الأربعاء 11 / شوّال / 1441 - 03 / يونيو 2020
(004) من قوله تعالى (قل لا أقول لكم عندي خزائن الله..) – إلى قوله تعالى (ولكن ذكرى لعلهم يتقون..) الآيات 51-70
تاريخ النشر: ٢٦ / ربيع الأوّل / ١٤٣٩
التحميل: 677
مرات الإستماع: 701

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين، أما بعد:

فاللهم اغفر لنا، ولشيخنا، والحاضرين، والمستمعين، ولجميع المسلمين، قال الحافظ ابن جزي -رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى:

قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّه [الأنعام:50] الآية: أي لا أدعي شيئا منكرا ولا يستبعد، إنما أنا نبي رسول كما كان غيري من الرسل.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فقوله: قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّه؛ أي: خزائن الرزق.

قوله تعالى: الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ [الأنعام:50] مثال للضال والمهتدي.

يعني أن ذلك من قبيل المثل، "الضال والمهتدي" وهذا يرد في القرآن كثيرًا، أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى [الرعد:19]؛ فهذا صريح بهذا المعنى، وهكذا أيضًا الحي والميت، يقال: للمؤمن والكافر، المهتدي والضال.

قوله تعالى: وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ [الأنعام:51] الضمير في به يعود على ما يوحى، والإنذار عام لجميع الناس، وإنما خصص هنا بالذين يخافون؛ لأنه تقدّم في الكلام ما يقتضي اليأس من إيمان غيرهم فكأنه يقول: أنذر الخائفين؛ لأنه ينفعهم الإنذار، وأعرض عمن تقدّم ذكره من الذين لا يسمعون ولا يعقلون.

وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ [الأنعام:51]؛ فهذا التخصيص باعتبار أنهم المنتفعون به، كما قال الله : ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:2]؛ فخصهم للانتفاع، وإلا فهو منذر للجميع -عليه الصلاة والسلام-: لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الأنعام:19].

وبعضهم فسر الخوف هنا بمعنى العلم، وكأنه تفسير للشيء بسببه، يعني أن الذي أوجد هذا الخوف عندهم هو العلم بما أعد الله للمكذبين وما إلى ذلك، "والضمير في به يقول: على ما يوحى" وهو القرآن، كما قال ابن جرير -رحمه الله-[1].

وبعضهم يقول: ذلك يرجع إلى الله، وآخرون يقولون: إلى اليوم الآخر، والأقرب -والله أعلم- هو الأول أنه يرجع إلى القرآن وَأَنذِرْ بِهِ؛ والقرآن متضمن لذكر الله ، وبيان عظمته مما يوجب الخوف منه، وكذلك متضمن لصفة اليوم الآخر، وما فيه من الأهوال والأوجال.

فكأنه يقول: أنذر الخائفين؛ لأنه ينفعهم الإنذار، وأعرض عمن تقدم ذكره من الذين لا يسمعون ولا يعقلون، قوله تعالى: لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ [الأنعام:51] في موضع الحال من الضمير في يحشروا، واستئناف إخبار.

لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ؛ الولي عرفنا من قبل أنه بمعنى: الناصر والمعين، وعرفنا أن الشفاعة هي الانضمام إلى آخر، لنصرته وتقويته؛ فكأنه كان منفردًا بحاجته، فجاء فشفع، وأصل الشفع كما سبق في الغريب يكون بهذا الاعتبار، ضم الشيء إلى مثله قابل الوتر.

وقوله: لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ؛ "في موضع الحال" يعني حال كونهم كذلك، يقول: "في موضع الحال من الضمير في يحشروا" الحال أنهم ليس لهم يومئذٍ من عذاب الله إن عذبهم ولي من دون الله ينصرهم، فيخلصهم من العذاب ولا شفيع يشفع لهم فيتركون، يقول: "أو استئناف إخبار" يعني: معناها أنها جملة جديدة لا تتعلق بما قبلها من ناحية الإعراب، لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ؛ يخبر عنهم في ذلك اليوم، أنهم لا ولي ولا ناصر ولا شافع، وعلى الأول أنه مرتبط بـ يحشروا، بالذي قبلها، وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ [الأنعام:51]؛ في هذه الحال، حال كونهم لا شفيع ولا ناصر، والآية تحتمل هذا وهذا، والأول كأنه أقرب وأدعى إلى وجود مثل هذا الخوف.

قوله تعالى: لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [الأنعام:51] يتعلق بـ أنذر.

أنذرهم لعلم يتقون؛ من أجل أن تحصل التقوى بهذا الإنذار.

قوله تعالى: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ [الأنعام:52] الآية: نزلت في ضعفاء المؤمنين كبلال، وعمار بن ياسر، وعبد الله بن مسعود، وخباب وصهيب، وأمثالهم، وكان بعض المشركين من قريش قد قالوا للنبي ﷺ: لا يمكننا أن نختلط مع هؤلاء لشرفنا فلو طردتهم لاتبعناك، فنزلت هذه الآية[2].

نعم، قوله وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ؛ يقول: نزلت في ضعفاء المؤمنين، وذكر في الحاشية، ما أخرجه مسلم من حديث سعد قال: كنا مع النبي ﷺ ستة نفر، فقال المشركون للنبي ﷺ: "اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا، قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل، وبلال ورجلان لست أسميهم، -يعني: لا أعرف، لا أذكر أسماءهم-، ووقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه، -يعني طلبًا لمصلحة عظمى من إسلام هؤلاء أن يسمعوا، أن يجلسوا معه بانفراد؛ ليسمعوا دعوته وما أنزل عليه، علهم يسلمون-، قال: فأنزل الله : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ؛ الآية"[3].

وجاء عند ابن أبي شيبة[4] في سياق طويل، عن خباب وكذا عند الطبراني[5]، أنها نزلت في الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن، لما وجدوا النبي ﷺ مع صهيب، وبلال، وعمار، وخباب، وهذا صحيح الإسناد.

والظاهر أن هذا كان في المدينة؛ لأن عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، قدموا على النبي ﷺ في المدينة، بعد الهجرة، فبعض أهل العلم في مثل هذا، يلجأ إلى الترجيح، ومن طرق الترجيح الكثيرة، ترجيح ما في الصحيحين على غيرهما، والأول حديث سعد ، في صحيح مسلم.

والأقرب -والله تعالى أعلم-، أن ذلك لا يلجأ إليه إذا أمكن الجمع، فينظر في العبارة في بعض المناسبات، فإذا قيل بأنها نزلت في فلان أو نحو ذلك، لا يكون صريحًا في سبب النزول، لكن إذا كانت صريحة، فعندئذ يمكن أن يقال بأن الآية نزلت عقب الواقعتين إن كان الزمان متقاربًا، وهنا لا يظهر التقارب، هذا في مكة وهذا بعد الهجرة، فيقال: لعل الآية نزلت مرتين، تذكيرًا للحكم وتأكيدًا له، أو لا يقال ذلك من إطراح إحدى الروايتين، -والله أعلم-.

وقوله: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ؛ ابن جرير -رحمه الله-[6]، حمله على أعم معانيه، يعني هل هو سؤال الطلب؛ يسألونه بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ [الأنعام:52]، نحن نعرف أن الدعاء على نوعين: دعاء مسألة، ودعاء عبادة، فهنا يدخل فيه هذا جميعًا، وكذلك هو لا يختص بالصلوات، وإنما سائر العبادات عند ابن جرير، يدخل فيه الذكر والصلاة وغير ذلك، يَدْعُونَ رَبَّهُمْ؛ يعني: يعبدونه؛ وكذلك جاءت عبارة ابن كثير -رحمه الله- بهذا المعنى، في غاية الدقة والاختصار، قال: "يعبدونه ويسألونه"[7]، فقوله: يعبدونه يشمل جميع أنواع العبادة، أن ذلك لا يختص بالصلاة، ويسألونه، فيدخل فيه دعاء المسألة، وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ [الأنعام:52]؛ أن ذلك يصدق عليه الدعاء ولا يوجد ما يدل على تخصيص بنوع منه، -والله أعلم-.

