، أن ذلك يجعله متبادرًا؛ فالمتبادر هو الحقيقة أصلاً ولا مجاز، فهذه القرائن التي يسمونها الدليل على صرفه من الحقيقة إلى المجاز، هي التي أوجدت هذا التبادر كما يقولون، جعلته معنًى متبادرًا، وعند شيخ الإسلام -رحمه الله- ومن وافقه، أن هذا التبادر هو الحقيقة، فلا مجاز أصلاً، المعنى الذي يسبق إلى الأذهان، هذا هو المعنى المراد، وهو المعنى الحقيقي، فهنا على القول بالمجاز، يكون القول الأول والثاني من قبيل المجاز، حمل على غير الموت والبعث الحقيقي، فالموت ومفارقة الروح الجسد مفارقةً تنتفي معها الحياة، والبعث: هو إعادة الروح إلى الأجساد، وذلك يوم القيامة، فهذا هو المعنى الحقيقي، لكن هنا لم يحمل على المعنى الحقيقي عند الجماهير، والسبب، أو ما نقل عليه الشنقيطي -رحمه الله- الإجماع، لكنه ليس بإجماع في الواقع، لكنه قيده إجماع ما يعتد به.

فالمقصود أن ذلك يعني الحمل على المجاز عند القائلين بالمجاز، أنه من قبيل المجاز القول الأول والثاني، أن ذلك لقرينة؛ لأنه قال: إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ، إذًا الموتى هم الذين لا يسمعون، ومن الذين لا يسمعون سماع انتفاع؟ هم الكفار، يعني في هذا الباب، فهذه قرينة عندهم، هذه قرينة صارفة من المعنى الحقيقي عند أهل المجاز، إلى المعنى الآخر المجازي، والله أعلم.

على كل حال القول الأول واضح لهذه المقابلة سواءً سُمي بالحقيقة، أو سمي بالمجاز.

في النسخ "لموت قلوبهم".

الآن يقرأ من الطبعة الجديدة المحققة، التي صدرت الأيام الماضية، وهي التي مقابلة مع النسخ التي كانت تذكر لكم في السابق، كانت من المحقق -جزاه الله خيرا- منذ أن بدأنا في الكتاب، كان يرسل بفروق النسخ فما فاتكم شيء بالنسبة لما سبق، يعني التصويبات، والمقابلات، إذا قال الذي يقرأ في نسخة كذا، أو في جميع النسخ، هي النسخ التي كان يقابل عليها المحقق -جزاه الله خيرا- وهذه النسخة لا تقاس بالنسخة السابقة، التي كنا نقرأ بها، لا في ضبط النص، ولا في علامات الترقيم، ولا في العناية أيضًا بالإخراج، فهي أفضل بكثير من هذه النسخ، تبقى بعض المواضع بحسب النسخ التي رجع إليها، هو حصَّل خمس عشرة نسخة من الكتاب، مخطوطات واعتمد منها، اعتمد بعض هذه النسخ، قابل على نحو أربع نسخ وخامسة يرجع إليها عند الحاجة، باعتبار أنه ترجح لديه أن هذه النسخ هي الأفضل، والإشكال أن النسخ الخطية فيها اختلافات وسقط وأخطاء، هو الذي أوقع بما شاهدناه من قبل في الطبعات السابقة، من سقط وأخطاء وإشكالات، فهذا موجود في النسخ الخطية، فعلى كل حال هو يقرأ الآن في النسخة الجديدة، فصححوا بناءً عليها، إلا في بعض المواضع التي تحتاج إلى تأمل، ولذلك لا زلنا نقارن بالطبعة الأخرى، طبعة البيان، والطبعة الأولى أيضًا من طبعة الضياء، وأحيانًا قد يترجح خلاف ما في النسخ التي قابل عليها، كما مر معنا في بعض المواضع أحيانًا، وعلى كل حال هنا يقول: أن الموتى عبارة عن الكفار لموت قلوبهم.

قوله تعالى: وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ [الأنعام:37] الضمير في "وقالوا" للكفار، ولولا عرض.

عرض، يعني بمعنى هلا.

والمعنى: أنهم طلبوا أن يأتي النبي ﷺ بآية على نبوّته، فإن قيل: فقد أتى بآيات ومعجزات كثيرة فلم طلبوا آية؟ فالجواب من وجهين:

أحدهما: أنهم لم يعتدوا بما أتى به، فكأنه لم يأت بشيء عندهم لعنادهم وجحدهم.

والآخر: أنهم إنما طلبوا آية تضطر إلى الإيمان من غير نظر ولا تفكر.

هنا عندنا تضطرهم، أحسن تضطرهم إلى الإيمان، أحسن هذا أوضح، تضطرهم إلى الإيمان كما عندنا، تضطرهم إلى الإيمان، مع أن تضطر إلى الإيمان يصح، لكن هذا أوضح تضطرهم إلى الإيمان.

فإن قيل: فقد أتى بآيات ومعجزات.

مكتوب عندنا بآيات، أنا سأقرأ في النسخة القديمة إلى نهاية سورة الأنعام، ثم سأقرأ في النسخة الجديدة إن شاء الله، لكن لن نستمر على الوقوف بهذه الطريقة، نملي عليكم ما قاله مما يفارق هذه النسخة القديمة، فانتبهوا أنتم للفروقات وعدلوا بناءً عليها.

قوله تعالى: قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً[الأنعام: 37] جواب على قولهم، وقد حكي هذا القول عنهم في مواضع من القرآن وجوبوا عليه بأجوبة مختلفة.

وفي الطبعة وأجيب، هو يقول: وجوبوا، لكن هل هذا يصح في اللغة؟ جوب.

القارئ: ليس بالتشديد؛ إنما بالمد بعده واو مكسورة، جوبوا.

الشيخ: جوبوا! يعني أجاب متعدية، وجاب وجوب، جاب بمعنى جاب المكان، أو الأرض، أو نحو ذلك، بمعنى أنه سار فيها أو نحو ذلك، فجوبوا من جاب البناء لما لم يسم فاعله، غير أجاب.

القارئ: لو قيل: جوب، بني على ما لم يسم فاعله جوب.

الشيخ: لكن الآن جوب، هل هي بمعنى أجاب؟ المادة أخرى، المادة تختلف؛ ولهذا في النسخة الأخرى هذه الطبعة العصرية، أجيب، لكن هذا على كل حال يحتاج مراجعة لجزر الكلمة المادة، وهل يأتي منها في الجواب عن الطلب أو السؤال يقال: جوب؟ يحتاج مراجعة، تراجع أصل المادة، مادتين: شوف أجاب، وشوف جاب تحقق منها.

على كل حال فيما يتعلق بالأول، نعم أجاب عنه بجوابين: يعني أن الله قد أظهر على يد النبي ﷺ آيات، فلماذا طلبوا ماذا قصدوا؟ إما أنهم قالوا ذلك على سبيل العناد، والتكذيب والإعراض، لا يريدون إلا هذا، أو أنهم قالوا: يريدون بذلك آية تضطرهم إلى الإيمان، يعني لا مجال للمكابرة بعد ذلك، ويمكن أن يكون المراد من الآيات التي اقترحوها، الآيات التي كانوا يقترحونها، هذا يحتمل كانوا يقترحون آيات، أن يتحول الصفا إلى ذهب، أن يفجر الله لهم من الأرض ينبوعًا، أو تكون له جنة يأكل منها، أو يرقى في السماء ويأتي بكتاب، ويأتي بالملائكة يشهدون.

منها ما يقتضي الردّ عليهم في طلبهم للآيات.

في طلبهم الآيات يصح، وفي طلبهم للآيات يصح، لا إشكال.

فإنهم، قال في نسخة: بأنهم.

على كل حال لا إشكال، لا يقتضي الرد عليهم في طلبهم، والأحسن بالباء، بأنهم قد أتاهم بآيات؛ لأن الفاء هذه ليس في الكلام الذي قبلها شرط، ولا ما يدل على الشرط؛ فلو كانت بالباء فهذا أولى، بأنهم قد أتاهم بآيات.

وتحصيل الحاصل لا يبتغى.

يعني: تحصيل الحاصل أن الآيات قد نزلت فماذا يطلبون؟

كقوله: قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ [البقرة:118]، وكقوله: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ [العنكبوت:51]، ومنها ما يقتضي الإعراض عنهم؛ لأن الخصم إذا تبين عناده سقطت مكالمته، ويحتمل أن يكون من هذا قوله: إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً [الأنعام:37]، ويحتمل أيضا أن يكون معناه قادر على أن ينزل آية تضطرهم إلى الإيمان.

هنا هذا الجواب الأخير، إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً [الأنعام:37] ما ذكره أخيرًا كأنه هو الأقرب، والله تعالى أعلم، أن يكون من هذا قوله: إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً، يحتمل أيضًا أن يكون معناه: قادر على أن ينزل آية تضطرهم إلى الإيمان إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً كما طلبوا، سواء كان ذلك مما يضطرهم إلى الإيمان، أو مما اقترحوه وطلبوه.

قوله تعالى: وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [الأنعام:37]، حذف مفعول يعلمون، وهو يحتمل وجهين:

أحدهما: لا يعلمون أن الله قادر.

والآخر: لا يعلمون أن الله إنما منع الآيات التي تضطر إلى الإيمان لمصالح العباد، فإنهم لو رأوها ولم يؤمنوا لعوجلوا بالعذاب.

وعلى كل حال، القاعدة: أن حذف المقتضى، الذي هو المعمول، يفيد العموم النسبي، يعني المناسب في كل موضع بحسبه، كما قال في المراقي:

والمقتضى عمَّ جل السلف.

يعني: عممه جل السلف، والحافظ ابن كثير -رحمه الله- ذكر أن المعنى أنه قادر على ذلك، ولكن حكمته تقتضي تأخيره؛ لأنه لو أنزل كما طلبوا، ثم لم يؤمنوا؛ لعاجلهم بالعقوبة[3].

هذا المعنى الثاني الذي ذكره المؤلف، وحمله ابن جرير -رحمه الله- على أنهم لا يعلمون ما عليهم من البلاء آن إنزالها، ولو علموا لم يسألوه[4]، ما عليهم من البلاء، يعني من مقتضى هذا الإنزال لو كفروا، فيرجع إلى قول ابن كثير، ولكنهم لا يعلمون.

ابن كثير يقول: إنه قادر على ذلك، لكن حكمته اقتضت التأخير؛ لأنه لو نزلت فلم يؤمنوا لعوجلوا بالعقوبة، ابن جرير يقول: لكن لا يعلمون؛ ما يعلمون ما فيها من إنزالها من البلاء الواقع عليهم، والمقصود به: العقوبة في حال عدم الإيمان، وهذا كما قلت على كل حال، باعتبار أو هذا الاختلاف، أو الاحتمالات بسبب أن حفظ المقتضى، هنا يبقى فيه إبهام، فحمله على العموم، لا يعلمون ما عليهم لو نزلت، لا يعلمون أن حكمته تقتضي عدم ذلك؛ لأنها لو نزلت فلم يؤمنوا لعذبهم، لا يعلمون أنه قادر، كل ذلك صحيح والله أعلم، ولا دليل على تحديد واحد من هذه المعاني.

قوله تعالى: بِجَناحَيْهِ [الأنعام:38] تأكيد وبيان وإزالة للاستعارة المتعاهدة في هذه اللفظة، فقد يقال: طائر للسعد والنحس.

للسعد نعم، يقول: وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ [الأنعام:38]، يعني هنا يرد سؤال، وهو معلوم أن الطائر إنما يطير بجناحيه، يطير بجناحيه فلماذا قال ذلك؟ قال: يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ وهو أمر معلوم، فهذا الجواب، جواب لسؤال مقدر، فقال هذا من باب التوكيد.