قوله تعالى: بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ [الأنعام:52] قيل: هي الصلاة بمكة قبل فرض الخمس، وكانت غدوة وعشية، وقيل: هي عبارة عن دوام الفعل، ويدعون هنا من الدعاء وذكر الله أو بمعنى العبادة.

كما سبق، فقوله: بِالْغَدَاةِ [الأنعام:52]؛ الغداة: أول النهار، الغداة: الغدو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وقد تطلق على ما هو أوسع من هذا، تقال: لأول النهار، أو وقت الضحى، أو ما هو أوسع من ذلك، يعني من طلوع الفجر إلى ما قبل الزوال؛ يعني: الشق الأول من النهار، من الفجر إلى ما قبل، يعني إلى ما قبل انتصاف النهار، والمشهور هو أن ذلك يقال لأول النهار، ولا شك أن ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس أنه داخل فيه، وما وراء ذلك أدخله فيه بعضهم، وإذا كان هذا ينقل عن أهل اللغة، فهم أعلم بها وأعرف، مثل هذا يرجع فيه إلى اللغة؛ لأنه لا معنى يختص بالشارع في مثل هذا، فإذا كان هذا جميعًا منقول عن أهل اللغة، فيكون هذا من إطلاقاته، فلا إشكال.

والمقصود أن من خصصه بالصلوات فجعلوا الذكر في الغداة، هي صلاة الفجر، وأن العشي يقال: لآخر النهار، وبعضهم يقول: بأنه من العصر إلى الليل، وبعضهم يقول: من الظهر إلى الليل، وكأن هذا هو الأقرب، فيدخل فيه صلاة الظهر، وصلاة العصر، والذين أدخلوا الليل بعضهم قالوا: إلى نصف الليل؛ فيدخل فيه صلاة المغرب وصلاة العشاء، فانتظم ذلك الصلوات الخمس.

فبعضهم يخصص قوله: بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ [الأنعام:52]؛ يدعون ربهم يعني يصلون، هذه الصلوات، وهذا داخل فيه هذه الصلوات، فهي من أعظم الدعاء والذكر والعبادة، لكنه لا يختص بذلك، وأصل هذه المادة: العشي، يدل على ظلام، وقلة وضوح، -والله أعلم-.

وقوله هنا: "هي الصلاة بمكة قبل فرض الخمس وكانت" يعني: في الغدو والعشي، بمعنى أن نظر إلى بكر شيئين: الغداة والعشي، فلم يوسع وقت العشي، فقال: هي صلاة في أول النهار وصلاة في آخر النهار، كان ذلك قبل فرض الصلوات الخمس، وقال جماعة من السلف، كابن المسيب، ومجاهد والحسن، وقتادة: "هي الصلوات المكتوبة"[8]، ويمكن أن يقال: بأن تخصيص هذين الوقتين، الغداة والعشي، يمكن يقال: بأنهما أشرف أوقات اليوم مثلاً؛ يعني: الغداة أول النهار، والله قال: وَالْفَجْرِ [الفجر:1]؛ أقسم به، والراجح أنه: الوقت المعروف، ويدخل فيه مثل: فجر عرفة يوم النحر؛ ونحو ذلك، وكذلك الله أقسم بالعصر، والراجح أنه الوقت المعروف لشرفه، فبعضهم يقول: خص هذين الوقتين باعتبار أن الشغل فيهما أكثر، يعني الناس يذهبون في أول النهار، لأعمالهم وحروثهم، فينشغلون فيه، وكذلك أيضًا بالعشي، بعدما يقيلون ويستريحون، يرجعون إلى أعمالهم، فذلك وقت للشغل، فإذا كانوا يذكرونه في هذه الأوقات التي ينشغل فيها الناس، عن ذكره وعبادته، فهم في أوقات الفراغ أكثر ذكرًا، يعني بطريق الأولى، لكن إذا وسع الوقت وعمم فإن ذلك يشمل كل الأوقات على هذا، أو جملة الأوقات، -والله أعلم-.

قوله هنا: يَدْعُونَ [الأنعام:52]؛ من الدعاء وذكر الله، أو بمعنى العبادة، سبق الكلام على هذا، وأنه يشمل النوعين.

قوله تعالى: يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الأنعام:52] إخبار عن إخلاصهم لله وفيه تزكية لهم.

بلا شك واضح هذا.

قوله تعالى: ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام:52] الآية قيل: الضمير في حسابهم للذين يدعون، وقيل: للمشركين، والمعنى على هذا لا تحاسب عنهم، ولا يحاسبون عنك، فلا تهتم بأمرهم حتى تطرد هؤلاء من أجلهم، والأوّل أرجح؛ لقوله: وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا [هود:29]، وقوله: إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي [الشعراء:113]، والمعنى على هذا أنّ الله هو الذي يحاسبهم فلأي شيء تطردهم؟

لا شك أن الأقرب -والله تعالى أعلم- هو الأول، كما ذكر قول نوح لقومه حينما طلبوا منه أن يطرد الأعبد والضعفاء والأراذل في نظرهم، فقال: وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ۝ وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [هود:29-30]؛ فهذا مع قوله أيضًا حينما خاطبوه : قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ [الشعراء:111]؛ فقال: قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ۝ إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ ۝ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء:112-114]؛ لاحظ إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ [الشعراء:113]؛ هذا صريح في أن المقصود حساب من؟ حساب هؤلاء الضعفاء من المؤمنين، والقرآن يفسر بعضه بعضًا، فيكون الضمير يعود إلى المؤمنين الضعفاء، وليس المشركين، إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ [الشعراء:113]؛ لأنهم كانوا يشككون في مقاصدهم ونياتهم؛ يعني: يقولون: هؤلاء ما جاءوا إلا من أجل أن يجدوا لقمة أو طعامًا، أو شيئًا يسد جوعتهم، فيحتفون بك، ويلجؤون إليك، ينضمون إلى مجلسك، يعني يريدون شيئًا وليس لهم بالهداية رغبة، هكذا يقولون عنهم، فهو يقول لهم: إِنْ حِسَابُهُمْ [الشعراء:113]؛ يعني ما حسابهم إِلَّا عَلَى رَبِّي [الشعراء:113]؛ الله هو الذي يعلم بنياتهم ومقاصدهم وأحوالهم، وما تنطوي عليه نفوسهم فيحاسبهم على ذلك وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الشعراء:112]؛ يعني فيما زعمتهم أنهم لم يكونوا مؤمنين حقًا.

قوله تعالى: فَتَطْرُدَهُمْ [الأنعام:52]، هذا جواب النفي في قوله: ما عليك.

فَتَطْرُدَهُمْ؛ الفاء هذه للسببية، ويقول: "هذا جواب النفي في قوله: ما عليك" جواب النفي منصوب بأن مضمرة بعد الفاء على إرادة انتفاء الطرد، انتفاء كون حسابهم على الله، وحسابه أيضًا عليهم، ويعني ما يكون مؤاخذة كل واحد بحساب صاحبه، فكيف يقع الطرد، يقول: لست محاسبًا عنهم، ولن يحاسبوا عني، فهؤلاء حسابهم على ربي، فكيف أطردهم؟!.