قال: "وبيان وإزالة للاستعارة" الاستعارة هي تشبيه حذف أحد طرفيه، وأداته ووجه الشبه، فيقول: إزالةً للاستعارة المتعاهدة في هذه اللفظة، فقد يقال: طائر السعد والنحس، لاحظ طائر السعد، هنا حذف أحد الطرفين، يعني المشبه أو المشبه به، وحذفت أداة التشبيه، ووجه الشبه، كذلك أيضًا يستعمل مثل هذا للتعبير عن الإسراع، يعبر عن الإسراع بالطائر ونحو ذلك، كما يعبر به أيضًا عن السعد والنحس، وقوله -تبارك وتعالى-: وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ [الإسراء:13]، هنا فسر بالعمل.

وفي قوله -تبارك وتعالى- في الرد على المتشائمين بنبيهم: أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ [الأعراف:131]؛ فهنا فُسر بالشؤم والشيء الذي تشاءموا به، فذلك عند الله -تبارك وتعالى- وليس في نبيهم هذا، فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ [الأعراف:131]؛ وفي المقابل: إذا جاءت السيئة تطيروا بنبيهم، يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ [الأعراف:131].

وهنا بعضهم يقول إنه قال ذلك، وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ [الأنعام:38] للدلالة على أن القصد من اللفظ: الجنس، لا بعض الأفراد، فهو لتأكيد العموم، ولا طائر يطير بجناحيه -لاحظ- طائر يطير بجناحيه، يطير بماذا؟ يطير بجناحيه، فهذان اللفظان بعضهم يقول: جيء بهما؛ مع أن أحدهما قد يكفي عن الآخر، ويدل عليه، من أجل بيان أن المراد الجنس لا بعض الأفراد؛ فهو لتأكيد العموم، وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ۝ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ [الأنعام:37-38].

وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ [الأنعام:38]؛ لئلا يفهم أن المقصود نوع من الطيور، طائر معين بسبب الإفراد، وإنما المقصود الجنس، كل ما يطير.

قوله تعالى: أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ [الأنعام:38] أي في الخلق والرزق، والحياة والموت، وغير ذلك.

هذا القول نسبه الشنقيطي -رحمه الله- إلى عامة العلماء[5]، وذكر أن مما يكون من تلك المماثلة، يعني إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ [الأنعام:38]، أن الله يحشرهم إليه، كما صح عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بأن الشاة الجلحاء تقتص من الشاة القرناء[6].

الجلحاء التي ليس لها قرون، من الشاة القرناء التي كانت تنطحها في الدنيا، فإذا حصل مثل هذا القصاص، قيل لها: كوني ترابًا.

وكذلك يقول الله -تبارك وتعالى-: وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ [التكوير:5]، على القول المشهور، وهو الأرجح، أن المقصود حشر القيامة، يعني بعد النفخة الثانية، أنها تحشر وليس ذلك قرب قيام الساعة، فالجميع يحشرون إلى الله -تبارك وتعالى-.

وجاء عن مجاهد في قوله: إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ قال: أصناف مصنفة، تعرف بأسمائها، فكل صنف له قسم يخصه[7].

وجاء عن قتادة: الطير أمة والإنس أمة، والجن أمة[8]، وجاء عن السدي خلق أمثالكم[9]، وذكر بعضهم أن المثلية هنا في ذكر الله، والدلالة عليه، أنها تدل على الخالق، بما فيها من إحكام الصنعة ونحو ذلك.

وبعضهم يقول: من جهة المشابهة في بعض الأخلاق والصفات.

وعلى كل حال: هي أمم الله -تبارك وتعالى- إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ، أن الله خلقها، وأوجدها، وأن الله تكفل بأرزاقها، وأن الله -تبارك وتعالى- يدبرها ويصرفها، وأن هذه الأمم تعرف ربها وخالقها وتدل عليه أيضًا بما فيها من إحكام الصنعة، وكذلك فإن الله يحشرها أيضًا يوم القيامة، إلى غير ذلك من المعاني التي يذكرها أهل العلم.

فهذا قد أطلقه الله -تبارك وتعالى-، وهذه الوجوه كلها مما يحتمله اللفظ، ولا دليل على تحديد واحد منها، فكأن ذلك -والله أعلم- يدخل في معنى الآية، والله أعلم.

قال رحمه الله: ومناسبة ذكر هذا لما قبله من وجهين:

أحدهما: أنه تنبيه على مخلوقات الله تعالى، فكأنه يقول: تفكروا في مخلوقاته، ولا تطلبوا غير ذلك من الآيات.

والآخر: أنه تنبيه على البعث، كأنه يقول: جميع الدواب والطير يحشر يوم القيامة كما تحشرون أنتم، وهو أظهر لقوله بعده: ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ [الأنعام:38].

هذان وجهان في المناسبة، والمؤلف يذكر المناسبة في مواضع، ولكنه لا يعتني بذلك دائمًا؛ فهنا يقول: ومناسبة ذكر هذا لما قبله؛ يعني: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ [الأنعام:38]، ما مناسبة ذكر هذا بعد ما ذكر من طلبهم الآيات، وأن الله قادر على أن ينزل آية، فالوجه الأول في الجواب: ذكر المناسبة، أنه يقول لهم: تفكروا في هذه المخلوقات ولا تتعنتوا في طلب الآيات، يعني اشتغلوا بما أنتم بصدده.

والمعنى الآخر: أنه تنبيه على البعث، كأنه يقول: جميع هذه الطير والدواب يحشر يوم القيامة كما تحشرون أنتم.

وعند ابن جرير -رحمه الله- في وجه المناسبة قال: قل للمكذبين: لا تظنوا أن الله غافلاً عن أعمالكم، وكيف ذلك وهو غير غافل عن كل شيء دب على الأرض[10].