قوله تعالى: فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنعام:52] هذا جواب النهي في قوله: وَلا تَطْرُدِ أو عطف على فَتَطْرُدَهُمْ.

فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ؛ هذا جواب النهي في قوله: وَلا تَطْرُدِ؛ منصوب بأن مضمرة فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ؛ وتكون الجملتان على هذا، مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام:52]؛ جواب الأولى: فَتَطْرُدَهُمْ؛ مع ذلك يعني جملة مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام:52]؛ وجواب الجملة الأولى فَتَطْرُدَهُمْ؛ كل ذلك يكون اعتراضًا بين النهي وجوابه، لا تطرد فتكون من الظالمين.

يقول: "أو عطف على فَتَطْرُدَهُمْ فيكون منصوبًا على وجه التسبيب" لأن كونه ظالمًا إنما هو مسبب عن هذا الفعل الذي هو الطرد، فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ؛ فيكون عطفًا عليه.

قوله تعالى: وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ [الأنعام:53] أي: ابتلينا الكفار بالمؤمنين، وذلك أن الكفار كانوا يقولون: هؤلاء العبيد والفقراء منّ الله عليهم بالتوفيق للحق والسعادة دوننا، ونحن أشراف أغنياء، وكان هذا الكلام منهم على جهة الاستبعاد لذلك.

في بعض النسخ (أهؤلاء) وفي بعضها (هؤلاء) و(أهؤلاء) أوضح، فيمكن تعدل هذه، قال: "أهؤلاء" ويصح من غير همزة، باعتبار أنه يراد به الاستفهام والتعجب، لكن هذا أوضح وهو الموافق للفظ الآية أَهَؤُلاءِ، وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ.. [الأنعام:53]؛ يقول: ابتلينا الكفار بالمؤمنين، فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ [الأنعام:53]؛ يعني: فتن الكفار بالمؤمنين، وفتن المؤمنين بالكفار، فتن هؤلاء الكبراء بهؤلاء الضعفاء، وهكذا يبتلي الله الناس بعضهم ببعض، بما فاوت بينهم في الهدى والضلال، والإيمان والكفر، والصحة والمرض، والغنى والفقر، وما إلى ذلك، فيفتن هذا بهذا، يفتن الفقير بالغني، والغني بالفقير، والقوي بالضعيف، والعكس.

وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا.. [الأنعام:53]؛ فالسياق هنا في خصوص هذا، فتنة الكفار بضعفاء المؤمنين.

قوله تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ [الأنعام:53] ردّ على الكفار في قولهم المتقدّم.

وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ [الأنعام:54] هم الذين نهي النبي ﷺ عن طردهم، أمر بأن يسلم عليهم إكراما لهم، وأن يؤنسهم بما بعد هذا.

وهذا على قول الجمهور، وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ؛ أنه في خصوص هؤلاء بدلالة السياق، مع أن اللفظ عام، كما هو ظاهر، ولذلك حمله بعضهم على عمومه في المؤمنين، وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا؛ كما ذهب إلى ذلك أبو جعفر ابن جرير -رحمه الله-[9].

وبعضهم كالواحدي[10] جمع بين المعنيين، فقال: وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا؛ فهؤلاء الذين طلب الكبراء من المشركين طردهم، يدخلون في ذلك لأن السياق يدل عليه؛ وكذلك سائر المؤمنين؛ لأن ظاهر اللفظ العموم؛ فعلى قول الأولين، يعني الذين قالوا: بأنه في خصوص من جاء السياق فيهم، يكون قوله هنا: وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ؛ هذا عام، قالوا: هذا من العام المراد به الخصوص، فهذا وجه يدل عليه السياق، والآخر يدل عليه ظاهر اللفظ من العموم، والجمع بينهما كأنه حسن، -والله أعلم-، فيكون من جاء السياق فيهم يدخلون فيه دخولاً أوليًا، وكما ذكرت في بعض المناسبات، أن الأفراد الداخلة في العموم على ثلاثة درجات من حيث القوة: وأن أقوى ذلك ما جاء في سبب النزول، كما هو معروف أن العبرة بعموم اللفظ والمعنى لا بخصوص السبب، ثم يليه ما دل عليه السياق، ما يتصل بذلك المناسبة، الارتباط؛ فيلحق به، فيكون مرتبةً دون سبب النزول، وأقوى من الأفراد الداخلة في العموم، من جهة اللغة، من جهة اللفظ.

والمرتبة الثالثة: عموم الأفراد، هذا من حيث القوة، يعني مراتب الأفراد الداخلة تحت العموم، من حيث قوة الدخول فيه، هذا يفيد في التخصيص، وإخراج بعض الأفراد، يعني مثلاً سبب النزول، صورة السبب، قطعية الدخول في العام، ولا يصح إخراجها منه بالاجتهاد، لكن باقي الأفراد يمكن أن تخرج.

قوله تعالى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام:54] أي: حتّمها وفي الصحيح.

إيه يعني أوجبها، في الصحيح، والحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة مخرج في الصحيحين.

إن الله كتب كتابا فهو عنده فوق العرش إن رحمتي سبقت غضبي[11].

قوله تعالى: أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا [الأنعام:54] الآية، وعد بالمغفرة والرحمة لمن تاب وأصلح، وهو خطاب للقوم المذكورين قبل، وحكمها عام فيهم وفي غيرهم والجهالة قد ذكرت في النساء.

الجهالة التي أشار إليها، قال: "ذكرت في النساء" يعني الجهل فعل الشيء بخلاف ما حقه أن يفعل، فهذا الذي أقدم على المعصية، لو استحضر نظر الله وعظمته، عظم من عصى، وعاقبة هذه الجناية؛ لما أقدم عليها، فإقدامه عليها جهل، فكل من عصى الله فهو جاهل بهذا الاعتبار، لا أنه يجهل الحكم بأن هذا حرام، وإنما كل من عصى.

وقيل: نزلت بسبب أن عمر بن الخطاب ، أشار على رسول الله ﷺ أن يطرد الضعفاء عسى أن يسلم الكفار، فلما نزلت: وَلا تَطْرُدِ؛ ندم عمر على قوله وتاب منه فنزلت الآية[12].

هذا جاء في سياق طويل، في قوله تعالى: وَأَنذِرْ بِهِ [الأنعام:51]؛ وفيه جاء عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، ومطعم بن عدي، والحارث بن نوفل، وقرضة بن عمر، في أشراف من بني عبد مناف من الكفار إلى أبي طالب، فقالوا: "يا أبا طالب لو أن ابن أخيك يطرد عنا موالينا وحلفاءنا فإنما هم عبيدنا وعسفاؤنا، كان أعظم في صدورنا وأطوع له عندنا، وأدعى لاتباعنا إياه، وتصديقنا له، قال: فأتى أبو طالب النبي ﷺ فحدثه بالذي كلموه، فقال عمر بن الخطاب : لو فعلت ذلك حتى تنظر ما الذي يريدون، وإلى ما يصيرون، يعني من قولهم، فأنزل الله: وَأَنذِرْ بِهِ [الأنعام:51]؛ ونزلت في أئمة الكفر: وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ [الأنعام:53]؛ ولما نزلت أقبل عمر فاعتذر عن مقالته؛ فأنزل الله: وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ [الأنعام:54]"[13].

وهذه الرواية مرسلة لا تصح في سبب النزول، أن ذلك نزل بسبب قول عمر .

 وقرئ أنه بالفتح على البدل من الرحمة، وبالكسر على الاستئناف وكذلك، فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنعام:54]، بالكسر على الاستئناف، وبالفتح خبر ابتداء مضمر تقديره: فأمره أنه غفور رحيم، وقيل: تكرار للأولى لطول الكلام.

قوله: "وقرئ (أَنه) بالفتح" هذا في قراءة ابن عامر وعاصم، في الموضعين، وفي الأول دون الثاني، وافقهم نافع، وقراءة الجمهور بالكسر إنه.

يقول: "وقرئ (أنه) بالفتح" يعني: في موضع نصب، على البدل من الرحمة كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا [الأنعام:54]؛ يكون منصوبًا؛ لأن الرحمة منصوبة، كتب الرحمة، فيكون هكذا: كتب ربكم على نفسه، أنه من عمل منكم سوءًا بجهالة، البدل يقوم مقام المبدل منه، وبالكسر على الاستئناف؛ يعني: جملة جديدة، كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام:54]؛ وتقف (إنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ)؛ الآية فيكون الكلام تامًا قبلها، ثم هي لا تخلو الجملة على هذا الإعراب، من كونها استئنافًا من أن تكون أيضًا، كالتفسير لقوله: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام:54].

ويحتمل أن يكون على إضمار، قال، قال: إنه، لكن هذا خلاف الأصل؛ لأن الأصل عدم الإضمار، إذا دار الكلام بين التقدير -الإضمار-، والاستقلال أولى، قدم على الإضمار.

يقول: "وكذلك (فَإِنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)" هذا الذي ذكرت هذا الموضع الثاني، "فإنه فأنه" يقول: بالكسر على الاستئناف، كما سبق على الاستئناف، بمعنى أنها صدر جملة وقعت خبرًا لـ"من" الموصولة، مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا؛ أو جوابًا لها إن كانت من شرطية، مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ؛ يعني: بعد توبته، فأنه، فإنه (فَإِنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).

يقول: "بالفتح في محل خبر" يعني مرفوع، خبر ابتداء مضمر تقديره: فأمره أو شأنه أنه غفور رحيم.

ويحتمل أن يكون مبتدأ وأن الخبر هو المحذوف، يعني أنه مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنعام:54]؛ يعني: فغفرانه ورحمته واقعان له، أو فعليه غفران الله ورحمته، وقيل: تكرار للأولى لطول الكلام، هنا كلام لشيخ الإسلام -رحمه الله- في قوله مثل هذا المعنى في نظائره، يقول مثلاً في قوله تعالى: أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ [المؤمنون:35]؛ يقول: "طال الفصل بين أن واسمها، وخبرها فأعاد أن لتقع على الخبر لتأكيده به، ونظير هذا قوله تعالى: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ [التوبة:63]؛ لما طال الكلام أعاد أن، وهذا قول الزجاج وطائفة، وأحسن من هذا أن يقال: كل واحدة من هاتين الجملتين جملة شرطية، مركبة من جملتين جزائيتين، فأكدت الجملة الشرطية بأن على حد تأكيدها في قول الشاعر:

إن من يدخل الكنيسة يومًا يلقى فيها جآذرًا وظباء

ثم أكدت الجملة الجزائية، بأن إذ هي المقصودة على حد تأكيدها في قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ [الأعراف:170]؛ ونظير الجمع بين تأكيد الجملة الكبرى المركبة من الشرط والجزاء، وتأكيد جملة الجزاء، قوله تعالى: إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف:90]؛ فلا يقال في هذا: إن أعيدت لطول الكلام، ونظيره: إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا [طه:74]"[14]؛ وذكر هذه الآية أيضًا من سورة الأنعام.

وقال: "فهما تأكيدان مقصودان لمعنيين مختلفين، ألا ترى تأكيد قوله غَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنعام:54]؛ بأن غير تأكيد مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنعام:54]؛ وهذا ظاهرٌ لا خفاء به، وهو كثير في القرآن وكلام العرب"[15].

قوله تعالى: وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ [الأنعام:55] الإشارة إلى ما تقدّم من النهي عن الطرد وغير ذلك، وتفصيل الآيات شرحها وبيانها.

يعني وكما وضحنا فيما تقدم من هذه السورة، حجتنا على المشركين، وبينا أدلتنا وميزنا الحق من الباطل، طريق الهدى من الضلال، فكذلك نوضح أدلتنا لإثبات الحق، ودفع الباطل أيًا كان، كذلك التفصيل فصلنا.

قوله تعالى: (وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلَ الْمُجْرِمِينَ) بتاء الخطاب ونصب السبيل على أنه مفعول به، وقرئ بتاء التأنيث ورفع السبيل على أنه فاعل مؤنث، وبالياء والرفع على تذكير السبيل؛ لأنه يجوز فيه التذكير والتأنيث.

قوله: وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ [الأنعام:55]؛ هذا الفعل "استبان" يأتي لازمًا ويأتي متعديًا، تقول: (استبان)؛ يعني في نفسه، واستبان كذا بمعنى يعني تحقق منه، أو تبينه، أو نحو ذلك.

(وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلَ الْمُجْرِمِينَ)؛ فإذا كان على قراءة النصب، التي عليها قراءة المؤلف -رحمه الله- وَلِتَسْتَبِينَ؛ بتاء الخطاب ونصب السبيل على أنه مفعول به، (وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلَ)؛ لاحظ هنا يكون متعديًا، تستبين أنت يا رسول الله، فالفاعل ضمير المخاطب المستتر، (وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلَ الْمُجْرِمِينَ)؛ لتستبين أنت سبيل المجرمين، واضح؟ ويقول: "قرئ بتاء التأنيث (وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلَ الْمُجْرِمِينَ)؛ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ [الأنعام:55]" ورفع السبيل على أنه فاعل مؤنث.

توضع الفاصلة قبل قوله: "وبالياء والرفع على تذكير السبيل" فقراءة حمزة والكسائي بالياء على التذكير، (وَلِيَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ)؛ وبالتاء على التأنيث، يعني (وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلَ الْمُجْرِمِينَ)؛ فتكون التاء هذه تاء التأنيث، سبيل هذا على الخطاب، يعني التاء للخطاب، (وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلَ)؛ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ؛ فقراءة نافع بنصب السبيل، (وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلَ)، -والله أعلم-.

قوله هنا: "وقرئ بتاء التأنيث ورفع السبيل على أنه فاعل مؤنث" السبيل: مؤنث غير حقيقي، وهو يذكر ويؤنث، يقال: هذه سبيل الله، وهذا سبيل الله، يذكر ويؤنث.

يقول: "وبالياء والرفع" يعني يستبين على تذكير السبيل، هذا باعتبار يستبين سبيل، أن تستبين هذه لازمة وليست متعدية، يعني يستبين في نفسه يتضح ويظهر، على تذكير السبيل؛ لأنه يجوز فيه التذكير والتأنيث، وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً [الأعراف:146]؛ فهذا بالتذكير قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ [يوسف:108]؛ فجاءت مؤنثة.

قوله تعالى: الَّذِينَ تَدْعُونَ [الأنعام:56]؛ أي: تعبدون.

كما سبق في الدعاء؛ فيدخل فيه دعاء المسألة ودعاء العبادة.

قوله تعالى: قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا [الأنعام:56] أي: إن اتبعت أهواءكم ضللت.

عَلى بَيِّنَةٍ [الأنعام:57]، أي: على أمر بيّن من معرفة ربي، والهاء في بينة للمبالغة.

البينة، يعني على بصيرة وحجة ظاهرة قاطعة من معرفة ربي، وعلى بينة من ربي، معرفة ربي، ومعرفة توحيد الله ، ومعرفة الشرع الذي بعث به نبيه -صلى الله عليه وآله وسلم-.

والهاء في بينة للمبالغة أو للتأنيث.

للمبالغة أو للتأنيث.