يعني كأنه توعدهم، هؤلاء الذين يتعنتون في طلب الآيات، فالله -تبارك وتعالى- محيط بهم، قادر عليهم لا يفوته شيء وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ [الأنعام:38]، فهم تحت قدرته وتصرفه هو الذي خلقهم ويدبر شئونهم، ويحشرهم، وما إلى ذلك، كأن وجه المناسبة أقرب -والله تعالى أعلم- للقول بأن ذلك فيه إشارة إلى هذه الآيات التي يشاهدونها، ويرونها ففيها لمريد الحق وطالبه الكفاية عن هذا التعنت الذي هم عليه بسبب التكذيب، والله أعلم.

قوله تعالى: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام:38] أي ما غفلنا، والكتاب هنا هو اللوح المحفوظ، والكلام على هذا عام، وقيل: هو القرآن، والكلام على هذا خاص: أي ما فرطنا فيه من شيء فيه هدايتكم. والبيان لكم.

قوله: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ أي: ما أغفلنا، والكتاب هنا: اللوح المحفوظ، وهذا الذي ذهب إليه المحققون، أو عامة المحققين من المفسرين، المقصود: اللوح المحفوظ، وهو اختيار ابن كثير[11].

يقول: (وهو على هذا عام)، عام بمعنى أن اللوح كتب فيه كل شيء، أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب قال: رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة[12].

فهذا معنى العموم هنا باعتبار أن ذلك يراد به اللوح المحفوظ، ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ؛ فلاحظ أن شيء نكرة جاءت في سياق النفي، وسبقت بمن، التي تنقلها من الظهور في العموم، إلى التنصيص الصريح في العموم، فهذا يشمل كل شيء؛ لأن كل شيء كتب في اللوح المحفوظ، كل شيء من حركة وإيجاد وخلق، وتصرف وما إلى ذلك، كل ذلك في اللوح المحفوظ، والمعنى: أي ما أهملنا ولا أغفلنا في اللوح شيئًا، بل كل شيءٍ مثبت فيه، حتى أصناف الدواب وغيرها، وعلم ذلك جميعًا عند الله -تبارك وتعالى-، ولا ينسى أحدًا من رزقه وتدبيره، كما قال الله: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6]، يقول الحافظ ابن كثير -رحمه الله-: يعني كل ذلك، يعني يعلمه مضبوط بهذا اللوح، يعلم بأسمائها وأعدادها، ومظانها، وهو حاصر لحركاتها، وسكناتها، فلا يفوت من ذلك شيء[13].

يقول: وقيل هو القرآن، والكلام على هذا خاص، يعني إذا قيل: بأن ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ، أنه القرآن، فهنا القرآن ليس فيه كل شيء، من حركات المخلوقات وسكناتها، وإيجادها، وإعدامها، ورزقها، وما إلى ذلك، فيكون ذلك من قبيل العام ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ظاهر اللفظ العموم، ونص صريح في العموم كما سبق، فيكون من قبيل العام المراد به الخصوص، يعني: ما فرطنا فيه من شيء فيه هدايتكم، والبيان لكم، يعني: مما تحتاجون إليه في تحقيق النجاة، والوصول إلى الله والدار الآخرة، ما يتصل بالهداية، كقوله تعالى: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل:89]، ظاهره العموم، لكل شيء، لكن المقصود به مما يتعلق بما نزل الكتاب لأجله، وهو الهداية.

والحافظ ابن القيم تكلم على حجة كل قول من هذه الأقوال[14]، والراجح هو القول الأول، أنه اللوح المحفوظ.

قوله تعالى: ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ [الأنعام:38]، أي: تبعث الدواب والطيور يوم القيامة للجزاء والفصل بينها.

ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ، تبعث للفصل، كما جاء عن ابن عباس، أن حشرها موتها[15]، ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ؛ لكن هنا قال: (تبعث الدواب) وهذا الذي دل عليه الحديث، ودل عليه قوله تعالى: وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ [التكوير:5]، وحمله ابن جرير -رحمه الله- على المعنيين، بأن حشرها موتها، وكذلك بعثها، أنها تموت وتبعث، باعتبار أنه لا يحصل البعث إلا بعد الموت، فجمع بينهما ابن جرير -رحمه الله-[16].

والحديث مشهور في صحيح مسلم: لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء، من الشاة القرناء[17]، يعني الشاة القرناء التي كانت تنطحها في الدنيا، وإذا كان هذا بين الدواب، فلا شك أن الناس أولى بذلك.

قوله تعالى: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا [الأنعام:39]، الآية: لما ذكر قدرته على بعث الخلق كلهم أتبعه بأن وصف من كذب بذلك بالصمم والبكم.

هذا وجه في المناسبة، وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا، يقول: (لما ذكر قدرته على بعث الخلق كلهم، أتبعه بأن وصف من كذب بذلك بالصمم والبكم)، وبعضهم يقول: لما بين من حال الكفار أنهم بلغوا في الكفر إلى حيث كانت قلوبهم قد صارت ميتة عن قبول الإيمان بقوله: إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [الأنعام:36]، ذكر هذه الآية تقريرًا لهذا المعنى، أنهم صم وبكم في الظلمات، فهذا معنى ذكره صاحب التفسير الكبير[18].

وهكذا ذكر غيره أيضًا، أو ذكر نفس المؤلف قال لما ذكر في قوله -تعالى-: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ [الأنعام:38]، بكونها دالة على كونها تحت تدبير وتقدير حكيم قدير، وفي أن عناية الله محيطة بهم، ورحمته واصلة إليهم، قال بعده: والمكذبون لهذه الدلائل والمنكرون لهذه العجائب، صم لا يسمعون كلامًا البتة، بكم لا ينطقون بالحق، خائضون في ظلمات الكفر، غافلون عن تأمل هذه الدلائل، يعني على الأول أنه لما وصفهم بالموتى، ذكر هنا أنهم صم وبكم في الظلمات، وعلى الثاني أنه لما ذكر هذه الدلائل والآيات، قال: هذه لا ينتفع بها هؤلاء الكفار؛ لأنهم بهذه المثابة صم بكم في الظلمات، فيعمون عن هذه الآيات ولا يسمعون سماع انتفاع، ولا يبصرون كذلك، ظلمات الكفر، لا يبصرون، فلا يعتبرون ولا يهتدون.