وقوله تعالى: وَكَذَّبْتُمْ بِهِ [الأنعام:57]، الضمير عائد على الرب أو على البينة.

على كل حال، إيه نعم، يعني الحافظ ابن كثير -رحمه الله- ذكر بأن المعنى: قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي [الأنعام:57]؛ "أي: على بصيرة من شريعة الله التي أوحاها إلي"[16]، فيدخل في ذلك على كل حال بينة، في أمر التوحيد الذي وقع فيه النزاع، وما يتصل أيضًا به، من الإيمان باليوم الآخر، وما إلى ذلك مما أوحاه الله إليه من الشرع والهدى الكامل.

قوله تعالى: وَكَذَّبْتُمْ بِهِ [الأنعام:57]، الضمير عائد على الرب، أو على البينة.

ويحتمل أيضًا وَكَذَّبْتُمْ بِهِ؛ أنه يعود على العذاب، أو يعود على القرآن، وحمله ابن جرير -رحمه الله-[17] على الأول، الذي ذكره ابن جزي -رحمه الله- أنه عائد على الله، قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ [الأنعام:57]؛ وهذا باعتبار أن الضمير يرجع إلى أقرب مذكور، ومن نظر إلى معنى البينة، فأعاده إلى القرآن ومن نظر إلى ما وقع فيه التكذيب والنزاع في الغالب فهو اليوم الآخر الذي كانوا ينكرونه ويجادلون فيه، فأعاده إلى اليوم الآخر، وَكَذَّبْتُمْ بِهِ [الأنعام:57].

يقول: "أو على البينة" أو عمومًا كما يقول ابن كثير: وَكَذَّبْتُمْ بِهِ: "أي: بالحق الذي جاءني من عند الله "[18]؛ فيشمل التوحيد، توحيد الله ، ويشمل الإيمان باليوم الآخر، ويشمل البينة المذكورة قبله؛ فيكون ذلك أعم في المعنى وَكَذَّبْتُمْ بِهِ، فمقتضى الصناعة أن الضمير يرجع إلى الرب، وعليه حمله ابن جرير[19]، وقد يفهم من سياقه أن المقصود أعم من ذلك، ففسره ابن كثير بالحق الذي جاءه من عند الله .

قوله تعالى: ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ [الأنعام:57] أي: العذاب الذي طلبوه في قولهم: فأمطر علينا حجارة من السماء، وقيل: الآيات التي اقترحوها والأول أظهر.

وهذا الأول الذي اختاره ابن كثير -رحمه الله-[20]؛ لأنهم كانوا يستعجلون بالعذاب، ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ؛ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ.. [الحج:47].

قوله تعالى: يَقُصُّ الْحَقَّ [الأنعام:57] من القصص، وقرئ يقضي بالضاد المعجمة من القضاء وهو أرجح لقوله: وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ [الأنعام:57] أي: الحاكمين.

قوله: يَقُصُّ الْحَقَّ؛ يعني: أن جميع ما أخبر به أو أمر به، فهو من أقاصيص الحق، يَقُصُّ الْحَقَّ؛ قال: من القصص، يعني يقص القصص الحق.

وبعضهم يقول: إنه من قص أثره؛ يعني: هذا في معنى الاتباع؛ يعني: يتبع الحق فيما يحكم به، وبين هذين المعنيين -والله أعلم- ملازمة.

يقول: "وقرئ يقضي بالضاد المعجمة من القضاء وهو أرجح" هذه قراءة الصاد يقص الحق، هي القراءة التي نقرأ بها قراءة عاصم، وكذلك قراءة نافع وابن كثير، وقراءة الجمهور بالضاد، لكن لا يقال في مثل هذا بأنه أرجح، "وهو أرجح" في قوله: "وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ [الأنعام: 57] أي الحاكمين" لأن القراءة إذا ثبتت فإنه لا يصح التفضيل بين القراءتين، بما يشعر بدفع الأخرى أو الغض منها؛ لأن ذلك كلام الله ؛ وإنما يقال: القراءتان إذا اختلف معناهما؛ فهما بمنزلة الآيتين، فيكون هذه لها معنى، وهذه لها معنى، والقرآن يعبر به بالألفاظ القليلة الدالة على المعاني الكثيرة، وهذا يدخل في وجوه إعجازه؛ كما هو معلوم، فدل ذلك على أنه يقص الحق فكل ما جاء فيه من الأخبار والأوامر والنواهي فهو من قصص الحق وهو يتبعه أيضًا، وهنا يقول: "وقرئ يقضي.. الخ" يقضي الحق يعني يفصل، رجح هذا باعتبار أنه قال: "وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ [الأنعام:57] أي الحاكمين" يعني: خير من يبين ويميز بين المحق والمبطل، ويفصل بينهما، يقص الحق، يقضي الحق؛ يعني: يقضي القضاء الحق بيني وبينكم، فيكون هذا معنى وذاك معنى؛ يعني: على قراءة يقص الحقَ، تكون هذه جملة أفادت أنه يقص القصص الحق، وأيضًا معنى جملة أخرى، وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ [الأنعام:57]؛ فذكر صفتين مستقلتين مختلفتين.

وعلى يقضي الحق تكون الجملة الثانية وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ [الأنعام:57]؛ تتعلق بالأولى، فهي مما يؤكدها ويوضحها، وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ؛ (يَقضِي الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ)" -والله أعلم-.

في بعض كتب التفسير، يوجد مثل هذا، يعني المؤلف -رحمه الله- ينقل كثيرًا ويستفيد من مثل: الزمخشري، وابن عطية، وأبي حيان، وقد تجد في مثل كتاب "الكشاف" للزمخشري، و"المحرر الوجيز" لابن عطية، عبارات مثل هذه، يعني في ترجيح قراءة على قراءة بطريقة تُشعر بهضم القراءة الأخرى وهي متواترة، فمثل هذا لا يحسن، يمكن أن يرجح بين القراءات باعتبار أن إحدى القراءات أعم في المعنى، أو أنها مثلاً أبلغ في الدلالة على مراد معين في السياق، أو نحو ذلك لا إشكال، لكن بطريقة تشعر بدفع الأخرى، وتوهينها، أو الحط منها أو شيء من هذا، فهذا لا يصح، يعني ممكن ترجح قراءة (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ)؛ على قراءة مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4]؛ باعتبار أن إثبات الملك أبلغ مثلاً، وهي قراءة الجمهور، هذا لا إشكال أن تختار ذلك لنفسك مثلاً، لكن يكون بطريقة تدفع القراءة الأخرى، أو تضعفها أو توهنها، أو تحط من شأنها فلا.

قوله تعالى: قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ [الأنعام:58] أي لو كان عندي العذاب على التأويل الأوّل، والآيات المقترحة على التأويل الآخر، لوقع الانفصال وزال النزاع؛ لنزول العذاب أو لظهور الآيات.

يحتمل هذا وهذا قُلْ لَوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ [الأنعام:58]؛ العذاب على التأويل الأول، الذي قلنا: إنه هو الأرجح؛ "لوقع الانفصال وزال النزاع" يعني: لنزول العذاب، أو لو كان باعتبار الآيات التي تطلبونها، فآتي بها.

قوله تعالى: مَفاتِحُ الْغَيْبِ [الأنعام:59] استعارة وعبارة عن التوصل إلى الغيوب كما يتوصل بالمفاتح إلى ما في الخزائن، وهو جمع مفتح بكسر الميم بمعنى مفتاح، ويحتمل أن يكون جمع مَفتح بالفتح وهو المخزون.