وقوله: في الظلمات يقوم مقام الوصف بالعمى.

قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ [الأنعام:40] معناه أخبروني، والضمير الثاني للخطاب، ولا محل له من الإعراب، وجواب الشرط محذوف تقديره: إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة من تدعون؟

قوله: قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ؛ هذا تركيب، يفتتح بمثله الكلام الذي يراد تحقيقه، والاهتمام به، فهي كلمة استفهام وتعجب، فالهمزة للتقرير والاستفهام، من أجل التعجب، أَرَأَيْتَكُمْ.

يقول: (معناه أخبروني)، والضمير الثاني للخطاب، الذي هو الكاف، هذا مبني لا محل له من الإعراب، قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ، والكاف والميم عند البصريين للخطاب، لا محل لها من الإعراب، وبعضهم يقول: هي في محل نصب بوقوع الرؤية عليها قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ، يعني: أرأيتم أنفسكم.

وجواب الشرط محذوف تقديره: إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة من تدعون؟ ثم وقفهم على أنهم لا يدعون حينئذ إلا الله، ولا يدعون آلهتهم، والآية احتجاج عليهم، وإثبات للتوحيد، وإبطال للشرك.

قوله تعالى: إِنْ شاءَ [الأنعام:41]، استثناء، أي يكشف ما نزل بكم إن أراد، ويصيبكم به إن أراد، وقوله تعالى: وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ [الأنعام:41]، يحتمل أن يكون من النسيان أو الترك.

من النسيان، يعني: بسبب شدة الهول، فيحصل لهم الذهول عن المعلوم، فالنسيان في حقيقته هو ذهاب المعلوم، فمن شدة الهول لم يخطر ببالهم إلا الله، يقول: (أو الترك)، يعني: عمدًا؛ لعلمهم أنه لا يرفع هذا الكرب والشدة التي وقعوا فيها إلا الله.

كما قال الله : وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ[الإسراء:67]، فهنا: وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ، تنسون إما بسبب الذهول من شدة الموقف، فيحصل لهم نسيان حقيقي، أو بمعنى وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ، يعني: تتركون ذلك، كما جاء في خبر عكرمة لما فتح النبي ﷺ مكة ففر يريد اليمن، وركب في سفينة، فلما هاجت بهم الريح، واضطرب بهم الموج، قال من في السفينة: إنه لا ينفعكم اليوم، لا ينجيكم إلا الله، فكان ذلك سببًا لإسلامه أنه عاهد الله، قال: إذا كان لا ينجي من كرب البحر إلا الله، فلا ينجي من كرب البر إلا الله، فعاهد الله أن الله إن أنجاه، ليأتين النبي ﷺوليضعن يده بيده[19].

فالمقصود أن هؤلاء تداعوا ألا يسألوا إلا الله، وأنه لا ينجيهم إلا الله، فهذا معنى الترك، وما ذكره من الذهول، فهذا أيضًا معنى يحتمل، أنهم ينسون لشدة الموقف، وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ؛ فكل هذا وارد، والله تعالى أعلم.

قوله تعالى: فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ [الأنعام:42]، كان ذلك على وجه التخويف والتأديب.

بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ، عبارات العلماء تختلف في تفسير ذلك، فالبأساء اسم للبؤس وهو المكروه، والضرر والشدة وسوء الحال، وبعضهم يقول: الفقر والفاقة، كما يقول ابن كثير، البأساء: الفقر والفاقة[20].

وبعضهم يقول: هي البأساء هي الضراء لكن مع خوف، لدلالة كلمة: البأس، والشنقيطي -رحمه الله- ذكر أن أكثر العلماء على أن البأساء ما كان من جهة الفقر والفاقة والجوع وضياع الأموال، وأن الضراء ما كان من قبيل الأمراض ونحوها[21]، الضراء الأمراض ونحو ذلك.

لاحظ هذا الاختلاف في البأساء والضراء، وبعضهم يقول: الضراء هي المرض، والزمانة، وسوء الحال، والفقر والقحط، فسر بهذا كله، يعني الضراء.

وعلى كل حال مجموع ذلك البأساء والضراء، يعني بالفقر والشدة والمرض، فالبؤس يقال للفقر، والضر يقال للمرض، ومن نظر إلى لفظة بأساء، دلالة البأس على الشدة، أدخل معها معنى الخوف، وكل ذلك مما يبتليهم الله بهم، فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ [النحل:112]، فذكر الجوع والخوف فيكون والله أعلم، بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ، أن الله قلبهم في الأحوال كلها، من الشدة من جهة الجوع والفقر، وكذلك أيضًا الخوف والأمراض أيضًا والعلل والأوصاب، بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ، فالضر كثيرًا ما يطلق على المرض، والبؤس كثيرًا ما يطلق على الحاجة والفقر؛ فجمع لهم بين هذا وهذا، بين الحاجة والفقر والمرض، يعني أصابهم في أموالهم وفي أنفسهم.

فَلَوْلا [الأنعام:43]، هنا عرض وتحضيض وفيه دليل على نفع التضرع حين الشدائد فَلَمَّا نَسُوا [الأنعام:44] الآية: أي لما تركوا الاتعاظ بما ذكروا به من الشدائد، فتح عليهم أبواب الرزق والنعم ليشكروا عليها فلم يشكروا فأخذهم الله.

هذا الفتح لأبواب الرزق من باب الاستدراج، كما قال الله : وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ۝ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوا [الأعراف:95]، عفوا فسر بكثروا، وفسر بغير هذا، حَتَّى عَفَوا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ [الأعراف:95]، فيكون ذلك استدراجًا لهم.