يقال لهذا وهذا، في النسخ المطبوعة "بالفتح وهو المخزن" المِفتح المفتاح، عنده مفاتح بكسر الميم، بمعنى مفتاح؛ ويحتمل أن يكون جمع مفتح بالفتح، وهو المخزن، يعني إما المفتاح أو المخزن الذي يفتح.

المَفتح المفتاح، والمفتَح المكان، يكون إما المِفتاح، عنده المفاتح، ويلزم من هذا أن عنده أيضًا موضع الخزائن، أو عنده الخزائن، وهذا يتضمن المخزون، لكن بالفتح مفتح؛ فهو المخزن المكان، -والله أعلم-.

فإن كان ما وقع تصحيف في العبارة، وتحريف مخزون، فيكون من باب يعني فسره بما تضمنه، مِفتح هذه مفتاح، أو مَفتح جمع مفتح مفاتح جمع مفتح، يعني الخزائن، فإذا كان عنده مفاتيح الخزائن، فالخزائن ملكه.

"قوله تعالى: وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ [الأنعام:59] تنبيهًا بها على غيرها؛ لأنها أشد تغيبًا من كل شيء" تنبيهًا على غيرها يعني من باب مفهوم الموافقة الأولوي، إذا كان لا تخفى عليه الحبة في ظلمات الأرض، فما هو أكبر منها من باب أولى مثل الإنسان.

قوله تعالى: فِي كِتابٍ مُبِينٍ [الأنعام:59] اللوح المحفوظ، وقيل: علم الله.

فِي كِتابٍ مُبِينٍ؛ جاء في حديث ابن عمر -ا- مرفوعًا إلى النبي ﷺ: مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله؛ لا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله[21]؛ وهو مخرج في الصحيح، فهذه توضح ما في الآية: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ [الأنعام:59]؛ لقوله ﷺ: مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله.

"فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [الأنعام:59]؛ قيل: اللوح المحفوظ وقيل: علم الله" والأقرب -والله أعلم- في كتاب، الكتاب يدل على مكتوب، والله لما خلق القلم، قال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء، يعني ما هو كائن إلى قيام الساعة[22].

قوله تعالى: يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ [الأنعام:60]؛ أي: إذا نمتم، وفي ذلك اعتبار واستدلال على البعث الأخروي.

يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ؛ فهذا يشير إلى، يعني يبعثهم في النار، فهذه إماتة وبعث تتكرر، تدل على قدرته -تبارك وتعالى- على بعثهم بعد إماتهم في الآخرة، يبعثهم في الآخرة.

قوله تعالى: ما جَرَحْتُمْ [الأنعام:60] أي: ما كسبتم من الأعمال.

الاجتراح هو الاكتساب، ويقال: الاكتساب الإثم، لأن أصل الجرح: الكسب، يقال أيضًا: لشق الجلد، وذكر ابن جرير -رحمه الله- أن أصله عمل الرجل بيده، أو رجله، أو فمه[23]، وهي الجوارح، ثم قيل: لكل مكتسب عملاً: جارح، بأي طريق كان، يجترح، يعني بفمه مثل: الكلام الذي يتكلم به ونحو ذلك.

قوله تعالى: يَبْعَثُكُمْ فِيهِ [الأنعام:60] أي: يوقظكم من النوم، والضمير عائد على النهار؛ لأن غالب اليقظة فيه، وغالب النوم بالليل.

هذا الضمير يقول: "عائد على النهار يَبْعَثُكُمْ فِيهِ" يعني: النهار، هذا قاله مجاهد وقتادة والسدي[24]، وهو اختيار الإمامين: ابن جرير[25]، وابن كثير[26].

وقال: "لأن غالب اليقظة فيه، وغالب النوم بالليل" وبعضهم يقول: فيه تقديم وتأخير، والتقدير: هو الذي يتوفاكم بالليل، ثم يبعثكم بالنهار، ويعلم ما جرحتم فيه، لكن هذا خلاف الأصل؛ لأن الكلام إذا دار بين الترتيب، أو التقديم والتأخير، فالأصل: الترتيب، الأصل: الترتيب لأنه كما ذكره الله ولا يسار إلى دعوى التقديم والتأخير؛ إذا أمكن حمل الكلام على معنًى يستقيم بغير ذلك.

وبعضهم يقول: ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ [الأنعام:60]؛ أي: المنام وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ [الأنعام:60]؛ هو يعلم، قالوا هذا كله باعتبار أن الله يعلم ما يجترحه الناس بالليل والنهار، وليس بالنهار فقط، لكن يمكن أن يقال: بأن ذلك خُصَّ بالنهار، باعتبار أن أكثر الكسب والعمل والانتشار فيه، ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ [الأنعام:60]؛ أي في النهار.

 قوله تعالى أَجَلٌ مُسَمًّى [الأنعام:60] أجل الموت.

"أجل الموت" يعني يقضي الأجل الذي حدده لحياتكم، فتفسير ذلك الأجل المسمى بالموت، هو اختيار ابن جرير -رحمه الله-[27].

والحافظ ابن كثير يقول: "هو أجل كل واحد من الناس"[28].

قوله: حَفَظَةً [الأنعام:61] جمع حافظ وهم الملائكة الكاتبون.

حَفَظَةً، يعني: يحفظونكم، ويحفظون أيضًا أعمالكم، ويشمل هذا وهذا، كما قال الله : لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [الرعد:11]؛ وكما قال الله : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ [الانفطار:10]؛ فيكون ذلك ينتظم المعنيين، وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً [الأنعام:61]؛ يحفظونكم، لهم معقبات، وكذلك يحفظون عليكم أعمالكم، فهذا الذي دل عليه القرآن، ويفسر به هذه اللفظة المجملة وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً [الأنعام:61]؛ وهذا الذي ذهب إليه ابن كثير -رحمه الله-[29] جمعًا بينهما، وهنا فسره بالملائكة الكاتبين، وهو أحد المعنيين المشار إليهما.

قوله تعالى: تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا [الأنعام:61]؛ أي: الملائكة الذين مع ملك الموت.

يعني ملك الموت -كما هو معلوم- له أعوان؛ ولذلك يعبر بالجمع أحيانًا. تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا؛ وبعضهم يقول: إن هؤلاء الأعوان ينتزعون الروح من الجسد حتى إذا بلغت الحلقوم، وما بقي إلا استخراجها استخرجها ملك الموت، والعلم عند الله ، هذه أمور غيبية، والمقصود: الجمع بين قوله تعالى: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ [السجدة:11]؛ مع قوله: تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا؛ فملك الموت له أعوان، فإذا عبر بالجمع، يكون بهذا الاعتبار، -والله أعلم-.

قوله تعالى: ثُمَّ رُدُّوا [الأنعام:62]، خروج من الخطاب إلى الغيبة، والضمير لجميع الخلق.

الكلام السابق هو خطاب لهم، يقول: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ [الأنعام:60]؛ ثم قال: ثُمَّ رُدُّوا.. [الأنعام:62]؛ ما قال: ثم تردون، أو رددتم، أو نحو ذلك.

يقول: "والضمير لجميع الخلق، ثُمَّ رُدُّوا.." هذا احتمال، ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ... [الأنعام:62]؛ وذكره ابن كثير -رحمه الله-[30] احتمالاً بعد ذكر حديث أبي هريرة في أن الميت إذا يعني حضرته الملائكة إلى آخره[31].

قوله تعالى: قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ [الأنعام:63] الآية: إقامة حجة، وظلمات البر والبحر: عبارة عن شدائدهما وأهوالهما كما يقال لليوم الشديد: مظلم.