يقول: (فتح عليهم أبواب الرزق والنعم ليشكروا عليها فلم يشكروا) وحمله ابن جرير على أبواب ما أغلق عليهم[22]، أبواب كل شيء هذا ظاهره العموم، فابن جرير حمله على معنى خاص بقرينة ما قبله، أن أبواب كل شيء مما أغلق عليهم من ضيق العيش ومرض الأجسام.

يعني أعيدت لهم عافيتهم وحصل لهم الغناء بهذا الاعتبار، (أبواب كل شيء) وإبقاء اللفظ على عمومه -والله أعلم- أولى، وليس المقصود العموم الذي يكون المراد به أعم المعاني، وإنما العموم الاستعمالي، فهذا يرفع الإشكال، يعني كأن ابن جرير -رحمه الله- قال بأن فتح الأبواب هنا كل شيء، أنه الأبواب التي أغلقت عليهم، وليس على ظاهره في العموم؛ لأنهم ما أعطوا كل شيء، لكن إذا استحضرنا هذا المعنى وهو العموم الاستعمالي لانحل الإشكال، وهذا في غاية الأهمية، وينحل به إشكالات في كتاب الله ، وفي السنة النبوية أيضًا، العموم الاستعمالي كما يسميه الشاطبي -رحمه الله- في الموافقات[23].

يعني على سبيل المثال في قوله -تبارك وتعالى- عن مكة: حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ [القصص:57]، "كل" هذه أقوى صيغة من صيغ العموم، في اللغة وعند الأصوليين، كل وجميع، كل شيء، هل مكة يجبى إليها ثمرات كل، المثمرات التي في الدنيا؟ يعني قل عند نزول الآية، وحتى الآن، هل يجبى إليها ثمرات الموجودة في مشارق الأرض ومغاربها؟ هل يجبى إليها؟ لا، فهل اعترض أحد من المشركين، قال: ما عندنا كمثرى، ولا عندنا مانجو، ولا عندنا يعني كيوي، ما أحد اعترض بهذا الاعتراض، وهم عرب خلَّص فصحاء، فيفهم من هذا العموم الاستعمالي، وليس العموم الذي يحيط بكل الأفراد، وإنما العموم الاستعمالي، يعني الذي يصلح في كل موضع بحسبه، مما يفهم من سياق الكلام، حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ [القصص:57]، مما يصلح أن يجبى لمثله، وفي ملكة سبأ قال: وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [النمل:23]، يقول ما أوتيت، يعني لو جاء من يريد أن يتمحل بالسؤال، فيقال: هذه عجبة بالفهم، كما يقول بعضهم يعني: ما أوتيت لحية سليمان ، ما أوتيت عرش سليمان، ما أوتيت ملك سليمان، ما سخر لها الجن كما سخروا لسليمان، ما سخر لها الريح كما سخر لسليمان، فهذا غير وارد، وإنما أوتيت من كل شيء مما يصلح لمثلها، ويقيم ملكها، وليس كل شيء على الإطلاق، وكذلك في نظائره تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْء بِأَمْرِ رَبِّهَا [الأحقاف:25]، وفي الآية نفسها قال: فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ [الأحقاف:25]، فالمساكن ما دُمرت، مع أنه قال: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْء، وهذه صيغة صريحة وقوية في العموم، قالوا: وما دمرت السماوات ولا الأرض ولا الجبال، بدليل أننا نشاهدها، لم تدمر، إذًا تدمر كل شيء مما سيقت وأرسلت لتدميره فقط، ولذلك لم يعترض أحد، قال: ما دمرت السماوات ولا الأرض، ولا الجبال، فهذا من قبيل العموم الاستعمالي، فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ [الأنعام:44]، مما يصلح لمثلهم من الغنى والرفاهية وكثرة الأموال والأولاد والمراكب والزروع والحروث والدواب وغير ذلك، فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ، وهكذا عافية الأبدان، وطول الأعمار، ونحو هذا.

قوله تعالى: مُبْلِسُونَ [الأنعام:44] آيسون من الخير دابِرُ الْقَوْمِ [الأنعام 45] آخرهم، وذلك عبارة عن استئصالهم بالكلية.

فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ [الأنعام:45]؛ قطع الدابر، هذه اللفظة الدال والباء والراء، تدل على مؤخر الشيء، وقد مضى الكلام في الغريب على هذا، فإذا قيل: قطع دابرهم، يعني: استأصلوا عن آخره، لم يبق منهم أحد، يعني حصل لهم إبادة، استئصال، هذا هو المراد، يقال: قطع الله دابره، بمعنى: الاستئصال والاجتثاث بالكلية، يعني: لا يبقى منهم مخبر ولا أحد.

قوله:

وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، شكر على هلاك الكفار فإنه نعمة على المؤمنين وقيل: إنه على ما تقدم من الملاطفة في أخذه لهم بالشر ليزدجروا، أو بالخير ليشكروا حتى وجب عليهم العذاب بعد الإنذار والإعذار.

في الحديث: إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب، فإنما هو استدراج، ثم تلا رسول الله ﷺ: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ [الأعراف:165] [24]، فهذا كله على سبيل الاستدراج، ثم بعد ذلك يحصل العذاب.

قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ الآية. احتجاج على الكفار أيضا، قوله: يَأْتِيكُمْ بِه الضمير عائد على المأخوذ.

الضمير قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ [الأنعام:46]، فهنا يَأْتِيكُمْ بِه، الضمير يقول: (عائد على المأخوذ)، أو على السمع، أو الهدى المستفاد من ذلك، لكن الذي يظهر -والله تعالى أعلم- أن ذلك يرجع إلى ما ذكر قبله من أخذ السمع والبصر والختم على القلوب، فمن يعيد لهم ذلك؟ ويكون من مقتضاه ولازمه في التفسير، هو فقد الهداية، فإذا ذهبت هذه الحواس التي هي مصادر للتعلم، والتلقي، فكيف يهتدي الإنسان؟ ومن يوصل إليه الهدى بعد ذلك؟ والأصل: أن الضمير يرجع إلى أقرب مذكور، لكن هنا لا يقال إنه يرجع إلى قوله مثلاً: خَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ، وإنما يرجع إلى المذكورات، قبله له بدليل السياق؛ لأنه لا معنى لتخصيصه في الآخر منها.

قوله: يَصْدِفُونَ [الأنعام:46]، أي: يعرضون قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ [الأنعام:47] الآية: وعيد وتهديد، والبغتة ما لم يتقدم لهم شعور به، والجهرة ما بدت لهم مخايله. وقيل: بغتة بالليل، وجهرة بالنهار.

كما قال الله : بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا [يونس:50]، فالبيات بالليل، والمقصود يعني هنا لفظ البغتة يدل على المفاجأة، فمن قال إن ذلك يكون في الليل، يستدل بدليلين:

الأول: بَيَاتًا. الآية الأخرى: والقرآن يفسر بعضه بعضًا.

والأمر الثاني: وهو أن ذلك يكون عادةً مما يفجأهم؛ لأنهم غارون في غفلة وفي نوم، فهذا وجه حمل ذلك على الليل، ولكن المعنى الذي ذكره أولاً ابن جزي، قال: البغتة ما لم يتقدم لهم شعور به، والجهرة ما بدت لهم مخايله، من حمله على النهار، قال: وفي النهار يشاهدون، وهم متيقظون ومنتشرون. ومن نظر إلى مجرد اللفظ المباغتة، بغتة يدل على المباغتة، فهذه المباغتة قد تحصل لهم ليلاً أو نهارًا ويقابله ما ظهرت لهم أماراته وعلاماته، فقال: هذا هو الجهرة، يعني: له مقدمات، ومن نظر إلى المعنى السابق، قال: البغتة بياتًا في ليلهم، وهم غارقون غارون، والجهرة تكون في النهار، والمقصود: أنه يأخذهم من غير شعور بالأخذ والعذاب، فيبغتهم ويفجأهم به، أو يكون ذلك معاينةً بما يشاهدون ويرون من العذاب بأعينهم، فينزل بهم ويحل بساحتهم، والله تعالى أعلم.

الأسئلة:

س: عن التمني، ذكرت، أنت قلت: وهناك قول رابع ذكره ابن القيم وأيده السعدي، أنهم تمنوا العودة فقد هربًا من العذاب؛ لأنهم قد عرفوا الحق وعلموه، هذا القول الرابع ألا يرجع إلى القول الأول بإثبات كلمة عن؟

ج: إذا كانوا تمنوا الرد فقط، فهذا بمعنى قول من قال بأن ذلك للاستئناف، وأنه مقطوع عن التمني بنفس المعنى، طيب أيضًا لعل مما يعني يوضح هذا، عبارة تبين المراد، ما ذكره الثمين الحلبي في الدر المصون، في المجلد الرابع، صفحة خمسمائة وست وثمانين، لما ذكر وجوه الإعراب، قال: والثالث من الأوجه المتقدمة: أن قوله: ولا نكذب، خبر لمبتدأ محذوف، قلنا: تقدير ونحن لا نكذب، طيب.

والجملة استئنافية لا تعلق لها بما قبلها، هذا معنى انقطع عن التمني، وإنما عطفت هاتان الجملتان الفعليتان، على الجملة المشتملة على أداة التمني، وما في حيزها، فليست داخلة في التمني أصلاً، وإنما أخبر الله -تعالى- عنهم أنهم أخبروا عن أنفسهم، بأنهم لا يكذبون بآيات ربهم، وأنهم يكونون مع المؤمنين، فتكون هذه الجملة وما عطف عليها في محل نصب بالقول، كأن التقدير: فقالوا: يا ليتنا نرد، وقالوا: نحن لا نكذب ونكون من المؤمنين.

قال: واختار سيبويه هذا الوجه، وشبهه بقولهم: دعني ولا أعود، أي: وأنا لا أعود، تركتني أو لم تتركني، أي: لا أعود على كل حال، كذلك معنى الآية أخبروا أنهم لا يكذبون بآيات ربهم، وأنهم يكونون مع المؤمنين على كل حال، ردوا أو لم يردوا.

س: ......

ج: لا، الشاطبي -رحمه الله- ذكر هذا بأنه استعمال حقيقي وليس بمجازي، وأن العموم أنواع، وهذا النوع لا يذكره الأصوليون عادةً، ولا تكاد تجد له ذكرًا في الكتب، العموم الاستعمالي، ولكنه حقيقة واقعة، وهذا العموم الاستعمالي، يعني تجد مقتضى كلام بعض العلماء يعني مثل الحافظ ابن الحجر في الفتح، في قول النبي ﷺ: اصبروا، فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه، حتى تلقوا ربكم[25]، فبعضهم يشكل عليه مثلاً بعد الحجاج جاء عمر بن عبدالعزيز، فكما جاء عن الحسن، لا بد للناس من تنفيس[26].

لكن إذا فسر هذا بالعموم الاستعمالي لا يأتي على الناس زمان إلا والذي بعده شر منه فيما يتعلق بمحمله، شر منه مطلقًا في ظاهره، من جهة الجدب والفقر ونحو ذلك، مع أن الناس بعد فقر يكونون أغنياء، أليس كذلك؟ وبعد المرض قد يصحون، وبعد القلة يكثرون، ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ.. [الإسراء:6]؛ فهل هذا محمول على العموم من كل وجه؟ لأن العموم الأصل أنه يتوجه إلى أربعة أشياء:

عموم الذوات الأفراد، داخلة تحت الأفراد، والأزمنة والأمكنة والأحوال، فهل هو محمول هكذا على إطلاقه؟ بهذه الوجوه الأربع؟ الجواب: لا؛ طيب كيف نحمله على شيء، على بعضها كما جاء عن ابن مسعود قال: "لا يأتي عليكم عام إلا وهو شر من الذي كان قبله. أما إني لست أعني عاما أخصب من عام، ولا أميرا خير من أمير، ولكن علماؤكم وخياركم وفقهاؤكم يذهبون، ثم لا تجدون منهم خلفا، ويجيء قوم يقيسون الأمور برأيهم"[27].