ظلمات البر: المفاوز البعيدة التي تكون متاهة يضل فيها الناس، قد يكون هلاك الكثيرين دون قطعها، واجتيازها، لذا قيل لها: مفازة من باب التفاؤل بالظفر والفوز بقطعها واجتيازها والسلامة فيها، وكما يقولون مثلاً في القافلة تفاؤلاً: إنها ترجع، ونحو هذا، وذلك إذا ضلوا في البر وكذلك ظلمات البحر، والعرب تقول: يوم مظلم، يوم ذو كواكب لليوم الشديد ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [الأنعام:63].

قوله تعالى: عَذابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ [الأنعام:65] قيل: الذي من فوق إمطار الحجارة، ومن تحت الخسف، وقيل: من فوقكم: تسليط أكابركم، ومن تحت أرجلكم: تسليط سافلتكم، وهذا بعيد.

السافلة هم الأراذل من الناس، وبناءً على القول بالمجاز؛ يكون المعنى الأول كأنه على الحقيقة، عَذابًا مِنْ فَوْقِكُمْ؛ بالحجارة ومن تحتكم بالخسف؛ والثاني يكون معنوي بتسليط الأكابر، يعني ليس عذابًا ينزل عليهم من السماء، وإنما مِنْ فَوْقِكُمْ؛ هنا الرفعة المعنوية باعتبار الأكابر، لكن الأول أولى فهو ظاهر اللفظ، لكن مِنْ فَوْقِكُمْ؛ لا يشترط أن يكون بإمطار الحجارة وإنما بما شاء الله أن ينزل عليهم من السماء، من نار محرقة، أو بأمطار تغرق وتهدم وما أشبه ذلك، أو غير هذا بما شاء الله مما يكون من فوقهم يصيح بهم الملك، أو نحو هذا، أو من تحت الأرجل، يكون هذا بالخسف وغيره، كل ما يكون من تحت الأرجل من أسفلهم، يكون بالخسف، يكون بالزلزلة، -والله أعلم-.

 قوله تعالى: أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا [الأنعام:65] أي: يخلطكم فرقا مختلفين، وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ بالقتال، واختلف هل الخطاب بهذه الآية للكفار أو المؤمنين؟ وروي أنه لما نزلت: أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ، قال رسول الله ﷺ: أعوذ بوجهك، فلما نزلت: مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ قال: أعوذ بوجهك، فلما نزلت: أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا، قال النبي ﷺ: هذه أهون[32]، فقضى الله على هذه الأمة بالفتن والقتال إلى يوم القيامة.

هذا المخرج في الصحيح، والمؤلف -رحمه الله- يورد جملة المعنى، ولا يتقيد بالألفاظ، ويختصر في الروايات.

وقوله هنا: "وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ [الأنعام:65]: بالقتال، واختلف هل الخطاب بهذه الآية للكفار أو للمؤمنين" المعنى -والله أعلم- أعم من القتال، ما يكون بينهم من التفرق والاختلاف الذي يؤدي إلى التلاسن والوقيعة في بعضهم، وما إلى ذلك مما ينالهم به الأذى، وأعظم ذلك القتال، لكن هذا التفرق في ذاته المذموم هو لون من العذاب -نسأل الله العافية-.

قال: "وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ: بالقتال، واختلف هل الخطاب بهذه الآية للكفار" وهذا الذي اختاره ابن جرير -رحمه الله-[33]، أو للمؤمنين وهذا مروي عن ابن عباس وأبي ابن كعب، وجماعة أيضًا من التابعين، كقتادة وأبي العالية ومجاهد[34].

قوله تعالى: وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ [الأنعام:66] الضمير عائد على القرآن، أو على الوعيد المتقدم، وقومك هم قريش.

وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ؛ عود الضمير على القرآن، هو الذي اختاره جماعة كالواحدي[35]، وابن عطية[36]، والقرطبي[37]، وابن كثير[38]، ومن المعاصرين: الطاهر بن عاشور[39]، والشيخ عبد الرحمن السعدي[40]، وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ؛ يعني: القرآن، أو على الوعيد المتقدم وهذا اختيار ابن جرير -رحمه الله-[41]، والتكذيب بالقرآن متضمن لما ذكر من الوعيد، فذلك أشمل، فهم كذبوا بالقرآن، وما تضمنه القرآن وأخبر به من الوعيد.

قوله تعالى: لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ [الأنعام:66] أي بحفيظ ومتسلط، وفي ذلك متاركة نسخها القتال.

هنا لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ؛ يعني: "بحفيظ متسلط، وفي ذلك متاركة" على هذا المعنى لست عليكم بحفيظ؛ فيقولون: نسختها آية السيف الآية الخامسة في سورة براءة فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ [التوبة:5]؛ ولكن هذا -والله أعلم- فيه نظر، فالنبي ﷺ يخبرهم أنه ليس بحفيظ عليهم يحفظ أعمالهم؛ وإنما يتولى ذلك الله وحده، ولا يعني ترك القتال، لكن سورة الأنعام مكية، والآيات النازلة فيها جميعًا الأصل أنها نازلة في مكة، فمثل هذه الآيات في المتاركة لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ؛ حتى يعني فيما هو صريح في ذلك، أنه لا يتعرض لهم، فهذه الأقرب أن لا يقال: إنها منسوخة، بآية السيف، وإنما يقال: ذلك بأنه يكون بحسب الحال، ففي أوقات الضعف تكون المتاركة والإعراض، وفي وقت الإمكان والقوة، يكون جهادهم، ولا يترك العمل بتلك الآيات، باعتبار أنها منسوخة، -والله أعلم-.

قوله تعالى: لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرّ [الأنعام:67] أي: غاية يعرف عندها صدقه من كذبه.

يعني: أي: "لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرّ؛ أي: غاية يعرف عندها صدقه من كذبه" يعني لكل خبر وقت يستقر فيه، وزمان لا يتقدم عنه ولا يتأخر، وغاية يتبين عندها حقه من باطله، وصدقه من كذبه، بنحو هذا قال ابن جرير -رحمه الله-[42]، لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرّ، يتضح ويستبين بعد ذلك هل هو حق أو باطل، صحيح أو غير صحيح.

قوله تعالى: يَخُوضُونَ فِي آياتِنا [الأنعام:68] في الاستهزاء بها والطعن فيها.

الخوض: أصله يكون في الماء، ثم صار يتوسع في الاستعمال في الولوج والدخول في غمرات الأشياء التي هي مجاهل، تشبيهًا لها بغمرات الماء، وبعضهم يقول: هذا مأخوذ من الخلط يَخُوضُونَ فِي آياتِنا؛ يخلطون يعني.

قوله تعالى: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ [الأنعام:68] أي: قم ولا تجالسهم، وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ [الأنعام:68]، إما مركبة من "إن" الشرطية و"ما" الزائدة، والمعنى: إن أنساك الشيطان النهي عن مجالستهم، فلا تقعد بعد أن تذكر النهي.

قوله تعالى: وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام:69] الذين يتقون هم المؤمنون.

وهو هذا الأقرب وهذا الظاهر، وبعضهم يقول: وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ؛ أن يتقون مجالسة هؤلاء، يكن حينما يتقون هذه المجالسة في حال خوض أولئك الخائضين، لكن هذا فيه بعد وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ؛ يعني: يتقون الله، فإن استعمال التقوى كثير في هذا المعنى، والقرآن يفسر بالغالب استعمالاً في القرآن.

وبعضهم يقول: يتقون ما يقع منهم من الخوض، فلا عليهم في مجالستهم، وهذا أيضًا مثل الذي قبله، وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ؛ يتقون ما يقع، فهذا تفسير له بما يتفق مع سياقه؛ يعني: بمعنى أخص من عموم التقوى، التي هي تقوى الله، ويدخل فيها عدم مجالسة هؤلاء الخائضين، وعدم القبول لخوضهم، وعدم المشاركة لهم فيه، كل هذا داخل في التقوى؛ فتقوى الله تقتضي ترك ذلك والمباعدة منه.

ومن أهل العلم من نظر إلى السياق، وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ؛ يتقون يعني ما يقع من هؤلاء من الخوض، فلا عليم في مجالستهم، هذا قاله ابن جرير -رحمه الله-، وقال: "ولكن ليعرضوا عنهم حينئذ ذكرى لأمر الله، لعلهم يتقون"[43].

وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [الأنعام:69]؛ لكن كأن الذي ذكره ابن جزير -رحمه الله- تفسير التقوى عمومًا بمعناها، يقول: وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ، يعني من أهل الإيمان، الذين يتقون الله -تبارك وتعالى- فيتضمن ما ذكره ابن جرير.

والضمير في حسابهم للكفار المستهزئين، والمعنى: ليس على المؤمنين شيء من حساب الكفار على استهزائهم وضلالهم.

يعني إذا اجتنبوهم فلم يخالطوهم كما يقول ابن كثير[44]؛ لأنه الإنكار بالقلب يقتضي مفارقة المنكر، والله -تبارك وتعالى- يقول: فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ [النساء:140]؛ ويقول: إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ [النساء:140].

وفي نسخة: وإضلالهم.

يصح وإضلالهم وضلالهم لا إشكال.

وقيل: إن ذلك يقتضي إباحة جلوس المؤمنين مع الكافرين؛ لأنهم شق عليهم النهي عن ذلك إذ كانوا لا بد لهم من مخالطتهم في طلب المعاش، وفي الطواف بالبيت وغير ذلك، ثم نسخت بآية النساء وهي: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ.. [النساء:140] الآية؛ وقيل: إنها لا تقتضي إباحة القعود.

يعني باعتبار كما ذكر ابن جرير[45]، في حال اتقاء الخوض فقط وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ.. [الأنعام:69]؛ يعني إذا خالطوهم وجالسوهم لكن في غير حال الخوض، فيكون إباحةً لمجالستهم، لكن الذي يظهر -والله أعلم-، لو قيل بأن ذلك وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [الأنعام:69]؛ أن المؤمنين لا يطالبهم من خوض أولئك الخائضين شيء، ولا يضرهم إذا كانوا يتقون، ومن التقوى ألا يجالسوهم في حال خوضهم، وأما المجالسة في غير حال الخوض، فذلك يكون بحسب ما تقتضيه المصلحة، فقد يجالسهم لمصلحة أخروية من دعوتهم، وقد يجالسهم في مصلحة دنيوية كالبيع والشراء ونحو ذلك في غير خوضهم، يعني في وقت آخر.

قوله تعالى: وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [الأنعام:69]؛ فيه وجهان:

أحدهما: أن المعنى ليس على المؤمنين حساب الكفار، ولكن عليهم تذكير لهم ووعظ، وإعراب ذكرى على هذا نصب على المصدر، وتقديره: يذكرونهم ذكرى.

أو ذكروهم ذكرى، ولكن ذكرى، ذكروهم ذكرى، يعني: ولستم مسؤولين عنهم وعن خوضهم؛ فالله يتولاهم، ولكن عليكم التذكير، عليكم النصح.

أو رفع على المبتدأ تقديره: عليهم ذكرى، والضمير في لعلهم عائد على الكفار.

ويحتمل أيضًا أن يكون خبرًا لمبتدأ معروف، هو ذكرى، ولكن ذكرى، ولكن هو ذكرى، أي الواجب ذكرى، أو هذا ذكرى، يعني النهي عن مجالستهم ذكرى، والجملة معطوفة بالواو على جملة وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى...

والضمير في "لعلهم" عائد على الكفار؛ أي: يذكرونهم رجاء أن يتقوا، أو عائد على المؤمنين، أي: يذكرونهم ليكون تذكيرهم ووعظهم تقوًا لله.

والوجه الثاني: أن المعنى ليس نهي المؤمنين، عن القعود مع الكافرين، بسبب أن عليهم من حسابهم شيء، وإنما هو ذكرى للمؤمنين، وإعراب ذكرى على هذا خبر ابتداء مضمر تقديره: ولكن نهيهم ذكرى، أو مفعول من أجله، تقديره: إنما نهوا ذكرى، والضمير في لعلهم على هذا، للمؤمنين لا غير.

الأول أقرب -والله أعلم-، ويدل عليه السياق.

  1. تفسير الطبري (5/402).
  2. تفسير الطبري (9/260).
  3. أخرجه مسلم، كتاب فضائل الصحابة ، باب في فضل سعد بن أبي وقاص ، برقم (2413).
  4. أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (6/415)، برقم (32518).
  5. أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (4/75)، برقم (3693).
  6. تفسير الطبري (9/269-270).
  7. تفسير ابن كثير (3/259).
  8. تفسير ابن كثير (3/259).
  9. تفسير الطبري (9/272).
  10. التفسير الوسيط للواحدي (2/274)، والوجيز للواحدي (ص:356).
  11. أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، باب {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ} [هود:7]، {وَهُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ} [التوبة:129]، برقم (7422)، ومسلم، كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله -تعالى- وأنها سبقت غضبه، برقم (2751)، واللفظ للبخاري.
  12. تفسير الطبري (9/262)، وتفسير ابن كثير (3/261).
  13. تفسير الطبري (9/262)، وتفسير ابن كثير (3/261).
  14. مجموع الفتاوى (15/276).
  15. مجموع الفتاوى (15/277).
  16. تفسير ابن كثير (3/264).
  17. تفسير الطبري (9/279).
  18. تفسير ابن كثير (3/264).
  19. تفسير الطبري (9/279).
  20. تفسير ابن كثير (3/264).
  21. أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله -تعالى-: {عَالِمُ الغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا} [الجن:26] ...، برقم (7379).
  22. أخرجه أبو داود، كتاب السنة، باب في القدر، برقم (4700)، والترمذي، أبواب تفسير القرآن عن رسول الله ﷺ، باب ومن سورة ن، برقم (3319)، وأحمد في المسند، برقم (22707)، وقال محققوه: "حديث صحيح، وهذا إسناد ضعيف لضعف عبد الله بن لهيعة"، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (2017).
  23. تفسير الطبري (9/285).
  24. تفسير ابن كثير (3/266).
  25. تفسير الطبري (9/287).
  26. تفسير ابن كثير (3/266).
  27. تفسير الطبري (9/287).
  28. تفسير ابن كثير (3/266).
  29. تفسير ابن كثير (3/267).
  30. تفسير ابن كثير (3/267).
  31. أخرجه ابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر الموت والاستعداد له، برقم (4262)، وأحمد في المسند، برقم (8769)، وقال محققوه: "إسناده صحيح على شرط الشيخين"، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (1968).
  32. أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: {قُلْ هُوَ القَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ}[الأنعام:65] الآية، برقم (4628)، وبرقم (7313)، في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب في قول الله تعالى: {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا} [الأنعام:65].
  33. تفسير الطبري (9/300).
  34. انظر: تفسير ابن كثير (3/275-276).
  35. التفسير الوسيط للواحدي (2/285).
  36. تفسير ابن عطية (2/303).
  37. تفسير القرطبي (7/11).
  38. تفسير ابن كثير (3/277).
  39. التحرير والتنوير (7/287).
  40. تفسير السعدي (ص:260).
  41. تفسير الطبري (9/311).
  42. تفسير الطبري (9/311).
  43. تفسير الطبري (9/316).
  44. تفسير ابن كثير (2/435).
  45. تفسير الطبري (7/603).

مواد ذات صلة