يعني: إذا ذهب العالم كانت ثلمة فلا تسد، وهكذا الناس في نقص دائمًا، والله المستعان.

فحمله على هذا فقط ينحل، في إشكالات لا شك في هذا الحديث، فما يرد عليه الحجاج، وعمر بن عبد العزيز، أو يرد عليه الكثرة بعد القلة، أو الغنى بعد الفقر، إلى آخره، إن المقصود ذهاب العلماء، فعلى هذا، فيكون من قبيل العام المراد به الخصوص، بهذا الاعتبار، فإذا حمل على بعض هذه الأوجه، ما يأتي على الناس زمان، يمكن أن يكون من قبيل العموم الاستعمالي، وإن لم يكن ظاهرًا فيه، في هذا المثال بعينه، لكن في مثل تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْء، وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، ونحو هذا، هذا واضح للعموم الاستعمالي، مما سيقت لتدميره، مما يصح لمثله يجبى إليه ثمرات كل شيء، والله أعلم، فليس من قبيل المجاز، هو حقيقة، لكن الذين يقولون: إنه من قبيل المجاز، عند القائلين بالمجاز، العام المراد به الخصوص، يقولون: اللفظ عام استعمل في بعض الأفراد، فهو مجاز، لفظ عام أريد به فرد من الأفراد، عام مراد به الخصوص، الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ [آل عمران:173]، هذا يجعلونه من أنواع المجاز، لكن إذا قلنا: كل هذا يفهم من السياق فلا مجاز، ومن ذلك العموم الاستعمالي.

والخطاب في هذه السورة عمومًا من أولها إلى آخرها، في المحاجة والمجادلة ونحو ذلك مع المشركين، والذين كانوا يقترحون الآيات على النبي ﷺ هم كفار قريش، كل هذا كان يفعله المشركون، فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ.. [العنكبوت:65] ... الخ، فهذه السورة تحاجهم وتجادلهم، وترد عليهم، وتبطل معبودات هؤلاء، والشبهات التي يتعلقون بها، ونحو ذلك، لا شك أن هذا الوعيد متوجه للجميع، هكذا كان الأولون، ولكن المتأخرين لم يكونوا للأسف بهذه المثابة، فتجد أن هذه الحوادث الكبار التي تحصل من الزلازل والأعاصير ونحو ذلك لا ترد الناس إلى الله في هذا العصر؛ لغلبة الإلحاد والمادية عليهم، فيعللون ذلك بظواهر طبيعية، ولا يزيدهم من الله إلا بعدًا، وإذا كسفت الشمس، خرجوا يتفرجون عليها في الأماكن المفتوحة، وعلى الشواطئ، ويلبسون مناظير معينة، ويتواصون بهذا، ويتلقون توجيهات، للأسف فأصبحت هذه الأشياء التي كان الناس يخافون منها سابقًا، أصبح هؤلاء لا يبالون بها، ويأتي العذاب ويحطمهم، ويأتي الطوفان أو البحر، ويغرقهم، ويحمل بيوتهم كالقش، يعوم فوق سطح الماء، وآخر ما يفكرون به أن ذلك عقوبة من الله، بل لو قال لهم قائل ذلك لربما عاقبوه أشد العقاب، كيف يقول مثل هذا؟ هذه ظواهر طبيعية، وحصل هذا للأسف، لما حصل زلزال في بعض البلاد، وتهدمت الدور، وحصلت نكبات، فلما قام بعض الخطباء يقولون: هذه عقوبة من الله عوقب هؤلاء، كيف تقولون عقوبة؟ وهي بلاد يظهر فيها الفواحش وأنواع المنكرات من غير نكير، وغير هؤلاء، وغير هؤلاء، والله المستعان.

  1. أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (6/125).
  2. تفسير ابن كثير (3/253).
  3. تفسير ابن كثير (3/253).
  4. تفسير الطبري (11/343).
  5. أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (2/260).
  6. أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، رقم: (2582).
  7. تفسير ابن كثير (3/253).
  8. المصدر السابق.
  9. المصدر السابق.
  10. انظر: تفسير الطبري (11/344).
  11. انظر: تفسير ابن كثير (3/253).
  12. أخرجه أبو داود، كتاب السنة، باب في القدر، رقم: (4700).
  13. تفسير ابن كثير (3/254).
  14. شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل (ص:40).
  15. تفسير ابن كثير (8/331).
  16. انظر: تفسير الطبري (11/349).
  17. أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، رقم: (2582).
  18. انظر: تفسير الرازي (12/530).
  19. انظر: السنن الكبرى للنسائي، كتاب المحاربة، الحكم في المرتد رقم: (3516)، ومسند البزار، رقم: (1151)، ومسند أبي يعلى الموصلي، رقم: (757)، والسنن الكبرى للبيهقي، رقم: (16879).
  20. تفسير ابن كثير (3/449).
  21. أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (1/217).
  22. تفسير الطبري (11/356).
  23. انظر: الموافقات (4/19).
  24. أخرجه أحمد (28/547)، رقم: (17311).
  25. أخرجه البخاري، كتاب الفتن، باب: لا يأتي زمان إلا الذي بعده شر منه، رقم: (7068).
  26. انظر: فتح الباري لابن حجر (13/21).
  27. سنن الدارمي، باب تغير الزمان وما يحدث فيه (1/279)، رقم: (194).

مواد ذات صلة